مقدمة
[1]من يقرأ ويتابع الأخبار العالمية في الوقت الحالي لا يسعه إلا الشعور بأننا نعيش في أوقات صعبة، ولا سيما أزمات مالية، ومجاعة، ووفاة آلاف المهاجرين في البحر، وتغيّر المناخ وتلوث الهواء، وإزالة الغابات، وفقدان التنوع البيئي، وتآكل التربة أو الإفراط في استغلال الموارد، وكوارث طبيعية، وضعف سوق العمل، وصولًا إلى صعود القوى الرجعية واليمينية. نلاحظ في الوقت نفسه تزايد عدم المساواة الاجتماعية والانقسام في المجتمعات.
على الرغم من أن نمو الاقتصاد العالمي حقق طفرة في العقود الأخيرة، لا يزال ملايين الأشخاص يعيشون في فقر مدقع. إن السبب البنيوي الرئيسي للأزمات المنوعة والمترابطة في العالم هو (نمط العيش الإمبريالي) بحسب رؤية مؤلفي الكتاب الذي يحمل ذات العنوان. إنه نمط إمبريالي، لأنه يتوسع باستمرار، ويزاحم أنماط الحياة الأخرى، ويفرط في الوصول إلى الطبيعة والعمل البشري، بينما يوزع على نحو غير عادل فرص الحياة والموارد الطبيعية، وهو نمط عيش، لأنه يتخلل حياتنا اليومية تمامًا، ويمر من خلال عمليات الإنتاج والقوانين والبنية التحتية والسلوك وحتى أنماط تفكيرنا.
يحدد نمط العيش الإمبريالي شروط الإنتاج وكذلك معايير التوزيع والاستهلاك، وبالتالي إعادة إنتاج المجتمع الرأسمالي في دول الشمال العالمي وبدرجة عالية أيضًا في البلدان الناشئة في الجنوب العالمي. إنه يحدد بصورة حاسمة الممارسات اليومية السياسية والاقتصادية والثقافية والهياكل اليومية في المراكز الرأسمالية، والتي تتكون من خلال المصالح الربحية، ولكن أيضًا بصورة أساسية من خلال عادات وروتين بين أجزاء كبيرة من السكان. ضمنيًا، يفترض هذا النمط استغلالًا غير محدود للناس والطبيعة على نطاق عالمي، من خلال تخصيص المواد الخام الرخيصة للإنتاج أو الاستهلاك، والاستهلاك الشامل للموارد كثيفة الاستخدام للطاقة والسلع الاستهلاكية قصيرة الأجل، أو الاستعانة بمصادر خارجية لإنتاج كثيف العمالة، يضر بالبيئة والصحة، أو من خلال سلوك السفر الضار بالبيئة.
يتضح أن الكثير من الناس يساهمون في نمط العيش الإمبريالي – وبخاصة في بلدان الشمال – ويستفيدون منه. ومع ذلك فإن هذا النمط من العيش هو أيضًا إكراه لا يمكن تجنبه بسهولة من خلال الاستراتيجيات الفردية ويحتاج إلى وقفات نضالية واستراتيجيات فعّالة.
إن نمط العيش الإمبريالي هو وعد وإكراه، يوسع إمكانات العمل ويحد منها في الوقت نفسه، تنطبق عليه صفة الإمبريالية، لأنه يسمح لمجموعات معينة بالوصول المفرط إلى العمالة والمحيط الحيوي في جميع أنحاء العالم والاستعانة بمصادر خارجية للعواقب المُدمرة.
إن الهياكل الأساسية التي تمكن وتعزز الظلم لا تزال على حالها، وإن التناقضات بين زيادة الوعي بالمشكلة من ناحية والمشكلات المتزايدة من ناحية أخرى واضحة. الأمر الأكثر إشكالية هو نجاح النماذج البسيطة والزائفة والمشاريع اليمينية، ومعها ظهور القوى الشعبوية المتطرفة.
لقد ترسخ نمط العيش هذا أيضًا في بلدان الشمال من خلال عملية العولمة على مدار العقود الماضية، ولا سيما من خلال الرقمنة والاستهلاك المرتفع للموارد. يصل الناس بصورة منهجية ومتزايدة إلى الموارد، والأجهزة العالية التقنية، وكذلك الملابس والسيارات والطعام والأشياء الأخرى التي ينتجها العمال بأجور منخفضة وفي ظروف صعبة في أماكن أخرى من العالم. يعتقد الكثير من الناس على نحوٍ إرادي أن ما يحدث هو ازدهار، لكنه في الأحرى ينطوي على أضرار كبيرة ويؤثر أيضًا في الطبقات الوسطى في بعض بلدان الجنوب العالمي.
يُقدم مفهوم نمط العيش الإمبريالي الذي أدخله عالما الاجتماع الألمانيان ماركوس فسن وأولريش براند في النقاش العلمي قبل بضع سنوات، تفسيرًا لعدم وجود بدائل تطلعية حتى الآن في ضوء المظالم المتفاقمة في العالم وبالأخص في دول الجنوب العالمي. يبحث الكتاب من جانب آخر في أسباب عرقلة التحول الاجتماعي البيئي، وخلق تغييرات وبدائل تضامنية جوهرية في المجتمع والاقتصاد، بهدف تمكين وتعزيز أُسُس حياة كريمة للجميع، ولا سيما للأجيال القادمة.
أولًا: في مفهوم نمط العيش الإمبريالي
وفقًا لما ذكره أولريش براند وماركوس فسن في مقالة لهما في موقع مؤسسة روزا لوكمسبورغ في عام 2018، يعني مفهوم «نمط العيش الإمبريالي» أن «الأغلبية العظمى من الناس المحليين يعيشون على حساب الطبيعة والقوى العاملة في مناطق أخرى من العالم». يفهم كل من أولريش براند وماركوس فسن أيضًا مفهوم نمط العيش الإمبريالي بوصفه برنامجًا بحثيًا يتعلق بمجالات المعيشة والتغذية والملابس.
قالَ أولريش براند في رده على سؤال يدور حول مفهوم نمط العيش الإمبريالي، من ضمن حوار معه: «عندما نستهلك المنتجات في الحياة اليومية، سواء كانت سيارات أو هواتف محمولة أو طعامًا أو منتجات عامة مثل القطار، فإننا نستخدم بصورة منهجية الموارد الطبيعية الرخيصة قدر الإمكان أو حتى بالمجان، وغالبًا ما تكون العمالة الرخيصة أيضًا مصاحبة في هذه العملية. هذا الأمر له علاقة كبيرة بسعي الشركات للربح وبالسياسة الجغرافية أو التجارية، وأيضًا بحياة الناس العملية والحياة اليومية الأخرى».
يستخدم المؤلفان هذا المفهوم لوصف نمط العيش أو أسلوب الحياة الذي يتحمله معظم الناس في «الشمال العالمي» وأقلية متنامية من الناس في دول «الجنوب العالمي». يتميز هذا النوع من العيش بمستوى عالٍ من التكاليف، مثل ملكية السيارات، والسفر لمسافات طويلة، ويفضل أن يكون ذلك بالطائرة، والاستهلاك السخي للسلع والخدمات الأخرى. إن وصف حياة الازدهار هذه التي باتت مألوفة منذ مدة طويلة ويتم أخذها كأمر مسلّم به، إلى جانب مصطلح «الإمبريالي»، يفتح منظورًا سياسيًا جديدًا للقضايا المعروفة سلفًا.
كما هو موضح أعلاه، فإن الطريقة التي ننتج بها بصورة جماعية ونستهلك بصورة فردية تؤدي إلى الاستغلال المفرط العالمي للأساس الطبيعي للحياة، وإعادة توزيع رأس المال الطبيعي لمصلحة دول الشمال العالمي والنفايات على حساب دول الجنوب العالمي، وهي تدعم الفجوة الاقتصادية بين الأغنياء والفقراء.
لذا فإن أسلوب حياتنا يعتمد على التفرد. إنها حصرية لا يُريد المستفيدون التخلي عنها تحت أي ظرف من الظروف. على سبيل المثال يقول رؤساء الولايات المتحدة إن «أسلوب الحياة الأمريكي غير قابل للتفاوض» حتى قبل تولي دونالد ترامب منصبه تحت شعار «أمريكا أولًا». إن شعار «الحفاظ على ازدهارنا» يحتل الأولوية القصوى للحكومات والبرلمانات ومعظم وسائل الإعلام الغربية، بما في ذلك في سويسرا.
يبدو أن هذا النمط من الرخاء جذاب جدًا اليوم إلى درجة أن أغلبية سكان العالم يرغبون في المشاركة فيه، سواء كان ذلك من خلال التقدم الاقتصادي في البلدان النامية والناشئة في الجنوب أو من خلال الهجرة إلى الشمال العالمي. لكن كلما زاد عدد الأشخاص الذين ينجحون في القيام بذلك، زاد احتمال أن يفقد نمط العيش الإمبريالي أساسه الربحي، كما يرى المؤلفان، لأن نمط عيشنا لا يمكن إدارته عالميًا وبالتالي لا يمكن تعميمه.
أُدخِلَ مفهوم نمط العيش الإمبريالي في المناقشة السياسية الدولية من طرف العالِمين السياسيين الألمانيين أولريش براند وماركوس فسن، وطُوِرَ بصورة منهجية في كتاب يحمل ذات الاسم، ثم نُشِرَ في عام 2017. اُستُخدِمَ المفهوم من ذلك الحين بصورة متكررة في العلوم الاجتماعية والمناقشات السياسية، ليتحول إلى رمز نقدي أساسي للنظام الاجتماعي والبيئي العالمي القائم على عدم المساواة وترسيخه في الهياكل الرأسمالية الموجهة نحو النمو، وأيضًا في العادات وأنماط الممارسة في الحياة اليومية.
استُخدِمَ مفهوم «نمط العيش الإمبريالي» لأول مرة في عام 2009 كتعبير عن التحول الاجتماعي البيئي، وأُصِيغَ بنحو أكبر بالتعاون بين مؤلفي كتاب نمط العيش الإمبريالي للعالِمين والباحِثين السياسيين أولريش براند وماركوس فسن في السنوات التي تلت ذلك.
يهدف هذا المفهوم إلى تحليل التفاوتات العالمية التي لا تنتج فقط عن الظروف الاقتصادية والسياسية غير المتكافئة، ولكن أيضًا عن نمط العيش المهيمن والسائد، ولا سيما في البلدان الصناعية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك في القطاعات المتميزة من السكان في أماكن أخرى. يتم من خلال هذا النمط من العيش التركيز بوجه خاص على التكاليف البيئية لاستهلاك مرتفع للمواد غير قابل للتعميم عالميًا في بلدان الشمال العالمي.
من الناحية الدلالية يتبع المفهوم صيغة «السياسة الإمبريالية النيوليبرالية» في الأطروحات السابقة، ويتواصل هذا النهج مع كريستوف جورج الذي يلخص المشكلة البيئية على أنها «إمبريالية بيئية» ويتناول أيضًا مفهوم نمط العيش. ينتهي نصه بالمطالبة بنظرية إمبريالية لمشاكل البيئة. تم تنظيم مفهوم نمط العيش الإمبريالي في عام 2017 على نطاق واسع لأول مرة وإثباته تجريبيًا. ثم تلا ذلك شرح مفصل لمفهوم نمط العيش التضامني في عام 2019.
يجمع المفهوم المُشار إليه بين النقد الاجتماعي والنقد البيئي للنظام الاقتصادي العالمي. يفهم المؤلفان أن النمط الإمبريالي للإنتاج يعني نمط الإنتاج الذي يتم فيه استغلال (المواد الخام مثل النفط والأرض، وأيضًا العمالة) من الجنوب العالمي واستهلاكها بصورة أساسية في الشمال العالمي، والتخلص منها مرة أخرى عبر المصارف في دول الجنوب.
إن أنماط الاستهلاك والإنتاج هذه باتت راسخة أكثر فأكثر في الطبقات الوسطى والعليا في بلدان الشمال في العقود الأخيرة ويتم الدفاع عنها من العالم الخارجي. ينتشر نمط العيش الإمبريالي المحيطي أيضًا في الكثير من الأماكن في بلدان الجنوب ويأتي في سياق الهيمنة العالمية لنمط العيش الإمبريالي، الذي ينتج من توجه أصحاب الأجور الميسورين والطبقات المتميزة إلى نمط العيش الغربي.
كتَبَ المؤلفان بخصوص صفة «إمبريالي» التي وردت في المفهوم:
«بالنسبة إلينا فإن مفردة «إمبريالي» لا تعني حكم أقلية على أغلبية ساحقة […] وبدلًا من ذلك نحن مهتمون بتقليد كل من روزا لوكسمبورغ وحديثًا كلاوس دوره الذي يدور حول الرأسمالية ومظهرها الخارجي، وحول نمط الإنتاج والعيش التي يتم فرضها مؤسساتيًا على الناس، والذي يمنحهم في نفس الوقت مجالًا أكبر للعيش والعمل في ظل الظروف المحددة».
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 540 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 540 في شباط/فبراير 2024.
بشار الزبيدي: كاتب ومترجم من العراق.
[1] تمثّل هذه الدراسة الخلاصة التنفيذية للكتاب المعنون نمط العيش الإمبريالي: استغلال الإنسان والطبيعة في الرأسمالية العالمية الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية.
للحصول على الكتاب:
نمط العيش الإمبريالي: استغلال الإنسان والطبيعة في الرأسمالية العالمية
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



