توطئة

لا أعتقد أن هناك أمة اهتمت بمسائل السياسة وأصول الحكم وصلاحيات الحاكم ومهمات السلطة وشؤون الملك، وناقشت علاقة الدين بالدولة، والشريعة بالقانون وكل ما يتعلق بقضايا الخلافة والدولة والأمة والمدينة والجماعة والاجتماع السياسي مثل أمة العرب، ومعها أمة الإسلام، منذ مئات السنين، وتحديدًا منذ مؤتمر سقيفة بني ساعدة.

نحن نزعم أن هذه القضايا وتلك المسائل، قد أثارت اهتمام الجماعة الإسلامية، وجعلت العرب والمسلمين يفكرون في المشكلات التي تطرحها والحلول المناسبة لها، وكان النقاش والتفكير والكتابة في هذه القضايا أحيانًا في السر وأحيانًا في العلن، أحيانًا في خطاب صريح وأحيانًا في خطاب فيه قدر كبير من التلميح. ومن القضايا التي نالت حصة الأسد من التفكير والنقاش والتأليف، هي علاقة الإسلام بالسياسة، وعلاقة الدين بالدولة، والسؤال الذي يتردد في مناقشات كتابات كهذه هو: هل كان الإسلام دعوةً دينيةً أم مشروعًا سياسيًّا أم كان دعوةً دينية ومشروعًا سياسيًا في الوقت نفسه؟

هذه الدراسة مُكرَّسة كُلَّها لتحليل هذا السؤال والإجابة عنه، وهي تنطلق من مجموعة فرضيات: أولها، لا يمكن الفصل في التاريخ السياسي العربي – الإسلامي بين ما قبل الإسلام وما بعد الإسلام؛ ثانيها أن هناك ثغرة دستورية، فالنص الديني قرآنًا وسنة، لم يتطرق صراحة إلى قضايا السياسة والدولة والسلطة والحكم والخلافة، وحتى الكلمات والعبارات ذات الصلة بهذه القضايا كانت خاضعة دوما للتأويل؛ وثالثة الفرضيات هي أنه رغم خلو النص الديني من أمور السياسة، فإن تجربة الإسلام التاريخية تقدم الكثير من الشواهد على مركزية المسألة السياسية.

ومن المفيد أن نذكر أنه قد ساد في الجزيرة العربية التنظيم الاجتماعي العشائري/القبلي، حيث على رأس كل عشيرة أو قبيلة، سلطة (pouvoir) ممثلة برئيس القبيلة الذي يمتلك لا النفوذ السياسي  فقط بل والثروة المادية أيضًا، وبعبارة أدق كانت هناك سلطة سياسية تجمع في يد واحدة، السلطة والثروة، هذه السلطة في مكة كانت تجلت بصورة واضحة في ما يسمى تاريخيًا «الملأ» و«دار الندوة» التي تحكم مدينة مكة ولها السيادة على قبيلة قريش، وفي الوقت نفسه ترعى شؤون الكعبة‏[1]. ولا بد من التنبيّه كذلك إلى مسألة شديدة الأهمية، وهي أن مجموعة العشائر التي كانت تعيش في مدينة مكة، ورغم وجود «الملأ»، كانت هناك سلطة، فلا تخلو جماعة بشرية من وجود سلطة، لكنها كانت تفتقد السلطة المركزية، أي ما كان غائبًا عند العرب وقتذاك هو – وبلغة العصر – المؤسسة السياسية، مؤسسة الدولة، ونحن نعرف العلاقة الماهوية بين الدولة والسلطة المركزية. ومن البديهي القول، إن السلطة تتمثل بالقانون، الذي يمنع ويعاقب ويضبط سلوك الأفراد والجماعات.

وغني عن البيان القول إن الدولة، بالمفهوم الحديث، وكما تبلور نموذج الدولة الحديثة في القرون الأربعة الأخيرة في أوروبا أولًا، ثم انتشر في العالم ثانيًا، هي القانون أولًا، وتطبيق القانون ثانيًا، وتطبيق القانون على الجميع ثالثًا، وعندما يطبق القانون على الجميع يتحقق العدل.

أولًا: تداخل الديني في السياسي

ما لا شك فيه أن أي باحث في التاريخ العربي – الإسلامي لا بد من أن يتوقف طويلًا في عصر ما قبل الإسلام، المسمى إسلاميًا «العصر الجاهلي»، حيث كان العنصر البشري موحدًا على المستوى الاجتماعي، ثم المرور بمرحلة النبوة التي تمتد من بداية نزول الوحي في مكة عام 609م حتى وفاة الرسول في المدينة في العام العاشر للهجرة عام 632م. وفي حقبة النبوة كانت الدعوة المحمدية بمنزلة الأيديولوجيا التي منحت الجماعة العربية في مكة والمدينة والحجاز الشرعية والمشروعية، كما قامت بلحم الوحدة العرقية والدينية والسياسية، أي أدت إلى ميلاد أمة، وبعد العهد النبوي، بدأ عهد جديد هو عهد الخلفاء الراشدين الذي ينتهي عند محطة دامية هي الفتنة والحرب الأهلية‏[2]. الأمر المؤكد اليوم أن كلًا من مشكلة الخلافة والفتنة الكبرى والحرب الأهلية، هي عملية تدافع سياسي على السلطة، أدى في نهاية المطاف إلى انقسام سياسي انعكس في مواقف أيديولوجية، فما حدث هو انقسام الجماعة الإسلامية إلى أحزاب سياسية (شيعة، وسنة، ومرجئة وخوارج). ولعدة أسباب، انتقلت هذه الأحزاب في صراعها من الساحة السياسية إلى الساحة الدينية، فتحولت إلى طوائف دينية‏[3].

قبل الدخول في صلب الموضوع وهو الإسلام والدعوة والدولة، لا بد من أن نأخذ في الحسبان عدة أبعاد أدّت دورًا كبيرًا في ذلك الموضوع، وهي الجغرافيا والتاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة. ومن المعروف أن الجزيرة العربية هي أراض صحراوية وفيها سهوب وهي كلها أراض قاحلة، مع ارتفاع كبير في درجة الحرارة طوال شهور السنة، من هنا أنشأ هذا الجو الحار والمناخ القاسي المتمثل بالصحراء الممتدة والشّح في الأمطار، نمط الحياة وحدد مسار التاريخ. فالحياة كان يغلب عليها طابع البداوة مع وجود بعض الحواضر، أما النشاط الاقتصادي فيقوم على رعي الإبل، وعلى النشاط التجاري وعلى الزراعة في مناطق محدودة‏[4]. وقد اشتهرت قريش بالتجارة، التي كانت عندهم بمنزلة الرئة التي يتنفسون منها من خلال الأسواق والمواسم، وبخاصة التجارة المعروفة برحلة الشتاء والصيف إلى الشام والعراق واليمن، القائمة على نظام الإيلاف، وهو النظام الاقتصادي – السياسي الذي أطعم أهل مكة والجزيرة العربية من جوع، وآمنهم من خوف‏[5]. وفي ما يتعلق بالجانب الاجتماعي، كانت الوحدات الأساسية للاجتماع هي الفخذ والبطن والعشيرة والقبيلة، وقد تمكن عرب الجزيرة في حقبة ما قبل الإسلام من تقديم صورة عن شعور عميق ووعي كبير بالوحدة قاما على أساس روابط وقواسم مشتركة هي الدم والنسب واللغة والدين، إضافة إلى رابطتَي الولاء والتحالف (تحالف القبائل)‏[6]، وهي روابط كفيلة بخلق أمة لا بتأسيس مجتمع فقط.

من هنا كان عرب الجزيرة يعيشون في تواصل مع العالم ومع المحيط الخارجي عبر عدة طرق، أهمها طرق التجارة. واللافت للانتباه أن العرب استطاعوا في بعض الأحيان من التاريخ القيام بموجات من الهجرة نحو شمال الجزيرة، وبخاصة نحو العراق وسورية، حيث أسسوا هناك مدنًا وإمارات وممالك نذكر منها مملكة الحيرة في جنوب العراق ومملكة الغساسنة في جنوب سورية، وهناك خاضوا غمار تجربة السياسة وممارسة الملك والوعي بمعنى الدولة، ولا ننسى أن العرب كانوا بناة حضارة في اليمن‏[7]. وإذا كانت القبائل العربية قد استوطنت أرض الجزيرة مئات السنين، فإن قبيلة قريش قد عاشت في أم القرى كما وردت في النص القرآني، في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي‏[8].

والفكرة التي نروم الوصول إليها أنه يوجد تواصل وامتداد بين التاريخ السياسي لمكة والتاريخ السياسي للإسلام، فكما كانت السلطة والسيادة في يد قريش في «الجاهلية»، كانت السلطة والسيادة في يد قريش في الإسلام، وفق مبدأ «خياركم في الجاهلية.. خياركم في الإسلام». والحقيقة التي لا جدال فيها، أن مكة كانت مدينة مقدسة يحج إليها الناس من الحضر والبادية، بقصد الحج والتجارة، وقد حظيت بمكانة خاصة لا عند قريش فقط بل عند كل العشائر العربية منذ القرن الثاني بعد الميلاد بسبب وجود الكعبة، بيت الله الحرام. ومن نافلة القول، أن نسب أهل مكة يعود إلى قريش، وبالتالي كانت السلطة السياسية في مكة في أيدي عشيرة قريش في القرن السادس للميلاد، وقد حصلت قريش على هذه السلطة ومارست هذه السيطرة. بعبارة أصح أخذت السلطة من عشيرة خُزَّاعة‏[9]، فالسلطة السياسية، تُؤخذ ولا تُعطى. وتذكر كتب التاريخ أن الذي أدى دورًا كبيرًا في تغلب قريش على خزاعة والاستيلاء على مكة، وبعبارة أدق الذي «قلب نظام حكم»، عشيرة خزاعة، هو القائد السياسي المُحنك والزعيم الروحي وسيد من أكبر سادة قريش هو قُصَي بن كِلاب، وقد جمع هذا القائد العربي بين الزعامة السياسية والزعامة الروحية. بعبارة أخرى، جمع بين الدين والدولة. كما كان قصَي بن كلاب وبلغة العصر رجل دولة، وفي الوقت نفسه كان تاجرًا كبيرًا، وحَّد قريش واهتم بـ «البيت الحرام» وكَرَّس حكم قريش في مدينة مكة، وبقي الأمر كذلك حتى ظهور الإسلام عام 610 م‏[10].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 568 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 568 حزيران/يونيو 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 568 في حزيران/يونيو 2026.

مصطفى دحماني:

أستاذ الفكر العربي الحديث والمعاصر،
جامعة بشار – الجزائر.

[1] حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية – الإسلامية، 4 ج، ط 5 (بيروت: دار الفارابي، 1985)، ج 1: الجاهلية – نشأة وصدر الإسلام، ص 220.

[2] هشام جعيط، الفتنة الكبرى .. جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، ط 7 (بيروت: دار الطليعة، 2012)، ص 5.

[3] مصطفى دحماني، «العدل عند الجماعات في الإسلام: من التدافع السياسي إلى الصراع الإيديولوجي،» المستقبل العربي، السنة 46، العدد 531 (أيار/مايو 2023).

[4] جواد علي، تاريخ العرب قبل الإسلام (بيروت: دار الحداثة، 1983)، ص 82.

[5] رضوان السيد، الأمة والجماعة والسلطة: دراسات في الفكر السياسي العربي الإسلامي، ط 5 (بيروت: دار جداول للنشر والتوزيع، 2011)، ص 30.

[6] مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية – الإسلامية، ج 1: الجاهلية – نشأة وصدر الإسلام، ص 208.

[7] جعيط، الفتنة الكبرى .. جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، ص 11.

[8] مروة، المصدر نفسه، ص 221.

[9] علي، تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 48.

[10] المصدر نفسه، ص 49.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز