تندرج هذه المقالة في إطار تحليل تاريخ، يمكن نعته بـ «المباشر» أو بـ «الزمن الآني». إن تأريخ الزّمن الآني، كقطعة أحجية من التاريخ، يثير بصورة متواترة نزاعات من حيث التعريف والدلالة والحذر.

منذ أكثر من نصف قرن، باتت فلسطين النقطة المحورية للصراعات المنتشرة في الشرق الأوسط وخارجه. لكن، هذه الصراعات، من جهة الطرفين الرئيسيين، لم تكن متكافئة بسبب الدعم المالي والعسكري الذي تتلقاه دولة إسرائيل منذ تأسيسها، من الدول الغربية وأبرزها فرنسا والولايات المتحدة. ولو لم تستفد إسرائيل من دعم أكبر، مقارنة بالفلسطينيين، لتغيرت خارطة الشرق الأوسط.

أدت المظالم – الطرد، والتهجير، والدمار والإبادة – التي يعانيها الفلسطينيون (واللبنانيون)، منذ هجرة اليهود إلى فلسطين، إلى إنشاء دولة يهودية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ذات طابع عرقي توسعي. ونعتقد أن هذا الأمر هو الذي أدى إلى عرقلة أية محاولة لتحرير الإسلام.

استغرب إدغار موران في آخر تصريح له في جريدة لوريان لو جور، يوم السبت 10 شباط/فبراير 2024، «صمت العالم إزاء مجزرة غزة»: «أشعر بالغضب والذهول من أن أولئك الذين يمثلون أحفاد شعبٍ تعرض للاضطهاد لعدة قرون (لأسباب دينية أو عنصرية)، وهُم اليوم صنّاع القرار في دولة إسرائيل، لا يمكنهم فقط استعمار شعبٍ بكامله وطرده جزئيًا من أرضه، يريدون طرده إلى الأبد. ولكنهم ارتكبوا أيضًا، بعد هجمات 7 أكتوبر، مذبحة حقيقية وواسعة النطاق، ضد سكان غزة ويستمرون، دون توقف»[1].

ومن جراء ذلك، فقد أصبحت أشكال العنف التي لا تطاق تجد تبريرها في مواجهة القمع الظالم المستمر. وينشأ الإرهاب، سلاح الضعفاء والفقراء ضد الظالمين الأقوياء، عندما لا يكون للعدالة مكان… إن المجازر والإبادة الجديدة التي يتعرض لها الفلسطينيون، في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، إضافة إلى اجتياح الجيش العبري لجنوب لبنان منذ 23 سبتمبر 2024، بعدما صار هذا البلد (حزب الله) سندها الوحيد، تزيد الحاجة إلى البحث (بتبصر وشجاعة) عن توجه استراتيجي جديد، من أجل حل المشكلة الأساسية المطروحة أمام الغرب، منذ أكثر من سبعين عامًا والتي لم تتقدم، إذ لا يمكن استبدال ظلمٍ بظلم آخر، لا نهاية له…

أولًا: إشكالية فلسطين: مفاهيم وقضايا ومخاطر

إن إشكالية الحرب والصراع بين الفلسطينيين واليهود غائبة ومشبعة بالتوظيف السياسي الذي نستخدم به التاريخ، في سياق الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. لكن، الغائية المتأصلة في البحث التاريخي، تُرتب بانتظام آثارًا خطيرة، عندما يتم فيها الاستشهاد بأسطورة «الحق التاريخي» في العودة إلى أرض الميعاد وواقع «التاريخ الحقيقي»، في الحفاظ على أرض فلسطين. من هنا، فإن إعادة التدوير الانتقائي للإنتاج الأكاديمي، في نظم المشروعية السياسية والدعاية البحتة أمر يصعب تجنبه، لأن المؤرخين أساتذة وأفراد في المجتمع. ومن المرجح أن يثير النقاش العام فضول المؤرخين، لكننا لا نكترث بخصوصية المجتمعين الأكاديميين، الإسرائيلي والفلسطيني.

في هذه الأرض القديمة، توجد جذور الفلسطينيين واليهود، إذ يعود اليهود بموروثهم إلى الأزمنة التوراتية، حيث أنشئت مملكة إسرائيل، في هذه البقعة نفسها. في نظر اليهود، احتلت هذه الأرض مكانة خاصة، بوصفها أرض الميعاد، موطن الملك داوود والحائط الغربي من المعبد القديم. كما ينسج الفلسطينيون رابطًا عميقًا مع هذه الأرض. غرسوا فيها الحقول على مدى أـجيال، وأسسوا مجتمعًا وطوروا ثقافة خاصة. إن تاريخ فلسطين هو تاريخ روابط مستديمة مع الأرض، غالبًا ما تُنقل وتروى عبر أجيال من المزارعين والحرفيين والتجار الذين أقاموا بها.

تمثل اتفاقية أوسلو، قبل أي شيء، «عملية معرفية»، بمعنى أنها تزعزع تمثلات (تصورات) كل من المتصارعين الاثنين. ويفرز هذا التغيّر الراديكالي في تصور الآخر، توترات حادة عند المعسكرين المتصارعَيْن[2] وفي هذا المقام، يعبّر الناشطان نعوم تشومسكي وإيلان بابي، عن تضامنهما مع الشعب الفلسطيني وأهمية تجديد المفاهيم السياسية المرتبطة بهذه القضية.

كانت المشكلة الفلسطينية في نظرهما منذ البداية، قضية واضحة من الكولونيالية والسّلب، رغم أننا نعالجها بوصفها قضية شائكة، عصية على الفهم، بل ويصعب حلها. لقد بدأت مأساة الفلسطينيين في نظرهما، منذ الاعتراف بدولة إسرائيل عام 1947، وتلتها عام 1948، «الكارثة الكبرى» ضد الشعب الفلسطيني، يعني النكبة والتهجير الجماعي.

يجب ألّا ننسى، على رأي إدوارد سعيد، أننا: «جميعًا لاعبون في صراع كبير»، لأن «الأرض تمثل في الحقيقة عالمًا واحدًا، حيث ليس هناك (عمليًا)، فضاءات خاوية ولا مأهولة. وكما أن لا واحد منا ليس موجودًا خارج الخارطة أو أبعد منها، فليس هناك أيّ منا غريبًا عن الصراع الذي تمثل الأرض رهانًا له. إنها معركة معقدة وآسِرة، لأنها لا تجري وحسب بعساكر ومدافع، لكن أيضًا بأفكار وأشكال، صور ومخيلة»[3].

ومن الغريب أن هذين الشعبين قد اختارا من أجل وصف صدماتهما، عبارتين اثنتين، إحداهما بالعبرية (هشوآء) والأخرى بالعربية (النكبة) تعنيان: «كارثة». يدور الأمر هنا، حول جرحين لم يلتئما، لا يزالان يمثلان أحد أكبر مركّبات هويتهما. ولا يزال الشعبان يعانيان بالنظر إلى عدم الاعتراف بمآسي الفلسطينيين اليوم، كما اليهود في الماضي.

ويلاحظ فرانز فانون في مؤلفه المعذبون في الأرض أن «القيمة الأكثر أهمية عند الشعب المستعمَر (الفلسطيني)، لأنها الأكثر واقعية، هي أولًا وقبل أي شيء: الأرض التي يجب أن تضمن الخبز، وبطبيعة الحال، الكرامة. لكن، هذه الكرامة لا علاقة لها بكرامة «الكائن الإنساني». ذلك بأن الشعب، لم يسمع قط بهذا الإنسان المثالي».

ويضيف أن «ما يعيشه المستعمَر على أرضه، هو أنه يمكن القبض عليه، وضربه وتجويعه من دون محاسبة، ولم يأتِ (حتى الآن) أيّ أستاذ في الأخلاق، ولا كاهن على الإطلاق، لكي يتحمّل الضربات بدلًا منه، ولا أن يتقاسم معه رغيفه. وتعني الأخلاق في نظر المستعمَر، إسكات غطرسة المستعمِر وكسر عنفه المستعرض، بعبارة واحدة، طرده تمامًا من المشهد»[4].

ويعتقد كل من تشومسكي وبابي وبارات، أن تغير السياق العالمي يدفع إلى ضرورة إعادة التفكير في المصطلحات المستخدمة، بهدف معالجة القضية الفلسطينية واستخدام علم الدلالات، كأداة للتربية من أجل التغيير، وأن القضية الفلسطينية تتجاوز فلسطين البسيطة، إنها تمثل ما يحدث من خطأ تاريخي: «إن الظلم الذي يخيم على فلسطين، يرتب تداعيات في جميع أنحاء العالم»[5]، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، يؤكد فرانك بارات منسق محكمة روسل حول فلسطين أن الكثير من الحكومات الغربية، تحاكي الأساليب التي تستخدمها إسرائيل، بهدف قمع الفلسطينيين. ومن ثم، فإن إيجاد حل للمشكلة الفلسطينية، قد يفتح الباب أمام رؤية عالمية وعالم جديدين. ويرى بارات، أن فلسطين أصبحت رهانًا، يجب أن تتبناه كل الحركات «المناضلة، من أجل العدالة الاجتماعية». ويجب أن ننسج روابط بين هذه المسألة ومختلف الصراعات الجارية عبر العالم[6].

هكذا، من الواضح أن صراعات المشروعية هذه، تؤثر في بنى تأريخ فلسطين. لذلك، نرفق المقال بكثير من التحذيرات، في شأن مختلف تأثيراته. وتأخذ ملاحظاتنا شكل سلسلة من التوضيحات حول الموضوعات التي تُجرى مناقشتها، داخل مجتمع المؤرخين وخارجه. وبالتالي، تبدو إشكالية فلسطين متأثرة بصورة غير مباشرة بسيرورة الصراع. وبما أننا نعتمد على المراجع الموجودة، فمن المحتمل أن يكون هذا أمرًا لا مفر منه. ونتيجة لذلك، فإن تنظيم فقرات المقال، يعطي الانطباع بأن تاريخ فلسطين هو في الواقع تاريخ قضية فلسطين[7]. إن هذا العمل، يسلط الضوء على الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وما يترتب عنه.

وبناءً على ما تقدم، فإن دراسة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، معقدة بسبب مدته، وتعدّد الأحداث التاريخية والجهات الفاعلة التي شاركت فيه. ومن أجل تحقيق فهم أفضل للقضايا المطروحة في الصراع، علينا تناول هذه القضية من زاوية نظر العلاقة الاستعمارية… إن حركة هجرة اليهود الأوروبيين إلى فلسطين هي حركة استعمار. لذلك، يمكن أن نتناول العلاقات القائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، من منظور علاقات «المستعمِر – المستعمَر».

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 549 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 549 تشرين الثاني/نوفمبر 2024

كتب ذات صلة:

فلسطين: أربعة آلاف عام في التاريخ

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 549 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

بوبكر بوخريسة: جامعة باجي مختار، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية،
قسم علم الاجتماع، عنابة – الجزائر.

[1]         Edgar Morin, «Le Silence du monde face au carnage à Gaza,» L’orient le Jour, 18/2/2024.

[2] Frank Debié et Sylvie Fouet, La Paix en miettes: Israël et la Palestine, 1993-2000 (Paris: PUF, 2001), p. 4.

[3]         Edward Said, Culture et impérialisme (Paris: Ed. Fayard-Le Monde Diplomatique, 2000).

[4]         Frantz Fanon, Les Damnés de la terre (Paris: La Découverte, 2002), pp. 47-48.

[5] Noam Chomsky et Ilan Pappé, Palestine, sous le direction de Frank Barat (Montréal : Écosociété, 2016), p. 15.

[6]         Ibid., p. 16.

[7] Henry Laurens, Histoire de la question de Palestine, tome 1: 1799-1922: L’invention de la Terre sainte (Paris: Fayard, 1999).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز