مقدمة:

أعلن قائد «وحدات حماية الشعب» الكردية في الثالث من كانون الأول/ديسمبر 2017 أن «قوات سوريا الديمقراطية» – وهو تحالف متعدد الأعراق والديانات يهيمن عليه المكوِّن الكردي من وحدات حماية الشعب – حررت مناطق الضفة الشرقية لنهر الفرات من «داعش»، وذلك عبر دعمٍ أمريكي وروسي. وإذا ما أضيفت إلى تلك المناطق عفرين شمال حلب ومساحات شاسعة مما يطلق عليه «سورية المفيدة الاقتصادية» – لاحتوائها على آبار النفط والغاز ومصادر المياه وثلاثة سدود – يصبح إجمالي ما يسيطر عليه الأكراد 23 بالمئة أو ما يقارب ربع مساحة سورية. غير أن التصريح الأمريكي عن السعي لتشكيل قوة حدودية في شمال سورية أثار غضب تركيا التي تدخلت بقواتها في عفرين لمنع تنفيذ تلك الخطة.

صحيح أن المعارك لم تصل إلى نهايتها بعد ومن الوارد أن تتغير نسبة تلك الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد، لكن يبقى أنها تحققت في وقتٍ تتراوح أعداد الأكراد فيه ما بين سبعة وعشرة بالمئة من إجمالي سكان سورية[1]. لذا فإن هذه المكاسب التي حققها أكراد سورية جعلت منهم عنصراً فاعلاً على أرض المعركة جعل الولايات المتحدة تطالب بضمهم – من جديد – إلى مفاوضات النظام السوري مع المعارضة. كما جاءت تلك التطورات في ظل تبدل للمواقف وتغيير للتحالفات حيال الأزمة السورية، كان من بينها زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإيران في تشرين الأول/أكتوبر 2017 واجتماعه بمرشدها الأعلى ورئيسها، وهي الزيارة التي عكست بداية تقارب تركي- إيراني بعد فترة من المواجهة غير المباشرة في سورية؛ حيث وقف الطرفان خلال الحرب السورية على طرفي نقيض ودعم كل واحدٍ منهما طرفاً مناوئاً للآخر في القتال. فإيران دعمت الرئيس بشار الأسد ونظامه – سواء عبر حليفها حزب الله أو قوات الحشد الشعبي العراقية أو مقاتلين من الحرس الثوري الإيراني – في حين قدمت تركيا الدعم لبعض جماعات المعارضة المسلحة السورية.

لم يكن ذلك التقارب جديداً على الطرفين اللذين نجحا من قبل في صياغة أشكال للتفاهم وتلاقي المصالح، وكانت كلمة السر دائماً هي الأكراد. فعلى الرغم من تعارض مصالح الطرفين في سورية ووقوف أحدهما ضد الآخر إلا أن التداعيات المحتملة لاستفتاء كردستان العراق آنذاك ومخاطر قيام دولة كردية مستقلة على حدودهما دفعت كليهما إلى العمل على تجاوز الخلافات ودعم النظام العراقي والتنسيق معه للتعامل مع الأزمة التي خلقها مسعود البارزاني لبغداد عقب إجرائه استفتاءً حول استقلال كردستان العراق رغم ضغوط المجتمع الدولي وتحذيراته.

ألقى استفتاء أكراد العراق بظلاله أيضاً على وضع أقرانهم في سورية وطموحاتهم التي كانت تطالب بحكم ذاتي في روج آفا (كردستان سورية أو غرب كردستان باللغة الكردية). فعلى الرغم من الدور الذي اضطلع به الأكراد في كلٍ من سورية والعراق في قتال تنظيم الدولة، والدعم الأمريكي والروسي لهم؛ إلا أن تسليط الأضواء على الاستفتاء وما خلّفه من حرب كلامية بين أربيل وبغداد، وما أنتجه من تحولات في التحالفات الإقليمية نتيجة استشعار الخطر من الطموحات الكردية، ثم أخيراً تنحّي مسعود البارزاني عن رئاسة كردستان بعد فشل المواجهة مع بغداد، ساهمت جميعها في ظهور مجموعة من التوازنات والتفاعلات الجديدة التي أضحى على أكراد سورية أخذها في الاعتبار إذا ما أرادوا لأنفسهم دوراً في سورية ما بعد التسوية.

تسعى هذه الدراسة للإجابة عن مجموعة من التساؤلات، منها: كيف تطور دور الأكراد في الصراع السوري؟ كيف انعكس تزايد أهمية دور أكراد سورية على طموحاتهم ومطالبهم السياسية؟ هل يمثل الصعود الكردي في سورية نواة لمشروع إقليمي كردي يغير خرائط المنطقة؟ وينبثق من هذا السؤال مجموعة من التساؤلات الفرعية، منها: ما هي حدود التوافق الكردي – الكردي على مثل هذا المشروع؟ كيف يمكن أن تنعكس المحددات الجغرافية (الامتداد الجغرافي) والديمغرافية (كالتوزيع السكاني) على المشروع سواءٌ بالتحفيز أو بالإعاقة؟ كيف تعاملت القوى الإقليمية والدولية مع الطموحات الكردية في سورية؟ وأخيراً كيف انعكس استفتاء الاستقلال في كردستان العراق وتبعاته على المشروع الكردي في سورية؟

أولاً: تطور دور الأكراد في إطار المسألة السورية

نتناول هنا الموقف الكردي من الصراع في سورية والدور الذي أدته القوات الكردية – عبر مشاركتها في قوات سوريا الديمقراطية – في الحسم العسكري لملف تنظيم الدولة.

1 – الموقف الكردي من الصراع في سورية

عندما اندلعت المواجهات بين النظام والمعارضة في سورية منعت الأحزاب الكردية أنصارها من الانخراط في الاحتجاجات إيماناً منها بأن الأزمة ستدفع النظام إلى تقديم تنازلات مستمرة للأكراد بما يحقق مطالبهم السياسية. وبالفعل اجتمع الرئيس السوري بشار الأسد بشيوخ العشائر الكردية في 5 نيسان/أبريل 2011 ووعدهم بمنح الأكراد الجنسية وأصدر بعدها بيومين مرسوماً تشريعياً يقضي بمنح المسجلين في سجلات أجانب الحسكة الجنسية العربية السورية. كما انتقلت صلاحية منح تراخيص البناء إلى محافظة الحسكة بدلاً من دمشق لتمكين الأكراد من استغلال الأراضي والعقارات بمحل إقامتهم[2].

تلك التنازلات التي أبدى النظام السوري استعداده لتقديمها للأكراد شجعتهم على التحفظ وعدم التصريح في بيانات أحزابهم بالرغبة في إسقاط النظام. ولعل ذلك ما قد أرجع إليه بعض المحللين انسحاب الأحزاب الكردية من اجتماع المعارضة السورية في إسطنبول في 27 آذار/مارس 2012 الذي خرجت عنه وثيقة العهد الوطني. بينما أرجعت تلك الأحزاب انسحابها لرفض المشاركين تضمين الوثيقة عبارة سورية دولة متعددة القوميات في الوقت الذي رأت فيه بقية الأطراف الاكتفاء بالتشديد على حل المسألة الكردية حلاً ديمقراطياً عادلاً ضمن وحدة سورية أرضاً وشعباً[3].

لكن مع دخول الأكراد طرفاً في المعارك ونجاحهم في السيطرة على أراضٍ ذات أغلبية كردية في النصف الثاني من عام 2012 بدأت مطالبهم تتطور لتشمل الدعوة إلى الفدرالية والحكم الذاتي ومطالبات بالاعتراف دستورياً بالأكراد كقومية ثانية – بعد العرب – في البلاد، وإلغاء صفة العربية من اسم الدولة ليصبح الجمهورية السورية. ومع اتساع السيطرة على مناطق مثل عفرين وكوباني (عين العرب) وديريك (المالكية) وغيرها، أقام الأكراد بنية إدارية وأمنية تحت سيطرة واسعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ورفعت الأعلام الكردية على المؤسسات بتلك المدن[4]. وفي عام 2013 تأسست حركة المجتمع الديمقراطي التي تتألف من تحالف يضم حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب الاتحاد السرياني وحزب السلام الديمقراطي الكردي السوري مع بعض الجمعيات المدنية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه أعلنت الحركة عن إنشاء إدارة مستقلة بتلك الأراضي الواقعة تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي[5]. وفي 17 آذار/مارس 2016 أعلنت قوى كردية سورية نظاماً فدرالياً في المناطق التي تسيطر عليها شمال البلاد؛ وهي مقاطعات كوباني، وعفرين، والجزيرة[6].

حينما أعلن إقليم كردستان العراق رسمياً عن إجراء استفتاء الاستقلال في موعده المقرر في 25 أيلول/سبتمبر 2017، جاء ذلك الحدث وتبعاته الإقليمية والدولية ليغطي على حدث آخر تزامن معه في الجوار السوري كان الأكراد أيضاً فاعله الرئيس ألا وهو إجراء انتخابات المجالس المحلية التي نظّمها حزب الاتحاد الديمقراطي في المناطق التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية»[7]. بدأت تلك الانتخابات في 22 أيلول/سبتمبر 2017 كمرحلة أولى من ثلاث مراحل، وفيها يتم اختيار رؤساء نحو 3700 لجنة محلية للأحياء والشوارع، التي أطلق عليها الكوميونات[8]. ويعرف الكوميون بأنه «وحدة اجتماعية سياسية اقتصادية تؤسس على مبدأ المشاركة العامة وعلى أساس الديمقراطية المباشرة»[9].

بدأت انتخابات المرحلة الثانية في مطلع كانون الأول/ديسمبر 2017 لاختيار رؤساء مجالس الإدارة المحلية وأعضاء المقاطعات المكوَّن منها كل إقليم. وشهدت النتائج اكتساحاً واضحاً لقائمة «الأمة الديمقراطية» التي يتزعمها حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، وتنافس معها قائمة «التحالف الوطني الكردي»، وقائمة «التحالف الوطني السوري»، وقائمة «حزب الوحدة الكردي (يكيتي)» إلى جانب قائمة «المستقلون». واستمر غياب المجلس الوطني الكردي الذي كان أعلن قبيل انتخابات المرحلة الأولى مقاطعة تلك الانتخابات التي اعتبرها تكريساً لنهج التفرد والتسلط. وانضم إلى حركة المقاطعة الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي والمنظمة الآشورية[10].

أما انتخابات المرحلة الثالثة والنهائية التي خُطِّط إجراؤها في مطلع عام 2018 فهي لاختيار أعضاء «مجلس الشعوب الديمقراطية» الذي سيمنح صلاحيات تشريعية واسعة، وكذلك «مؤتمر الشعوب الديمقراطية» الذي يعمل على رسم السياسة العامة للنظام الفدرالي في شمال سورية[11]. ولكن في 17 كانون الثاني/يناير 2018 أعلنت مسؤولة بالإدارة الذاتية الكردية إرجاء تلك المرحلة إلى موعد لاحق لأسبابٍ تنظيمية[12]. وكان ذلك متوقعاً في ظل التوترات مع أنقرة ثم اندلاع العمليات العسكرية في عفرين، وبدا واضحاً أن التأجيل حتمي مع صعوبة إجراء أي انتخابات في عفرين من ناحيةٍ، والحرص على عدم استفزاز النظام السوري في فترة يحتاج الأكراد فيها إلى دعمه من ناحيةٍ أخرى.

تلك المطالبات الكردية والتطورات المتلاحقة لمكاسبهم على الأرض جعلت قطاعات من المعارضة السورية تنظر إليهم على أنهم يسعون بالأساس لمصلحتهم الخاصة لا لمصلحة سورية ككل؛ وبخاصة في إثر مواقفهم الأولية من الصراع التي رأوا فيها حياداً غير مبرر أحياناً، وتعاوناً مع النظام السوري أحياناً أخرى. ناهيك بمخاوف أنقرة – الداعمة لبعض قطاعات المعارضة – من تنامي دورهم على الحدود مع تركيا، وهي المخاوف التي قادت إلى تدخل تركيا عسكرياً في عفرين.

2 – أكراد سورية والحسم العسكري لملف «الدولة الإسلامية»

شكل ظهور تنظيم الدولة تهديداً للنظامين العراقي والسوري، واعتبر في الوقت ذاته تحدياً لحكومة كردستان العراق عقب اقتراب التنظيم من حدود الإقليم ودخوله في مواجهات مسلحة مع قوات البشمركة الكردية. واستغل مسعود البارزاني – رئيس الإقليم – ذلك الظرف التاريخي ليلفت أنظار الداخل الكردي بعيداً من قضايا مثل انتهاء فترته الرئاسية في آب/أغسطس 2013، وكذلك المد الاستثنائي الذي انتهى في آب/أغسطس 2015. واستمر البارزاني – حتى تنحّيه في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2017 – يحكم الإقليم ويتم تأجيل أي حديث عن الإصلاح تحت دعوى الحرب على الإرهاب، وضرورة توحيد جهود الجبهة الداخلية. كما استغلت حكومة كردستان العراق آنذاك – وحتى ما قبل إجراء الاستفتاء – ضعف الحكومة المركزية لتفرض سيطرتها على المناطق المتنازع عليها مع المركز والتي نجحت قوات البشمركة في تحريرها من قبضة تنظيم الدولة.

لذلك وُصف صعود تنظيم الدولة الإسلامية بالفرصة الذهبية لأكراد العراق. فقد تمكنت حكومة الإقليم من السيطرة على كركوك التي كانت ولا تزال أحد أبرز نقاط الخلاف بين بغداد وأربيل[13]. وتعني السيطرة عليها إضافة موارد نفطية هامة للإقليم وبذلك أضحى أكراد العراق أكثر نفوذاً من ذي قبل[14]. لكن قرار قيادة الإقليم إجراء استفتاء للاستقلال، ورفض بغداد لنتيجة الاستفتاء ونجاحها – بدعم إقليمي ودولي – في استعادة السيطرة على كركوك وغيرها من المناطق التي سيطرت البشمركة عليها سابقاً؛ ساهمت جميعها في خسارة أربيل المكاسب التي تحققت لها عبر قتال تنظيم الدولة.

لكن ما إن دخل أكراد سورية في مواجهة تنظيم الدولة، وسارعت قوى التحالف وروسيا لتقديم الدعم لهم، حتى أدرك الأكراد أن الفرصة التي توافرت لأقرانهم في العراق ليست ببعيدة منهم، وأن الأوضاع على أرض المعارك تتيح لهم تحقيق مكاسب غير مسبوقة.

حينما هاجم داعش سنجار في شمال العراق في آب/أغسطس 2014، نظر بعض الأكراد إلى تلك المواجهة على أنها «حرب للسيطرة على المناطق والهوية». فالمنطقة هي الموطن التاريخي للإيزيديين، والتقى فيها للدفاع عنها معاً وللمرة الأولى قوات كردية من العراق وسورية وإيران وتركيا؛ بل تحدثت تقارير صحافية عن وصول القوات الكردية السورية قبل وصول البشمركة إليها فيما وصفه بعض الأكراد بمعركة الشرف والكرامة[15]. فقد رأى بعض المحللين الأكراد أن الإعلان عن سعي تنظيم الدولة للتقدم نحو أربيل قد ولّد حالة من التضامن الكردي لم تتوافر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية[16]. لكن لم تنتظر قوات البشمركة كثيراً لرد الجميل لأقرانهم في سورية. ففي تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه هاجم تنظيم داعش منطقة كوباني (عين العرب)[17]، فتوجهت قوات بشمركة كردستان العراق لمساندة إخوانهم الأكراد في الدفاع عن كوباني[18].

تلك المواجهات مع تنظيم الدولة دفعت الأحزاب الكردية للخروج بتصريحات فُسِّرت بدعمها للنظام مثل تصريح صالح مسلم – زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي – أنهم «لا يتمنون خسارة النظام السوري للحرب طالما ظلت التنظيمات الجهادية تجول في الأراضي السورية وعليه سيكون سقوط الأسد بمثابة الكارثة للجميع بما في ذلك مشروع الحكم الذاتي في روج آفا»[19]. بالطبع لم يلقَ ذلك التصريح قبولاً سواء لدى تركيا أو قطاعات المعارضة السورية – وبخاصةٍ تلك التي لا ترى للرئيس بشار الأسد مكاناً في سورية ما بعد التسوية – حتى وإن كان التصريح يربط ذلك البقاء باستمرار وجود التنظيمات الجهادية في البلاد.

حرصت دمشق وحلفاؤها من جهة، ووحدات حماية الشعب وحلفاؤها من جهة أخرى، على تجنب الصدام في أغلب الأوقات خلال الحرب. ولم تظهر بوادر التوتر إلا عندما تنافس الطرفان على انتزاع أراضٍ من تنظيم الدولة الإسلامية في محافظة دير الزور في شرق البلاد[20]. لكن الانتكاسة التي تعرضت لها طموحات أربيل من تبعات الاستفتاء دفعت أكراد سورية إلى التعامل بمزيد من الحذر والبراغماتية مع البيئة المحيطة؛ ليتجنبوا مصير إخوانهم في كردستان العراق. فاستمرت الأحزاب الكردية في النأي بنفسها عن لغة التصعيد مع النظام السوري.

تلك الطبيعة الحذرة والبراغماتية استغلتها وسائل إعلامية مقرَّبة من النظام بعد نجاحات الأكراد في قتال داعش لتعلن عن مفاوضات لانضمام قوات سوريا الديمقراطية إلى جيش النظام[21]. وعلى الرغم من نفي مصادر كردية تلك الأنباء إلا أنها تبقى ذات دلالة عن غياب العداء المباشر، أو وجود نقاط تلاقٍ بين أكراد سورية والنظام الحاكم؛ وهو ما عرَّضهم لاتهامات متكررة من جانب المعارضة السورية بعدم الانحياز إلى مطالب «الشعب السوري» وخروجهم عن الاصطفاف الوطني.

كما ظهر التقارب وتلاقي المصالح أيضاً في مطالبة الأكراد بدعم دمشق في مواجهة الهجوم التركي على عفرين، فاستجاب النظام بالسماح للمقاتلين الأكراد بالوصول إلى عفرين عبر أراضٍ خاضعةٍ لسيطرته[22]. ثم خرجت تصريحات عن وحدات حماية الشعب بأن مئات المقاتلين الموالين للنظام السوري انتشروا على الخطوط الأمامية في عفرين للمساعدة على صد الهجوم التركي[23]. بل إن المناطق ذات الأغلبية الكردية التي أعلن الأكراد فيها الحكم الذاتي لا يسيطرون عليها على نحوٍ كامل. فعلى الرغم من تولي الإدارة الذاتية تسيير شؤون المواطنين وإدارة المؤسسات وتقديم الخدمات إلا أن النظام لا يزال يحتفظ بمربعين أمنيين في كلٍ من الحسكة والقامشلي[24].

ثانياً: أكراد سورية والبعد الإقليمي

يبدأ هذا الجزء بعرضٍ موجزٍ لعلاقة أكراد سورية بأكراد الجوار، وبخاصة في العراق وتركيا. ثم ينتقل إلى تحليل الموقف الإقليمي من أكراد سورية. وسيتم التركيز هنا على الدور التركي وكيف أثّر وتأثر بوضع الأكراد في سورية. وبالطبع لا ينفي ذلك أهمية أدوار الفاعلين الإقليميين الآخرين في الصراع السوري كإيران والعراق والسعودية. لكن التحليل يركز على تركيا لكونها لاعباً إقليمياً انخرط علناً ومباشرة في الصراع وتأثرت سياساته حيال القضية – إلى حدٍ كبير – بتطور دور الأكراد في سورية.

1 – علاقات أكراد سورية بأكراد الجوار

اعتمد أكراد سورية تاريخياً على تجارب أقرانهم في المحيط الإقليمي في استلهام حراكهم السياسي القومي. على سبيل المثال كان من بين تأثيرات التمرد الكردي الذي قاده الملا مصطفى البارزاني – مؤسس الحزب الديمقراطي الكردستاني – في العراق أن نشأ في سورية أول حزب سياسي كردي يحمل الاسم نفسه. ويضاف إلى الدعم الأيديولوجي أيضاً التمويل الإقليمي الذي حفظ للأحزاب الكردية في سورية القدرة على البقاء[25].

ظلَّ حزب العمال الكردستاني معروفاً بعلاقاته الوطيدة مع أكراد سورية الذين شكلوا – حسب بعض التقديرات – ثلث قوات الحزب التي اتخذت من جبال قنديل في شمال العراق ملاذاً لها، وأعفى النظام السوري الشباب الذين انضموا إلى حزب العمال من الخدمة العسكرية. كما قدمت الحرب في سورية الفرصة لهذه القوات للتمركز شمال سورية، وعندما اندلعت المعارك في دمشق وحلب في صيف 2012 وانسحب الجيش السوري من بعض المناطق الكردية سيطر عليها مقاتلو حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي السوري). هذا الأخير رغم حداثة إنشائه في عام 2003 إلا أنه يعتبر الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني[26].

أعلن عبد الله أوجلان – زعيم حزب العمال الكردستاني – في عام 2005 عن تبني «البلدية التحررية» كأيديولوجيا سياسية للحزب وهو ما عُدَّ اعتناقاً لأفكار المنظر الأمريكي موراي بوكتشين. يُعدُّ بوكتشين مفكراً يسارياً متطرفاً سعى للقضاء على الرأسمالية من خلال مفهوم «البلدية التحررية»؛ حيث يعيش الأفراد على نطاق أصغر، وينتجون طعامهم محلياً، ويستخدمون الطاقة المتجددة، ويديرون شؤونهم الخاصة عبر اللامركزية[27]. لذا فقد جاءت انتخابات روج آفا بمراحلها الثلاث والكيانات السياسية التي تمخضت عنها لتعكس استلهام أفكار أوجلان على أرض الواقع[28].

كما لم يقتصر دعم أكراد العراق لإخوانهم في سورية على تدريب قواتهم المسلحة، بل سعوا أيضاً لإنجاح تجربتهم الانتخابية عبر مراقبة الانتخابات بوفد من برلمان إقليم كردستان العراق ضم ممثلين عن الكتل الرئيسة، الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، والتغيير، كما شارك قياديون من حزب الشعوب الديمقراطي التركي[29].

2 – تركيا وأكراد سورية

أدّت القضية الكردية دوراً هاماً في صياغة العلاقات السورية – التركية. فقد سعت دمشق في فترات خلافاتها مع أنقرة إلى إيواء عناصر حزب العمال الكردستاني ووفرت الملاذ الآمن لقائده عبد الله أوجلان. لكن تركيا في عام 1998 صعّدت من لهجتها حيال دمشق وحشدت قواتها على الحدود مع سورية مهددة إياها بالحرب. وبالفعل ارتدعت سورية فطردت زعيم الحزب من أراضيها ووقعت مع تركيا «بروتوكول أضنه» الذي اتفقتا فيه على التعاون في مواجهة حزب العمال الكردستاني. وفي العام التالي نجحت تركيا في القبض على أوجلان في كينيا بمساعدة أمريكية[30]. التزم النظام السوري بالاتفاق إلى درجة أنه – بحسب محلل استخباري تركي – كان إذا ما أراد تسليم أحد مشتبهي حزب العمال الكردستاني فإنه كان يسلّم لأنقرة أقارب الشخص أيضاً. وقد أسهم ذلك في تحسين العلاقات ما بين الدولتين[31].

بوجهٍ عام اتسمت العلاقات التركية- السورية قبل اندلاع الصراع السوري في عام 2011 بالبراغماتية والودية. لكن ما إن فشل قادة أنقرة في إقناع دمشق بالحاجة الملحّة للإصلاح حتى غيَّرت تركيا من سياستها باتجاه دعم تغيير النظام السوري. وخلال الفترة من 2011 حتى آب/أغسطس 2016 كان للسياسة التركية ثلاث أولويات في سورية: أولاً، إطاحة النظام السوري عبر دعم جماعات المعارضة السورية؛ ثانياً، مساعدة الإخوان المسلمين في سورية على الوصول إلى الحكم. ثالثاً، العمل على منع قيام دولة كردية مستقلة بشمال سورية ترتبط بحزب العمال الكردستاني. غير أن تركيا وجدت نفسها مضطرة منذ حزيران/يونيو 2015 وبضغوط أمريكية، إلى السماح للتحالف الدولي باستخدام قاعدة إنجيرليك العسكرية بأراضيها لتوجيه ضربات لتنظيم الدولة[32]. هذه الضربات كان من المفترض أن تدعم جماعات المعارضة السورية التي تقاتل التنظيم إلا أنها قادت أيضاً إلى تخفيف الضغط عن النظام. لذلك فإن تداعيات الحرب السورية على تركيا انعكست في التهديد الذي شكله تنظيم الدولة من ناحية، والخطر الذي يمثله تنامي دور قوات حماية الشعب الكردية قرب الحدود التركية من ناحية أخرى[33]. القلق التركي حيال كلا التهديدين يؤكد أنه منذ تأسيس الجمهورية التركية في مطلع عشرينيات القرن العشرين يشغل البعد الأمني حيزاً هاماً من السياسة الخارجية للدولة[34].

لم يقتصر الأمر على العلاقات التركية – السورية، فقد كان للمسألة الكردية دور في صوغ السياسة الخارجية التركية حيال العديد من القضايا. فعندما توترت العلاقات الأمريكية – التركية نتيجة رفض تركيا استخدام أراضيها لاجتياح العراق سعت إيران للتقارب مع تركيا عبر تبادل المعلومات الاستخباري حول حزب العمال الكردستاني، بل ومهاجمة قواعده. فسعى الحزب للانتقام؛ وكما تأسس حزب الاتحاد الديمقراطي في عام 2003 كفرع سوري ظهر في العام ذاته الفرع الإيراني، وهو حزب الحياة الحرة الكردستاني الذي أخذ في مهاجمة إيران من قواعد تمركز حزب العمال بجبال شمال العراق[35]. وفي عام 2007 انضمت إيران إلى بروتوكول أضنه السابق الإشارة إليه فيما رأت فيه أنقرة ما يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية إقليمية أوسع للحجم أنشطة حزب العمال[36].

لكن تغير الأوضاع الاستراتيجية في المنطقة واندلاع القتال في سورية ودعم تركيا للمعارضة السورية قاد عملياً إلى إنهاء البروتوكول؛ حيث عادت إيران مجدداً إلى دعم حزب العمال الكردستاني الذي استأنف هجماته على تركيا في صيف 2011 والتي استمرت على الرغم من توجيه أنقرة الضربات المتتالية لمواقع الحزب سواء داخل تركيا أو خارجها[37]. لكن عادت إيران مرة أخرى لتعيد النظر في ذلك الدعم الذي تمنحه لحزب العمال بعد قيام مسعود البارزاني بإجراء استفتاء استقلال كردستان العراق في سبتمبر/أيلول 2017. قادت هذه الخطوة من جانب أربيل إلى توافق في المصالح بين إيران وتركيا مع استشعار الخطر المحيط باحتمال قيام دولة كردية على حدودهما فاضطر الطرفان إلى اتخاذ خطوات لمنع ذلك، وكان منها زيارة الرئيس التركي لطهران ومقابلته المرشد الأعلى ورئيس الجمهورية الإيرانية في مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2017.

كما تأثرت السياسة التركية في سورية بعلاقتها المعقدة بروسيا. فبعد إسقاط تركيا الطائرة الحربية الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 على الحدود التركية- السورية تصاعدت نبرة الخطاب العدائي الروسي نحو تركيا حتى بدا الأمر تمهيداً لمواجهة عسكرية بين الطرفين. لكن من جانبها سعت تركيا للتهدئة حتى نجحت في تطبيع العلاقات بنهاية عام 2016. وكان من متطلبات ذلك التطبيع خفض الدعم للجماعات المعارضة للنظام السوري. وتمثل ذلك أيضاً بانسحاب جماعات معارضة من حلب ونقل نشاطها لمواجهة تنظيم الدولة في أماكن أخرى[38]. وجاء التقارب التركي- الإيراني ليمنح أنقرة المزيد من التفاهم مع موسكو؛ فلم تبدِ الأخيرة معارضةً حيال التدخل التركي في إدلب في تشرين الأول/أكتوبر 2017، وبينما يعتبر ذلك موافقة منها ودعماً غير مباشر، توقفت القوات الروسية عن قصف المدينة خلال العملية؛ بل تواردت أنباء عن وجود دعم جوي روسي.

تدخلت القوات التركية في إدلب لدعم الجيش السوري الحر وكان الهدف المعلن للعملية، بحسب وزير خارجية تركيا، هو وقف الاشتباكات تماماً بحيث تتولى بلاده مراقبة وقف إطلاق النار ومن ثم التمهيد للمرحلة السياسية في سورية عبر المفاوضات[39]. لكن الهدف الحقيقي لذلك التدخل تمثل بما صرح به الرئيس التركي بوجود محاولة جدية لتأسيس دولة كردية بالمنطقة الحدودية في سورية، وهو ما لن تسمح به بلاده[40]. لذلك، فما دام حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وذراعه العسكرية وحدات حماية الشعب (YPG) هما القوة المسيطرة على شمال سورية فسوف تظل تركيا تنظر إلى تلك المناطق على أنها امتداد لحزب العمال الكردستاني «الإرهابي» على الجانب السوري من الحدود؛ لذا فتركيا ترى أنهم سيكونون هدفاً مشروعاً لعمليات مكافحة الإرهاب[41]. بل وصفته تركيا بأنه جماعة إرهابية غير عادية. وحينما سُئل أردوغان عن العملية العسكرية في إدلب، حذّر من تزايد قوة وحدات حماية الشعب الكردية، التي تسيطر على مناطق في شمال سورية بالقرب من الحدود التركية. وقال إنه لن يسمح بوجود «ممر إرهابي» من شرق سورية إلى البحر المتوسط، مشيراً إلى المناطق الخاضعة للمقاتلين الأكراد[42]. بيد أنه بعد يومين فقط – فيما بدا كمحاولة لاستمالة أوروبا – أعلن رئيس وزراء تركيا بن علي يلدريم أن العمليات العسكرية التركية في إدلب تستهدف الحؤول دون تدفق موجة هجرة جديدة لتركيا[43].

لكن يظل الهاجس الأمني عاملاً أساسياً في السياسة الخارجية التركية حيال سورية. ففي 20 كانون الثاني/يناير 2018 بدأت تركيا عمليتها العسكرية في عفرين تحت اسم «غصن الزيتون»، وذلك بعد أيام من إعلان التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش بقيادة الولايات المتحدة عزمه تشكيل قوة حدودية قوامها 30 ألف عنصر في شمال وشرق سورية تضم مقاتلين من وحدات حماية الشعب[44]. فقد رأت تركيا في ذلك الإعلان مؤشراً إلى تحول التحالف التكتيكي بين واشنطن وأكراد سورية إلى تحالف استراتيجي[45]. وتحظى عفرين بأهمية كبرى سواء للأكراد أو لتركيا وذلك لموقعها الاستراتيجي في شمال غرب سورية. فبالنسبة إلى الأكراد هي إحدى المقاطعات الكردية الثلاث في سورية، والمحافظة عليها والدفاع عنها يأتي للرغبة في وصلها بالمناطق الكردية الأخرى بالبلاد. أما بالنسبة إلى أنقرة فيمر عبر المنطقة خط سكك حديد قادم من تركيا التي أنشأته قبيل الحرب العالمية الأولى ليصل إلى مدينة حلب؛ وتعني السيطرة على عفرين تحقيق التواصل الجغرافي على جميع المناطق الحدودية الواقعة بين مدينة جرابلس غرب الفرات والبحر المتوسط، وبالتالي منع الأكراد من وصل مناطقهم بعضها ببعض[46].

رغم إعلان عدة أطراف فاعلة في الصراع السوري أن الهدف من التدخل العسكري هو محاربة الإرهاب إلا أنه كان لكل طرفٍ تعريفه للإرهاب ومن يمارسه. ففي الوقت الذي تتحدث موسكو وواشنطن عن مواجهة تنظيم داعش، تركزت التصريحات التركية على القوات الكردية المدعومة من حزب العمال. ويضاف إلى التصريحات التركية السابقة تصريحات أخرى مثل تأكيد وزير الخارجية التركي في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 أن ما يحدث في الرقة يُظهر أن قوات سورية الديمقراطية معنية بالسيطرة على الأراضي السورية وليس قتال مسلحي داعش[47].

لكن التحول في موازين القوى بسورية أضعف قدرة تركيا على صياغة مجرى الصراع بما يتمشى مع أهدافها طويلة المدى[48]. وصل الأمر إلى حد خروج تقارير صحافية ترى أن تركيا ربما تقدم تنازلات لروسيا منها قبول بقاء الرئيس الأسد مقابل تهميش الأكراد، واستندت في ذلك إلى تصريح وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 قائلاً: «لا بد أولاً من التحدث إلى المعارضة، والواقع أن روسيا وإيران لم تعودا الدولتين الوحيدتين اللتين تقولان بأن الأسد يمكنه البقاء؛ فالسعودية وفرنسا تقولان نفس الشيء، وعلينا أن لا نكون عاطفيين أكثر من اللازم، وهذا لا يعني أن الحصول على إجماع بشأن مصير الأسد سيكون أمراً سهلاً»[49]. ثم جاء اليوم التالي للتصريح ليصور طبيعة العلاقة بين تركيا وأكراد سورية عندما أفادت وسائل إعلام تركية أن موقع مراقبة أمنية للجيش التركي تعرض لهجوم بقذائف الهاون من قوات كردية سورية، في مدينة إدلب. وكان الموقع ضمن عدة مواقع أرسلت لها تركيا قواتها في تشرين الأول/أكتوبر 2017 تنفيذاً لاتفاق «مناطق خفض التوتر» للحد من الصراع، الذي تم التوصل إليه مع روسيا وإيران[50].

 

ثالثاً: أكراد سورية والتوازنات الدولية

يتناول هذا الجزء بالتحليل الموقفين الأمريكي والروسي من الصراع في سورية، وإن كان التركيز سينصب على رؤية كل طرف منهما لدور الأكراد في المعادلة السورية.

1 – الموقف الأمريكي من أكراد سورية

أسهم ظهور داعش على الساحة السورية عام 2014 في تطور وضع الأكراد في سورية، الذي ترتب عليه أيضاً إيجاد نقاط للتوافق بين الموقفين الروسي والأمريكي؛ حيث تلاقت وجهتا النظر الأمريكية والروسية حول ضرورة التصدي لداعش (تنظيم الدولة).

على الرغم من أن عملية تسليح أكراد سورية بدأت في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، عبر إلقاء 50 طناً من الأسلحة والمعدات والذخائر على الميليشيات الكردية في مدينة عين العرب (كوباني) عام 2014، وهو ما أثار حفيظة أنقرة؛ إلا أنه لم يخلق أزمة آنذاك بين الولايات المتحدة وحليفتها تركيا[51]. بل إن تركيا وجدت نفسها مضطرة إلى السماح بمرور قوات البشمركة العراقية لدعم مقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي السوري[52]. وكان أحد أبرز تداعيات معركة كوباني فرار ما يقرب من 200 ألف كردي سوري من كوباني إلى تركيا[53].

لكن في أيار/مايو2017 أعلنت إدارة طرمب في بيان مكتوب للمتحدثة الرسمية باسم وزارة الدفاع (البنتاغون) دانا وايت أن الرئيس الأمريكي قد فوّض وزارة الدفاع تسليح قوات سورية الديمقراطية بما تحتاج إليه للدفاع عن الرقة في مواجهة تنظيم الدولة[54]. امتد القرار أيضاً ليشمل قيام قوات المارينز الأمريكية بتدريب ما يزيد على ثلاثة آلاف عنصر منها، هذا فضلاً عن تدريب عناصر من الشرطة المدنية بالقرب من الرقة (العاصمة السورية لداعش) وهو ما أغضب تركيا التي تعتبر الميليشيات الكردية منظمات إرهابية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني التركي[55]. يضاف إلى ذلك أن علاقة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرئيس الأمريكي طرمب ليست على ما يرام في ظل انتقادات الأول لتصريحات الأخير حول الإسلام خلال حملته الانتخابية، وكذلك تصريحه لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، في 22 تموز/يوليو 2016 عن موقفه من القضية الكردية وخططه في سياسته الخارجية قائلاً: «أنا من أنصار الكرد»[56].

جاءت تصريحات السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، نيكي هيلي، في آذار/مارس 2017 حول الأولويات الأميركية في سورية، لتشكل تلاقياً وتناقضاً – في آن واحد – مع الأولويات الروسية التي أعلنها نائب وزير الخارجية الروسي مبعوث الرئيس بوتين إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ميخائيل بوغدانوف. فكلاهما اتفق على هدف إخلاء سورية من الإرهابيين. لكن في الوقت الذي أكدت فيه هيلي ضرورة إخراج «إيران ووكلائها» من سورية، كان بوغدانوف يرى أن هذا قرار سيادي يُتخَذ لاحقاً طبقاً لما ترتئيه الحكومة السورية حينذاك[57].

لكن كما انعكست نجاحات الجيش العراقي في مواجهة تنظيم الدولة واستعادة العديد من المناطق التي كان يفرض سيطرته عليها على دفع الولايات المتحدة إلى التخلي عن أكراد العراق في قضية الاستفتاء، فإذا بالرئيس طرمب – فيما بدا محاولة من إدارته لرأب الصدع الذي شهدته العلاقات مع أنقرة – يجري اتصالاً هاتفياً بالرئيس التركي أردوغان في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 ليعلن عقبه وزير الخارجية التركي أن الرئيس الأمريكي أكد خلال الاتصال أنه قد أعطى تعليمات واضحة بعدم منح الأكراد مزيداً من الأسلحة. وقد جاءت تلك التصريحات بعدما فقد تنظيم الدولة السيطرة على مناطق حيوية عدة بسورية[58]. ولكن في السياق ذاته أكد بكر بوزداغ – نائب رئيس الوزراء التركي – أن وعود طرمب ستفقد قيمتها إذا لم تنفذ[59].

لكن يبدو أن وعود طرمب لم تترجم مباشرةً إلى أوامر لوزارة الدفاع حيث اكتفى وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس في الأول من كانون الأول/ديسمبر 2017 بقوله إنه يتوقع أن يتحول التركيز على الاحتفاظ بالأراضي بدلاً من تسليح المقاتلين الأكراد السوريين مع دخول العمليات الهجومية ضد تنظيم داعش في سورية مراحلها الأخيرة[60]. جاء ذلك التصريح بعد يومين فقط من تقارير عن طلب مسؤولين أمريكيين في جنيف مشاركة «قوات سوريا الديمقراطية» في المفاوضات التي لا تضمهم حتى حينه؛ بسبب اعتراض أنقرة ومعارضين سوريين[61]. على الرغم من خروج تصريحات عن إدارة الرئيس أوباما ترفض الاعتراف بإعلان أكراد سورية الفدرالية في آذار/مارس 2016، إلا أنه بعد عام ونصف العام من ذلك الإعلان ظهرت تقارير صحافية وتصريحات لمسؤولين أمريكيين بإدارة طرمب تتحدث عن دعم أمريكي للأكراد في إدارة المناطق التي يسيطرون عليها عبر تقديم المعونة والاستشارة في الأعمال الإنشائية والإدارية بتلك المناطق[62]؛ بل ترى بعض التحليلات أن إدارة طرمب تتعمد انتهاج سياسة التأرجح إلى حد الغموض، وأنها تمارس نوعاً من المناورة السياسية مع تركيا في ظل صعوبة تخليها حالياً عن أكراد سورية[63].

انعكس الدعم الأمريكي لأكراد سورية أيضاً على موقف القوى الكردية من الوجود الأمريكي بسورية حيث أعرب زعماء أكراد سوريون في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، عن تأييدهم استمرار قوات أمريكية في سورية ما بعد داعش، وبرروا ذلك بالحاجة إلى ضمانات دولية من أجل الوصول إلى تسوية سياسية عادلة، وهو ما تستطيع واشنطن – في اعتقادهم – القيام به. وبرأيهم أيضاً أنه حتى الوصول إلى تلك التسوية سيعمل الوجود الأمريكي على الوقوف أمام التدخلات الإيرانية والتركية بسورية[64]. لذلك لم يكن مستغرباً تصريح سبان حمو – قائد وحدات حماية الشعب – بوجود خمس قواعد عسكرية أمريكية في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد[65].

2 – الموقف الروسي من أكراد سورية

توافقت روسيا والولايات المتحدة على أهمية الأكراد في المعادلة السورية. وكما قدمت الولايات المتحدة لهم السلاح والتدريب فقد حرصت روسيا على إعطائهم دوراً مركزياً في مسودة دستور لسورية تحمل بموجبه اسم «الجمهورية السورية» وليس «الجمهورية العربية السورية». بل إن أحد المراقبين أشار إلى أن «من يضمن الأكراد في سورية هو روسيا»[66]. وصرح المتحدث باسم وحدات حماية الشعب للإعلام الغربي في آذار/مارس 2017 أن روسيا تقدم دعمها إلى أكراد سورية عبر قاعدة في شمال غرب سورية. أنكرت موسكو تلك الادعاءات بينما آثرت واشنطن الصمت[67]. لكن الإنكار الروسي لا يعكس بالضرورة عدم صحة التصريح، وإنما قد يعني عدم رغبة روسيا في الكشف عن أشكال دعمها للأكراد حتى لا يؤثر ذلك في علاقات حالية أو مخطط لها بأطراف إقليمية بالمنطقة، أو حتى تستمر في سياستها التي تقتضي أحياناً عدم كشف كل الأوراق والاحتفاظ بقدر من السرية للمناورة.

تفضل موسكو عادةً أن يكون التوقيت الذي تعلن فيه الدعم محققاً لأهداف أو لإيصال رسالةٍ ما. فعندما أعلن قائد «وحدات حماية الشعب» الكردية في الثالث من كانون الأول/ديسمبر 2017 أن «قوات سوريا الديمقراطية» حررت مناطق الضفة الشرقية لنهر الفرات من «داعش»، بدعمٍ أمريكي وروسي، أرادت روسيا أن تؤكد أن الدور الأكبر كان لها؛ فجاء تأكيد وزارة الدفاع الروسية قيام طائراتها بمئات الطلعات لدعم تلك القوات وأن «جميع أنشطة الفصائل المسلحة شرق الفرات ينسقها المركز الروسي في [قاعدة] حميميم في سوريا»[68].

ربما كان الخطاب الأمريكي أوضح في دعمه لأكراد سورية؛ مثلما حدث في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2017، عندما أبلغت واشنطن المبعوث الدولي لسورية ستيفان دي ميستورا بضرورة ضم الأكراد إلى عملية التفاوض السياسية. لكن ذلك تزامن أيضاً مع تقارير عن مباحثات بين فنيين روس وأكراد حول مبادئ الدستور وإمكان تحول سورية لدولة اتحادية على غرار النموذج الروسي. كما صاحب ذلك تسليم قوات سوريا الديمقراطية مطار منغ بشمال حلب إلى القوات الروسية[69].

لكن موسكو لم تشعر بالارتياح لتزايد التقارب بين واشنطن والأكراد. فعندما أعلنت الولايات المتحدة عن قوة حدودية بمشاركة قوات كردية خرجت تصريحات عن الكرملين تصف التصرفات الأمريكية بكونها لا تفهم الأوضاع على الأرض أو أنها استفزاز متعمد. جاءت تلك التصريحات عقب اتهامات كردية لموسكو بخيانتها للأكراد بالسماح بالعملية التركية في عفرين[70]. وفيما اعتُبر رداً على الاتهامات الكردية أعلنت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن بلادها لا تتحمل مسؤولية عرقلة عملية استعادة الأراضي من قبل القوات النظامية، وأنها ليست هي التي عملت على تشكيل قوات تقوم بتنفيذ مهام تدخل حصراً في اختصاص الدولة السورية في المنطقة[71]. ولم يمنع ذلك التوتر الواضح روسيا من توجيه الدعوة إلى ممثلين أكراد للمشاركة في مؤتمر سوتشي[72]. لكن موسكو استجابت للشروط التركية باستبعاد حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية.

ما يمكن استخلاصه مما سبق أن كلاً من موسكو وواشنطن رأت في الأكراد ورقة يمكن توظيفها في القضية السورية. فبالنسبة إلى الأولى اعتبرتها حليفاً علمانياً يمكن الاعتماد عليه في قتال تنظيم الدولة؛ وبالنسبة إلى الثانية اعتبرتها ورقة ضغط سواء لاحتواء وتطويق تركيا أو ضد نظام الرئيس بشار الأسد حليفها يمكن اللجوء إليها عند الحاجة. كما تسعى روسيا إلى إظهار أكراد سورية كبديل للمعارضة السورية؛ بديل علماني على استعداد للتفاوض والتعاون مع العالم الأوسع ضد تنظيم الدولة وغيره من المتطرفين. وإذا ما تم ذلك فسيساعد على نزع الشرعية – ليس عن الجماعات المعارضة السنية فقط ولكن عن قوى المعارضة المعتدلة داخل الجيش السوري الحر أيضاً، المتحالفة ضد الرئيس بشار الأسد[73].

لكن بعض المحللين الروس يرون أن التدخل في سورية يهدف إلى أبعد من إنقاذ الأسد. فقد أتاح الصراع في سورية الفرصة لموسكو أن تختبر أكثر من 200 نوع من الأسلحة الجديدة التي ابتكرها الجيش الروسي مؤخراً. وهو ما أكده تصريح الجنرال فاليري غريسموف، رئيس هيئة الأركان الروسية، بأنه «جرى إصلاح الغالبية العظمى من مواطن الخلل في أسلحتنا». ثم أضاف قائلاً «إن نجاحنا في اختبار كفاءة أسلحتنا في مناخ الحرب الحقيقي ميزة هائلة»[74]. كما أن سعي روسيا لأن تكون لاعباً رئيساً في القضايا التي ترى فيها ارتباطاً بأمنها القومي بمفهومه الواسع جعلها تسعى لامتلاك العديد من أدوات التأثير والضغط، مما دفع الأطراف المحلية والإقليمية في الصراع السوري إلى إعادة تقييم علاقاتها مع روسيا وتجنب مواجهتها؛ بل والسعي للتقارب معها، بعد أن نجحت موسكو في دعم نظام الرئيس الأسد والحفاظ على بقائه. حتى إن السعودية التي توترت علاقاتها لفترات مع روسيا ووقفت على الجانب المناوئ للنظام قام حاكمها الملك سلمان في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2017 بزيارتها، فيما اعتُبر أول زيارة رسمية يقوم بها عاهل سعودي إلى موسكو. عكست هذه الزيارة مجموعة من التغيرات في التوجهات السعودية كان من بينها ما عبَّر عنه ديمتري بيسكوف – المتحدث الإعلامي للكرملين – بأنه «يؤسس لتقارب في المواقف بين موسكو والرياض حول الأزمة السورية»[75].

وفي إطار سعي روسيا لدور أساسي في الصياغة النهائية لاتفاق التسوية في سورية ونجاح تجربة جولات أستانا في فرض مناطق خفض التصعيد، دعت روسيا بالتزامن مع التحضير لجولة جنيف الثامنة إلى مؤتمر للحوار الوطني السوري في مدينة سوتشي الروسية. هذا المؤتمر حددت موسكو له 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 ثم عادت لترجئه إلى تاريخ لاحق، ويفترض أنه سيسعى لمناقشة صياغة دستور جديد والتحضير للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وبدا من أهدافه أيضاً الحفاظ على الرئيس بشار الأسد على رأس السلطة وتهميش – أو حتى نسف – عملية جنيف بمرجعياتها الدولية عبر إرغام الأطراف على السلام وبدء عملية سياسية تضع روسيا ملامحها العامة[76].

وفي هذا الإطار وفي ظل النجاحات التي حققتها قوات النظام السوري مدعومة بالتدخل الروسي، وسعياً لاستغلال ذلك على طاولة المفاوضات، جاء تصريح الرئيس الروسي بوتين في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 بأنه تم بلوغ «مرحلة جديدة» في الأزمة السورية لكن الوصول إلى حل سلمي سيتطلب تنازلات من كل الأطراف بمن فيهم النظام السوري[77]. وبينما بدا تلميحاً بقرب فشل جولة جنيف الثامنة وإلقاء اللائمة على المعارضة السورية بالتسبب في ذلك، أعلن مندوب روسيا الدائم لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، أليكسي بورودافكين، في الأول من كانون الأول/ديسمبر 2017 أن تلك الجولة لم تحقق تقدماً ملحوظاً، لأن وفد المعارضة جاء ليناقش إقالة الرئيس بشار الأسد وهو ما اعتبره المندوب «مطلباً عبثياً» وليس موقفاً تفاوضياً ولا يمكن تقبُّله[78]. في المقابل ألقى ستيفان دي ميستورا – المبعوث الدولي إلى سورية – باللائمة على وفد النظام الذي أراد فقط مناقشة قضية مكافحة الإرهاب، وبالتالي فشلت تلك الجولة في ظل تبادل الاتهامات بين الأطراف.

على الرغم من انعقاد مؤتمر سوتشي في نهاية كانون الثاني/يناير 2018 إلا أنه لم يكن أفضل حظاً من مفاوضات جنيف. فقد غابت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وانسحب عشرات المعارضين من المؤتمر قبل انعقاده. كما كشفت تقارير صحافية عن وجود فجوة كبيرة بين موقفي دمشق وموسكو إزاء تشكيل اللجنة الدستورية، حيث يرفض النظام في سورية أي رعاية دولية للجنة ويتمسك بتشكيلها في دمشق ووفق آليات البرلمان السوري، في حين وزعت روسيا البيان الختامي للمؤتمر وهو ينص على أن يشكل المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا اللجنة ويحدد مرجعياتها[79].

رابعاً: الدولة الكردية، الطموح والمعوقات

التوافق الكردي حول ضرورة مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية لا ينفي حقيقة أن الأكراد عموماً يتسمون بالانقسام حول قضاياهم الداخلية وعلاقاتهم الإقليمية. يناقش هذا الجزء قضية إقامة الدولة الكردية سواء داخل العراق وسورية أو الدولة الجامعة لأكراد المنطقة.

1 – الدولة الكردية في العراق وسورية

السيطرة التي يمارسها الحزبان الكبيران في شمال العراق – الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني (حتى وفاته) – على الإقليم واقتسام مناصبه السياسية وموارده الاقتصادية بينهما، انعكست أيضاً على علاقاتهما الخارجية. فمن المحللين من يرى أن البارتي – الحزب الديمقراطي الكردستاني – هو جزء من محور يضم الأردن وتركيا (قبل استفتاء الاستقلال الكردي) والسعودية وقطر (قبل تداعيات الأزمة الخليجية الأخيرة)[80]. بينما تدفع العلاقات التاريخية حزب الاتحاد الوطني الكردستاني إلى التحالف مع محور إيران وسورية[81].

كما أن القول بتأييد الأكراد في كردستان العراق لِحقهم في تقرير مصيرهم وتأسيس دولتهم لم يكن ينفي اختلافهم حول توقيت إنشاء تلك الدولة، وهو أمر سينعكس على شكل وماهية الدولة. فالمؤيدون كانوا يرون آنذاك أن الظرف التاريخي زاد من الوعي الإثني للأكراد بذواتهم، وجعل منهم عاملاً حاسماً في السياسات العراقية، سواءٌ في إدارة منظومة الحكم أو محاربة الإرهاب. ونجحت كردستان في اكتساب تأييد قوى غربية، فاعتقد البارزاني أن هذه القوى لن تمانع منح الأكراد فرصة تأسيس دولة تصبح منطقة عازلة ما بين الشرق الأوسط المضطرب والمدخل الشرقي لأوروبا المتمثل بتركيا. لكن التصريحات التي صاحبت الإعلان عن الاستفتاء وما أعقب إجراءه أظهرت اعتراضات دولية لقيام دولة كردستان.

أما المعارضون لقيام دولة كردستان الآن فيرون أنها ستكون فقط تجسيداً لهيمنة حكم الفرد واحتكار السلطة وتفشي الفساد وقمع الرأي وتعطيل البرلمان بقرارات رئاسية. تبرز هنا تصريحات السياسي الكردي الراحل نوشيروان مصطفى – زعيم حركة التغيير الكردية «غوران» – الذي صرح منذ عدة سنوات: «نحن الشعب جميعاً نريد تأسيس الدولة المستقلة.. ولكننا لا نريد دولة شبيهة بالصومال، بل نريد دولة مثل الإمارات»[82]. ثم عاد ليؤكد معارضته لحكم الفرد أو العائلة قائلاً: «لا نريد دولة كالسعودية؛ حيث تسيطر جماعة أو أسرة على مقدرات الأمة. لا نريد شخصاً يعطي لنفسه الحق في البقاء على كرسي السلطة ويصبح فوق القانون»[83]. ولعل كون السليمانية معقلاً لكل من حزب الاتحاد وحركة غوران يفسر ضعف مشاركة مواطنيها في استفتاء الاستقلال مقارنة بالمدن الكردية الأخرى[84].

الحرب الأهلية التي شهدتها كردستان العراق في منتصف تسعينيات القرن العشرين تلقي بظلالها بين الحين والآخر على أكراد سورية. فالتشرذم الكردي في سورية كان أحياناً يعني أن السلاح قد يستخدمه بعضهم ضد بعض، مثلما هاجمت قوات تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي متظاهرين من أنصار المجلس الوطني الكردي في عفرين في شباط/فبراير2012 [85]. وعلى الرغم من توقيع اتفاق عدم اعتداء بين المجلس والحزب في الشهر ذاته إلا أنهما لاحقاً تبادلا اتهامات بالاختطاف والضلوع في اغتيال شخصيات كردية[86]. ومع اتساع الهوة مجدداً بين الطرفين في أواخر عام 2016، تطورت الأمور إلى سجن عدد من قيادات المجلس الوطني الكردي على يد قوات الأمن الكردية «الأسايش» التابعة للإدارة الذاتية[87]. وعندما قررت قوى كردية (يتزعمها حزب الاتحاد الديمقراطي) إجراء انتخابات في المناطق التي تسيطر عليها على ثلاث مراحل تبدأ في أيلول/سبتمبر 2017 – كما أشرنا سابقاً –  قاطعها المجلس الوطني الكردي الذي رأى أنها تزيد الخصومات وتعكس تفرداً بالسلطة. وفي تصريح عكس حجم الاختلاف بين المجلس وحزب الاتحاد الديمقراطي قال رئيس المجلس الوطني الكردي وعضو الائتلاف المعارض، عبد الحكيم بشار: «إن عدد القتلى الكرد المخالفين سياسياً على يد ميليشيات الاتحاد الديمقراطي خلال ثلاث سنوات تجاوز عدد قتلى الكرد على يد النظام خلال نصف قرن»[88]. وهناك أيضاً أحزاب تختلف سياسياً مع الطرفين، سواء المجلس الوطني الكردي أو حزب الاتحاد الديمقراطي وأحزاب الإدارة الذاتية. من تلك الأحزاب الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي الذي يرى رئيسه أن حقوق الأكراد لا يمكن إقرارها إلا بالاتفاق بين مكونات الشعب السوري[89].

ومن ثم فإن المطالبة المتكررة لأكراد سورية بإدارة أمورهم عبر الحكم الذاتي – في صورة تتشابه إلى حدٍ ما مع أقرانهم بالعراق – تصطدم بتلك الخلافات الداخلية وذلك التنافس الواضح بين أكراد سورية، وهو ما يلقي بظلاله أيضاً على صعوبة الاتفاق على شكل الدولة التي يمكن أن تجمعهم معاً إذا ما اختاروا المضي قدماً نحو كيانٍ مستقلٍ.

كما ترى بعض الكتابات العربية أن الطبيعة المعقدة إثنياً وطائفياً للمجتمع السوري تدحض أطروحات بعض الأحزاب والقوى الكردية في سورية، التي ترى تلك التحليلات أنها تبالغ في ما يخص نسبة الأكراد في محاولة منها لإعادة استنساخ تجربة أكراد العراق، وطرح «الفدرالية» على أسس عرقية في سورية. وأن الواقع الديمغرافي والجغرافي للمناطق التي يقطنها الأكراد في سورية والمعلومات حول أعدادهم وتاريخهم في المنطقة وأحقيتهم في مناطق بعينها تشير إلى أن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو وأن الأكراد في تلك المناطق ما هم إلا مكوِّن ضمن مكوِّنات أخرى تشترك معهم في الحقوق التاريخية[90].

بل إن الأوضاع الديمغرافية والعوامل الأيديولوجية تجعل من استنساخ تجربة كردستان العراق في روج آفا السورية ليس بالأمر اليسير. فنمط الحكم في أربيل يعتمد على تبني الخطاب القومي الكلاسيكي المدعوم بالإرث النضالي الكردي لعائلة البارزاني وسيطرة أعضاء كبرى العائلات على النخبة السياسية في مشهد تكاد تغيب عنه النساء. لكن ديمغرافيا كردستان سورية تشير إلى خليط عرقي وديني لا يستقيم معه خطاب قومي كلاسيكي سيضع الأكراد حتماً في مواجهة مع جيرانهم العرب[91]. وبينما يبدو تبايناً عن الطبيعة المحافظة لمجتمع كردستان العراق وبخاصةً في أربيل، تبرز في روج آفا أدوار النساء الكرديات التي تناقلت التقارير الصحافية أدوارهن العسكرية في مواجهة تنظيم الدولة[92].

2 – الدولة الكردية الجامعة

إذا كان ذاك هو الحال في ما يخص الانقسامات الداخلية للأكراد في الدول التي يحملون جنسياتها، وهو ما انعكس على تصوراتهم لدولهم المستقبلية، فالوضع ليس أفضل حالاً؛ بل أكثر تعقيداً عند الحديث عن دولة كردية جامعة. فإدراكاً منهم بحساسية وضع الأكراد في السياسة التركية كان سـاسة كردستان العراق – وبخاصـة مسـعود البارزاني – حرصاء أثناء الصراع في سورية على توجيه رسـائل طمأنة إلى تركيا بين الحين والآخر تؤكد عدم التدخل في شـؤون دول الجـوار عبر الورقة الكردية. فبينما يمكن اعتباره رداً على اتهامات للبارزاني بتحريضه أكراد سورية على المطالبة بنظام فدرالي مقارب لكردستان العراق كشرط للمشاركة في الثورة ضد النظام السوري[93]، صرح البارزاني بأن: «كل جزء من أجزاء كردسـتان له خصــوصية، ولهـذا السبب تختلف طريقــة حل الأوضاع لكل جزء، وعلى كل جزء أن يدرك الواقــع الســائد في الجزء الذي يعيش فيـه الأكراد. لذا فنحـن لا نسـتطيع أن نصــدِّر النموذج الذي لدينــا في العراق إلى ســـورية أو إلى أي جزء آخـر». لكن يلاحظ أنه اســتخدم مصطلح كردسـتان على إطلاقه. لكن رغم نفيــه وجود برنامج لاتحـاد إقليم كردسـتان العراق وكردسـتان سـورية إلا أنه اســـتدرك قائلاً: «لكن من يدري مـاذا سيحدث في المسـتقبل؟ وإنه حق طبيعي لكل أمة أن تتوحد لكن ذلك يتحقق سلميـاً وعن طريق الحوار»[94].

لم تمنع تصريحات البارزاني تقديم الدعم والتدريب لأكراد سورية الذين زاد نفوذهم وسيطرتهم على مناطق بشمال سورية بصورة مكَّنتهم في آذار/مارس 2016 من إعلان الحكم الذاتي عبر نظام فدرالي في روج آفا (كردستان سورية) التي تضم ثلاث مقاطعات كردية هي كوباني (ريف حلب الشمالي) وعفرين (ريف حلب الغربي) والجزيرة (الحسكة)[95]. لكن هناك خلاف واضح حول ماهية روج آفا. فهي بالنسبة إلى البعض تعد رمزاً للمساواة بين الجنسين ومعقلاً لكفاح بطولي ضد داعش، وهي وللبعض الآخر قاعدة لميليشيا ماركسية تستغل الأطفال كجنود بعد غسل أدمغتهم بأيديولوجية عبد الله أوجلان. أما تركيا فلا ترى فيها سوى دولة حزب العمال الكردستاني التي تأسست على الجانب السوري من الحدود بدعم أمريكي[96].

كما أن التصريحات السابقة للبارزاني أظهرت في جانبٍ منها أن الأمر لا يخلو من تنافس حول من يتحدث باسم الأكراد إقليمياً؛ فالبارزاني كان دوماً ما يسعى لجعل أربيل هي مفتاح الحل والمتحدث الرسمي لأكراد المنطقة، في حين يرى حزب العمال الكردستاني أنه الأقوى والأجدر بتحمل هذه المسؤولية، أو على الأقل يمكنه القيام بدور مماثل لأربيل[97]. ولعل ذلك يفسر تصريح مسعود البارزاني في أيلول/سبتمبر 2016 الذي أشار فيه إلى أن حزب الاتحاد الديمقراطي احتكر الوضع في سورية ومنع أنشطة التنظيمات الأخرى. لكنه أيضاً في الوقت ذاته ألمح إلى أن التقسيم في سورية قائم ولن تعود البلاد موحدة كما كانت عليه من قبل[98]. ولعل من تداعيات ذلك التنافس أن تولد لدى أكراد سورية وإيران الشعور بسعي أكراد العراق وتركيا لفرض الوصاية عليهم.

خاتمة

يعود التوتر الذي يشوب العلاقة بين أكراد سورية والمعارضة السورية – في جانب كبير منه – إلى غياب الثقة بين الطرفين وتبادل الاتهامات؛ فالأكراد لا يشعرون بالارتياح لتلقي المعارضة دعماً من تركيا التي تعلن صراحةً رفضها لدولة كردية على حدودها، أو تنامي دور وحدات حماية الشعب التي ترتبط بحزب العمال التركي الذي تتهمه أنقرة بالإرهاب. في المقابل ترى المعارضة السورية أن الأكراد ينظرون فقط إلى مصلحتهم الخاصة، وفي سعيهم لتلك المصلحة ربما يلجأون إلى ابتزاز الآخر، سواء كان الآخر هو النظام السوري أو المعارضة.

إنَّ فشل قادة كردستان العراق في الذهاب إلى ما بعد الاستفتاء والحكم بإلغائه من المحكمة العليا العراقية جعل من الحديث عن دولة كردية تجمع أكراد المنطقة – على الأقل في المدى القريب – ضرباً من الخيال. وهناك العديد من العوامل التي ستقف حائلاً أمام الحلم الكردي. فبالإضافة إلى المواقف الإقليمية الرافضة لتلك الدولة، فإن التباينات الثقافية والأيديولوجية بين الأشقاء الأكراد تجعل من الصعب إيجاد نظام سياسي يناسبها ويجمعها في إطار واحد. فرغم كون أكراد العراق وأكراد سورية على سبيل المثال الأقرب إلى بعضهما من حيث العلاقات الثنائية – وإلى حدٍ ما اللغة – إلا أن التوجهات الأيديولوجية ونظم الحكم والإدارة لأكراد البلدين تتباين بشدة.

فبالنظر إلى أربيل التي يسيطر عليها البارزانيون وأنصار الحزب الديمقراطي الكردستاني نجد أن الخطاب السائد تغلب عليه القومية الكلاسيكية الممزوجة بالتفاخر بنضال القيادات الكردية عبر تاريخهم وتبرز أدوار الذكور من النخب القبلية والعائلات المحافظة ويتراجع دور النساء وتسيطر التبعية للقائد والزعيم. أما في روج آفا فالخليط العرقي والديني الذي يميزها وسيطرة وحدات حماية الشعب المرتبطة بأفكار عبد الله أوجالان التي يسيطر عليها مفاهيم المجتمع الديمقراطي، كلها من الأمور التي تجعل القومية الكلاسيكية غير مناسبة لتأسيس نظام حكم ملائم[99].

كان من بين تداعيات استفتاء كردستان العراق أن أدرك أكراد سورية خطورة الاعتماد بشكل كامل على حليف واحد كالولايات المتحدة التي تخلت عن أقرانهم في أربيل، وهو ما دفع القادة الأكراد ليرددوا مقولتهم الشهيرة: «ليس للكردي صديق سوى الجبل». لذا أدرك أكراد سورية أهمية تلاقي المصالح وعملوا على أخذ الحيطة تحسباً لأية مواءمات بين أطراف النزاع وحلفائهم تطيح بهم من المعادلة السورية، فقاموا بفتح قنوات اتصال والاستعانة أيضاً بالروس الذين وفروا لهم دعماً لوجستياً أتاح لهم تحقيق مكاسب على حساب تنظيم الدولة. لكنهم أيضاً أدركوا أن للدعم الروسي حدوداً ترتبط بعلاقة موسكو بأطراف إقليمية مثل تركيا، وأن موسكو في لحظاتٍ ما ستعطي الأولوية لمصلحتها مع نظام الرئيس الأسد مثلما بدا واضحاً في معركة عفرين. في السياق ذاته أضحى لزاماً على الأكراد عدم الاستهانة بالفاعلين الإقليميين وقوتهم على أرض سورية وهي القوة التي خلقت أوضاعاً وتوازنات لا يمكن تجاهلها.

 

قد يهمكم أيضاً  الدور الخليجي في الملف الكردي في العراق بعد عام 2003

اقرؤوا أيضاً  معضلة الأكراد السوريين بين صيرورة الاندماج وأسطورة الانفصال 

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #الأكراد #الدولة_الكردية_الجامعة #أكراد_العراق #أكراد_سوريا #داعش #الحرب_في_سورية #المعارضة_السورية #علاقة_أكراد_سوريا_بروسيا #علاقة_الأكراد_بالولايات_المتحدة #كردستان_العراق