مقدمة

تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن تساؤل رئيسي هو: كيف يمكن الأدب النسوي العربي أن يعيد صوغ مفهوم الحريم (المجال الخاص) والكشف عن رمزياته في المجتمع العربي على نحو مغاير عن الرؤية التي تصدرها النظرية النسوية الغربية؟ ويتم ذلك بتحليل مضمون كتابات كل من فاطمة المرنيسي وآسيا جبار بالتركيز على ما تستند إليه النظرية النسوية الأدبية من ركيزتين وهما النقد، وتقديم معرفة بديلة للمعارف والنظام القائم. تهدف الدراسة ذلك إلى محاولة الكشف عما قدمه التوظيف الأدبي والفكري لهما في التنظير النسوي العربي من تغيير وتأثير موقع معرفة الكاتبات محل الدراسة؛ فقد اتجهت الصور الممثلة للحريم والمنتجة بواسطة المستشرقين والمستعمر إلى تكريس علاقة نمطية بين نساء شمال أفريقيا والقيود المحلية المرتبطة بالمنزل، وهو ما تحدته بعض الكاتبات في شمال أفريقيا وقد كان أبرزهما: المرنيسي وجبار.

ومن الملاحظ اهتمام المرنيسي وجبار بعمق بصوغ، أو بالأحرى بإعادة صوغ، مفهوم الحريم في إنتاجهما الأدبي والفكري، وجاء أبرزها كخبرة ذاتية ومعايشة مباشرة أوردتاها في روايتهما وسيرتهما الذاتية: أحلام النساء الحريم: حكايات طفولة في الحريم[4] للمرنيسي والحب والفانتازيا: موكب جزائري[5] لجبار. من هنا يسعى هذا التحليل إلى فحص ديناميات المكان (الحريم) وتقديم فهم أشمل من موقع المرأة العربية لا المستعمر أو المستشرق لسياق شمال أفريقيا وأوضاع المرأة فيه.

وعليه، تنقسم الدراسة إلى أربعة مباحث رئيسية، يتناول المبحث الأول إطارًا نظريًا حول النظرية الأدبية النسوية ما بعد الكولونيالية للوقوف على كيفية توظيف النظرية النسوية ما بعد الكولونيالية في فهم المغالطات التي تقدمها عدسة المستعمر عند تحليل أوضاع المرأة في المجتمعات العربية. ويتناول المبحث الثاني مفهوم الحريم في الخيال الكولونيالي للتعرف إلى تأصيل المفهوم وما يعنيه في المخيلة الاستعمارية قبل التنظير لهذا المفهوم في أدب ما بعد الاستعمار. ويناقش المبحث الثالث مفهوم الحريم في فكر المرنيسي وجبار، وذلك بتحليل كيف أصلت كل منهما للمفهوم بشكل يتجاوز التأصيل الكولونيالي، ويسعى إلى تأسيسه في ضوء الخبرة العربية. أما المبحث الرابع فيفصل أبعاد مفهوم الحريم في فكر المرنيسي وجبار.

أولًا: الإطار النظري: النظرية الأدبية النسوية ما بعد الكولونيالية

يرتكز تحليل هذه الدراسة على توظيف النظرية النسوية ما بعد الكولونيالية للكشف عن الإدراكات المشوَّهة عن المرأة في المجتمع العربي التي تقدمها عدسة المستعمر. وتركز النظرية النسوية ما بعد الكولونيالية على خصوصية النساء كموضوعات مُستعمَرة (Colonized Subjects) تؤخذ في الحسبان مواقعهن الثقافية والسياسية والاجتماعية. وتمنح هذه النظرية للجندر (النوع الاجتماعي) أهمية مماثلة لفهم خصوصية هذه المواقع. ويتعارض ذلك مع ادعاءات النظرية النسوية الغربية التي تتسم بالمركزية الأوروبية  (Eurocentric Approach)أي أنها تفرض قالبًا نمطيًا تحصر فيه جميع النساء العربيات بوجه يتجاهل اختلافاتهن الناتجة من مواقعهن التاريخية والثقافية المختلفة[6].

لا يقتصر مصطلح ما بعد الكولونيالية (Post-colonial) على الإشارة إلى الحقبة التي تلت الاستعمار، حيث إن لحقبة الاستعمار آثارها الممتدة على المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية في المجتمعات والدول التي عانت الاستعمار. وعليه، لا تزال المرحلة الاستعمارية جزءًا من الوقت الحاضر لهذه المجتمعات. تشمل دلالة هذه الكلمة مسألتين، يُقصد بالأولى زمن ما بعد الاستعمار، وبالثانية ما وراء الاستعمار أي تداعياته. وكلاهما يشير إلى مناهضة الاستعمار والعمل على مقاومة تداعياته السلبية على الدول والمجتمعات التي عانته[7].

وتهتم النظرية ما بعد الكولونيالية بدراسة المواقع الثقافية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية والدينية. إضافة إلى ذلك، فإنها تهتم بدراسة اللغة والأدب المناهض للمركزية الأوروبية. يركز الأدب ما بعد الكولونيالي على الدراسة النقدية للعلاقات التي خلفها الاستعمار وعلى مقاومة تلك المنظورات الاستعمارية. فقد حرصت الكثير من الكتابات على دراسة وتحليل علاقة المجتمعات المستعمَرة بتواريخها إلا أنها قد بذلت جهودًا أقل لتضمين نساء المجتمعات المتحررة من الاستعمار في إطار هذه العلاقات المدروسة بهذه النصوص[8].

تعرضت النظرية ما بعد الكولونيالية للنقد النسوي، حيث أقصت المرأة خارج دائرة البحث. إضافةً إلى ذلك، اتُهمت بمحاولة طمس دور المرأة في النضال من أجل الاستقلال وإساءة تمثيلها في الخطابات القومية. وحتى تلك الكتابات ما بعد الكولونيالية التي عُرفت بعلم النفس التحرري (Decolonized Psychology)، اهتمت بأدوار النساء في النضالات الثورية من دون الأخذ في الحسبان خصوصية الموضوعات التي تربط المرأة بالتاريخ في إطار السعي إلى التحرر ومناهضة الاستعمار. فقد ضُمّن النساء داخل المؤسسة القومية بوصفهن جزءًا منها وغير متحررات بالكامل. واستمر وجود المرأة مرهونًا بالحدود التي يضعها حماة الأبوية المحلية بوصفهم حراس الهوية الوطنية التي هي ذكورية في جورها من منظورهم[9].

انشغلت المنظورات الأدبية ما بعد الكولونيالية والنسوية ببحث قضايا تمثيل المرأة والصوت والتهميش والعلاقة بين السياسة والأدب. ومع ذلك، يتضح الصراع عند إدراك النسوية أن تحليل النصوص الكولونيالية وما بعد الكولونيالية تفشل في تناول البعد الجندري وقضاياه على نحوٍ كامل كأولوية، بينما تولى الأهمية لأهداف أخرى كبناء الدولة القومية والتحرر من الاستعمار ونقد الإمبيريالية البيضاء[10]. وعليه، اهتمت النظرية النسوية ما بعد الكولونيالية على نحو مركزي بإيضاح مدى تعقيد الاهتمامات النسوية المرتبطة بقضايا المرأة ما بعد الاستعمار. وفي إطار ذلك، تبرز مهمتها لتمثيل النساء في الدول التي استُعمِرت وفي المواقع الغربية لسد الفجوة في خطاب النظرية ما بعد الكولونيالية التي تركز على الأولويات القومية وتحدي الخطاب الكولونيالي[11].

تسعى النسوية ما بعد الكولونيالية إلى تقديم الجندر كفئة تحليلية مهمة تتقاطع مع الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية والأنثروبولوجية للظاهرة الاستعمارية. وترى هذه النظرية أن المرأة تعاني استعمارًا مزدوجًا(Double Colonization)  يتمثل بمعاناة القمع الاستعماري وقمع الأبوية المحلية[12].

يشار إلى النسوية ما بعد الكولونيالية بنسوية العالم الثالث (Third World Feminism)، كرد فعل على النظرية النسوية الغربية التي تكرس لخطاب أبيض/أوروبي. ومن رائدات هذه النظرية المنظرات الهنديات جايتاري سبايفاك، وتشاندرا تالباد، موهانتي، ومارينا لازريج وغيرهن[13]. تهتم نسوية العالم الثالث بتقديم طرح معارض للذكورية التي تظهر في النظريات الغربية النسوية ما بعد الكولونيالية والتي تفشل في تضمين عوامل الاستعمار المتعددة واختلافاتها الثقافية مثل: العوامل الدينية ومعدلات الفقر العالية في الدول النامية[14].

عملت النظريات الغربية على تصوير المرأة في العالم الثالث بوجه شديد النمطية بوصفن محدودات الدور والوظيفة قاصرات على الوظيفة الإنجابية وفقيرات تقليديات غير متعلمات ومكرسات للعائلة فقط. وهكذا، يُحتسبن كضحايا مجردات من الفاعلية[15].

وفي سياق شمال أفريقيا، نجد أن النساء يصوَّرن عادة داخل حيِّز محلي/ منزلي بعدسة القوى الاستعمارية الفرنسية. ويتضح ذلك في التصوير الأدبي والفني في أعمال المستعمر. وينجم عن ذلك ربط مكان/ مساحة/موقع نساء شمال أفريقيا ونساء شمال أفريقيا أنفسهن بطبيعة الحريم وبأصله. ويوسم ذلك بتخيل عن الحريم كمقر مغلق بالحوائط والجدران والأبواب المغلقة.[16]

على ذلك، تصدر الدلالة الأوروبية عن الحريم مفهومًا محددًا يرتبط بالمساحة التي تسكنها النساء. ومن ثم، يصبح الفصل/العزل في المنزل أحد أشهر السمات التي تلاحق صورة المرأة في الإسلام التي يصدرها التنظير الغربي. وتقدم النصوص من المغرب العربي، كما عند المرنيسي وجبار، رؤية بديلة تدحض محدودية الرؤية الغربية عن مكان/مساحة المرأة في شمال أفريقيا المستعمرة وتتحدى الربط الشائع بين الحريم والحدود الفيزيائية/المادية[17].

وتشير الأصول الكولونيالية في التصور السائد عن الحريم بصورة مباشرة إلى حسبانه مقر النساء المسلمات الذي يتسم بعدم قابلية الوصول إليه[18]. ويختلف ذلك عما سعت المرنيسي إلى تقديمه في روايتها أحلام النساء الحريم، حيث قدمت فهمًا بديلًا لذلك التصور الاستعماري المهيمن بتقديم رؤية ذاتية تعتمد فيها على رواية طفولتها. وهنا تحليل لمفهوم الحريم في الخيال الكولونيالي قبل التعمق في تحليل المفهوم عند المرنيسي وجبار.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 543 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 543 أيار/مايو 2024

كتب ذات صلة:

الملحمية في الشعر العربي: محمود درويش أنموذجًا

الاستشراق والهيمنة: الخطاب الكولونيالي والسيطرة على الشرق العربي

إشكاليات تأريخ الأدب العربي: دراسة نقدية في فلسفة الأدب وتاريخه

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 543 في أيار/مايو 2024.

[1](*)       فاطمة المرنيسي (1940-2015) أكاديمية وأديبة نسوية ولدت في المغرب ودرست العلوم السياسية في السوربون وجامعة برانديز في الولايات المتحدة حيث حصلت على الدكتوراه في عام 1974. شغلت أستاذة في علم الاجتماع في جامعة محمد الخامس في المغرب في السنوات 1971 – 1974. حصلت المرنيسي على جائزة أمير أستورياس للأدب في عام 2003 مناصفة مع سوزان سونتاج. انظر: Sarah El Tantawi, «A Woman for All Seasons,» News Week Middle East, 9 December 2015, pp. 56-58.

[2](**)  آسيا جبار (1936-2015) ولدت في الجزائر واسمها الأصلي فاطمة الزهراء. عملت أستاذة في جامعة نيويورك. وانشغلت بتوظيف الأدب والشعر والسينما للتعبير عن المرأة في الوطن العربي وكل التعقيدات التي تحيط بصورتها. وعرفت كواحدة من أبرز الأديبات المهتمات بأدب شمال أفريقيا. رُشحت جبار لجائزة نوبل للأدب عدة مرات. وحصلت على جائزة السلام الألمانية في عام 2002. وانتُخبت جبار عضوًا في الأكاديمية الفرنسية، وهي أعلى مؤسسة فرنسية تهتم بالدراسات الفرنكوفونية وتراث اللغة الفرنسية. وعلى الرغم من مكانتها الأكاديمية والأدبية المرموقة إلا أن كتاباتها أقل انتشاراً بداخل الأكاديميا الإنكليزية وكذلك العربية نظرًا إلى ندرة الترجمات لأعمالها. انظر: Miriam Cooke, «In Memoriam of Assia Djebar (1936-2015),» (Lecture), Duke Franklin Humanities Institute, 11 December 2015, <https://www.youtube.com/watch?v=SiCqz6nN1fc> (accessed on 21 June 2022).

[3] دينا إبراهيم حسن: مدرِّسة مساعدة، قسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

[4]   فاطمة المرنيسي، أحلام النساء الحريم: حكايات طفولة في الحريم (دمشق: ورد للنشر والتوزيع، 1997).

[5]           Assia Djebar, Fantasia, an Algerian Cavalcade, translated by Dorothy S. Blair (London: Quartet, 1985). (Originally published in French as: L’Amour, la fantasia (Paris: Jean-Claude Lattes, 1985).

[6]           Kiran Asher, «Spivak and Rivera Cusicanqui on the Dilemmas of Representation in Postcolonial and Decolonial Feminisms,» Feminist Studies, vol. 43, no. 3 (2017), p. 516, <https://doi.org/10.15767/feministstudies.43.3.0512>.

[7]           Ibid., pp. 516-517.

[8]           Sarah Radcliffe, «(Representing) Post-Colonial Women: Authority, Difference and Feminisms,» Area, vol. 26, no. 1 (1994), p. 27, <http://www.jstor.org/stable/20003369>.

[9]           Kinana Hamam, «Postcolonialism and Feminism: An Intersectional Discourse of Reconstruction,» Postcolonial Studies Association Newsletter (2015), p. 10.

[10]   ماجي هم، «النظرية الأدبية النسوية،» في: هالة كمال، محرر، النقد الأدبي النسوي، سلسلة ترجمات نسوية؛ 5 (القاهرة: مؤسسة المرأة والذاكرة، 2015)، ص 185.

[11]         Suzanne M. Spencer-Wood, «Feminist Theorizing of Patriarchal Colonialism, Power Dynamics, and Social Agency Materialized in Colonial Institutions,» International Journal of Historical Archaeology, vol. 20, no. 3 (2016), pp. 477–491, <http://www.jstor.org/stable/26174303>.

[12]         Ibid., p. 479.

[13]         Ibid., p. 523.

[14]         Ibid.

[15]         Ibid.

[16]         Ziad Bentahar, «Beyond Harem Walls: Redefining Women’s Space in Works by Assia Djebar, Malek Alloula and Fatima Mernissi,» Hawwa: Journal of Women of the Middle East and the Islamic World, vol. 7, no. 1 (2009), p. 25, <https://doi.org/10.1163/156920809X449526>.

[17]         Ibid., p. 26.

[18]         Ibid., p. 27.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز