مقدمة
[1]يعَدّ الإعلام بمختلف وسائله المسموعة والمرئية والمكتوبة سلاحًا ذا حدَّين تستخدمه الدول والجماعات الضاغطة وأصحاب المال الخاص لأجل خدمة مصالحهم وأهدافهم الاستراتيجية، سواء تعلق الأمر بالقضايا المحلية أو بالقضايا الدولية، وقد أثبتت التجارب الواقعية أنّ الإعلام بمختلف وسائله التقليدية والجديدة له دور محوري في الحرب النفسية، حيث تستخدمه أغلب الدول إلى جانب السلاح العسكري، وقد يكون سلاح الإعلام الخيار المفضل لدى الكثير من الدول والجماعات لقوة تأثيره على الرأي العام، فمن يتحكم في الصناعة الإعلامية سيجعل العالم يتحرك وفقًا لخططه وقراراته، وقد نجحت الدول الأوروبية وأمريكا وروسيا والصين في توظيف الإعلام في حروبها النفسية منذ الحربين العالمية الأولى والثانية لغاية الحرب الروسية – الأوكرانية، حيث استخدمت الدعاية الإعلامية في عدة مجالات، فلم تقتصر على المجال السياسي والأمني، وإنما استخدمتها عدة دول في المجال الثقافي والرياضي لأجل التأثير في الرأي العام العالمي في قضايا كثيرة.
والمتابع للشأن الرياضي في السنوات الأخيرة يلاحظ أن أغلب وسائل الإعلام العالمية تتحدث عن تنظيم تظاهرة كأس العالم 2022 في دولة عربية مسلمة، وهذا يعَدّ حدثًا استثنائيًا، لأنّ فوز قطر بشرف تنظيم هذا الحدث العالمي يعَدّ إنجازًا تاريخيًا في ظل المنافسة من طرف الدول الكبرى التي لها من الإمكانيات ما يسمح بتنظيم هذه البطولة بسهولة ومن دون ضغوط كبيرة عليها. إلا أنّ دولة قطر تحدت الجميع وقدمت ملفًا قويًا يستجيب لكل متطلبات تنظيم كأس عالمية بمعايير دولية وقامت بالترويج لهذا المشروع باستخدام مختلف وسائل الإعلام التقليدية والجديدة، وهو ما جعل الأنظار تتجه نحو هذا البلد العربي الصغير من حيث المساحة والسكان، وقد حاولت الكثير من الجهات التشكيك في قدرة دولة قطر على تنظيم هذه الكأس العالمية، ولكن ما قدمته قطر حتى الآن من مشاريع بنى تحتية ضخمة أثبت أنّ دولة قطر قادرة على تنظيم هذه التظاهرة الرياضية بصورة مختلفة تمامًا عن التظاهرات السابقة. وهذه المؤشرات الدالة على النجاح جعلت الكثير من الوسائل الإعلامية تشيد بما قدّمته قطر لأجل تنظيم هذه التظاهرة الرياضية. في المقابل ذهبت بعض وسائل الإعلام الأجنبية وخصوصًا في فرنسا وعدد من الدول الأوروبية إلى مهاجمة قطر من خلال التشكيك في قدرتها على تسيير هذه المنافسة واستيعاب الجماهير الرياضية والنبش أيضًا في ملفات قديمة تتعلق بعملية بناء الملاعب وتشييدها، وهذا ما دفعنا إلى القيام بهذه الدراسة العلمية بهدف الوقوف عند أنماط وأساليب معالجة وسائل الإعلام الفرنسية المكتوبة لملف تنظيم دولة قطر لكأس العالم 2022، من خلال تحليل عيّنة من الصحف التي تصدر في فرنسا.
أولًا: الإطار المنهجي
1 – مشكلة الدراسة: تناولت الصحف الفرنسية في الأشهر القليلة التي سبقت انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 أخبارًا وأحداثًا وتعليقات ومقالات وتحقيقات جمّة لها علاقة بتنظيم دولة قطر لكأس العالم. ولعل اللافت للنظر في هذه التغطيات الإخبارية خروجها عن الأطر القيمية لمعالجة الأخبار في أي مؤسسة إعلامية، وعدم الالتزام أيضًا بأخلاقيات الممارسة الإعلامية في نقل الأخبار بكل صدقية وموضوعية ونزاهة؛ حيث اتجه الكثير من وسائل الإعلام الفرنسية المكتوبة إلى اتهام قطر واستخدام أسلوب تصيُّد الأخطاء التقنية والفنية والتركيز على النقاط السلبية وإهمال العناصر الإيجابية في القضية، وإقصاء الطرف الثاني من المعالجة الإخبارية في الملفات المتعلقة بتنظيم قطر لكأس العالم، وهذا السلوك الإعلامي يخرق القواعد والمعايير المهنية، حيث يضرب صدقية هذه الصحف في معالجتها لمثل هذه الأخبار قبل شهر من تنظيم دولة قطر لكأس العالم 2022، كما يطرح تساؤلات واستفهامات حول الدافع وراء هذه الاتهامات ومن يحرّك أيضًا هذه الحرب الدعائية ضد قطر. وبالعودة قليلًا إلى الماضي يمكننا معرفة الخلفيات والدوافع التي تحرّك الإعلام الأجنبي وتعطي مبررات للهجوم على أي حدث أو قضية لها علاقة بالمسلمين والعرب، فقضية تنظيم كأس العالم من طرف دولة قطر تعَدّ قضية من بين القضايا التي تناولها الإعلام الفرنسي بطريقة غير مهنية، وهذا يعَدّ تعديًا على أخلاقيات مهنة الصحافة.
وهذا ما دفعنا إلى إجراء هذه الدراسة العلمية، لأجل الكشف عن أنماط وأساليب معالجة الصحف الفرنسية لمختلف القضايا المتعلقة بتنظيم تظاهرة كأس العالم في قطر.
2 – أسباب الدراسة: اقترب موعد تنظيم تظاهرة كأس العالم لأول مرة في دولة عربية مسلمة، ومع اقتراب الموعد بدأت معالم جاهزية دولة قطر تتضح للعيان على أرض الواقع، حيث تجاوزت كل العقبات والصعوبات والتحديات التي واجهتها على مختلف الجبهات، ورفعت التحدي لأجل استقبال كأس العالم على الأراضي القطرية، وقد أبرز الإعلام القطري والعربي في السنوات الأخيرة المنجزات التي حققتها دولة قطر من ملاعب وطرق وبنى تحتية وفنادق ومدن جديدة وأماكن للترفيه والتسلية وغيرها من المنجزات الكبيرة التي سيكتشفها الجمهور الرياضي لأول مرة في دولة عربية مسلمة، ولكن توجد جهات كثيرة لم تعد تتحمل النجاحات التي تحققها دولة قطر لأجل تنظيم هذه التظاهرة العالمية، حيث وظفت كل الوسائل لأجل إفشال هذا العرس العالمي، ويعَدّ الإعلام الفرنسي طرفًا في هذه الحملات الدعائية، إذ مع اقتراب موعد انطلاق هذه التظاهرة شن الإعلام الفرنسي بمختلف أطيافه ووسائله حملة شرسة ضد قطر، من خلال تقديم مغالطات كثيرة في ما يتناوله من أخبار وأحداث وتحقيقات وصور، ومحاولة التشكيك في قدرتها على تنظيم هذه التظاهرة العالمية، حيث ركز في حملته الدعائية على ملفات كثيرة منها قضية العمالة الأجنبية وملف الظروف المناخية أيضًا، ثم قضية المنشآت والفنادق وغيرها من الملفات التي يدّعي الإعلام الفرنسي بأن قطر ليست جاهزة لأجل تنظيم هذه التظاهرة. وهذا ما دفعنا إلى متابعة ما تقدمه الصحافة الفرنسية المكتوبة عن تنظيم دولة قطر لكأس العالم ومعرفة طبيعة المعالجة الإعلامية وكشف الخلفيات التي تقف وراء هذه الحملات الدعائية ضد بلد عربي مسلم نال شرف تنظيم كأس العالم لأول مرة في التاريخ.
3 – أهداف الدراسة: نهدف من وراء إجراء هذه الدراسة العلمية التحليلية الكشف عن دوافع الإعلام الفرنسي في شن حملة دعائية ضد دولة قطر المنظمة لتظاهرة كأس العالم 2022، ومعرفة نوعية القضايا التي تحاول التركيز عليها في محاولة للتشكيك في قدرات دولة قطر على تنظيم هذه التظاهرة، كما نسعى إلى معرفة الخلفيات التاريخية والسياسية والدينية والثقافية التي تحاول أن تبرر بها وسائل الإعلام الفرنسية حملتها الشرسة ضد قطر قبل شهر من تنظيم كأس العالم، إضافة إلى معرفة نوعية الأطر الإعلامية المستخدمة في معالجة القضايا المتعلقة بتنظيم دولة قطر لدى مختلف الصحف عيّنة الدراسة، ونختتم هذه الدراسة بمعرفة طبيعة الأهداف التي تسعى لها هذه الصحف الفرنسية ومن يقف من وراء هذه الحملات الدعائية.
4 – منهج الدراسة: اعتمدنا في دراستنا على منهج تحليل المحتوى الكيفي لأجل تفريغ البيانات من عيّنة الدراسة. يعرف هذا المنهج بأنه: «التحليل المتعمق للمحتوى بما يتيح توضيح الأفكار العامة والتفصيلية فيه، وما يكمن وراءها من معان ودلالات والوصول إلى وصف شامل للموضوع، مع تدعيم هذا الوصف باستنتاجات سليمة واستدلالات منطقية. فالتركيز هنا يكون على الأفكار والمعاني والاستنتاجات لا على الخصائص الكمية[2]. وقد تم تحليل عيّنة من الصحف الفرنسية الآتية: لوموند، لوفيغارو، ليكيب، ليبراسيون، في الحقبة الزمنية الممتدة ما بين 15 أيلول/سبتمبر 2022 و15 تشرين الأول/أكتوبر 2022، لأجل معرفة كيفية تعاطي الإعلام الفرنسي المكتوب مع مختلف القضايا التي لها علاقة بكأس العالم التي ظفرت بتنظيمها دولة قطر في الحقبة الممتدة بين 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2022 و18 كانون الأول/ديسمبر 2022، وسيتم التركيز على التحليل، الكيفي من خلال إبراز عدة فئات مهمة في التحليل منها: طبيعة الموضوعات التي تناولتها الصحف الفرنسية محل الدراسة، وطبيعة المصادر المعتمدة في التغطية الصحافية، ومعرفة الخلفيات السياسية والتاريخية من وراء هذه التغطية الإعلامية، إضافة إلى معرفة طبيعة الأطر الإعلامية المستخدمة في تناول الأحداث المتعلقة بكأس العالم في قطر، ومعرفة موقف هذه الصحف من تناولها مثل هذه القضايا قبل تنظيم كأس العالم بأشهر قليلة، ومعرفة الفاعلين في مثل هذه القضايا، والجمهور المستهدف، ونختتم الدراسة بمعرفة الأهداف من هذه المعالجة الإعلامية وعلاقتها بالسياسة التحريرية لكل صحيفة.
5 – أدوات جمع البيانات: اعتمدنا في دراستنا على أداة الملاحظة العلمية واستمارة تحليل المحتوى الكيفي في تجميع البيانات من مجتمع الدراسة والمتمثل بعيّنة من الصحف الفرنسية، حيث تم توظيف أداة الملاحظة في متابعة الموضوعات الصحافية التي لها علاقة بتنظيم كأس العالم في قطر من خلال ما يُنشر في الصحف الفرنسية خلال الحقبة الزمنية الممتدة ما بين 15 أيلول/سبتمبر 2022 و15 تشرين الأول/أكتوبر 2022، وقد تم تسجيل عدد معتبر من الملاحظات سيتم اعتمادها في تحليل وتفسير البيانات التي تم الحصول عليها باستخدام منهج تحليل المحتوى الكيفي الذي يعدّ أيضًا من بين الأدوات العلمية التي تم الاعتماد عليها في تفريغ البيانات وتصنيف الأفكار التي احتوت عليها المادة الصحافية. ويعَدّ منهج تحليل المحتوى الكيفي من بين المناهج العلمية المستخدمة في البحوث الكيفية التي تركز على تحليل البيانات في ضوء الدراسات السابقة والمقاربات النظرية.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 529 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
[1]نشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 529 في آذار/مارس 2023.
محمد الفاتح حمدي: جامعة قطر.
فيصل إزدارن: أستاذ محاضر – باريس.
هشام عكوباش : جامعة قطر.
[2] بركات عبد العزيز، مناهج البحث الإعلامي (القاهرة: دار الكتاب الحديث، 2012).
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



؟](https://caus.org.lb/wp-content/uploads/2026/11/The-2019-Hirak-movement-in-Algeria-uai-258x172.jpg)