ما زال سلوك الكيان الصهيوني العدواني المستدام مسكونًا بهاجس الانتقام والتشفي من كل ما هو رمزي وإنساني مقاوم، فهو حرم على سكان غزة، الذين وصفهم بــ«الحيوانات»[1]، الكهرباء والغذاء والماء والدواء والرعاية الصحية، وقطع عنهم الاتصالات والإنترنت. وقطْعُ الإمدادات يتعارض مع القانون الدولي، ويفتقر إلى السلطة الأخلاقية، ويعد منعها من الجرائم الإنسانية. كما أجبر المحتلُ أهالي شمال غزة على النزوح إلى جنوب القطاع، وتم قصفهم وهم يترجلون، وهُدمت بيوتهم من دون سابق إنذار بالإخلاء. ووصل الأمر بقيادات الكيان الصهيوني في تصريحاتهم إلى الدعوة إلى مسحهم من على وجه الأرض بالقنبلة النووية بحسب تصريح وزير تراثه عميحاي إلياهو[2]؛ أو تهجيرهم إلى دول العالم بحسب تصريح وزير إسكانه بتسلئيل سموتريتش[3]، و«لن تكون هناك دولة فلسطينية ولن نعود أبدًا إلى اتفاق أوسلو» كما صرح وزير اتصالاته شلومو قارعي[4].

هذه النرجسية السادية المتطرفة من سياسيين لا يتورّعون في الدعوة إلى القتل، ولا يقيمون أي أهمية لرمزية الإنسان وآدميته، رفعت مستوى سقف الانتقام في بنك أهداف إسرائيل الميدانية بالتوسع في تدمير رمزية المساجد والكنائس والمستشفيات والمدارس؛ والاستقواء على الأطقم الطبية، فدهست خيام النازحين والمرضى بالجرافات وهم أحياء في ساحة مستشفى كمال عدوان، وقتلت من فيه بعد أن أطلقت عليهم الكلاب، ونُقل آخرون مجردين من ملابسهم…[5]، بل حتى الأموات اعتدت عليهم بالقصف والتجريف في مقبرة الفالوجا، وشوّهت جثامين وسرقت أعضاء منها[6] وقتلت الأطفال الخدّج، وانتهك جنودها حرمة مسجد في جنين باعتلاء منبر بأحذيتهم وترديد أغاني عيد الأنوار «الحانوكا»[7]. كل هذا ليفقد الناس الأمان؛ فقد وظّفت إسرائيل سياسة الأرض المحروقة والحزام الناري في إبادة المدن والقرى والمخيمات، ضاربةً عرض الحائط بمشروعية القوانين الدولية والدينية والأعراف الضابطة للسلوك؛ فإرهابها مدعوم بمسوغات مشرعنة كـــ«خطاب الكراهية والتحريض على العنف والكيدية والحقد، والاستعلاء، والعنصرية والتطهير والإبادة…»، من حاخاماته[8]، ومن حذا حذوهم من «الغرب السياسي»، فالآخر بحسب وجهة نظرهم يصنف بالأغيار[9] والغيرُ غريبٌ وكلُ غريب مريبٌ وقابل للنفي.

من هذا المنطلق وبناءً عليه، ينطلق البحث من الأسئلة الإشكالية التالية: هل عملية طوفان الأقصى منعطف تاريخي في قضية كفاح الشعب الفلسطيني وتحرره في حقن دمه وحق تقرير مصيره وبناء دولته؟ أم ما زال دمه مستباحًا ومصيره التهجير أو الإبادة؟ وما هي المفاجأة والمبادأة في هذا الطوفان؟ وكيف كانت المبادرات الدولية والإقليمية؟ وهل من واجب العرب حماية هذا الطوفان أم أن أغلبية القيادات العربية زاد تطبيعهم وتأييدهم ودعمهم للكيان المحتل؟ للإجابة عن هذه الأسئلة الإشكالية يجب أن نوضح أن الشعب الفلسطيني ما زال يلتحم مع الأرض والقضية، ويصطدم مع العدو في المسافة صفر، وأن دمه ما زال مستباحًا، فهو شعب ضحية معاقب في حياته ومعرّض للموت في أي لحظة، مستباح افتراضيًا واحتماليًا ليس تحت أمر قضائي بل تحت سيادة صهيونية وإمبريالية عالمية آمرة متوحشة. فهو شعب في قيد الحياة إلى درجة الموت[10]، ولكن بفضل إرادته وعزائمه المتجددة بالطوفان، ما زال يملك زمام المبادرة بهذه المفاجأة التي منحته الصمود، وحولت المحنة إلى منحة، إذ تأذى من جبروت هذا الطوفان: الطغيان الأمريكي والاستيطان الصهيوني وجرف في طريقه المطبّعين والعملاء والوكلاء…، عليه انطلق هذا الطوفان من فرضية مفادها: «من حقَّق مفاجأة الترويع والصدمة امتلك المبادرة، ومن بادر إلى تغيير الوقائع غيّر سردية وصورة المشهد التراجيدي المذل الذي يعانيه ويتألم منه»، وهذا ما حصل على الرغم من أن ضريبة التغيير باهظة ومحملة بالآلام، حتى بلغ الأمر أن يكتب الغزاوي اسمه على رسغه وساقه، لكنها حرب حولت الإمكان الفكري إلى ممكن واقعي بمقاومة صاعدة تنهض، في مقابل قوة سائدة تهتز وتنحدر.

يعتمد هذا البحث المنهج المقارن. وربما يتساءل القارئ كيف تتم المقارنة بين دولة وحركة تحرُّر، فتتم مقارنة ما لا يمكن مقارنته. المقارنة في هذا المقام هي مقارنة إرادات بين معتدٍ قاتل ومقاوم محاصَر، بين حركة تحمل لواء أمة مقابل شركاء مطبّعين، وبين تداعي أمم مقابل وحدة الساحات، مقارنات من حال إلى حال «من إلى» يجدها القارئ في العنوان وفي متغيرات المرحلة ومؤشرات «المفاجأة والمبادأة والمبادرة». ويجد القارئ مقابلات في الإمكان الفكري والإمكانات المادية: نوع التسليح، ونوعية المقاومة والالتحام، ومعاني قيمة اللاءات وصمت الشركاء «المطبّعين» وصمود الساحات، ودعم صوت الأمم في الجمعية العامة مقابل معارضة الفيتو الأمريكي ومؤيديه من «التشكيل الاستعماري الغربي»، مقارنات تعاضد فيها الدم السني والشيعي للدفاع عن المقدسات، يعي فيها المراقب معدن الرجال وتحمل معاناة شعب للحصار ونفَسه الطويل في المواجهة والنضال، في مقابل الخنوع والخذلان والانحدار والعبث للأتباع، ويفهم ويعرف الراصد للأحداث والمحلل جهاد الكر والفر في مقابل الحلاب والصر؛ طبعًا يساند هذه المقارنة مقاربة سياسية ترصد الأحداث من 7/10 إلى 31/12/2023.

من هنا جاء هذا البحث ليدرس تفاصيل تلك المقارنة والمقاربة في نطاق مؤشرات تصفية القضية الفلسطينية، ومفاجأة المحتل بطوفان الأقصى وما ترتب عليه من مبادرات.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 541 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 541 آذار/مارس 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 541 في آذار/مارس 2024.

علي محمد علي الطنازفتي: أستاذ مشارك في كلية الاقتصاد والتجارة، الجامعة الأسمرية الإسلامية، زليتن – ليبيا.

الصورة من Getty Images.

[1]   من هذه التعابير سابقًا تصريح وزيرة العدل إيليت شاكيد التي قالت: «الأطفال الفلسطينيون ثعابين صغيرة نقتلها قبل أن تكبر»، وقبلها شارون: «… أقسم بأن أحرق كل فلسطيني يولد في هذه المنطقة» انظر: عبد الحسين شعبان، «رصاصة الفراشة وصورة «إسرائيل»،» أمد للأعلام، عن الخليج الإمارتية، 12/8/2015، <https://www.amad.ps/ar/post/84908>.

[2]   نايف زيداني، «وزير إسرائيلي: القنبلة النووية أحد خياراتنا ولا أبرياء في غزة،» العربي الجديد، 5/11/2023،  <http://tinyurl.com/yrs94hnj>.

[3]   «وزير إسرائيلي: هجرة سكان غزة لدول العالم هي الحل الإنساني الصحيح،» الجزيرة.نت، 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، <http://tinyurl.com/4xuvch2b>.

[4]   «وزير من حزب نتنياهو لبادين: «لن تكون هناك دولة «فلسطينية»،» العربية.نت، 13 كانون الأول/ديسمبر 2023، <http://tinyurl.com/398m2csx>.

[5]   «جرافات إسرائيلية تدهس خيام نازحين في ساحة مستشفى كمال عدوان،» الجزيرة.نت، 16 كانون الأول/ديسمبر 2023، <http://tinyurl.com/mnj5nw9p>.

[6]   «حكومة غزة تتهم إسرائيل بسرقة أعضاء من جثامين شهداء وتدعو لتحقيق دولي،» الجزيرة.نت، 27 كانون الأول/ديسمبر 2023، <http://tinyurl.com/47uusf9u>.

[7]   «شاهد… جنود الاحتلال يغنون الحانوكا في أحد مساجد جنين،» الجزيرة.نت، 14 كانون الأول/ديسمبر 2023، <http://tinyurl.com/w67e3p6c>. انظر أيضًا: «إيتمار بن غفير: أشيد بجنودنا الذين نادوا باسم إسرائيل في مسجد بجنين،» قناة الغد، 14 كانون الأول/ديسمبر 2023، <http://tinyurl.com/zne2hp3u>.

[8]   من كتاب توراة الملك في طياته يشير إلى أن الشريعة اليهودية تسمح بقتل الأطفال غير اليهود لأنهم يشكّلون خطرًا مستقبليًا، انظر: شعبان، «رصاصة الفراشة وصورة «إسرائيل»،» أمد للأعلام، مصدر سابق.

[9]   يعَدّ الآخر في تصور اليهودي من «الأغيار» وهو لا يساوي اليهودي، ولا يحق لليهودي إبرام عهد معه، وحتى ولو أبرم عهد في ظرف ما من التهديد أو الضعف …، فهو في حل منه عندما يزول السبب ويمتلك زمام القدرة والقوة على إلغائه انظر: الأرقم الزعبي، حقائق يهودية (بيروت: الدار المتحدة للطباعة، 1990)، ص 51.

[10]   بيونغ – شول هان، مجتمع الاحتراق النفسي، ترجمة بدر الدين مصطفى (الرياض: دار معنى للنشر والتوزيع، 2021)، ص 72-74 (بتصرف).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز