بعد مرور أكثر من ثماني سنوات على ثورة 25 يناير في مصر، يُطرح سؤال يفرض نفسه بقوة: أين أصبحت تلك الثورة؛ الثورة التي استبشر بها خيراً، لا الأغلبية الساحقة من الشعب المصري وحسب، بل الأغلبية الساحقة من الشعب العربي كله أيضاً، نظراً إلى ما مثّلته مصر، في تاريخها المعاصر على الأقل، ويمكن أن تمثّله، من مركز ثقل على الساحة العربية والإقليمية، يؤثر في مصير هذه المنطقة وفي رسم مساراتها وتحديد خيارات شعوبها، ويعطي وزناً مختلفاً للنظام العربي وأمنه القومي. غير أن ذلك كان ولا يزال يتوقف على طبيعة النظام السياسي والقيادة السياسية التي تحكم مصر وعلى الخيارات الاستراتيجية التي يعتمدها النظام وقيادته السياسية؟

تحتاج الإجابة عن هذا السؤال إلى مراجعة شاملة لأحوال مصر اليوم. ولتحقيق هذه المهمة الصعبة، تستضيف مجلة المستقبل العربي، الباحث والكاتب العربي المصري الدكتور حسن نافعة(**)، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، المعروف بتحليله الموضوعي، وبمواقفه الصريحة، وبحرصه على مستقبل مصر، في حوار موسّع يقدم فيه قراءة لتطور الأحداث في مصر، وبخاصة بعد ثورة 25 يناير إلى اليوم، وفق رؤية تحليلية شمولية تستحضر الخلفية التاريخية والسياسية لتلك الأحداث وتشابكاتها القطاعية المختلفة فضـلاً عن أبعادها المحلية والإقليمية.

* *

1 – مصر بعد مبارك

■ ماذا تحقق من وعود 25 يناير و30 يونيو؟ وكيف يمكن فهم ما جرى في مصر خلال تلك الحقبة الفريدة في تاريخها؟

□ لم يَعِد أحدٌ بشيء، لا في 25 يناير ولا في 30 يونيو، وذلك لسبب بسيط وهو أنه لم يكن هناك طرف يملك أو يستطيع أن يَعِد، أو لديه ما يضمن تنفيذ ما وعد به إن كان بمقدوره أن يعد أصـلاً. كل ما هنالك أن الشعب المصري كانت لديه أسباب متعددة تدفعه إلى التحرك للتعبير عن احتجاجه على السياسات المتبعة في عهد مبارك، وهو ما أدى إلى اندلاع ثورة كبرى في 25 كانون الثاني/يناير 2011؛ وبعد ما يقرب من عامين ونصف العام على هذه الثورة تراكمت أسباب أخرى دفعته إلى النزول إلى الشارع في 30 حزيران/يونيو 2013 لتصحيح مسار الثورة التي أدرك أنها تعرضت للاختطاف. وفي كلتا الحالتين كانت للشعب المصري مطالب محددة عبّر عنها بشعارات رفعها. ولأن ما جرى في 25 كانون الثاني/يناير كان ثورة مكتملة الأركان، شاركت فيها معظم الأحزاب والحركات السياسية وقطاعات عريضة من الشعب ممن ينتمون إلى ما يطلق عليه في علم السياسة «الأغلبية الصامتة»، فقد كان من الطبيعي أن يكون إسقاط النظام القائم في ذلك الوقت، وهو النظام الذي كان يقف مبارك على رأسه، في مقدمة الأهداف التي سعى الثوار لتحقيقها، كما كان من الطبيعي أن تعكس الشعارات التي رفعتها مطالب الشعب في «الحرية، الخبز، العدالة الاجتماعية» كأهداف ينبغي على النظام الجديد أن يسعى لتحقيقها.

الثورة التي اندلعت في مصر يوم 25 كانون الثاني/يناير فجّرها شبّان لا ينتمون إلى أي أحزاب سياسية، منفتحون على العالم الخارجي، يجيدون إدارة وسائل التواصل الاجتماعي، ناقمون على السياسات الداخلية التي كان ينتهجها النظام القائم في المجالات كافة، سواء ما تعلق منها بالحريات العامة ونشاط المجتمع المدني والأحزاب والحركات السياسية، أو ما تعلّق بعملية توزيع مكتسبات التنمية وأعبائها والنهوض بمستويات المعيشة، وبخاصة بالنسبة إلى الطبقات الفقيرة والمتوسطة. ومن المعروف أن قبضة الأجهزة الأمنية في عهد مبارك كانت ثقيلة جداً، وبخاصة إبّان السنوات العشر الأخيرة من حكمه، وهي الحقبة التي شهدت صعود «مشروع التوريث». لذا، لم يكن من المستغرب أن يمثّل الحادث الذي تعرّض له شاب اسمه خالد سعيد، والذي عكس أحد المظاهر البشعة لتجاوزات الأجهزة الأمنية، ما يشبه «الصاعق» أو المفجِّر للأوضاع القائمة المتردِّية، وأن يمثّل تكرار الاعتداءات على الكنائس شاهداً ودليـلاً على تزايد معاناة الأقباط في ظل تصاعد موجة المد الإسلامي وظهور نعرات طائفية متطرفة تمثّل تهديداً وتحدياً وجودياً لوحدة النسيج الاجتماعي في مصر. فقبل أيام معدودة من اندلاع ثورة 25 يناير تعرضت كنيسة القديسين في الإسكندرية لحادث إرهابي بشع أثناء قداس عيد الميلاد، وتردد أن أصابع أجهزة الأمن كان لها دور أو ضلع في هذا الحادث. ولأن ذلك كله كان يحدث في ظل محاولات مستمرة ومستميتة لتمرير «مشروع توريث السلطة»، بنقلها من مبارك الأب إلى جمال مبارك الابن، وهو المشروع الذي جسّد كل مساوئ النظام القائم: القمع، الانحياز إلى الأغنياء، بيع مصر والقطاع العام من خلال عملية ممنهجة للخصخصة لا تعكس أي إحساس بالعدالة الاجتماعية، فلم يكن من المستغرب أن يصبح رفض هذا المشروع هو النقطة التي تلتقي عندها القوى السياسية والاجتماعية كافة وتدفعها إلى التحرك من أجل تغيير النظام. فإذا ما تذكّرنا أن النظام الذي كان يسعى باستماتة لنقل السلطة من الأب إلى الابن ظل يحكم في مصر لمدة 30 سنة متواصلة، وأن نخبته الحاكمة وأذرعه الإعلامية كانت حتى عشية اندلاع الثورة لا تزال تروج لفكرة أن جمال مبارك هو الشخص الوحيد المؤهل لخلافة حسني مبارك ولا تكف عن ترديد سؤال أرادته تعجيزياً: «إذا لم يكن جمال فمن؟»، لتبين لنا بما لا يترك مجالاً للشك أن الأوضاع في مصر كانت قد وصلت إلى طريق مسدود، وأن نظامها الجمهوري بدا للجميع وكأنه في طريقه للتحول إلى ما يشبه النظام الملكي.

ولفهم حقيقة ما جرى في مصر في تلك الحقبة، ينبغي أن ندرك أن ثورة 25 يناير لم تبدأ من فراغ، ولم تندلع على نحوٍ فجائي؛ فالحراك السياسي، الذي أدى بالتراكم إلى بلوغ الأوضاع درجة الانفجار، بدأ قبل اندلاع الثورة بمدة طويلة، وتحديداً في نهاية عام 2004 وبداية عام 2005 مع ظهور حركة «كفاية». ولأن الأحزاب التقليدية كانت قد أصبحت جزءاً من النظام القائم وتكلّست إلى الدرجة التي أفقدتها القدرة والرغبة في العمل على تغيير الأوضاع القائمة، فقد كان من الطبيعي أن يقود الحراك السياسي الذي جسّدته حركة «كفاية» عناصر متمردة على الأحزاب الرسمية القائمة. وترجع أهمية حركة «كفاية»، في تقديري، إلى عاملين رئيسيين: العامل الأول، يتعلق بتكوينها، فقد أسسها نشطاء ينتمون إلى تيارات سياسية وفكرية مختلفة، ما جعلها معبرة بصورة أو بأخرى عن نبض الحركة الوطنية المصرية في مجملها لا عن وجهة نظر فصيل أو تيار بعينه. صحيح أن جماعة الإخوان المسلمين لم تكن رسمياً جزءاً منها أو طرفاً مؤسِّساً فيها، لكنها كانت على مقربة منها وعلى تنسق معها عبر جسور من التواصل والقبول المتبادل. أما العامل الثاني، فيتعلق بأسلوبها في العمل وممارسة النشاط، حيث كانت أول حركة سياسية في مصر تتحدى النظام القائم ميدانياً وتنزل إلى الشارع لحث الناس على التحرر من الخوف، وراحت تركز جهدها على تنظيم التظاهرات التي رفعت شعارها الشهير «لا للتوريث لا للتمديد».

في سياق كهذا، يمكن القول إن ظهور حركة «كفاية» كان بمنزلة المِعول الأول الذي بدأ يضرب بقوة في جدار النظام. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تأخر ظهور هذه الحركة حتى عام 2005؟ وهو سؤال تساعد الإجابة عنه على إلقاء الضوء على أحد العوامل المهمة الأخرى التي أدت دوراً لا يستهان به في تفعيل الحراك السياسي المعارض للنظام في مصر، ألا وهو العامل الخارجي. فلا شك أن التطورات التي شهدها النظام الدولي، وبخاصة عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، ساعدت على خلق ظروف مواتية لظهور هذا الحراك ونموّه؛ ويكفي هنا أن نتذكر أن تنظيرات أمريكية متعددة كانت قد ظهرت عقب هذه الأحداث تحث صانع القرار الأمريكي على إعادة النظر في مجمل أهداف وتوجهات السياسة الخارجية التي انتهجتها الولايات المتحدة تجاه الشرق الوسط، مفادها أن هذه السياسات سعت لترجيح كفة الاستقرار أكثر مما سعت لترجيح كفّة التحول الديمقراطي في هذه المنطقة من العالم، لكنها فشلت في تحقيق الاثنين معاً، وهو ما أدى إلى ظهور تيارات وحركات إسلامية متطرّفة مثّلت تهديداً مباشراً لأمن الولايات المتحدة وتمكنت من توجيه ضربات موجعة لها في عقر دارها هزت صورتها ونالت من هيبتها على الصعيد الدولي. وقد خلصت هذه التنظيرات إلى أن حل هذه المعضلة الكبرى يكمن في تبني نهج مختلف لا يؤدي إلى الاعتماد كلياً على نظم القمع العربية في تحقيق المصالح الأمريكية، ويسمح في الوقت نفسه بالانفتاح على مختلف القوى المعارضة، بما في ذلك الفصائل المعتدلة من تيار الإسلام السياسي التي ينبغي تأهيلها لكي تصبح بديـلاً محتمـلاً للجماعات الإسلامية المتطرّفة إن دعت الضرورة، وحذَّرت من أن استمرار السياسات الأمريكية على ما هي عليه سيؤدي إلى ظهور جماعات وتيارات إسلامية أكثر عنفاً وتطرفاً من تلك التي ضربت في نيويورك وواشنطن. بعبارة أخرى، يمكن القول إن الضغط الخارجي كان أحد العوامل التي دفعت بالنظام المصري إلى إظهار قدر أكبر من التسامح مع حركات المعارضة وتوسيع نطاق حرية التعبير.

في ظل هذا المناخ المتسامح نسبياً بدأت تظهر حركات معارضة أخرى، كان من أهمها حركة 6 أبريل، وهي حركة شبابية ضمت بدورها عناصر من خارج الأحزاب التقليدية أو متمردة عليها، وأظهرت قدراً أكبر من الوعي بأهمية التنسيق مع الطبقة العاملة، وهو عامل كان له تأثير مهم في الشارع وساهم في جذب أنصار جدد، وبخاصة من شبّان وشابات ينتمون إلى الشرائح الدنيا من الطبقات المتوسطة. ثم ظهرت «الحملة المصرية ضد التوريث» وبعدها «الجمعية الوطنية للتغيير». وقد أتيح لي شخصياً أن احتك بهاتين الحركتين من قرب، فقد تم اختياري في البداية منسقاً عاماً للحملة ضد التوريث، وبهذه الصفة توليت بنفسي تنظيم الاجتماع الذي شهد ولادة «الجمعية الوطنية للتغيير». وهو الاجتماع الذي تم في منزل محمد البرادعي نفسه عقب عودته من فيينا، حيث أصبح هو رئيساً للجمعية وتوليت بنفسي موقع المنسق العام.

ما أريد أن أخلص إليه هنا أن لثورة 25 يناير إرهاصات وجذور عميقة؛ فهي لم تنشأ أو تندلع من فراغ، ولم تكن تعبيراً عن لحظة انفعال أو غضب جماهيري، بل كانت تعبيراً عن عملية تراكمية بسبب الرفض الشعبي المتزايد لمجمل سياسات مبارك على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي السياسات التي جسدها وبلورها مشروع التوريث على أوضح صورة.

كان اختيار يوم 25 كانون الثاني/يناير، وهو يوم الاحتفال السنوي بعيد الشرطة في مصر، لبدء عملية التظاهر والاحتجاج ضد الممارسات القمعية للنظام، موفقاً إلى أبعد الحدود، بسبب دلالته الرمزية التي لا تُخفى على أحد. أتذكر أنني كنت ليلة هذا الحدث الكبير مدعواً إلى العشاء في نادي السيارات مع مجموعة من الأصدقاء، جميعهم من الناشطين أو المتابعين للحركة السياسية في مصر، وتوقع الجميع أن تكون تظاهرة اليوم التالي أكبر نسبياً من المعتاد، لكن أحداً لم يتوقع على الإطلاق أن تكون هي الشرارة التي ستشعل ثورة عارمة في مصر كلها. وفي تقديري أن عوامل كثيرة ساعدت على حدوث هذا التحول الكبير في مسار الأحداث، منها: استخدام الأجهزة الأمنية أساليب عنيفة في قمع المتظاهرين وصلت إلى حد القتل والسحل أحياناً وبخاصة في مدينة السويس؛ وقدرة الشباب الهائلة على التعبئة والحشد عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت قد بدأت تنتشر على نحوٍ ملحوظ؛ وعجز النخبة الحاكمة عن فهم ما يحدث واتسام ردود أفعالها بالبطء في اتخاذ القرارات الصحيحة في التوقيت المناسب… إلخ. كل هذه العوامل منحت التظاهرات التي بدأت صباح يوم 25 كانون الثاني/يناير 2011 زخماً لم يتوقعه أحد، وهو ما حولها من حركة احتجاجية ضد الممارسات القمعية للأجهزة الأمنية إلى ثورة شعبية راحت مطالبها تتصاعد باطراد إلى أن وصلت إلى حد المطالبة بتغيير النظام ككل، كما راحت أهدافها تتضح باطراد، إلى أن تبلورت في شعارات «الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية»، ثم راحت هذه الحركة تتسع أفقياً باطراد إلى أن أصبحت تضم القوى السياسية كافة، بما فيها الأحزاب التقليدية التي كانت قد أبدت تحفظات عليها أو وقفت ضدها صراحة في البداية، الأمر الذي كان يضاعف تدريجاً من قدرتها على التمدد والانتشار والصمود.

بعد هذه المقدمة، التي طالت بعض الشيء لكنها ربما تكون ضرورية لإلقاء الضوء على حقيقة ما حدث في مصر والتعرف إلى طبيعة الثورة التي اندلعت فيها، أريد أن أعود الآن إلى سؤال: كيف يمكن فهم ما جرى لأضيف أن الشعارات التي رفعت في الميادين آنذاك كانت تعبّر عن مطالب شعبية، لا عن برنامج أو عن مشروع سياسي لحزب أو حركة أو فصيل أو تجمع بعينه. فلم يكن لدى أي من الحركات السياسية التي ساهمت في تفجير الثورة، بما في ذلك حركتا كفاية و6 أبريل اللتان ساهمتا في إطلاق الحراك الذي مهّد لها، برنامج أو مشروع سياسي أو حتى إطار فكري محدد. فالواقع أن معظم هذه الحركات، وهي حركات احتجاجية في الأساس، كانت تدرك بوجه عام ما تعترض عليه لكنها لم تكن تدرك أو تتفق فيما بينها بالضرورة على ما ينبغي أن يكون بعد ذلك. بعبارة أخرى، يمكن القول إن ما جرى في 25 كانون الثاني/يناير عكس رغبة مشتركة في التخلّص من النظام القائم وإسقاطه، ثم البحث بعد ذلك عما يمكن لهذه الحركات أن تتفق أو تتوحد حوله وشكل وتوقيت الخطوات التالية. لذا، ما إن نجحت هذه القوى في إجبار رأس النظام على التنحي عن السلطة في 11 شباط/فبراير حتى دبت الخلافات بينها ولم تعرف كيف تتصرف بعد ذلك، حيث حاول كل منها تحريك البوصلة في اتجاه مختلف، الأمر الذي أدى، لا إلى فشلها فقط وإنما إلى الارتداد إلى أسوأ مما كان قائماً قبلها.

وهذا ينقلنا بطبيعة الحال إلى ما جرى في 30 يونيو 2013، وهو أمر كان مختلفاً كلياً عما جرى في 25 يناير 2011، ولا يزال توصيفه محل جدل وخلافات عميقة. ففي حين يصف البعض ما جرى في 30 يونيو بالانقلاب العسكري على نظام شرعي منتخب، يصفه آخرون بالثورة على حكم جماعة الإخوان أو يرون على الأقل أنها انتفاضة شعبية ضد حكم الإخوان ساندها الجيش. وفي تقديري أن ما جرى يصعب وصفه باستخدام هذا النوع من المصطلحات. فما كان بمقدور المؤسسة العسكرية المصرية أن تعود من جديد للهيمنة المطلقة على مقاليد السلطة كافة في مصر، وبخاصة بعد ثورة شعبية كبرى كانت في أحد أبعادها ثورة على الحكم العسكري في الوقت نفسه، لولا أخطاء جسيمة وقعت فيها جماعة الإخوان وأدت إلى تخلي قطاعات شعبية واسعة عن دعمها وتأييدها. فما جرى في 30 يونيو لم يحدث فجأة ولم ينبع من فراغ، ولكن كان له أيضاً سياقه وجذوره وإرهاصاته، وكان هدفه الأساسي في البداية تصحيح مسار الثورة الأم التي اقتنع كُثُر أن جماعة الإخوان كانت قد تمكّنت من سرقتها فعـلاً، حتى ولو كان ذلك قد تم لها عبر صناديق الاقتراع. ومع ذلك، يقر كُثُر الآن، بما في ذلك شرائح متعددة من النخبة التي حرضت الجماهير على النزول إلى الشوارع في 30 حزيران/يونيو، بأن الجيش هو الذي يحكم حالياً وبصورة مباشرة، وبأن النظام السياسي الحالي في مصر لا يعبّر بأي حال من الأحوال عن تطلعات الجماهير التي خرجت للتظاهر في ذلك اليوم المشهود، وهو ما يتطلب شرحاً تفصيلياً قد يكون من الأفضل أن نتعرض له في موضع آخر من هذا الحوار.

■ بعد مرور نحو ثماني سنوات على ثورة يناير، هل تعتقد أن هذه الثورة شكلت إضافة نوعية للوعي السياسي والاجتماعي، على الأقل من منظور الإدراك العام لدى معظم طبقات المجتمع المصري بأنها تستطيع حين تريد وبأن ما يراه البعض مستحيـلاً قابل للتحول إلى ممكن إذا توافرت شروط معينة؟

□ لا شك أن ما جرى في 25 يناير مثّل إضافة نوعية للوعي السياسي والاجتماعي في مصر، لكن قياس الوزن أو الحجم الصحيح لهذه الإضافة يفرض علينا أن نأخذ في الحسبان البعدين الإقليمي والدولي وما طرأ عليهما من تغييرات. أقصد بالبعد الإقليمي هنا ما جرى في تونس قبيل اندلاع الثورة المصرية، من ناحية، وردود أفعال بعض القوى الإقليمية التي تحركت بدافع الخوف على عروشها عقب امتداد الثورة إلى دول عربية متعددة، من ناحية أخرى. أما البعد الدولي فأقصد به طبيعة النظام الدولي السائد إبان الثورة وما طرأ عليه من تغيّرات بعدها. فما لا شك فيه أن النموذج التونسي كان حاضراً في أذهان الشباب المصري منذ اللحظة الأولى التي بدأ يتدفق فيها على ميدان التحرير صبيحة يوم 25 كانون الثاني/يناير. ومع تطور الأحداث كان المتظاهرون المحتشدون في ميادين مصر يتطلعون إلى ما جرى في تونس كنموذج يحتذى ويرون في إسقاط بن علي وإجباره على الرحيل أمراً قابـلاً للتكرار في مصر، وحين تمكن الشعب المصري من إجبار مبارك على التخلي عن السلطة، وتمكن بالتالي من إنجاز ما سبق للشعب التونسي أن تمكن من تحقيقه، راح كل شعب عربي يتعامل مع التحديات التي تواجهه انطلاقاً من واقعه السياسي والاجتماعي الخاص، والمتفاعل بالضرورة، كل بطريقته الخاصة، مع البيئتين الإقليمية والعالمية المحيطة. لذا كان من الطبيعي أن تتفرق السبل والطرق بعد ذلك، فبينما تمكن الشعب التونسي من حماية ثورته وتجنّب الوقوع في وحل الاستقطاب، لم يستطع الشعب المصري حماية ثورته وسقط في فخ الاستقطاب الذي مهد الطريق نحو 30 يونيو.

تجدر الإشارة هنا إلى أن القوى الاجتماعية والسياسية التي صنعت 25 يناير تختلف كلياً عن تلك التي صنعت 30 يونيو، كما أن الشعارات التي رفعت في 25 يناير تختلف كلياً عن الشعارات التي رفعت في 30 يونيو. وقد سبق لنا التحدث باستفاضة عن الشعارات التي رفعت في 25 يناير، والتي جسدت ثورة شعب بمختلف قطاعاته في مواجهة نظام مبارك القمعي المنحاز للأغنياء، والراغب في توريث السلطة في الوقت نفسه لابن رئيس ظل يحكم لمدة ثلاثين عاماً. ما حدث في 30 يونيو كان أمراً مختلفاً تماماً، وبخاصة عقب التغير التدريجي لمشاعر «الأغلبية الصامتة» تجاه جماعة الإخوان. فمن المعروف أن مشاعر هذه «الأغلبية» تجاه الجماعة كانت إيجابية في البداية، وذلك لأسباب كثيرة، ربما كان أهمها أنها تحملت العبء الأكبر من قمع النظام وأنها كانت أكثر انضباطاً وأقل فساداً من الآخرين. لكن بمرور الوقت بدأ كُثُر يغيرون من مواقفهم ومشاعرهم تجاه الجماعة، وبخاصة عقب حصولها على أغلبية المقاعد في مجلسي الشعب والشورى، ثم فوزها في الانتخابات الرئاسية. ما غيّر من هذه الصورة الإدراكية لدى «الأغلبية الصامتة» هو سلوك الجماعة نفسها، الذي اختلف كلية عقب تمكنها من تحقيق هذين الإنجازين، مقارنة بما كانت عليه الحال قبلهما. ويبدو أن الجماعة تصورت أن حصولها في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة على أغلبية المقاعد في مجلسي الشعب والشورى ثم على رئاسة الدولة، عقب فوزها في الانتخابات الرئاسية، يمنحها تفويضاً شعبياً يسمح لها باحتكار السلطة وحدها واستبعاد شركاء الثورة، كما يسمح لها في الوقت نفسه بالبدء في وضع مشروعها السياسي الخاص موضع التنفيذ، بعيداً من مطالب قوى الثورة التي لولاها لما انفتح طريق السلطة أمام الجماعة أصـلاً. بعبارة أخرى، يمكن القول إن نجاح الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية ولد لديها إحساساً بأنها أصبحت الوريث الشرعي والوحيد للثورة، وأنه يعطيها الحق لا في احتكار السلطة فقط بل في الاعتقاد أيضاً بأن الإرادة الشعبية منحتها تفويضاً بإحلال المشروع السياسي الخاص للجماعة محل التوجهات السياسية والاجتماعية العامة للثورة. وكان هذا بداية حالة الاستقطاب الحاد التي لا يزال الشعب المصري يعانيها والتي يصعب في ظل استمرارها أن يثمر الوعي السياسي الجمعي العام أو يزهر شيئاً له قيمة. فمن الناحية النظرية البحتة يمكن القول إن إقدام الشعب المصري على تفجير ثورة كبرى ضد نظام مبارك ثم على تفجير انتفاضة هائلة ضد حكم الإخوان عكس درجة عالية جداً من الوعي السياسي لدى معظم الطبقات السياسية والاجتماعية، غير أن صفحة جديدة في تاريخ مصر السياسي بدأت حين تمكنت المؤسسة العسكرية من الإفادة من تناقضات هذه المرحلة لاستعادة هيمنتها المطلقة على مقاليد الأمور في مصر من جديد، ولا نعرف متى وكيف تنتهي هذه الصفحة وإلى أين تقود. ومع ذلك يمكن القول إن أغلبية المصريين الذين نزلوا إلى الشارع في 30 حزيران/يونيو كانوا يعتقدون أن الجيش ساند انتفاضة شعبية ضد الإخوان وليس طامعاً في السلطة، وبالتالي يمكن أن يؤدي دوراً مسانداً للتحول الديمقراطي مثلما حدث في بداية ثورة يناير، غير أن هذا الاعتقاد لم يكن صحيحاً، وتعين مرور عدة سنوات قبل أن تدرك الأغلبية هذه الحقيقة التي بدأت تظهر الآن بوضوح تام. وتشير عدة استطلاعات للرأي، بما فيها تلك التي قامت بها مراكز وثيقة الصلة بالنظام لكنها تتمتع بقدر ما من السمعة العلمية الطيبة، بأن شعبية الرئيس السيسي تدهورت بسرعة في السنوات الأخيرة وأن هذا التدهور لا يزال مستمراً ويتزايد بسرعة. لكن إلى أين يقود هذا التدهور؟ وهل مصر تتجه نحو ثورة أو انتفاضة جديدة؟ لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال الآن. لكن المؤكد أن جماهير الشعب المصري لا تزال تبحث عن «الخبز والحرية والكرامة الإنسانية»، وكلها شعارات لم يتحقق منها شيء حتى الآن، لكنني على يقين من أنها لم ولن تتخلى مطلقاً عن هذا الطموح على الرغم من أن الخوف ما زال هو سيد الموقف حتى الآن، لكن من يدري؟ فقد تأتي المفاجأة من حيث لا يتوقع أحد هذه المرة!

■ هل لك أن توضح لنا كيف تطورت العلاقة بين جماعة الإخوان وبين القوى السياسية المختلفة بعد ثورة يناير وكيف وصلت الأمور إلى هذا الوضع المأزوم؟

□ إحساس الجماعة بأنها القوة السياسية الأكثر تنظيماً وانضباطاً وفاعلية، مقارنة بالقوى السياسية الأخرى الأكثر تشرذماً وانقساماً على نفسها، دفعها إلى ارتكاب عدد من الأخطاء وغيّرت تدريجاً من طبيعة العلاقة التي ربطتها بمختلف الأحزاب والقوى والحركات السياسية، وبخاصة تلك التي شاركت في الثورة، وهو ما بدا واضحاً عقب تنحي مبارك عن السلطة مباشرة؛ فقبيل فتح باب الترشُّح للانتخابات البرلمانية صدرت تصريحات عن الجماعة تفيد أنها لن تتقدم بمرشحين في كل الدوائر الانتخابية وستكتفي بنسبة لن تتجاوز 30 بالمئة من مقاعد البرلمان، لكن ما إن أغلقت أبواب الترشُّح في هذه الانتخابات حتى تبيّن أنها تقدمت بمرشحين في أكثر من 90 بالمئة من الدوائر الانتخابية. وكانت تصريحات متعددة قد صدرت عنها إبان المرحلة نفسها تؤكد أنها راغبة في أن يكون البرلمان المقبل متنوع التمثيل ومعبراً عن قوى الثورة، ومن ثم فستحاول إقناع عدد من الرموز السياسية لتصدر قوائمها الانتخابية في عدد من الدوائر لضمان فوزهم، لكن تبيّن فيما بعد أن تصريحاتها في هذا الموضوع كانت للمناورة وهي لم تقم فعلياً إلا بترشيح عدد محدود جداً من هذه الرموز. وما إن تمكنت الجماعة من الحصول على النسبة الكبرى من المقاعد في مجلسي البرلمان، مقابل حصول حزب النور السلفي على أكثر من 20 بالمئة من هذه المقاعد، حتى بدأت تتحالف مع عدد من الفصائل السلفية، رغم إدراكها التام أن معظم هذه الفصائل مخترق من الأجهزة الأمنية، بل وقف ضد الثورة في البداية وحاول إجهاضها بإصدار فتاوى تحرم الخروج على إرادة ولي الأمر ثم تظاهر بالانضمام إلى الثورة لتخريبها من الداخل. وقد ظهر تحالف الجماعة مع القوى السلفية جلياً إبان معركة تأليف الجمعية التأسيسية التي أُلِّفت لكتابة دستور جديد وكذلك إبان المناقشات التي شهدتها تلك الجمعية حول صوغ مواد الدستور نفسه.

كانت جماعة الإخوان تدرك أن القوى والحركات الليبرالية واليسارية ضعيفة ومنقسمة على نفسها وليس لها ثقل شعبي أو انتخابي، وهو ما يفسر إصرارها على التعجيل بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، بدلاً من المحافظة على وحدة القوى الثورية التي كان تماسكها أمراً ضرورياً وحيوياً لاستئصال بقايا النظام القديم. ولأنها كانت تدرك جيداً أنها ستتمكن من اكتساح أي انتخابات عامة تعقد، يبدو أن أحد الأهداف التي سعت لتحقيقها من وراء التعجيل بإجراء الانتخابات هو إظهار تهافت القوى العلمانية، بجناحيها الليبرالي واليساري، وافتقارها إلى التأييد الشعبي. وتأسيساً على هذه الاستراتيجية الإقصائية، أقدمت جماعة الإخوان على ارتكاب سلسلة من الأخطاء التي عمقت لدى شركاء الثورة شعوراً بأنها تحاول لا تهميشهم فقط وإنما سرقة الثورة أيضاً واستخدام الانتخابات وسيلة تبرر الشروع في وضع مشروعها السياسي الخاص موضع التطبيق. أما الرئيس مرسي نفسه فقد ارتكب في تقديري أخطاء كثيرة في عام واحد، منها خطآن رئيسيان: الأول، حين أصدر إعلاناً دستورياً ركز بمقتضاه السلطات والصلاحيات كافة في يده، من دون أن يضمن اصطفاف القوى الثورية كلها وراءه، ما أظهره بمظهر المستبد الذي يريد أن يستخدم صلاحياته لدعم المشروع الإخواني؛ والثاني: حين قبل حضور اجتماع جماهيري حاشد دعت إليه القوى السلفية وتم خلاله فتح باب الجهاد لنصرة الثورة السورية وقطع العلاقة بحكومة الرئيس بشار الأسد من دون تشاور مسبق مع وزارة الخارجية. ولأن جماعة الإخوان بدت حينئذ وكأنها جزء لا يتجزأ من حركة جهادية عالمية وأنها لا تختلف كثيراً عن القوى الجهادية الأكثر تطرفاً، لم أتردد في كتابة مقال نشر في صحيفة المصري اليوم في اليوم التالي لانعقاد المؤتمر قلت فيه بوضوح تام «ليست هذه مصر التي أعرفها ولا مصر التي أحبها». وهناك من يعتقد أن قرار إقالة كل من المشير حسين طنطاوي، وزير الدفاع، والفريق سامي عنان، رئيس الأركان، وتعيين عبد الفتاح السيسي وزيراً جديداً للدفاع، كان خطأ مرسي الأكبر لأنه كسر بهذا القرار غير المفهوم الدوافع والأهداف، قاعدةَ الأقدمية الذهبية التي حرص كل رؤساء مصر السابقين على مراعاتها، ما فتح الباب أمام قيادة شابة متهورة وعديمة الخبرة بالسيطرة على الجيش وتسخيره فيما بعد لخدمة طموحاتها الشخصية مستغلة حالة الارتباك والتناقضات التي سادت خلال تلك المرحلة التي اتسمت بقدر كبير من السيولة.

■ هل تعتقد أن ما جرى كان عملية مخططة استدرجت إليها الأطراف المختلفة أم أنه نجم عن عملية تفاعلية عفوية أو تلقائية؟ وكيف تقيّم تطور العلاقة بين الإخوان والمؤسسة العسكرية، وبخاصة عقب ثورة يناير؟

□ يصعب تقديم إجابة قاطعة عن هذا السؤال الذي أظن أنه سيشغل بال المؤرخين كثيراً في المستقبل. ومع ذلك فإن ما يتوافر من المعلومات حتى الآن يسمح بتقديم رؤية تحليلية قابلة للصواب والخطأ وستكشف الأيام مدى دقتها. المعروف أن ثورة يناير نهضت بها أو شاركت فيها أطراف وقوى كثيرة مختلفة الرؤى والدوافع والأهداف كما سبقت الإشارة، وتربّصت بها في الوقت نفسه أطراف وقوى كثيرة محلية وإقليمية. ولأن المؤسسة العسكرية تولت بنفسها إدارة المرحلة الانتقالية التي تجلت فيها بوضوح قوة التيارات الإسلامية، وبخاصة جماعة الإخوان، فقد كان من الطبيعي أن تكون العلاقة بين المؤسسة والجماعة هي الأكثر تحكماً في مسار الأحداث التي أعقبت الثورة. هنا يتعيّن الانتباه إلى أن تحليل العلاقة بين المؤسسة العسكرية وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، سواء إبان ثورة يناير وما بعدها أو إبان انتفاضة 30 يونيو وما بعدها، يحتاج إلى تناول الأمر من أكثر من زاوية وإلى استخدام أدوات تحليلية مختلفة؛ فالجيش المصري ليس حزباً أو حركة أو جماعة أو تياراً سياسياً، وإنما هو مؤسسة كانت ولا تزال تتمتع بوضع خاص ومقدر في الحياة السياسية المصرية، أملته اعتبارات تاريخية وجيوسياسية ساهمت في خلق رابطة خاصة بينها وبين الشعب وألقي على عاتقها في بعض المفاصل التاريخية التزامات ومسؤوليات دفعتها إلى أخذ زمام المبادرة والفعل، مثلما حدث أيام عرابي وعبد الناصر. لكن علينا ألا ننسى في الوقت نفسه أن قيادات هذه المؤسسة عند اندلاع ثورة يناير كانت من اختيار مبارك نفسه، وبالتالي كانت تعد جزءاً لا يتجزأ من نظام مبارك وأحد حصونه المنيعة. ورغم ذلك، توجد مؤشرات متعددة على أن هذه المؤسسة لم تكن تشعر بالارتياح تجاه «مشروع التوريث» الذي تم رفعه وتحميله على أكتاف وزارة الداخلية، من ناحية، ومجموعة منتقاة من رجال الأعمال، من ناحية أخرى. ورغم إدراك مبارك لهذه الحقيقة جيداً إلا أنه حين وجد نفسه مضطراً إلى التنحي عن السلطة بعد أسابيع من اندلاع الثورة لم يستطيع أن يعثر على خيار أفضل من أن يعهد بها إلى المؤسسة العسكرية. ذلك بأنه لم يقدم استقالته إلى المؤسسات المعنية في الدولة لاتخاذ ما تراه من تدابير تتسق مع الدستور المعمول به، وإنما سلّم السلطة مباشرة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة ليتولّى الأخير بنفسه قيادة المرحلة الانتقالية بعد رحيله. وبصرف النظر عن مدى دستورية هذه الخطوة أو عدم دستوريتها، فإن قوى الثورة، بما فيها جماعة الإخوان، لم تعترض عليها وأقرتها صراحة أو ضمناً. ولا شك أن المؤسسة العسكرية ارتكبت عدداً من الأخطاء إبان إدارتها المرحلة الانتقالية، لكن يصعب تحديد ما إذا كان ذلك قد تم عن قصد أو من دون قصد، لأن الوضع العام كان يبدو وقتذاك في حالة سيولة تامة، ولم يكن بمقدور جهة بعينها أن تقرر المسار وحدها، وكان كل طرف يقوم بتحديد مواقفه وسياساته في ضوء ردود أفعال ومواقف الأطراف الأخرى، وبخاصة المؤثرة منها في توجهات الشارع. ومع ذلك فهناك بعض الأمور التي يسهل حسمها أو استنتاجها؛ منها على سبيل المثال لا الحصر موقف المؤسسة العسكرية من مشروع التوريث ومن الثورة. وكان تقديري الشخصي أن الجيش وقف ضد مشروع التوريث، وربما كان على استعداد للتضحية بمبارك نفسه لقطع الطريق على هذا المشروع، لكنه لم يكن مع الثورة ولم يتبنَّ كل مطالبها. وقد كتبت مقالاً بهذا المعنى نشر أيضاً في المصري اليوم تحت عنوان «ضد التوريث وليس مع الثورة»، شرحت فيه موقف قيادة المؤسسة العسكرية من مشروع التوريث الذي لم تتحمس له في أي يوم من الأيام. فمبارك، رجل عسكري تقدم به العمر كثيراً، وكانت هناك خطط يجري إعدادها داخل جهاز الاستخبارات العسكرية، الذي كان يرأسه عبد الفتاح السيسي آنذاك، لمواجهة احتمال حدوث اضطرابات سياسية إذا ما قرر مبارك عدم الترشح لولاية جديدة، لأسباب صحية، وقرر الحزب الحاكم ترشيح جمال مبارك بدلاً منه. كانت تقديرات الاستخبارات العسكرية تشير، في حدود معلوماتي، إلى أنها ترجِّح إحجام مبارك عن الترشح وإقدام الحزب الوطني على إعلان ترشيح نجله جمال رسمياً في حزيران/يونيو 2011، ومن ثم أوصت بضرورة تجهيز خطة لاحتمال نزول الجيش إلى الشارع في حال حدوث اضطرابات شعبية. كل ما حدث أن الثورة انطلقت قبل الموعد الذي توقعته الاستخبارات العسكرية بستة أشهر، الأمر الذي يفسر حالة الاستعداد الذهني والنفسي التي بدا عليها الجيش لمواجهة احتمالات من هذا النوع، وهو ما لاحظه الجميع.

وأياً كان الأمر، توجد مؤشرات كثيرة تؤكد أن الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، ومن موقعه آنذاك كمدير للاستخبارات العسكرية، كان هو المسؤول الفعلي عن إدارة هذا الملف. وفي تقديري الشخصي أن تفكير المؤسسة العسكرية اتجه في البداية إلى اقتسام السلطة مع جماعة الإخوان، بوصفها الجماعة الأكثر تنظيماً وقدرة على تهدئة الشارع، وأريد لهذا الاقتسام أن يتم وفقاً لقاعدة «لكم البرلمان ولنا الرئاسة». ولا أستبعد شخصياً أن يكون الطرفان قد توصلا إلى نوع من الاتفاق الضمني بينهما، يسمح بموجبه لجماعة الإخوان أن تحصل على أقصى ما تستطيع الحصول عليه من مقاعد البرلمان، مقابل الامتناع عن التقدم بمرشح إخواني في الانتخابات الرئاسية، وهو ما يعني حجز المقعد الرئاسي لمرشح من الجيش أو لمرشح توافقي يقبله الطرفان. وقد ظهرت مؤشرات متعددة تفيد بأن الأمور تسير في هذا الاتجاه فعـلاً، بدليل إعلان الجماعة رسمياً عدم نيتها التقدم بمرشح في انتخابات الرئاسة، وعلى لسان سعد الكتاتني شخصياً، الذي تولى بنفسه رئاسة مجلس الشعب لاحقاً. لكن فجأة، ولأسباب لا تزال محل جدل وخلاف، تخلت الجماعة عن هذا الموقف التوافقي، وقررت خوض الانتخابات الرئاسية بمرشح من عندها، وكان هذا هو أحد الأسباب الرئيسية للتغير الذي طرأ على طبيعة العلاقة القائمة بين المؤسسة العسكرية وجماعة الإخوان وانتقالها من النمط التعاوني إلى النمط الصراعي. عند هذه النقطة تحديداً، بدأت التفاعلات تتجه نحو المسار الذي قاد في النهاية إلى انتفاضة 30 يونيو.

على صعيد آخر، يلاحظ أن علاقة جماعة الإخوان ببقية الفصائل السياسية طرأت عليها تدريجاً تغيرات كثيرة، مقارنة بما كانت عليه قبل ثورة يناير. فعلى الرغم من ارتكاب الجماعة أخطاءً متعددة في حق شركاء الثورة الذين أحسوا بالتهميش وبرغبة الجماعة في الهيمنة المنفردة على مقاليد السلطة، كانت بعض القوى الليبرالية واليسارية لا تزال مستعدة لتأييد محمد مرسي، مرشّح الإخوان في جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، أمـلاً في قطع الطريق على القوى المضادة للثورة، وللحؤول دون فوز الفريق أحمد شفيق الذي كان ينظر إليه كمرشح لقوى الثورة المضادة. غير أن الأخطاء التي ارتكبها مرسي أثناء حقبة ولايته القصيرة، والتي أشرت من قبل إلى أهمها، أدت إلى انفضاض الجميع من حوله تدريجاً ومهّد إلى قيام تحالف موضوعي، أظنه غير مقصود وبلا تخطيط مسبق بالضرورة، يتألف من: القوى الليبرالية واليسارية التي شعرت بأن الثورة تسرق منها بواسطة جماعة الإخوان المتحالفة مع معظم التيارات السلفية، وفلول نظام مبارك، وقوى الدولة العميقة المدعومة من جانب المؤسسة العسكرية ومختلف الأجهزة الأمنية، وبخاصةٍ التابعة لوزارة الداخلية التي تحركها دوافع انتقامية. هذا التحالف غير المتوقع هو الذي صنع الحدث في 30 يونيو. غير أنني لا أستبعد أن يكون تنسيقٌ ما قد تم بين بعض ممثلي هذه القوى، وبين أطراف عربية وإقليمية (بما فيها إسرائيل) كانت تتحرّق شوقاً للتخلص من حكم جماعة الإخوان في مصر، وقررت النزول بثقلها المالي والسياسي لتحقيق هذا الهدف، بصرف النظر عن وجود تنسيق مسبق أو عدم وجوده. وفي سياق كهذا، يمكن القول من دون ارتكاب خطأ كبير إن مصر شهدت حالتين ثوريتين في أقل من سنتين ونصف السنة، واحدة أفضت إلى تفجير ثورة 25 يناير ضد نظام مبارك، والأخرى أفضت إلى تفجير انتفاضة 30 يونيو ضد حكم جماعة الإخوان الذي لم يكن قد تمكن بعد من ترسيخ أقدامه.

فقبيل 30 يونيو، تصور بعض الحالمين من الليبراليين أن التحرك الشعبي، حتى لو أدى إلى إجبار الرئيس المنتخب على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة أو تقديم استقالته، سيسفر عن إدارة أكثر ديمقراطية من دون مشاركة الإخوان. غير أن إصرار جماعة الإخوان على مواجهة ما عدته انقلاباً عسكرياً، من ناحية، وتصدر السيسي الذي صمم على استئصال جماعة الإخوان، من ناحية أخرى، ساعد على التحول التدريجي لحالة الاستقطاب السياسي والفكري بين التيارات الإسلامية والعلمانية إلى مواجهة مباشرة بين الطرفين، وهي المواجهة التي بلغت ذروتها بفض الاعتصام بالقوة المسلحة وبطريقة وحشية أدت إلى سقوط مئات الضحايا في يوم واحد. ويلاحظ هنا أن نزول الجماهير إلى الشارع تم في مناسبتين مختلفتين، الأولى في 30 يونيو، وفيها بدا التحرك شعبياً للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة أو تنحية الرئيس إذا رفض، والثانية بعد ذلك بأيام، حين طلب السيسي، وكان وقتها وزيراً للدفاع أيضاً، أن يمنحه الشعب تفويضاً بمكافحة الإرهاب، وأن ينزل إلى الشارع للتعبير عن تأييده لهذا المطلب. أي أن السيسي أراد أن يتصدر المشهد بنفسه والإيحاء في الوقت نفسه بأن الجيش بقيادته يساند انتفاضة الشعب في مواجهة الإخوان، وترافق ذلك كله مع حملة مبالغ فيها لشيطنة الجماعة واستخدامها كفزاعة، من خلال تصويرها كجماعة إرهابية تحارب الجيش والقوى الأمنية وبالتالي يتعين استئصالها. وفي سياق هذه المواجهة كان من الطبيعي أن تبحث الجماهير عن شخصية تمثلهم، واستطاع السيسي أن يفرض نفسه على القطاع الأعرض منها.

وأياً كان الأمر، فقد ساد في لحظة ما اعتقاد مفاده أن في استطاعة القوى التي تكتلت في مواجهة الإخوان إقامة نظام ديمقراطي من دون مشاركة تيار الإسلام السياسي، أو على الأقل استحداث صيغة تحول دون هيمنة هذا التيار من دون أن تستبعده كلية من المشهد السياسي. لذا حظيت خارطة الطريق التي أعلنها وزير الدفاع في 3 تموز/يوليو بتأييد شبه إجماعي من جانب كل القوى السياسية، باستثناء جماعة الإخوان والقوى المتحالفة معها. وقد يكون من المفيد أن نعيد التذكير هنا بحقيقة مهمة، وهي أن هذه الخارطة تضمنت بنوداً واضحة وصريحة تشير إلى نية النظام الجديد الوصول إلى مصالحة وطنية شاملة وإلى الحرص على تحقيق العدالة الانتقالية، وتبع إعلانها على الفور وصول عدد من رموز الليبرالية السياسية، لأول مرة منذ ثورة يناير، إلى سدة الحكم. فقد تم تعيين محمد البرادعي، الرئيس السابق للجمعية الوطنية للتغيير، نائباً لرئيس الجمهورية، وحازم الببلاوي، الاقتصادي المعروف ونائب رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي، رئيساً للوزراء، وتقلد عدد من النشطاء المحسوبين على الثورة مناصب وزارية في حكومة الببلاوي، لكن ذلك لا ينفي أبداً حقيقة أن المؤسسة العسكرية كانت هي الممسك الفعلي بخيوط السلطة كافة. حينها لم يكن واضحاً بما فيه الكفاية أن شخصاً طموحاً بعينه من رموز المؤسسة العسكرية هو من يحرك الأحداث ويمسك بكل الخيوط من وراء ستار، وأنه هو الذي أدرك أكثر من غيره أن اللحظة باتت مناسبة للتخلص من حكم الإخوان ولتمكين المؤسسة العسكرية من استعادة هيمنتها من جديد. هكذا عاد النظام القديم، أي نظام ما قبل ثورة 25 يناير، إلى صدارة المشهد السياسي ولكن بأسماء وقيادة وفلسفة ورؤية جديدة.

بعبارة أخرى، يمكن القول إن انطباعاً ساد قبيل 30 يونيو، وبخاصة من جانب بعض الليبراليين الحالمين، مفاده أن التحرك الشعبي والنزول إلى الشارع، حتى لو أدى إلى إجبار الرئيس المنتخب على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة أو تقديم استقالته، سيساعد على تأسيس نظام أكثر ديمقراطية من دون مشاركة الإخوان. غير أن إصرار جماعة الإخوان على مواجهة ما عدته انقلاباً عسكرياً، من ناحية، وتصدر السيسي الذي صمم على استئصال جماعة الإخوان، من ناحية أخرى، ساعد على التحول التدريجي لحالة الاستقطاب السياسي والفكري بين التيارات الإسلامية والعلمانية إلى مواجهة مباشرة بين الطرفين، وهي المواجهة التي بلغت ذروتها بفض الاعتصام بالقوة المسلحة وبطريقة وحشية أدت إلى سقوط مئات الضحايا في يوم واحد. ويلاحظ هنا أن نزول الجماهير إلى الشارع تم في مناسبتين مختلفتين، الأولى في 30 يونيو، وفيها بدا التحرك شعبياً للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة أو تنحية الرئيس إذا رفض، والثانية بعد ذلك بأيام، حين طلب السيسي، وكان وقتها وزيراً للدفاع أيضاً، أن يمنحه الشعب تفويضاً بمكافحة الإرهاب، وأن ينزل إلى الشارع للتعبير عن تأييده لهذا المطلب. أي أن السيسي أراد أن يتصدر المشهد بنفسه والإيحاء في الوقت نفسه بأن الجيش بقيادته يساند انتفاضة الشعب في مواجهة الإخوان، وترافق ذلك كله مع حملة مبالغ فيها لشيطنة الجماعة واستخدامها كفزاعة، من خلال تصويرها كجماعة إرهابية تحارب الجيش والقوى الأمنية وبالتالي يتعين استئصالها. وفي سياق هذه المواجهة كان من الطبيعي أن تبحث الجماهير عن شخصية تمثلهم، واستطاع السيسي أن يفرض نفسه على القطاع الأعرض منها.

على أي حال، كان يمكن الأحداث أن تأخذ مساراً آخر لو لم يهرب البرادعي بعد الفض الدموي للاعتصام. تخيّل معي ما الذي كان يمكن أن يحدث لو أن البرادعي كان قد وافق من حيث المبدأ على فض رابعة بالوسائل السلمية، ثم استمر في عمله كنائب لرئيس الجمهورية وراح يطالب علنا بعد ذلك بتأليف لجنة لتقصي الحقائق لمعرفة حقيقة ما حدث إبان الفض وتقديم المخالفين للقواعد والقوانين، أياً كانوا، على العدالة. أعتقد أنه كان يصعب على السيسي أن يتصدر المشهد في هذه الحالة. لكن اكتفاء البرادعي بالاعتراض شفوياً، ومن دون علم الجماهير لحظتها بحقيقة ما جرى من نقاش داخل كواليس السلطة حول عملية فض الاعتصام، ثم مسارعته بالخروج من البلاد وقتها، جعل الأحداث تتخذ مساراً آخر سهَّل من مهمة السيسي لاحقاً في الإمساك بكل الخيوط؛ فقد أصبح من السهل بعد ذلك التخلّص من حازم الببلاوي ومن الشخصيات السياسية التي شاركت في الوزارة التي ترأسها، ومن ثم تحوّلت الحكومة إلى حكومة تكنوقراط. وهكذا راح النظام المصري يتمحور من جديد حول شخص واحد هو عبد الفتاح السيسي، ويتملّص تدريجاً من الالتزامات المنصوص عليها في خارطة الطريق التي تم تعديلها لإجراء الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية، الأمر الذي سهل بدوره من مهمة الرئيس الجديد لسن القوانين التي تطلق يد أجهزة الأمن في تشكيل السلطة التشريعية. وحين تمكن السيسي من السيطرة على السلطة بجناحيها التنفيذي والتشريعي أصبح بمقدوره التحلل من كل الالتزامات المنصوص عليها في خارطة الطريق، وبخاصة ما يتعلق منها باللجنة المنوط بها تحقيق المصالحة الوطنية أو بالهيئة المنوط بها تحقيق العدالة الانتقالية. وهكذا عاد النظام السياسي في مصر إلى طبيعته الفردية والتسلطية، ولكن بوجوه وسياسات مختلفة تبدو أكثر فردية وتسلطاً وفساداً من أي مرحلة سابقة.

■ تشير بعض الدراسات إلى أن الانتخابات لا تعبّر في الأساس عن موازين القوى الاجتماعية والسياسية، وأن هناك تحكُّماً ما في عمليات الاقتراع التي حصلت في بعض الدول العربية التي شهدت انتفاضات، وتحديداً في تونس ومصر، وأن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع أعاد إلى البرلمان قوى محسوبة على النظام السابق أو معادية للثورة، فكيف تفسر هذه الظاهرة؟

□ هذا يفترض أن تجربة مصر مشابهة لتجربة تونس، على الأقل من حيث النتائج التي أسفرت عنها صناديق الاقتراع، لكن هذا قد يصدق على أول انتخابات برلمانية أجريت في كل من البلدين بعد الثورة؛ أما ما حصل في مصر بعد 30 يونيو فأمر مختلف تماماً. كانت صناديق الاقتراع في انتخابات مجلس الشعب التي أجريت نهاية عام 2011، أي بعد أشهر قليلة من اندلاع الثورة، قد أفرزت أغلبية ساحقة تنتمي إلى تيار الإسلام السياسي، لكن هذه النتائج عكست موازين القوى السياسية أكثر مما عكست موازين القوى الاجتماعية. فلم تكن هناك أحزاب أو حركات سياسية على القدر نفسه من التنظيم الذي كانت عليه التيارات الإسلامية، وبخاصة جماعة الإخوان، ولأن الكثير من القوى الاجتماعية لم يكن لها تنظيمات سياسية حقيقية تعبر عن مصالحها داخل المعادلة السياسية، فهي لم تستطع بالتالي أن تحصل على التمثيل المناسب داخل البرلمان عقب أول انتخابات تشريعية جرت بعد الثورة. وقد بدت الجماهير المصرية عقب سقوط مبارك، كما سبقت الإشارة، أكثر تعاطفاً مع جماعة الإخوان لأسباب كثيرة، ربما كان أهمها أن الجماعة دفعت الثمن الأعلى من القمع الممنهج الذي مورس في عهد مبارك، فضـلاً عن شيوع صورة ذهنية نمطية عن تديُّن كوادرها وكراهيتهم للفساد المستشري في البلاد وحرصهم على مكافحته. لكن في انتخابات الرئاسة التي أجريت عام 2012 بدا هذا التعاطف أقل مما كان سائداً إبان الانتخابات التشريعية. ففي الجولة الأولى لهذه الانتخابات حصل مرشح الجماعة على أقل من 20 بالمئة من أصوات الناخبين، وهو ما يعكس الوزن السياسي الحقيقي للجماعة، أما في الجولة الثانية فقد حصل على نسبة زادت قليـلاً عن 51 بالمئة. ولأن جميع مرشحي التيار الإسلامي لم يحصلوا في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية إلا على نحو 40 بالمئة من إجمالي الأصوات، يمكن القول إن مرسي فاز بالمقعد الرئاسي بأصوات العلمانيين من الليبراليين واليساريين، وهي حقيقة لم تتمكن جماعة الإخوان من إدراك دلالتها بالقدر الكافي.

أما في مرحلة ما بعد 30 يونيو فلم تحدث انتخابات تشريعية أو رئاسية حقيقية في مصر. ففي الانتخابات الرئاسية التي أجريت عام 2014، وكذلك في الانتخابات الرئاسية التي أجريت عام 2018، لم يترشح أمام السيسي سوى شخص واحد، الأمر الذي جعلها تبدو في الحالتين أقرب إلى الاستفتاء منها إلى الانتخابات. وفي ما يتعلق بالانتخابات البرلمانية الوحيدة التي تمت في عهد الرئيس السيسي حتى الآن، والتي نظمت عام 2015، فقد أجريت في ظل تشريعات منحازة للنخب الحاكمة لم تحظ بتوافق مسبق عليها من جانب الأحزاب والقوى السياسية المتنافسة، وسيطرت على مسارها الأجهزة الأمنية، وبالتالي يصعب عدّ البرلمان الحالي معبراً عن القوى السياسية والاجتماعية التي صنعت 25 يناير أو حتى عن القوى السياسية والاجتماعية التي صنعت 30 يونيو، وهو يُعَد أقرب ما يكون إلى برلمان منحوت على مقاس شخص واحد يتربع على هرم السلطة التنفيذية ويسيطر من خلالها على السلطات والمؤسسات كافة في الدولة. وقد خلصت إلى هذه النتيجة في دراسة كان مركز دراسات الوحدة العربية قد كلفني بها في بداية الانتخابات التشريعية التي أفرزت مجلس النواب الحالي ونشرت في مجلة المستقبل العربي (العدد 443 – كانون الثاني/يناير 2016)، أي عقب الإعلان رسمياً عن نتائج هذه الانتخابات. في سياق كهذا يصعب الحديث عن ميول الناخبين لأنه أمر غير قابل للقياس في ظل هذا النوع من الانتخابات.

 

■ هل المصريون راضون عما يحصل اليوم في مصر وبعد مرور أكثر من ثماني سنوات على ثورة يناير، على مستوى الاقتصاد والسياسة والحريات العامة والسياسات الاجتماعية؟

□ يصعب الحديث عن المصريين بصورة مطلقة وكأنهم يمثّلون كتلة سياسية واجتماعية متجانسة؛ فالمصريون، شأنهم في ذلك شأن أي شعب آخر، ينتمون اجتماعياً إلى شرائح متعددة: عليا ودنيا ومتوسطة، وداخل كل شريحة من هذه الشرائح الثلاث توجد شرائح أخرى فرعية يصعب حصرها، كما ينتمون سياسياً وفكرياً إلى أحزاب وحركات وتيارات وجماعات مختلفة تشكل مروحة سياسية وفكرية متكاملة تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ولأن المناخ السائد على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية كافة لا يتسم بأي قدر من الشفافية، فضـلاً عن سيطرة النظام المطلقة على مختلف وسائل الإعلام، المقروءة والمسموعة والمرئية، وكذلك على مختلف مفاصل المجتمع المدني ونشاط الأحزاب والحركات السياسية، يصعب أن تتمتع الأرقام أو البيانات التي ينشرها النظام بأي قدر من المصداقية، وهو ما يجعل الحديث عن درجة الرضا عند المصريين أمراً أكثر صعوبة نظراً إلى استحالة قياسها علمياً أو تحديدها موضوعياً في مثل هذه الظروف. فإذا احتكمنا مثـلاً إلى التقارير التي تصدرها منظمات حقوق الإنسان دورياً فسوف نجد أنها تتحدث عن انتهاكات جسيمة لهذه الحقوق، حيث تشير إلى وجود عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين أو من المختفين قسرياً أو ممن يتعرضون للتعذيب أو للمعاملة السيئة أو لا يحصلون على رعاية صحية كافية داخل السجون، كما تتحدث عن قضاء غير مستقل وعن محاكمات شكلية لا تتوافر لها أبسط مقومات العدالة… إلخ. وإذا احتكمنا إلى المؤشرات الدولية الخاصة بالحريات أو التنافسية أو الفساد أو غيرها فسوف نجد أن مصر تحتل، ليس ترتيباً متدنياً على معظم هذه المؤشرات فقط، وإنما يتجه موقعها أو ترتيبها نحو التدهور باطراد. على سبيل المثال، إذا أخذنا المؤشرات الخاصة بالفقر فسوف نجد أن الأرقام الرسمية نفسها تشير إلى أن نحو ثلث عدد سكان مصر يعيشون تحت خط الفقر، وأن أعداد الفقراء زادت في عهد السيسي بنسبة لا تقل عن 5 بالمئة، في حين تشير التقديرات الدولية أو حتى المحلية المستقلة إلى أن هذه النسبة لا تقل حالياً عن 60 بالمئة. غير أن الأوساط الرسمية تنفي هذه التقديرات وتعدهّا مبالغاً فيها وتؤكد أن مصر تتعرض لحملة ظالمة يقودها التنظيم العالمي لجماعة الإخوان والدول المتعاطفة معه، وأن هذه الحملة تسعى بكل الوسائل المتاحة لتشويه سمعة مصر. أما إذا لجأنا إلى الانطباعات السائدة لدى أغلب المصريين، التي يمكن أيَّ مراقب رصدها مباشرة دونما حاجة إلى استطلاعات للرأي من جانب مراكز علمية متخصصة، فيمكن القول إن هناك عدداً من الظواهر التي تثير خوف المصريين وتشعرهم بالقلق على مستقبلهم:

الظاهرة الأولى، تتعلق بتزايد الديون الداخلية والخارجية في عهد السيسي بطريقة غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر. فقد ازدادت الديون الخارجية من أقل من 40 مليار دولار في بداية عهد السيسي إلى أكثر من 106 مليارات دولار في نهاية شهر حزيران/يونيو الماضي، وهو ما يعني أنها تضاعفت أكثر من ضعفين ونصف الضعف خلال السنوات الخمس الماضية فقط، مقارنة بمجمل الديون المتراكمة على مصر منذ عهد عبد الناصر وحتى تولي السيسي، حيث بلغ متوسط ما اقترضته مصر شهرياً من الخارج في عهد السيسي، أكثر مليار دولار، أي نحو 40 مليون دولار يومياً. أما الديون الداخلية فحدِّث ولا حرج، حيث زادت من نحو تريليون جنيه في بداية عهد السيسي إلى أكثر من أربعة تريليونات جنيه في نهاية حزيران/يونيو الماضي. لذا لا يستبعد البعض اقتراب مصر من حالة الإفلاس. وحتى بافتراض وجود بعض المبالغات في هذه التقديرات، إلا أن كثيرين بدأوا يدقون أجراس الإنذار حول هذا الأمر، وفي جميع الأحوال فما يتم الآن من إنفاق يتم على حساب الأجيال القادمة التي ستتحمل وحدها عبء سداد هذه المبالغ الضخمة.

الظاهرة الثانية، تتعلق بسلم الأولويات الاقتصادية والاجتماعية المعتمد، فرغم تمكن النظام من تحقيق إنجازات واضحة في مجال تحسين شبكة الطرق والكباري وإنتاج الكهرباء والمدن الجديدة وبعض القطاعات الأخرى، إلا أن قطاعات الإنتاج الصناعي والزراعي لم يطرأ عليها تحسن يذكر، وبخاصة ما يتصل منها بالصناعات الثقيلة والتصنيع الزراعي وغيرها من القطاعات التي تشكل عماد التقدم والنهضة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى قطاعات التعليم والصحة والبحث العلمي التي لم تتمكن الحكومة حتى الآن من أن ترصد الاعتمادات المالية المنصوص عليها في الدستور.

الظاهرة الثالثة، هي تزايد حجم المشروعات التي تتولى المؤسسة العسكرية تنفيذها مباشرة أو تشرف بنفسها على تنفيذها بطريقة لافتة للنظر، والتي يعتقد البعض أنها باتت تشكل تهديداً مباشراً ليس للقطاع الخاص والأهلي فقط ولكن للقواعد الاقتصادية السليمة أيضاً وما ينبغي أن تقوم عليه من اشتراطات المنافسة الحرة والمتكافئة.

الظاهرة الرابعة، تتعلق بالمفارقة بين ما يقال في وسائل الإعلام، وبخاصة على لسان رئيس الدولة، وما يحدث بالفعل على أرض الواقع. فالرئيس دائم الحديث عن أن مصر بلد فقير وبحاجة إلى أموال ضخمة كي ينهض، لكن هذه الأموال غير متوافرة، ومع ذلك يلاحظ المواطن العادي وجود أوجه بذخ وإسراف لا يصدقه عقل في بعض أوجه الإنفاق، كالأموال التي تصرف لإقامة عاصمة إدارية جديدة، أو حتى ولو من حصيلة بيع الأراضي التي تملكها الدولة، والأموال التي تصرف لإقامة أكبر مسجد أو كاتدرائية أو غيرها، أو تلك التي تنفق على التغطيات الإعلامية لتنقلات الرئيس في الخارج… إلخ. وهذه المظاهر لا تعكس خلـلاً في الأولويات فقط ولكنها تفتح الباب أمام فساد كبير أيضاً.

■ أين تكمن الأزمة السياسية في الوقت الراهن، وهل توجد قوى تسعى لتغيير الأوضاع القائمة في مصر حالياً، وما هي العوائق التي تحول دون ظهور حركة تغيير فعلية؟ وهل يمكن الرهان على أطراف أو قوى سياسية بعينها لقيادة التغيير في المستقبل؟ وهل هناك آفاق لانبعاث قوى جديدة؟

□ للأزمة الراهنة في مصر مظاهر متعددة؛ فالنظام الحاكم يعتقد أن بمقدوره تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي ووضع مصر على عتبة النهوض والتنمية إذا تمكن من استئصال جماعة الإخوان وإزاحتهم كلياً من المشهد، وإذا تمكنت أجهزته الأمنية أيضاً من السيطرة على مفاصل النشاط السياسي والفكري الذي تمارسه الأحزاب والحركات السياسية أو مؤسسات المجتمع المدني، في غياب رؤية سياسية يمكن أن تلتف حولها القوى الحية داخل المجتمع المصري. وفي تقديري أن هذا الاعتقاد خاطئ من أساسه ويمثّل ضرباً من ضروب المستحيل، بل لا يتسق مع تجربة مصر التاريخية نفسها؛ فقد سبق للنظام الحاكم في مصر حل جماعة الإخوان أو قمعها وإدخال معظم كوادرها إلى السجون والمعتقلات في حقب تاريخية مختلفة، لكن الحركة استمرت واستطاعت أن تعمل تحت الأرض حيناً وبالتوافق مع النظام القائم حيناً آخر. وفي تقديري أن الاعتماد على الأجهزة والوسائل الأمنية وحدها يقوي جماعة الإخوان ولا يضعفها، لا لأن جماعة الإخوان أقوى من أن تهزم ولكن لأن القبضة الأمنية تضعف القوى الأخرى أكثر مما تضعف جماعة الإخوان التي تتمدد في الفراغ السياسي المتاح أمامها.

على صعيد آخر، أصيب المجتمع المصري بشرخ عميق من جرّاء أحداث حزيران/يونيو؛ فقد كشفت هذه الأحداث، من ناحية، عن تكلُّس وتحجُّر الأطروحات الفكرية والسياسية لجماعة الإخوان المسلمين، كما كشفت، من ناحية أخرى، عن ضعف القوى العلمانية، الليبرالية منها واليسارية، وعجزها عن التصدي بمفردها للقوى المعادية للتحول الديمقراطي، ممثلة بتيارات الإسلام السياسي من ناحية، وبخاصة جماعة الإخوان، أو بالمؤسسة العسكرية، من ناحية أخرى. فإذا أضفنا إلى ما تقدم أن معظم القوى العلمانية بدت خلال أحداث 30 يونيو لا كأنها منحازة إلى المؤسسة العسكرية فقط بل كأنها لعبة في يدها، لتبين لنا أن الأزمة المصرية الراهنة هي أزمة ثلاثية الأضلاع أو الأبعاد:

ضلعها الأول، يكمن في طموحات المؤسسة العسكرية التي تبدو مصرة على السيطرة المنفردة على مفاصل الدولة والمجتمع، اعتقاداً منها أن تلك هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تدرأ بها خطر جماعات لا تؤمن بالدولة الوطنية وتسعى لإقامة خلافة إسلامية عابرة للشعوب والأمم والقوميات. وما لم تدرك هذه المؤسسة أن دورها الصحيح ليس في الحكم وإنما في حراسة حدود الدولة والدفاع عنها في مواجهة كل مصادر التهديد فستظل الأزمة قائمة.

وضلعها الثاني، يكمن في تحجر تيار الإسلام السياسي، بصفة عامة، وجماعة الإخوان المسلمين، بصفة خاصة وعجزهما معاً عن بلورة مشروع سياسي وفكري معاصر يقوم على مبدأي المواطنة وتداول السلطة ويمكن أن تطمئن إليه الأطراف المختلفة، بما في ذلك غير المسلمين. وما لم تحدث مراجعات حقيقية تسمح لهذا التيار ببلورة رؤية فكرية أساسها المواطنة ومشروع سياسي أساسه القبول بالتعددية وتداول السلطة فستظل الأزمة قائمة.

وضلعها الثالث، يكمن في ضعف التيارات العلمانية، بجناحيها الليبرالي واليساري، وعجزها عن تشكيل قوة سياسية قادرة على إحداث التوازن المنشود بين هاتين القوتين غير الديمقراطيتين، اللتين تقومان على السمع والطاعة وتتصارعان معاً للانفراد بالسلطة. وما لم يتوافر مناخ سياسي وفكري يساعد على ازدهار الحريات وتنشيط مؤسسات المجتمع المدني فلن تتمكن التيارات العلمانية، بجناحيها الليبرالي واليساري، من الوصول إلى المستوى الذي يسمح للمجتمع بتجاوز حالة الاستقطاب القائمة أو بجسر الفجوة بين القطبين المتصارعين.

2 – دور مصر العربي والإقليمي

■ إذا ما قابلنا بين ما كان عليه دور مصر العربي والإقليمي في عهد الرئيس عبد الناصر وما كان عليه في عهدي الرئيسين السادات ومبارك ثم ما هو عليه اليوم، ما هي أبرز سمات التشابه وسمات الاختلاف في هذا الدور بين العهود السابقة والعهد الحالي؟

□ الفروق شاسعة في كل شيء بين عبد الناصر والسادات ومبارك والسيسي، سواء فيما يتعلق بالسمات الشخصية أو بالتكوين الفكري والأيديولوجي أو بالمهارات المكتسبة من الخبرة الحياتية، وكلها عوامل عكست نفسها بشدة على كيفية إدراك كل منهم لما ينبغي أن يكون عليه دور مصر في العالم العربي وفي منطقة الشرق الأوسط أو في النظام العالمي ككل. طبعاً هناك عوامل موضوعية تفسر بعض ما حدث لهذا الدور، وبخاصة تلك التي تتصل بالتغيرات التي طرأت على بنية النظامين الإقليمي والدولي وتأثير ذلك في الدور المصري، لكن العامل الأكثر حسماً في تقديري كان اختلاف القيادة السياسية وطريقة إدراكها لطبيعة هذا الدور وكيفية النهوض به، وهو العامل الذي سأركز عليه هنا.

فعبد الناصر كان زعيماً تفتَّح وعيه السياسي في مرحلة مبكرة من شبابه؛ فقد شارك في تظاهرات ضد الاحتلال البريطاني حين كان طالباً في المرحلة الثانوية، وأصيب في إحداها وقبض عليه، وحين أصبح شاباً وبدأ يعي تدريجاً ما يدور حوله، تولّد لديه شغف بالمعرفة وحب استطلاع دفعاه للتعرف إلى الأطروحات السياسية والفكرية لمختلف الأحزاب والقوى والحركات السياسية، وبخاصة تلك التي بدا أن لديها جديداً تضيفه، كجماعة الإخوان وحزب مصر الفتاة والحركة الشيوعية وغيرها؛ لذا لم يتردد في الاحتكاك بمختلف التيارات وانخرط تنظيمياً في صفوف بعضها، لمراحل قصيرة وفي أوقات مختلفة، وبعد التحاقه بالكلية الحربية وتعيينه مدرساً فيها ثم في كلية أركان الحرب العليا، زاد نهمه للقراءة، وكانت سير العظماء والفاتحين وكتابات المفكرين الاستراتيجيين، من أمثال ليدل هارت وكلاوزفيتز، من أكثر الموضوعات التي شدت انتباهه.

في سياق كهذا يمكن القول إن عبد الناصر كان أقرب ما يكون إلى ناشط سياسي أو مشروع مثقف ضل طريقه إلى العسكرية، وليس من المستبعد أن يكون طموحه الشخصي وطريقة تفكيره هما ما دفعاه إلى الاعتقاد بأن المؤسسة العسكرية يمكن أن تكون أداة للتغيير أكثر فاعلية من الأحزاب السياسية. وأياً ما كان الأمر، يلاحظ أن عبد الناصر حرص، حين شرع في تأسيس حركة الضباط الأحرار، على أن يأتي تشكيلها معبّراً عن مجمل روافد الحركة الوطنية وضم عناصر تنتمي فكرياً أو حتى تنظيمياً إلى أهم الأحزاب والتيارات السياسية في مصر، ليبرالية كانت أم يسارية أم إسلامية، إلى جانب الضباط المستقلين الذين مثّلوا الكتلة الأساسية في هذه الحركة. ولا شك أن هذه العقلية، الأقرب إلى التفكير البراغماتي منها إلى التفكير العقائدي أو الأيديولوجي، كان لها تأثير كبير في تكوين رؤية مصر الناصرية لما ينبغي أن يكون عليه دورها على الصعيد الإقليمي والدولي. فقد رأى عبد الناصر أن هذا الدور يرتبط عضوياً باستقلال مصر السياسي وبقوتها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. لذا تركزت أهدافه في البداية على إجلاء المستعمر البريطاني ثم الشروع على الفور في تنمية مصر على مختلف الصعد، ومن ثم فلم يكن لديه أي اعتراض على مد يد الصداقة والرغبة في التعاون مع كل القوى الإقليمية والعالمية التي يتوافر لديها الاستعداد لمساعدته على تحقيق تلك الأهداف الوطنية البحتة، وبخاصة الولايات المتحدة التي لم يكن لديها ماض استعماري في المنطقة، غير أنه سرعان ما تبيَّن أن قضايا الداخل تتشابك وتتداخل عضوياً مع قضايا الخارج ومن الصعوبة بمكان فصل المجالين عن أحدهما عن الآخر تماماً؛ ففي البداية، أبدت الولايات استعدادها للمساعدة على إجلاء القوات البريطانية، شريطة أن تنضم مصر إلى أحد الأحلاف العسكرية التي استهدفت تطويق ومحاصرة النفوذ السوفياتي في المنطقة والعالم وأن تساعد في الوقت نفسه على التوصل إلى تسوية سلمية للصراع العربي – الإسرائيلي. ولأنه لم يكن من السهل على مصر الانضمام هكذا إلى حلف عسكري موال للغرب ومعاد للاتحاد السوفياتي، اقترح عبد الناصر على الولايات المتحدة أن تدعم منظومة الأمن الجماعي المستندة إلى اتفاقية الدفاع المشترك المبرمة في إطار جامعة الدول العربية، ورحب في الوقت نفسه بأي وساطة أمريكية لاستكشاف آفاق التسوية السياسية للصراع العربي – الإسرائيلي. وحين وصل عبد الناصر إلى قناعة مفادها أن إسرائيل ليست جاهزة لأي تسوية حقيقية تستند إلى قرارات الشرعية الدولية، وتريد تسوية بشروطها هي تقوم على فرض الأمر الواقع ورفض عودة اللاجئين الفلسطينيين أو تعويضهم، رفض هذه الشروط، فردت إسرائيل بغارة عسكرية على القوات المصرية المرابطة في قطاع غزة، في شباط/فبراير 1955، راح ضحيتها العشرات، فطلب عبد الناصر من الولايات المتحدة تزويده بالسلاح، لكنها رفضت ورأت أن مشكلة الدفاع عن مصر يمكن أن تحل إذا انخرطت في أحلاف عسكرية غربية! هنا أحس عبد الناصر أنه بات محاصراً بين المطرقة الإسرائيلية والسندان الأمريكي ومن ثم فلم يكن أمامه سوى رفض سياسة الأحلاف، والمشاركة في مؤتمر باندونغ الذي أسس لسياسة الحياد الإيجابي بين المعسكرين، والسعي لكسر احتكار السلاح بإبرام صفقة تسلح مع الاتحاد السوفياتي؛ فردت الولايات المتحدة بممارسة ضغوط على البنك الدولي لرفض تمويل مشروع السد العالي ثم قامت هي نفسها بسحب عرض سابق كانت قد تقدمت به لتمويل هذا المشروع، ورد عبد الناصر على هذا التحدي الجديد بتأميم قناة السويس. ورغم أن السياسات التي انتهجها عبد الناصر في تلك المرحلة كانت دفاعاً عن مصالح مصرية خالصة، إلا أن الشعوب العربية رأت فيها نموذجاً للسياسات التي ينبغي للدول العربية أن تنتهجها ومن ثم التفت حول عبد الناصر ورأت فيه النموذج الأكثر المؤهل لقيادة الأمة العربية كلها والتعبير عن طموحاتها.

أريد من هذا السرد أن أخلص إلى نتيجة أساسية مفادها أن عبد الناصر لم يلج إلى العروبة من باب الانتماء الأيديولوجي للفكر القومي العربي وإنما عبر رؤية جيوبوليتكية ساعدته على إدراك حقيقة الارتباط العضوي بين أمن مصر الوطني والأمن القومي العربي، ولا شك أن مشاركته في حرب 48 على الأرض الفلسطينية وقراءاته السياسية والفكرية قد عمقت من إدراكه لطبيعة هذا الارتباط وجدواه. وفي سياق هذا التفاعل الطبيعي والحميم مع الجماهير العربية أدرك عبد الناصر مبكراً أن مصر حين تكون وطنية حقاً تصبح قومية فعـلاً ومؤهلة لممارسة دورها القيادي الطبيعي في المنطقة. وقد أكدت التطورات اللاحقة ليس صدقية هذه المقولة فقط وإنما أثبتت أن العكس صحيح أيضاً؛ فحين انكفأت مصر على نفسها، وهو ما حدث إبان الحقبة الساداتية، فقدت مصر لا دورها الإقليمي فقط وإنما ضعفت قدرتها على الدفاع عن نفسها وعن مصالحها الوطنية أيضاً.

أما السادات فكان شخصية مختلفة تماماً عن شخصية عبد الناصر، سواء على صعيد السمات الذاتية أو على صعيد الرؤى الفكرية والسياسات؛ فعلى الرغم من أن السادات كان عضواً مؤسساً في حركة الضباط الأحرار، وهو الرجل الذي وقع عليه اختيار عبد الناصر ليكون نائباً له عام 1969، ولولا ذلك لما أتيحت أمامه أدنى فرصة لخلافة عبد الناصر في قيادة الدولة المصرية بعد رحيله المبكر وغير المتوقع عام 1970، إلا أنه انتهج سياسة نقيضة تماماً لعبد الناصر على الصعيدين الداخلي والخارجي. ومن المعروف أن السادات تأثر في مرحلة مبكرة من حياته السياسية بعزيز المصري وكان كارهاً للاحتلال البريطاني إلى درجة الاستعداد للتعاون مع ألمانيا الهتلرية نكاية بالإنكليز، إلا أنه كان في الوقت نفسه شخصية معقدة تحب المظاهر ومغامرة إلى حد المقامرة أحياناً، ولم يكن يميل بطبيعته إلى القراءة أو التعمق في التحليل أو المثابرة في العمل، ولا يمكن القول إنه كانت لديه تجربة عسكرية عميقة، فهو لم يشارك في حرب فلسطين، ولم تتولد لديه خبرة عسكرية أو قتالية يعتد بها نظراً إلى أنه قضى معظم سنوات خدمته العسكرية إما داخل السجن وإما هارباً بسبب اتهامه في قضية مقتل أمين عثمان. وحين تولّى السلطة تبيَّن، وهو الرجل الذي عاش في ظل عبد الناصر لسنوات طويلة، أنه لم يكن لديه إيمان حقيقي بالعروبة، وكانت تربطه علاقات قوية بالاستخبارات السعودية، عبر كمال أدهم، وكان مفتوناً بنمط الحياة الأمريكية، ولم يكن يكن احتراماً كبيراً للاتحاد السوفياتي رغم كل العون الذي قدمه إلى مصر. لذا حرص الرجل بمجرد توليه مقاليد السلطة على تعميق علاقاته بالسعودية وعلى فتح قناة اتصال سرية بالولايات المتحدة الأمريكية، وعلى تكثيف مبادراته الرامية إلى البحث عن تسوية مع إسرائيل. غير أن الولايات المتحدة وإسرائيل استخفتا به في البداية ولم تأخذا مبادراته على محمل الجد، ومن ثم فلم يكن أمامه سوى اتخاذ قرار الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 73 التي اتضح لاحقاً أنها كانت «حرب تحريك لا حرب تحرير».

لم تظهر التوجهات السياسية الجديدة للرئيس السادات وقناعاته الفكرية الحقيقية إلا بعد حرب 1973، لذا يمكن القول إن الحقبة الممتدة بين وفاة عبد الناصر في 28 أيلول/سبتمبر 1970 وحتى نهاية حرب تشرين الأول/أكتوبر تعد امتداداً بصورة أو بأخرى للحقبة الناصرية؛ وبخاصة أن حرب الاستنزاف كانت قد توقفت في زمن عبد الناصر بعد قبول الأخير بمبادرة روجرز. ولأنه الرجل الذي اتخذ قرار الحرب التي أبلى فيها الجيش المصري بلاء حسناً، وبخاصة في مراحلها الأولى، فقد ولّد لديه الإنجازُ العسكري الكبير الذي تحقق خلال هذه الحرب إحساساً بأنه حقق ما عجز عبد الناصر نفسه عن تحقيقه، الأمر الذي دفعه إلى الاعتقاد أن مصر دانت له وأصبح بمقدوره أن يحولها إلى «مصر الساداتية» مثلما جعل منها عبد الناصر من قبل «مصر الناصرية». انطلاقاً من هذا التصور، بدأ السادات يدخل تعديلات على مجمل السياسات الداخلية والخارجية المتبعة حتى الآن. فبعد حرب 1973 مباشرة رفع السادات شعار «مصر أولاً» لتبرير انقلابه على سياسات عبد الناصر الداخلية. وحين اكتشف أن هذه السياسات، وبخاصة ما يتصل منها بالانفتاح الاقتصادي، ستوصله إلى مأزق لا مخرج منه، وهو ما بدا واضحاً إبان «انتفاضة الخبز» في 18 و19 كانون الثاني/يناير 1977، التي أطلق عليها السادات «انتفاضة الحرامية»، بدأ يمارس سياسة الهروب إلى الأمام، وقادته تركيبته المزاجية المغامرة والحاقدة على عبد الناصر في الوقت نفسه إلى زيارة القدس عام 1977 ثم إلى إبرام معاهدة «سلام» منفردة مع إسرائيل عام 1979. وكان هذا أخطر المنعطفات التي أثرت بشدة في دور مصر العربي والإقليمي والدولي، وخلق من التناقضات الداخلية ما أفضى في النهاية إلى اغتياله في عملية تعد من أكثر المشاهد عنفاً وإثارة في تاريخ الحياة السياسية المصرية.

أما مبارك فكان شخصية مختلفة كلياً عن كل من عبد الناصر والسادات، فهو ما كان الزعيم الذي يمتلك كاريزما تضاهي تلك التي امتلكها عبد الناصر، ولا كان المغامر أو المقامر الذي يملك جسارة الفعل، مثل السادات، وإنما كان أقرب ما يكون إلى شخصية الموظف الذي دفعته الأقدار أو المصادفات دفعاً إلى موقع لم يكن يداعب أكثر طموحاته جموحاً، إلا وهو موقع رئاسة الدولة. ولأنه لم يسبق له أن عمل في السياسة مطلقاً قبل أن يقع عليه اختيار السادات عام 1975 ليكون نائباً له، فلم يكن هناك سجل يمكن الاستناد إليه للتعرف إلى قناعاته وتوجهاته السياسية والفكرية. ويشير سلوكه اللاحق على توليه منصب رئاسة الدولة إلى أنه تمتع في بداية حياته السياسية بعقلية براغماتية شديدة المرونة وبدا مستمعاً جيداً لنصائح مستشاريه السياسيين، وفي مقدمهم أسامة الباز، وبخاصة خلال السنوات العشر الأولى من حكمه الذي طال لما يقرب من ثلاثين عاماً. وكانت المعضلة الرئيسية التي واجهها في تلك المرحلة تتلخص، من ناحية، في كيفية إقامة قدر ما من التوازن بين التزاماته تجاه إسرائيل بموجب معاهدة السلام التي لا يرغب ولا يجرؤ على التحلل منها، وتحقيق اختراق يسمح له بالانفتاح من جديد على الدول العربية لإنهاء المقاطعة التي فرضت على مصر عقب إبرام السادات معاهدة سلام منفرد مع إسرائيل. أي أن همه الأساسي دار حول التوصل إلى صيغة ما تسمح لمصر باستعادة جانب من دورها العربي المفقود مع استمرار التزامها بمعاهدة السلام مع إسرائيل. ويعتقد على نطاق واسع أنه نجح في حل هذه المعضلة إلى حد كبير، لا بسبب ما أظهره من مهارة دبلوماسية غير عادية وإنما بسبب الارتباك الذي أصاب «جبهة الرفض» وكذلك النظام الإقليمي ككل، وبخاصة عقب دخول العراق في حرب طويلة مع إيران بدءاً من عام 1980، ثم بسبب التغير الجوهري الذي طرأ على بنية النظام الدولي، وبخاصة عقب انهيار الاتحاد السوفياتي رسمياً عام 1991. غير أنه ما إن بدأ مبارك يتمرس في العمل السياسي ويدرك دقائقه بنفسه حتى بدأت خصائصه الذاتية وسماته الشخصية، كموظف بدرجة رئيس جمهورية، تطغي على سلوكه وتميز قراراته. ولأن عقلية الموظف التي سيطرت عليه مكنته من إتقان أساليب التمترس والبقاء في السلطة لأطول مدة ممكنة، وهو ما نجح فيه إلى الدرجة التي أغرته بمداعبة حلم نقلها لابنه من بعده، فقد بدا مبارك حريصاً على عدم إغضاب أي من القوى المحلية أو الإقليمية أو الدولية التي يمكن أن تؤثر سلباً في طموحاته الشخصية التي ظلت كفتها ترجح على الدوام على حساب الطموحات الوطنية والقومية. لذا يمكن القول إن مبارك نجح في توظيف تناقضات الوضع العربي العام، من ناحية، كما نجح في توظيف المتغيرات التي طرأت على النظام الدولي، من ناحية أخرى، لإحداث تغييرات شكلية في سياسة مصر الخارجية، تكفي لإعادة إدماجها في النظام العربي، مع الإبقاء على جوهر السياسات التي أنتهجها السادات، والتي كانت تحول عملياً دون تمكين مصر من استعادة الدور الذي ينبغي أن تؤديه على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وهو الدور الذي كانت قد تمكنت من النهوض به أيام عبد الناصر. وقد استمرت الحال على هذا المنوال إلى أن اندلعت في مصر ثورة شعبية أطاحت مبارك في 11 شباط/فبراير 2011 وكان لها تأثيرات حاسمة في توسيع نطاق «ثورات الربيع العربي» التي كانت قد انطلقت من تونس وتمتعت بزخم هائل بعد انتقالها إلى مصر. وقد أمل كثيرون في أن تصبح ثورة يناير المصرية نقطة انطلاق نحو عهد جديد تستعيد فيه الشعوب العربية حريتها المسلوبة بواسطة النظم السلطوية وتتقدم فيه مصر من جديد لقيادة العالم العربي نحو مستقبل أفضل. غير أن الآمال ما لبثت أن انطفأت، وبخاصة بعد انتكاسة وتعثر الثورة المصرية نفسها بعد سنوات من الفوضى والارتباك.

ننتقل الآن إلى الرئيس السيسي، آخر سلسلة القادة العسكريين الذين توالوا على حكم مصر منذ ثورة 1952، الذي كان وصوله إلى السلطة في مصر، عقب ثورة كبرى ضد حكم مبارك وانتفاضة جماهيرية ضد حكم جماعة الإخوان، يعد انتكاسة في حد ذاته ومؤشراً على فشل عملية التحول الديمقراطي في مصر التي انطلقت في 25 يناير 2011. فالسيسي ينتمي إلى جيل من العسكرية المصرية يبدو مختلفاً تماماً عن كل الأجيال التي سبقته ويكاد يمثل قطيعة تامة مع كل من سبقوه من العسكريين الذين حكموا مصر. فهو لا ينتمي إلى جيل عبد الناصر والسادات، وهو جيل من العسكريين المسيسين الذين انشغلوا بقضية التحرر الوطني والتنمية ونجحوا في تفجير ثورة استطاعت أن تنهي الاحتلال البريطاني وأن تنقل مصر إلى العصر الحديث وتعبيد الطريق نحو التحوُّل من دولة زراعية تعتمد على تصدير محصول واحد هو القطن إلى دولة تسعى بجدٍّ للانتقال إلى عصر الصناعات الثقيلة والحديثة، بصرف النظر عن مدى النجاح أو الفشل في تحقيق الثورة أهدافها. فلم يثبت انشغال السيسي بأي قضية سياسية أو عامة، لا في مرحلة الشباب ولا في أي مرحلة لاحقة، كما لم يثبت أيضاً اهتمامه بقضايا فكرية بعينها أو بمتابعته المدققة لما يدور من أفكار أو لما يجري من مخططات للمنطقة والعالم وفيهما. وهو لا ينتمي أيضاً إلى جيل مبارك من العسكريين غير المسيسين؛ فجيل مبارك شارك في أكثر من حرب في مواجهة إسرائيل ولم تتزعزع قناعته بأن إسرائيل كانت ولا تزال تشكل مصدر التهديد الرئيسي لأمن مصر الوطني، رغم اضطرار مبارك، لسبب أو لآخر، إلى أن يسير على النهج نفسه الذي سار عليه سلفه والباحث عن التسوية السياسية بأي ثمن، حتى ولو تمسكت إسرائيل بتسوية بشروطها هي. فالسيسي لم يشارك في أي من الحروب التي خاضتها مصر في مواجهة إسرائيل ولم يكن قد التحق بالكلية الحربية بعدُ، حين خاضت مصر حرب 1973 التي أراد لها السادات أن تكون آخر الحروب مع إسرائيل. ولأنه تخرج في الكلية الحربية في العام نفسه الذي قرر فيه السادات زيارة القدس، يمكن القول إن السيسي هو أول حاكم عسكري لمصر يترعرع في زمن سادت فيه أوهام التسوية التي روجت لها معاهدة السلام المنفرد بين مصر وإسرائيل. ولا جدال في أن هذه العوامل المختلفة ألقت بظلالها على طريقة تفكير السيسي وحددت رؤيته لما ينبغي أن تكون عليه سياسة مصر الخارجية وللدور الذي ينبغي على مصر أن تؤديه على الصعيدين الإقليمي والدولي حين أتيحت له الفرصة ليصبح حاكماً في مرحلة اضطراب سياسي لم تشهد له مصر مثيـلاً في تاريخها الحديث.

والواقع أننا إذا حاولنا استخلاص رؤية السيسي لهذا لدور، من خلال المواقف التي اتخذها تجاه الأزمات والتحديات الإقليمية والدولية على مدى السنوات الخمس السابقة، فسوف نجد أن هذه المواقف لا تنتظمها رؤية متماسكة، وكانت أقرب إلى ردود الفعل منها إلى المبادرة والفعل، ويحركها دافع وحيد وهو الحرص على حماية نظامه وتثبيت دعائمه، في غياب رؤية أو تصور محدد للمصالح الوطنية والقومية ولأفضل الوسائل المتاحة للدفاع عنها أو الترويج لها. فظاهر السياسة الخارجية المصرية في الوقت الحالي يشير إلى أن مصر لا تتمتع بإرادة مستقلة عند رسم هذه السياسة، لذلك تبدو وكأنها تدور عربياً في الفلك السعودي – الإماراتي، وتدور إقليمياً في الفلك الإسرائيلي، وتدور عالمياً في الفلك الأمريكي. صحيح أن مصر استطاعت في عهد السيسي أن تقيم علاقات دولية متميِّزة مع معظم القوى الكبرى، كروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، وليس مع الولايات المتحدة فقط، كما استطاعت أن تنفتح على معظم دول العالم، لكن ذلك لم يكن مدفوعاً برؤية استراتيجية واضحة ومحددة للمصالح الوطنية المصرية أو العربية ولأفضل الأساليب الممكنة أو المتاحة للدفاع عنها، بقدر ما كانت مدفوعة بمحاولات النظام فك العزلة التي فرضت عليه عقب إقدامه على عزل مرسي واعتقاله وما ترتب على ذلك من تجميد لعضوية مصر في الاتحاد الأفريقي وإقدام الإدارة الأمريكية في عهد أوباما على فرض عقوبات عسكرية واقتصادية محدودة قبل أن يتم رفعها في عهد ترامب. وأياً كان الأمر، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن السعودية والإمارات أدتا دوراً مهماً في «تعويم» نظام السيسي اقتصادياً، بالتعاون مع الكويت، أو أن إسرائيل أدت دوراً مهماً في تعويمه سياسياً، بالتعاون مع السعودية والإمارات أيضاً. ويبدو أن السيسي حرص لاحقاً على رد الجميل حين تنازل للسعودية عن السيادة المصرية على جزرتي تيران وصنافير، وهو ما قد يؤدي إلى تحوّلات استراتيجية كبرى، وبخاصة فيما يتعلق بكيفية إدارة الصراع العربي – الإسرائيلي في المستقبل.

وفي تقديري أن نظام السيسي يسعى لتسويق نفسه إقليمياً وعالمياً من خلال القيام بثلاثة أدوار عالمية وإقليمية، وهي:

1 – دور الوسيط في الصراع العربي – الإسرائيلي؛ وهو دور يختلف تماماً عن الدور الذي حاولت مصر أن تقوم به في عهد جمال عبد الناصر، الذي لم يقتصر فقط على دور الشريك في المواجهة والصراع وإنما مثّل قيادة هذه المواجهة إلى أن يتم استخلاص كامل الحقوق الفلسطينية المشروعة؛ أو الدور الذي حاولت أن تقوم به في عهد السادات، الذي أراد لنفسه أن يصبح الرائد والقائد في عملية التسوية، أو حتى الدور الذي حاولت مصر أن تقوم به في عهد مبارك، ألا وهو دور الوسيط المنحاز للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. فالولايات المتحدة وإسرائيل تريدان لمصر في عهد السيسي أن تقوم بدور الوسيط ليس بين الدول العربية وإسرائيل فقط وإنما بين الفلسطينيين أنفسهم أيضاً، وبخاصة بين حماس والسلطة الوطنية الفلسطينية، ولكن كوسيط منحاز للرؤية الإسرائيلية وعنصر ضاغط على الموقف العربي لتمرير صفقة القرن.

2 – مكافحة الإرهاب؛ فالنظام الحالي يحاول تسويق نفسه كقائد لدولة تقف في الصفوف الأمامية لمحاربة الإرهاب، من خلال الترويج لفكرة أنه يقود حرباً حقيقية ضد الإرهاب على جبهتين: واحدة شرقية، ضد المنظمات الإرهابية التي اتخذت من سيناء موطئ قدم لها بعد الخسائر التي منيت بها مؤخراً في كل من سورية والعراق، وأخرى غربية، ضد المنظمات التي اتخذت من ليبيا منطقة ارتكاز جديدة لها وتقوم من وقت إلى آخر بتنفيذ عمليات في المنطقة المتاخمة لحدودها مع مصر.

3 – مكافحة الهجرة غير الشرعية؛ حيث يحاول النظام الحالي في مصر تسويق نفسه أيضاً بوصفه حصناً منيعاً في وجه تدفقات الهجرة غير الشرعية التي باتت تمثّل مصدر تهديد كبير بالنسبة إلى معظم الدول الغربية، وبخاصة دول الاتحاد الأوروبي، وبالتالي سيترتب على سقوطه أو فشله حتماً زيادة المخاطر التي تواجه دول الاتحاد الأوروبي أضعافاً مضاعفة.

وفي تقديري أن هذا النوع من الأدوار يبدو أقرب ما يكون إلى دور المقاول أو متعهد الخدمات منه إلى دور الدولة العارفة بحقيقة مصالحها الوطنية والقومية والقادرة على الدفاع عنهما.

■ ما هي البصمة التي تركها الرئيس السيسي على سياسة مصر الخارجية؟

□ ما زال الوقت مبكراً للحديث عن بصمة نهائية ودائمة يمكن أن نقول إن السيسي تركها على السياسة الخارجية المصرية. غير أن التوجهات الحالية لسياسة مصر الخارجية تشير إلى أنها تشهد تغييرات جذرية من منظورين على الأقل:

الأول: إدراك السيسي لطبيعة الصراع العربي – الإسرائيلي وللدور الذي على مصر أن تقوم به لتسوية هذا الصراع سلماً أم حرباً؛ فالسيسي يعد أول رئيس عسكري مصري لم يشترك في أي من الحروب التي خاضتها مصر في مواجهة إسرائيل؛ فهو لم يكن قد ولد بعد حين كانت مصر تحارب في فلسطين عام 1948، وهي الحرب التي أراد جمال عبد الناصر أن يتطوع للقتال فيها حتى من قبل أن تتاح له فرصة للمشاركة فيها بالفعل كضابط في القوات المسلحة المصرية، وكان مولوداً حديثاً أو طفـلاً حين كانت مصر تخوض حروب 1956 و1967 والاستنزاف (1968 – 1970). وهو لم يكن قد التحق بالكلية الحربية بعد حين كانت مصر تخوض حرب 1973 التي أراد لها السادات أن تكون آخر الحروب. بعبارة أخرى يمكن القول إن السيسي ترعرع في مناخ مختلف كلية عن المناخ الذي تربت فيه المؤسسة العسكرية المصرية التي ظلت لحقبة طويلة جداً تبني عقيدتها العسكرية على أساس أن إسرائيل تمثّل مصدر التهديد الرئيسي لأمن مصر الوطني. فقد تحوّلت هذه المؤسسة تدريجاً، وبخاصة بعد إبرام معاهدة السلام مع مصر عام 1979، من مؤسسة مهمتها الرئيسية حماية مصر من الأخطار الخارجية التي تواجهها، وبخاصة الخطر الإسرائيلي، إلى مؤسسة تقوم بمهمات وخدمات أخرى، كالقتال ضد الجماعات الإرهابية التي تحارب اليوم من داخل سيناء أو للقيام بخدمات وأنشطة اقتصادية للمساعدة في عملية التنمية الداخلية. وتوحي مواقف مصر الخارجية في المرحلة الراهنة بأن السيسي أصبح الممثل الحقيقي للمؤسسة العسكرية المصرية في مرحلة تطورها الراهنة التي لم تعد هذه المؤسسة فيها تجد غضاضة في التنسيق الأمني مع إسرائيل، بدعوى مكافحة الجماعات الإرهابية في سيناء، أو الموافقة على التنازل للسعودية عن السيادة على جزيرتي تيران وصنافير، بدعوى أن هاتين الجزيرتين كانتا وديعة سعودية لدى مصر، وهي مواقف سيكون لها، إن تحقق لها الدوام، تداعيات استراتيجية هائلة ليس على مصر فقط وإنما على المنطقة بأسرها.

الثاني: إدراك السيسي للتحولات التي طرأت على النظام الدولي ولما ينبغي على مصر أن تقوم به للتأقلم مع هذه التحولات؛ ففي تقديري أن السيسي يدرك أن زمن الهيمنة الأمريكية المنفردة على النظام الدولي قد ولّى، على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال تحتل موقع الدولة العظمى الأولى في هذا النظام الدولي الذي يتحوّل بسرعة إلى نظام متعدد الأقطاب، وأن محور الصراعات في هذا العالم الذي يتجه يميناً أصبح يدور حول الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا أكثر مما يدور حول السياسة والمواجهات العسكرية. لذا هو يعتقد أن من مصلحة مصر أن ترتبط بالقوى الدولية التي لا تقيم وزناً كبيراً لقضايا حقوق الإنسان في العالم، وأن من شأن هذا الارتباط دعم هدفه الرامي إلى استئصال جماعة الإخوان المسلمين والقوى الأصولية والراديكالية من معادلة السياسة المصرية والإقليمية. ويفسر هذا الموقف طبيعة العلاقة الخاصة التي تربطه بالرئيس ترامب وأمثاله من رؤساء الدول والحكومات في العالم، اعتقاداً منه أن باستطاعته الحصول على دعمهم السياسي والاقتصادي مقابل الخدمات التي يستطيع تقديمها إليهم في مجال مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية والعمل على تمرير صفقة القرن. وهذه توجهات تتناقض كلية مع توجهات مصر الدولة المؤسِّسة لحركة عدم الانحياز وتنظيم صفوف العالم الثالث.

■ إلى أي حد تملك مصر وثائق تؤكد ملكيتها القانونية للجزيرتين، وما هي الحجج التي اعتُمدت لكي تتنازل مصر عن سيادتها عليهما؟

□ تدعي السعودية أن جزيرتي تيران وصنافير جزء لا يتجرأ من أراضي الدولة السعودية التي تنازلت عنهما مؤقتاً لمصر، لأسباب أمنية تتعلق بتطورات الصراع العربي – الإسرائيلي، وبالتالي كانتا وديعتين يحق لها استردادهما، وبخاصة بعدما أصبحت مصر مرتبطة بمعاهدة سلام مع إسرائيل. غير أن هذا الادعاء لا يستند إلى أي حقائق تاريخية؛ فسيادة الدولة المصرية على جزيرتي تيران وصنافير ثابت ومعترف به من جانب المجتمع الدولي قبل قيام المملكة السعودية بوقت طويل. ولا يتسع المقام هنا لحديث تفصيلي عن الوئائق التي تؤكد هذه الحقيقة التاريخية الثابتة والبديهية، وهي كثيرة وكان معظمها محل نظر وتدقيق من جانب المحكمة الإدارية المصرية العليا التي أصدرت حكماً نهائياً واجب النفاذ يقضي بمصرية تيران وصنافير. لكن السيسي ضرب بهذا الحكم ثم أطاح القاضي الذي أصدره وحال دون ترقيته إلى المناصب القضائية العليا التي كان أحق بها من غيره، كرئاسة محكمة النقض أو مجلس القضاء الأعلى. ولفهم أهمية هذه القضية ودلالتها يجب ربطها بما يدور حول صفقة القرن والدور المطلوب من كل من مصر والسعودية لتمرير هذه الصفقة. فنقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية لم يتم إلا بعدما التزمت السعودية في خطاب موقّع من وزير خارجيتها بتنفيذ الاشتراطات الأمنية كافة المنصوص عليها في معاهدة السلام المبرمة بين مصر وإسرائيل، والمتعلقة بالمنطقة (ج) التي كانت جزريتا تيران وصنافير تقع ضمنها، وبهذا تكون السعودية قد أصبحت طرفاً غير مباشر في معاهدة السلام مع إسرائيل، وسيؤدي ذلك في الوقت نفسه إلى تحويل مضيق تيران إلى ممر مائي دولي لا يخضع لسيادة أي من الدول المشاطئة لخليج العقبة، بما في ذلك مصر الذي كان المضيق يعد جزءاً لا يتجرأ من مياهها الإقليمية. لذا يتوقع أن يكون لهذا التنازل تأثيرات استراتيجية بعيدة المدى ترتبط، من ناحية، بـتصفية القضية الفلسطينية من خلال تمرير «صفقة القرن»، وبتلبية الطموحات الإسرائيلية في منطقة الخليج، من خلال استدعاء إسرائيل للمشاركة في مواجهة إيران التي أصبحت دول عربية معينة تعدّها مصدر التهديد الرئيسي للأمن في المنطقة. ومن المعروف أن إسرائيل كانت تسعى باستمرار ليكون لها حضور دائم في مضيقي هرمز وباب المندب. وتلك كلها مؤشرات تبعث على القلق وتؤكد ليس فقط أن دور مصر العربي والإقليمي يتراجع وإنما أيضاً أن أمن النظام الإقليمي العربي برمته بدأ ينهار كلياً.

3 – الأوضاع العربية الراهنة، واحتمالات نهوض النظام العربي، ودور مصر في توفير شروط النهضة

■ كيف ترى الأوضاع العربية حالياً، وهل يمكن إصلاح النظام العربي وتمكينه من الانطلاق من جديد؟

□ لم تكن أوضاع العالم العربي أسوأ مما هي عليه الآن؛ فالنظام العربي، الذي وصل إلى ذروة قوته في نهاية الخمسينيات، وبخاصة حين تحققت الوحدة الاندماجية بين مصر وسورية عام 1958، يوشك الآن على الانهيار التام؛ وهو لم يكن في أي يوم من الأيام أضعف مما هو عليه الآن. غير أنه لم يصل إلى هذا الوضع فجأة وإنما عبر عملية تراكمية؛ فقد ارتُكبت أخطاء كبيرة في كل العصور، بما في ذلك حقبة القيادة الناصرية له؛ ففي عهد عبد الناصر انهارت الوحدة بين مصر وسورية، واستدرجت مصر إلى حرب اليمن ثم إلى حرب 1967 التي مكّنت إسرائيل من إلحاق هزيمة ماحقة بجيوش ثلاث دول عربية ومن استكمال احتلالها لكل فلسطين إضافة إلى مساحات شاسعة من أراضي دول عربية أخرى، وبخاصة سيناء المصرية والجولان السورية. ولكن على الرغم من كل الأخطاء والخطايا التي أدت إلى هذه الكوارث كان بمقدور النظام العربي أن يقف على قدميه من جديد وأن ينهض عقب كل انتكاسة، بما في ذلك انتكاسة 1967 الكبرى التي استعاد النظام العربي توازنه بعدها بفضل صمود الشعب المصري وإصراره على بقاء عبد الناصر على الرغم من الهزيمة، وكذلك بفضل الدعم المالي الذي قدمته دول الخليج العربية والدعم العسكري الذي قدمته دول عربية أخرى كثيرة لتمكين مصر من خوض حرب الاستنزاف التي مهدّت لنصر تشرين الأول/أكتوبر. وكان يمكن النظام العربي إعادة بناء نفسه على أسس جديدة عقب هذا النصر وأن يتحول إلى قوة عالمية يحسب لها حساب، وبخاصة أن حرب تشرين الأول/أكتوبر وفرت له بيئة إقليمية وعالمية ملائمة لإحكام سيطرته بصورة أكبر على موارده النفطية التي بدأت تدر عليه عائداً لم يكن يحلم به. غير أن هذه الفرصة أهدرت، وراح النظام العربي يتآكل بعدها تدريجاً إلى أن أصبح الآن على وشك الانهيار.

أخطاء كثيرة ارتكبتها القيادات العربية الرسمية كافة، من دون استثناء، هي التي أوصلت العالم العربي إلى ما هو عليه الآن من تدهور، غير أن أكثر هذه الأخطاء فداحة، من حيث حجم الأضرار التي لحقت بالنظام العربي، تسبب فيها قراران:

الأول، ارتكبه السادات بالذهاب إلى القدس عام 1977 من دون أي تشاور أو تنسيق مسبق مع الأطراف العربية، وضد رغبة معظمها. وفي تقديري أن هذا القرار مهَّد الطريق أمام كل المحاولات الرامية لتصفية القضية الفلسطينية تدريجاً، إلى أن وصلنا اليوم إلى «صفقة القرن» التي حرص ترامب على وضع بصمته عليها، ولكنه لم يعد الآن بحاجة إلى الإعلان عنها رسمياً أو إلى الحصول على موافقة الدول العربية عليها، لأنه يدرك أن في إمكانه فرضها كأمر واقع، بالتعاون مع إسرائيل وبعض الأنظمة العربية.

الثاني، ارتكبه صدام حسين، بإعلان الحرب على إيران، من دون أي حاجة أو ضرورة ملحة تفرضها مصلحة عراقية أو خليجية أو عربية. وفي تقديري أن هذا القرار تسبب أولاً في عزل العراق ثم في إضعافه تمهيداً لتدميره، ثم تسبب ثانياً في جر دول الخليج العربي نحو القبول بتسوية للصراع العربي – الإسرائيلي وفق الشروط الإسرائيلية، وهو ما بدا واضحاً في مؤتمر مدريد، ثم تسبب ثالثاً في إشعال الفتن الطائفية في كل مكان في الوطن العربي، إلى أن وصلنا إلى الحالة الراهنة، حيث تحاول بعض الأطراف العربية والإقليمية والدولية تصوير إيران وكأنها مصدر التهديد الرئيسي في المنطقة، الأمر الذي يستوجب إقامة تحالف دولي في مواجهته تشارك فيه إسرائيل، بصرف النظر عن موقف الأخيرة من الشعب الفلسطيني ومن قضيته.

هذا التدهور المتواصل لأوضاع العالم العربي ونظامه الإقليمي هو الذي أدى، بالتراكم، إلى انفجار الأوضاع في العالم العربي واندلاع ما أطلق عليه «ثورات الربيع العربي» التي أشعلت تونس شرارتها الأولى في كانون الأول/ديسمبر 2010 قبل أن تنتقل تباعاً إلى أنحاء متفرقة من العالم العربي. ولا جدال في أن هذه الثورات أتاحت فرصة لوقف التدهور ولإعادة تصحيح الأوضاع في العالم العربي، غير أن تكالب وتضافر قوى الثورة المضادة، على مختلف الصعد المحلية والإقليمية والدولية، أدى إلى إجهاضها الواحدة تلو الأخرى، مرحلياً على الأقل. وفي تقديري أنه لن يكون في مقدور النظام العربي أن ينهض من جديد إلا إذا تمكنت الشعوب العربية من الانتفاض من جديد والتخلص كلياً من النظم التي تحكمها حالياً، والتي تجمع بين الاستبداد والتبعية للخارج. وتوحي التطورات الراهنة في كل من الجزائر والسودان إلى أن الأمل لم ينطفئ بعد، وأن جذوة الربيع العربي لا تزال حية تحت الرماد البادي على السطح.

■ ما هي المقومات والشروط التي ينبغي توافرها لتمكين النظام العربي من النهوض من جديد، وهل بمقدور مصر أن تساهم في توفير بعض هذه المقومات والشروط؟

□ كان الرعيل الأول من القوميين العرب، من أمثال ساطع الحصري وغيره، يتصور أن المشكلة الأساسية التي يواجهها العالم العربي تكمن في التجزئة وفي الحدود السياسية المصطنعة التي رسمها الاستعمار بنفسه ليضمن استمرار هيمنته على المنطقة العربية إلى الأبد، كما كان يؤمن إيماناً عميقاً أن الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج تملك من الروابط التاريخية والثقافية ما يؤهلها لتكوين أمة واحدة لا تختلف بأي حال من الأحوال عن الأمة الفرنسية أو الألمانية أو الأمريكية أو غيرها، لكن الشعوب العربية ليست واعية بعمق هذا الانتماء بالقدر الكافي بسبب سياسة فرِّق تسُد التي انتهجتها القوى الاستعمارية. لذا تركز الجهد العلمي لهذا الرعيل في البداية على محاولة إثبات أن الشعوب العربية تتوافر لديها المقومات كافة التي تجعل منها أمة واحدة، اعتقاداً منه أنه ما إن تتمكن الأقطار العربية من تحقيق الاستقلال وطرد المحتل الأجنبي وتعي الشعوب العربية حقيقة انتمائها إلى أمة عربية واحدة حتى تنتفض مطالبة بإقامة الدولة العربية الواحدة من المحيط إلى الخليج. غير أن تطور الأوضاع العربية على مدى قرن من الزمان أثبت أن الواقع العربي أكثر تعقيداً من ذلك الطرح الذي تغلب عليه النزعة الرومانسية، وأن هناك إشكاليات متعددة لا تزال بحاجة إلى تفكيك وإلى إعادة تركيب؛ فعلى الرغم مما يجمع بين الدول العربية من روابط مشتركة، فهي تفرق بينها عوامل أخرى كثيرة لأنها تختلف كثيراً من حيث درجة تجانسها الاجتماعي ونسب الأقليات العرقية أو الطائفية أو الدينية التي تتكوّن منها، ومستوى تطور مؤسساتها السياسية والفكرية والتعليمية، وحجومها السكانية وقدراتها العسكرية والاقتصادية… إلخ. لذا قد يتفق كُثُر على أن الوحدة العربية هدف نبيل ينبغي العمل على تحقيقه، لكنهم سوف يختلفون حتماً على أسلوب تحقيقه وعلى الآليات التي ينبغي أن تنهض به، وعلى المدّة الزمنية اللازمة لتحقيقه، وهل يجب أن تكون وحدة صف أم أن وحدة الهدف تكفي… إلخ. وفي العالم العربي تجارب وحدوية ناجحة، كتجربة الإمارات العربية المتحدة، وأخرى أقل نجاحاً، كتجربة الوحدة اليمنية، وفيه أيضاً أطر تنظيمية شاملة، كجامعة الدول العربية، وأخرى فرعية، كمجلس التعاون الخليجي… إلخ، لكنها جميعاً تحتاج إلى ترميم. وفي مرحلة من المراحل انتشرت في الأوساط السياسية والفكرية العربية نظرية «الدولة القاعدة»، بوصفها شرطاً ضرورياً لقيام الوحدة، وحين توافر هذا الشرط بتصدر مصر الناصرية قيادة التيار العروبي، سرعان ما تبيَّن أنه ليس شرطاً كافياً، وأن هناك شروطاً أخرى غائبة ينبغي أن تتوافر على أرض الواقع كي يتحول حلم الوحدة إلى حقيقة. على صعيد آخر، أثبتت الممارسة أن النظام الإقليمي العربي يقوى، ويصبح بالتالي قادراً على مواجهة التحديات والتعامل بفاعلية مع الأزمات ومصادر التهديد التي تواجهه كلما حدث توافق بين كل من مصر وسورية والسعودية، غير أنه ثبت في الوقت نفسه أن إمكان تحقيق التوافق بين هذه الدول المحورية الثلاث ليس بالأمر الهيِّن وأنه يتطلب شروطاً يصعب توافرها في كل الأوقات، ناهيك بإمكان المحافظة على هذا التوافق لمدة طويلة بعدما يتحقق. وللأسف لا تتوافر للنظام العربي شروط النهوض في المرحلة الراهنة، لا من خلال «الدولة القاعدة» المؤهلة لقيادته بجاذبية نظامها أو بقوة الأمر الواقع، ولا من خلال «المحور التوافقي» القادر على انتشاله من أزماته التي لم تكن يوماً ما بهذا الحجم أو بهذه الكثافة؛ فإضافة إلى فلسطين المحتلة، التي تصر إسرائيل على تهويدها وتشريد شعبها بالكامل، تعيش دول عربية كثيرة، كسورية وليبيا واليمن والصومال وغيرها حروب هي مزيج من الحروب الأهلية والإقليمية والدولية التي تمزقها تمزيقاً وتكاد تقضي على وحدة شعوبها، وتعيش دول عربية أخرى، كالسودان والجزائر، حالة غليان أو ثورات وانتفاضات شعبية لا يزال بعضها مشتعـلاً، وتعيش دول عربية ثالثة، كلبنان والعراق، حالة توازن سياسي هش قابل للاختلال في أي لحظة. وتوجد في عدة دول عربية قواعد عسكرية تحوِّلها إلى ما يشبه المستعمرات، أما الدول العربية الغنية بالنفط فتتعرض ثرواتها التي تقدر بآلاف المليارات للنهب والضياع بفعل أطماع الخارج وسفه الأنظمة الحاكمة في الداخل.

إن نظاماً عربياً هذه سماته يصبح من الصعب عليه النهوض من جديد ما لم تتمكن شعوبه من إقامة نظم حكم تعبر عن إرادتها الحرة ويسود فيها القانون. وباستثناء تونس، التي يمكن القول إنها في وضع نسبي أفضل من غيرها، على هذا الصعيد، لا تزال بقية الدول العربية في أمس الحاجة إلى نظم تؤمن بالمواطنة وحقوق الإنسان وتسمح بتداول حقيقي للسلطة بالوسائل السلمية والديمقراطية. ولا تمثّل مصر استثناء من هذه القاعدة أو هذا الشرط. وهذه عملية تاريخية أظن أنها ستستغرق بعض الوقت. ولا جدال في أن مصير العالم العربي ونظامه الإقليمي سيتوقف إلى حد كبير على ما سيحدث في مصر. فإذا استطاع الشعب المصري يوماً ما أن يقيم نظاماً ديمقراطياً حقيقياً قابـلاً للدوام فسوف يساعد ذلك كثيراً على عملية التحول الديمقراطي في العالم العربي خطوات إلى الأمام، وهو الشرط الضروري لانطلاق العالم العربي نحو النهضة الحقيقية والمستدامة.