صباح يوم الثلاثاء التاسع عشر من آذار/مارس 2025، نشرت صحيفة إيل فوليو (El Foglio) الإيطالية عددها اليومي الورقي. لم يكن العدد يختلف عن الأعداد اليومية الأخرى التي تنشرها الصحيفة إلا في أمرٍ واحد: أن العدد بأكمله كتبه الذكاء الاصطناعي! لم يكتب الذكاء الاصطناعي محتوى الصحيفة فحسب، بل قام بوظائف تحريرية عليا، مثل اختيار العناوين الرئيسة والاقتباسات. وصرح كلاوديو سرسا (Claudio Cerasa)، رئيس تحرير الصحيفة، أن «هذا العدد من الصحيفة سيكون أول صحيفة يومية في عالم الصحف الإخبارية يصنعها الذكاء الاصطناعي كاملة»‏[1].

يبدو هذا الحدث أشبه بقصة خيال علمي، لكنه حقيقة واقعة، ولا يعدو أن يكون ملمحًا من ملامح زمن بلاغي جديد، يمكن أن ندعوه زمن «الآلة البليغة». تطرح الآلة البليغة إشكالات معرفية مركبة ذات صلة بعلم البلاغة. فقدرة الآلة على إنتاج كلام بليغ، وأدائه، وتحليله، وتقييمه، تفرض إعادة النظر في وظائف علم البلاغة، وكيفية تطويعه ليتلاءم معها. هذا البحث مخصص للتعامل مع الإشكالات المتعلقة بالفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي للبلاغة العربية، والتحديات والمخاطر التي يحملها. يتبنى البحث مقاربة نقدية؛ هدفها تقييم واقع الآلة البليغة، واستشراف التحديات والمخاطر التي يفرضها. يبدأ البحث بتعريف مصطلح الآلة البليغة، ثم يقدم مراجعة نقدية للكتابات المنجزة حول الذكاء الاصطناعي والبلاغة. يخصص البحث ثلاثة أقسام لفحص الإمكانيات البلاغية للذكاء الاصطناعي في السياق العربي، وتحدياته ومخاطره، ويُختتم بنتائج وتوصيات.

أولًا: الآلة البليغة: الجنّي الذي خرج من القمقم!

«الآلة البليغة» تعبير يثير مفارقة أوجدها التطوُّر المذهل في الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القليلة الماضية؛ فالبلاغة عُدَّت دومًا خصيصة من خصائص البشر، يمتازون بها من غيرهم من الكائنات، ولا سيَّما الجمادات، فحسن القول هو التجلي الساطع لامتلاك القدرة على التفكير والكلام، وكلاهما عُدَّا الصفتين المميزتين للإنسان (المفكر الناطق). لكن الآلة تمكنت بالفعل من محاكاة البشر في قدرتهم على إنتاج خطابات بليغة. وإذا كان الشعر هو النوع البلاغي الأدبي الأسمى، فإن ما يُنتجه الذكاء الاصطناعي من أشعار لا يمكن تمييزه من الشعر البشري فحسب، بل إنه قد يحظى باستحسان أكبر من المتلقّين‏[2]. ولا يقتصر الأمر على الشعر، بل يمتد إلى أنواع أدبية أخرى مثل السرد الأدبي القصصي والروائي؛ ففي تجربة أجراها رافلر وغرين‏[3] توصلا إلى أن المشاركين فضلوا الأعمال السردية التي كتبها الذكاء الاصطناعي على التي كتبها أدباء كبار، وأن تقييم واحدة من المجموعتين المفحوصتين لما كتبه الذكاء الاصطناعي كان أكبر من تقييمهم قصص كبار الكتّاب البشريين.

لم تتوقف مقدرة الذكاء الاصطناعي عند مستوى صوغ نصوص وكلام بليغ فحسب، بل تجاوزته إلى محاكاة الأداء البشري لهذه النصوص من طريق خلق «بشر» رقميين، يؤدون الكلام بنبرات صوت، وتعبيرات وجه، وإشارات حركية، وأوضاع وقوف وحركة لا تكاد يمكن تمييزها من البشر الحقيقيين. وفي الوقت الراهن لا يكاد يوجد سقف لما يمكن الآلة إنتاجه على مستوى الذكاء الاصطناعي البلاغي؛ فالآلة البليغة تُنتِج نصوصًا أدبية عليا، مثل الشعر والرواية والقصة القصيرة وغيرها، كما تحاكي النوع البلاغي الأصعب على التقليد وهو الخطابة التي تتطلب عنايةً بالسياق، ومراعاةً للجمهور، وتوظيف تقنيات أداء بارعة.

لقد تمكَّن الذكاء الاصطناعي من تقديم محاكاة مصنوعة مرئية لما ينتجه البشر من خطابات بليغة، وليست المحاكاة هنا بمعنى التقليد، فما تقدمه الآلة البليغة هو – حرفيًّا – إنتاج بليغ جديد يشبه ما ينتجه البشر، كل ما في الأمر هو أنه نتاج آلات رقمية وبرمجيات تعلُّم عميق؛ فيظهر على الشاشات – على سبيل المثال – صوت إنسان وصورة إنسان وكلام إنسان، لكنها جميعًا مصنوعة. وعلى الرغم من أن مادتها مؤلَّفة من مواد أخرى، فإنها في الآن نفسه مبتدعة، إذ تعمل بطريقة قريبة من طريقة الإبداع البشري التي يستند فيها المبدع إلى ذخيرة خطابية من الإبداعات السابقة، بعد أن يكون قد هضم خلاصاتها، وأبدع استنادًا إلى إرثها.

لقد شرع البشر في إدماج منتجات بلاغة الآلة في «سوق» التداول البلاغي، فهناك منصّات لإنتاج بلاغة الآلة من نصوص وكلام وأداءات، ومنصّات أخرى لنشرها، وتداولها. وظهرت أنواع من الاختصاص الدقيق في منصّات الإنتاج والتوزيع؛ فإذا كنت تبحث عن أداة إنتاج روايات أدبية يمكنك الاستعانة بـ Squibler، أو Jasper AI، أو Sudowrite، أو Sonic white، أو Magic write. أما إن كنت تبحث عن أداة إنتاج خطب فعليك أن تحدد نوع الخطبة التي تود أن يكتبها الذكاء الاصطناعي لك، ثم تذهب إلى الآلة المتخصصة في إنتاجها. فإن كنت تود كتابة خطبة سياسية يمكنك الاستعانة بأدوات مثل Politicalmarketer، أما إن كنت بحاجة إلى خطبة تلقيها في حفل زواج صديقك أو أخيك فيمكن أن تستعين بـCelebrateally، وهلم جرًّا. وإذا أردت أن توفر جهدك فيمكنك الذهاب إلى آلات يمكنها إنتاج خطب في موضوعات متنوعة مثل Hyperwriteai، أو Speechgenerator.

لقد أصبحت مثل هذه الخدمات متاحة للمستعمل الراغب في إنتاج نصوص وخطابات بليغة بالعربية. توفر أدوات مثل (كاتب https://katteb.com/ar) وعربي إيه آي (https://www.araby.ai/) أدوات عامة للكتابة العربية بالذكاء الاصطناعي. لكن هناك أدوات أخرى متخصصة؛ فالراغب في الحصول على أشعار فصيحة يمكنه الاستعانة بأداة إنشاء القصائد التي يتيحها جيمناي Gemini التابع لشركة غوغل. فإن أراد الحصول على أشعار نبطية، مكتوبة بالعاميات الخليجية، يمكنه الحصول عليها من موقع (شاعر إيه آي https://www.shairai.com)، الذي يقدم برنامجًا مدفوعًا مختصًا بكتابة الشعر النبطي في ثلاث موضوعات؛ هي الغزل والمدح والهجاء. أما المعني بالكتابة الأكاديمية في إمكانه الاستعانة بالجنّي (https://jenni.ai/ar).

يُمكن أن نلخِّص ما يسع الآلة البليغة الراهنة فعله بالإشارة إلى حدث يُمثِّل علامةً على التحول العاصف في إنتاج الخطابات الآنية البليغة هو تقديم ChatGPT المراسمَ الدينية في كنيسة بروتستانية في مدينة فيرث (Fürth) الألمانية. فقد ألقت الآلة الخطبة، وأدت التراتيل، والصلوات، خدمةً لثلاثمئة مصلٍّ جمعهم المكان. واتخذت الآلة صورة رجل رقمي ملوَّن، ولَّفَت ملامحه، وصوته، وحركاته من قاعدة البيانات لديها. وبدت تجربة أداء الذكاء الاصطناعي مهمةَ الخطيب الواعظ مشابهة في مظهرها للخبرات المماثلة، التي تستضيف فيها الكنيسة خطيبًا واعظًا من بُعد. الفارق الوحيد أن رجل الدين الضيف هذه المرة لم يكن سوى آلة بليغة‏[4].

أصبحت الآلة قادرة على القيام بدور المتحدث والكاتب البليغ، بعدما تمكنت قبل سنوات من القيام بجزء معتبر من مهمات الباحث البلاغي؛ فقبل طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي يسّرت مهمة إنتاج كلام بليغ، تمكنت من تحليل النصوص البليغة والتعرف إلى خصائصها البلاغية، وتصنيفها، وتحديد أساليبها المجازية من استعارات وتشبيهات وكنايات… إلخ‏[5]. كما حاولت اكتشاف العلاقات بين الأساليب الأدبية المختلفة داخل النصوص وتقييم كثافتها المجازية. ومع تطور الذكاء الاصطناعي برعت الآلة في أداء مهمة الباحث البلاغي، وأصبحت قادرة على كتابة تحليلات ومراجعات نقدية لأي نص أو عمل بلاغي، وتقديم ملاحظات وانتقادات وجيهة جدًّا تكاد تتجاوز دقتها – في بعض الأحيان – ما يمكن البشر العاديين تقديمه. وغدت الآلة خبيرًا محنّكًا في تحليل النصوص البلاغية ونقدها! وبرزت في هذا السياق مشروعات ذكاء اصطناعي ماهرة في التحليل البلاغي مثل DocuScope، الذي تطوره جامعة كارنيغي ميلون منذ عام 1998، وأصبح قادرًا على تقديم تحليلات بلاغية كمية وكيفية جديرة بالإعجاب‏[6]. ويطرح تمكُّن الآلة البليغة من أداء معظم المهمات البلاغية التقليدية تساؤلات جذرية عن مصير هذا العلم، ودراسته، وتدريسه، حاولت بعض الدراسات السابقة الإجابة عنها.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 571 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 571 أيلول/ سبتمبر 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 571 في أيلول/سبتمبر 2026.

عماد عبد اللطيف: أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب في قسم اللغة
العربية، كلية الآداب والعلوم – جامعة قطر.

[1] انظر افتتاحية العدد على موقع المجلة <https://edicoladigitale.ilfoglio.it> (تاريخ الدخول 19 آذار/مارس 2025).

[2] Brian Porter and Edouard Machery, «AI-generated Poetry is Indistinguishable from Human-Written Poetry and is Rated More Favorably,» Scientific Reports, vol. 14, no. 1 (2024), <https://doi.org/10.1038/s41598-024-76900-1>.

[3] Gavin Raffloer and Melanie C. Green, «Of Love and Lasers: Perceptions of Narratives by AI Versus Human Authors,» Computers in Human Behavior: Artificial Humans, vol. 5 (June 2025). Article no. 100168.

[4] درس سيمرلين الأثر الذي أحدثه أداء ChatGPT في جموع المصلين في الكنيسة، فقد جمع بيانات عن آراء المشاركين في الصلوات مستعملًا ثلاثة استبيانات. ووجد أن معظم استجابات المشاركين كانت متشككة في قدرة حلول الذكاء الاصطناعي محل رجال الدين في أداء الصلوات، لكن البعض أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي ترك فيهم تأثيرًا روحيًّا. انظر: Jonas Simmerlein, «Sacred Meets Synthetic: A Multi-method Study on the First AI Church Service,» Review of Religious Research, vol. 66, no. 2 (2024), pp. 1–20.

[5] Marie Dubremetz and Joakim Nivre, «Machine Learning for Rhetorical Figure Detection: More Chiasmus with Less Annotation,» (Proceedings of the 21st Nordic Conference on Computational Linguistics, 23–24 May 2017).

[6] للاطلاع على ما يمكن دوكسكوب إنجازه من تحليلات بلاغية يمكن زيارة صفحته الرسمية على: <https://www.cmu.edu/dietrich/english/research-and-publications/docuscope.html>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز