مقدمة
يوضح البحث في العلاقات بين القوى الكبرى أن تركز مقومات القوة لدى تلك القوى إنما قاد إلى تسليط الضوء على تلك العلاقات من جانب الدول والسياسيين والأكاديميين عليها، نظرًا إلى الخصوصية التي يمكن أن ترتبط بأي تفاعل يقع فيها، فالقوى الكبرى بوجه عام إنما هي قوى مؤثرة في النظام الإقليمي لها وفي النظام العالمي ككل.
تُعَدّ روسيا قوة كبرى في كل المقاييس، تؤثر في النظام العالمي، وبخاصة في بُعديه السياسي والعسكري، في حين أن الصين هي قوة أكثر شمولية من روسيا، ورغم تأخرها قليلًا عن التكنولوجيا العسكرية لروسيا فهي تبقى من أكثر الدول اقترابًا من الولايات المتحدة في امتلاك كل مقومات القوة الشاملة، وهي تمتلك إلى جانبه رؤية لما يجب أن يكون عليه النظام الدولي مستقبلًا.
إن العلاقات بين روسيا والصين قديمة نسبيًا، نظرًا إلى الجوار الجغرافي الذي تحقّق بعدما تمددت روسيا على حساب سيبيريا بين نهايات القرن السادس عشر ومنتصف القرن السابع عشر، وأخذت العلاقات عبر تاريخها الممتد تنوعًا، فبعد مرحلة من الصراع، الممتد إلى عام 1949، دخلت الدولتان في إطار علاقات استراتيجية مؤقتة، ثم دخلتا مرحلة نزاع استمرت إلى عام 1982 عندما أخذت الدولتان تنفتحان إحداهما على الأخرى، واستمر الانفتاح إلى عام 1996 عندما اختطّا مسار تعزيز العلاقات استراتيجيًا وتسوية النزاعات المختلفة في مسارها.
وخلال المدة 1996-2021 تطورت العلاقات بين البلدين لتأخذ مسارًا يمكن وصفه بأنه تحالف استراتيجي، ومضمونه الدعوة إلى بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب. وتسارعت العلاقات بينهما في كل المسارات: السياسية والعسكرية والاقتصادية، وبضمنه تنسيق المواقف في شأن الأحداث الدولية، ولعل كل ما يتعلق بأحداث تعديلات على النظام العالمي، كان أبرز الأطروحات في مسار تلك العلاقات.
في عام 2013 أخذت الأزمة حول أوكرانيا تتفاقم، والأزمة دارت حول هوية أوكرانيا، فبعد مرحلة كانت أوكرانيا مع روسيا جزءًا من الدولة السوفياتية، وصولًا إلى عام 1991، بقت أوكرانيا محافظة على علاقات قوية مع روسيا إلى عام 2013، حين أخذت مسارًا يقترب أكثر فأكثر من الغرب، على نحو قاد إلى ظهور الأزمة، التي استمرت تتفاقم، في مرحلة كانت روسيا تدعو صراحة إلى مراجعة مكانتها العالمية، وأحوال القطبية الدولية، واستمرت إلى عام 2022 عندما قررت التدخل العسكري في أوكرانيا لإثبات وجودها في النظام العالمي.
تطورت العلاقات الروسية – الصينية، ومنذ أحداث الحرب الأوكرانية، بسرعة، ويمكن أن تتقرر بموجب تلك العلاقات تأثيرات لا ترتبط بالدولتين فقط، إنما يمكن أن تؤثر في النظام العالمي ككل، نظرًا إلى وزن وحجم الدولتين في ذلك النظام.
تعطي المؤشرات تصورًا أن مسار العلاقات بين روسيا والصين يسير نحو عدة احتمالات، بعد عدة عقود من التعاون الكثيف؛ فالدولتان تجدان نفسيهما أمام ضرورة إجراء مزيد من التنسيق، بقصد إحداث تحول أكبر في النظام العالمي، وبما يعزز مصالح الدولتين.
إن الأهمية التي تنطوي عليها دراسة موضوع مستقبل العلاقات الروسية – الصينية، إنما ترتبط بتقدير ما يمكن أن تكون عليه الدولتان مستقبلًا، فالدولتان اليوم تتمتعان بمقومات قوة كبيرة، وتعطي الدول الغربية لهما وزنًا مهمًا، وتذهب مراكز الدراسات إلى البحث والاستشراف في ما قد تكون عليه، وتداعيات أي احتمال على النظام العالمي ككل.
إن الهدف من الكتابة بموضوع مستقبل العلاقات الروسية – الصينية إنما يرتبط بدراسة المؤشرات العامة لما عليه تلك العلاقات، والتوقعات بالمسارات التي يمكن أن تستقر عليها، كون دراسة المسار المستقبلي لتلك العلاقات إنما يفسر جزءًا مهمًا مما يمكن أن تكون عليه توجهات وعلاقات الدولتين نحو القوى الغربية بعامة، وما يمكن أن يكون عليه النظام العالمي مستقبلًا.
يتقيد هذا البحث بالحدود الآتية: زمانيًا، سيكون البحث حول المدة التالية للحرب الأوكرانية، والبحث في المستقبل القريب، أي في حدود الأعوام الخمسة المقبلة. ومكانيًا، ستجري دراسة عدة مستويات للعلاقات وهي: المستوى الثنائي الروسي – الصيني، والمستوى الإقليمي، والمستوى العالمي. وموضوعيًا، ستتم دراسة العلاقات الدولية لدولتين مهمتين عالميًا، ولا يمكن الابتعاد منهما في تقدير ما يمكن أن يكون عليه مستقبل النظام العالمي.
تدور معضلة البحث على تساؤل مهم وهو: إلى أين تتجه العلاقات الروسية – الصينية، ولماذا؟
وهذا التساؤل المركزي، يطرح عدد من التساؤلات التي ستكون بحاجة إلى إجابة عنها، وهي:
ما هو واقع العلاقات الروسية – الصينية قبل عام 2022؟ وما هي المتغيرات المؤثرة في مستقبل العلاقات بين الدولتين؟ وما هي الاحتمالات المستقبلية لتلك العلاقات؟
تفترض هذه الدراسة أنه كلما وجدت الدولتان أن البيئة الدولية فيها فرص أو تحد من حضورهما عالميًا، كلما اتجهتا إلى مزيد من التقارب والتنسيق في علاقاتهما المشتركة.
سيتبع البحث المنهج الاستنباطي، أي الانتقال من الرؤية الكلية للعلاقات، إلى الرؤى التفصيلية في موضوع محدد؛ وهو ما يمكن أن تكون عليه العلاقات في المستقبل القريب.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 531 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 531 في أيار/مايو 2023.
[1]خضر عباس عطوان: أستاذ في السياسة الدولية، في كلية العلوم السياسية – جامعة النهرين.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



