الحديث عن سؤال «الهُوية» في مجال «النحن» في المجتمع الليبي يبدو أنه سؤالُ قلقٍ الاضطرابٍ وتحدٍّ في المجال السياسي، قبل أن يكون سؤالَ طمأنينةٍ وسلامٍ وحوار…؛ ولا سيما عندما يتعلق الأمر بفهم الشخصية في درجة تفاعلها وتلاقحها واحتجاجها وتفاعلها السياسي؛ في علاقة الذات(**) بالذات – فهذه العلاقة في تدافعها التحاوري قد تتحول إلى نقاش سجالي يحرق الموضوع (الوطن وموارده وقيمه وثوابته…) وفي تفاعلها غير العقلاني تنفي قيم الوطن وتقدم الذات عليه – بدلًا من أن تضحي الذات من أجل الموضوع الذي تجتمع عليه الأمة وتصونه وتحصنه، لأن الذات بموضوعها، فهو أس أساس هُويتها ومعنى شخصيتها[1]، وهو من ثوابت مرجعيتها الدينية وأيديولوجيتها الفكرية.

إن سمو الذات على موضوعها يحول الموضوع إلى غنيمة، لا إلى مصدر للتنمية لجميع الذوات؛ بل الذات في تماثلها وتمايزها «الدولة والشخصية والقيم الاجتماعية…» التي تفككت وصارت ذوات؛ وأقاليم، وهيئات رئاسية، بل صار التحيز متشخصًا في الجهوية والقبلية والحزبية ومصلحتها تعلو بتحيُّز على مصطلح إصلاح الوطن؛ فتشتت الذوات بتحيزها وسموها على بعضها، «تحيز الذات على الذات في الوطن الواحد»[2]، استدعى الخارج لملء الفراغ، في ظل مراحل سياسية انتقالية متعددة، وبند سابع، وعماء وتعصب عن فهم الدور الوطني، حيث صار المنصب القيادي غنيمة ذاتية، وقدمت مصالح الذات العمياء للأشخاص والأشياء على القيم العليا للمشروع الوطني للهُوية والتنمية[3].

من هذا المنطلق، وبناءً عليه، يكون سؤال البحث على النحو الآتي: ما تأثير تحيُّز الذات على الموضوع في السلوك السياسي الليبي في وعي الكلمة والعمل بها ودعوات قيم التحرر؟ وما تداعيات هذا الانجرار في تزييف الوعي على فاعلية الهُوية الليبية في الوعي السيادي والقيم الوطنية الجامعة، وفي سرديات سيَر ذاتية أهملت عامل الزمن في عملية سردها؛ فتداعت مؤثراتها على الموضوع الوطني أكثر من تأثيرها في الذات؟ بناء على هذا الإشكال ما هي الرؤية لتماثل الهُوياتي الجامع في المحيط الاجتماعي والسياسي الليبي؟

يحاول البحث الاجابة عن هذا السؤال بأن يوضح أن مقصد الهُوية ومعناها في متن هذا البحث يدل على أن الهُوية هي عملية التماثل الاجتماعي والثقافي والسياسي… في الوسط الديمغرافي للإقليم الليبي، على أساس أن الهُوية بناء ذهني وثقافي تراكمي يؤثر في تمثلات الأفراد والمجتمع، وربما غياب هذا التماثل نعيه في تمفصل دلالة الكلمات والعمل بها وفاعلية نشاطها العملي، الذي ما زال فيه البحث قائمًا على كيف يتم التحرر، هذا التعثر تداعى على السيادة والقيم ورباط الهُوية الجمعي.

من هنا جاء هذا البحث ليدرس قيم التماثل وتمفصلها في المحيط الاجتماعي الليبي، ليلامس الباحث موضوعه بمقاربة سياسية وبعض الإسقاطات لمصطلحات نفسية؛ وبمنهجية تصف وتحلِّل هذا التماثل والتمفصل، ثم ينعطف الباحث ليوضح كيفية الجمع بين الذات وموضوعها في الإتيان بسؤال الهُوية وسؤال التنمية للمّ الشمل في المحيط الاجتماعي كرؤية – من طريق تعزيز قيم الديمقراطية الاجتماعية والديمقراطية السياسية؛ ودراسة التنمية الأجدر بالتناول في المجال العام الليبي التنمية الاقتصادية أو البشرية أو المستدامة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 537 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 537 تشرين الثاني/نوفمبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 537 تشرين الثاني/نوفمبر 2023.

علي محمد علي الطنازفتي: أستاذ مشارك، الجامعة الأسمرية الإسلامية، كلية الاقتصاد والتجارة، زليتن – ليبيا.

[1](**)  الذات هي: أنا ونحن والآخر، في حين الموضوع: هو الشيء الموجود في العالم الخارجي عن الذات، وكل ما يُدرَك بالحس ويخضع للتجربة، وله إطار خارجي، ويُوجد مستقلاً عنها. والهُوية لها ثلاثة أبعاد: بُعد الأنا، وبُعد النحن و بُعد الآخر، يتناول البحث البعد الثاني وهو النحن الجمعي في الواقع الليبي.

لفظ الشخص هو الأنسب في الطرح للكائن الإنساني وهو أقرب للصواب من الذاتية التي يشترك فيها الإنسان والحيوان والأشياء، ولكن في هذا البحث بالرغم من القيم الشخصية للإنسان الفاضلة والنبيلة في هذه البلاد – إلا أن هناك استحمار توظفه ذوات تتبنى القابلية للاستعمار تفتخر به وتتبجح برمزيته، وهو ما يجعل الباحث يكرر مصطلح الذات في حديثه عنها كذات حيوانية أو يلصق بها لفظ (التشيؤ) حاسبًا إياها شيئًا ماديًا كــ «سلعة» لأنها لم تحترم موضوعها فتحولت إلى موضوع يجب دراسته لأنها صارت أداة وظيفية زبونية. ولمعرفة مصطلح الشخصية، انظر: محمد عزيز الحبابي، الشخصانية الإسلامية، ط 2 (القاهرة: دار المعارف، 1983)، ص 22. أما عن مصطلح «التشيؤ»: يتعلق المصطلح بعمليات تبخيس قيم الإنسان، وفيه ينظر الإنسان إلى أخيه الإنسان كأنه سلعة أمامه. انظر: مصطفي حجازي، التخلف الاجتماعي: مدخل إلى دراسة سيكولوجية الإنسان المقهور، ط 7 (بيروت: معهد الإنماء العربي، 1998)، ص 216.

[2]  الهويّة: في رأي ابن سينا، هي: «معرفة الذات بالذات»، انظر: أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا، الشفاء  (الطبيعيات، النفس)، تحقيق جورج قنواتي وسعيد الزايد (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 1975)، ص 268.

 

[3]   الحبابي، الشخصانية الإسلامية، ص 12.

(*)    الريف، والحضر، والثقافة، والعمق الحضاري، ومؤثر الدين واللغة …


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز