إشكالية: هل قلد البشير ديان محمد عزيز الحبابي في مشروعه الفكري أم أن الأمر تقاطع فكري؟
تمنح الفلسفة قيمتها من تفكيرها في القضايا الإنسانية الشائكة، وعليها راهَنَ محمد عزيز الحبابي وسليمان البشير ديان في حمل مشروعهما الإنساني بقارة أفريقيا، رغم تباعد الفاصل الزمني في حياتهما، إلا أنهما مثقلان برؤى فكرية تروم شد الأنظار إلى عالم أفريقيا ومستقبل الإنسان الأفريقي، وبخاصة أن أفريقيا عاشت حقبة مضطربة نتيجة الاستعمار الذي جزّأ أفريقيا وكسر مسار التنمية في بلدان العالم الثالث.
يحق لنا أن نتساءل عن جدوى حضور هذين المفكرين معًا رغم تباعد الفترات الزمنية بين حياتهما؟ وإلى أي حد يمكن الحديث عن مشروع فكري مشترك؟ هل لأن الانتماء إلى قارة أفريقيا كافٍ لرسم خط يوحد بين أفكار الرجلين، أم أن الأمر يتجاوز الجغرافيا إلى التاريخ والفكر ومنه الهوية الأفريقية؟ ثم إن كان هنا ما يوحد بين رؤيتهما ألا يحق لنا أن نفترض حضور التقليد؟ ألا يمكن القول إن فكر سليمان بشير ديان هو فكر محمد عزيز الحبابي بلمسة جديدة؟ وبخاصة أن كليهما درس في فرنسا، وكليهما تأثرا بفكر برغسون، وكليهما دعا إلى النهوض بأفريقيا وإلى نقد آثار الاستعمار ثم إلى دعوتهما إلى الأخذ بالتراث الفكري والروحي الإسلامي كسبيل لتجاوز تحديات العصر؟
سنحاول في هذا المقال الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال الوقوف عند تجربة كل مفكر على حدة، ومن ثم سنعمل على دراسة نقاط التقاطع والاختلاف بين تجربة الرجلين، ورؤيتها إلى عالم أفريقيا.
أولًا: شذرات من حياة وفكر محمد عزيز الحبابي وسليمان البشير ديان
1- محمد عزيز الحبابي
تمضي سيرة محمد عزيز الحبابي الحياتية جنبًا إلى جنب مع مشروعه الفكري الضخم، فهو ينتمي إلى جيل المفكرين الذين عاشوا تجربة الاستعمار بوصفها حدثًا وطنيًا وسياسيًا مباشرًا، وهو الأمر الذي ترك أثرًا مباشرًا في وعيه الفلسفي ومضامين اختياراته الفكرية. لقد أدرك الحبابي منذ بدايات مساره أن التحرّر الوطني لا يكتمل بالاستقلال السياسي فحسب، بل يتطلب أيضًا تحرير الإنسان من صنوف الاغتراب المتجذرة في وعيه، والتي تمنعه من إدراك ذاته وفهم محيطه الاجتماعي والثقافي على نحو نقدي وفاعِل، من هنا، انطلقت رؤيته الفلسفية لتصبح مشروعًا تحرريًا شاملًا، يربط بين الإنسان ككائن روحي وأخلاقي وفعل تاريخي قادر على الإسهام في صنع مستقبله، وبناء وطنه وقارته التي تعثَّر فيها مسار التنمية بفعل الاستعمار الذي اجتاح معظم أقطارها.
رؤية جسَّدها الحبابي في مشروعه: الشخصانية الواقعية الإسلامية، التي تمثل جسرًا بين القيم الروحية والأخلاقية للإسلام، ومكتسبات الفلسفة الحديثة؛ وبخاصةٍ الفكر الشخصاني الأوروبي. فالإنسان، في تصور الحبابي، هو شخصٌ حرّ، مسؤول، ومنفتح على الغير، لا يكتفي بالوجود البيولوجي أو الفردي، بل يحقق ذاته من خلال الفعل والمشاركة العملية في بناء التاريخ؛ رؤية تؤكد أن الحرية الحقيقية لا يمكن أن تُفرض فرضًا من الخارج، بل هي نتاج عملية تدرَك، وفعل أخلاقي يمر به الإنسان ليصبح فاعلًا مسؤولًا في مجتمعه.
استنادًا إلى هذا التصور، في حديثه عن غد أفريقيا، صاغ لنا الحبابي ثمرة ثالثة من فلسفته الشخصانية؛ أطلق عليها الغدية أو الغدوية تمييزًا لها عن المستقبلية، فالأولى، تؤمن بأن الإنسان دومًا يحمل آمالًا، ويؤمن بأن في استطاعته أن يصنع تاريخه ويكتبه بصيغة المستقبل، متى توافرت بعض الشروط؛ أي متى أزيحت الأنقاض عن الطريق. أما الثانية، فتحاول أن “تتنبأ بما سيكون عليه الغد القريب اقتصاديًا وتقنيًا، طبقا للمعطيات الحالية”. وبالتالي فإن الغدية عند الحبابي ليست مجرد توقع زمني، بل هي موقف فلسفي وأخلاقي، يقوم على الإيمان بقدرة الإنسان الأفريقي على صنع مستقبله بنفسه، شريطة إزالة العقبات التاريخية، واستعادة الثقة بالنفس، وتحرير الإرادة من التبعية الثقافية والسياسية. ويشير الحبابي إلى أن هذه الغدية تتطلب أيضًا تنمية الوعي النقدي والإبداعي، والانخراط الفعلي في صوغ المشروعات الاجتماعية والسياسية والثقافية، بما يحقق للإنسان الأفريقي استقلاله المعرفي والروحي والتاريخي.
2 – سليمان البشير ديان
ينتمي سليمان البشير ديان إلى جيل ما بعد الاستقلال، وهو جيل لم يعايش الاستعمار مباشرة، لكنه ورث إرثه الثقافي والفكري والسياسي المعقد، وهو إرث ما زال يمثل الإطار المرجعي والتحدي الأساسي للوعي الأفريقي الحديث. فقد ورث هذا الجيل مجتمعات ما بعد الاستعمار، التي تعاني تأثيرات نتائج الاستعمار على مستويات متعددة: الهوية، والثقافة، والمعرفة… وهو ما دفع سليمان البشير ديان إلى تركيز اهتمامه الفلسفي على إعادة تموضع الفكر الأفريقي داخل الفلسفة العالمية، ومساءلة الآليات التي أدت إلى تهميشه وإقصائه عن دائرة الحوار الفلسفي الكوني، وحصره في حدود الهامش الثقافي.
يمتح فكر سليمان البشير ديان قيمته من ارتكازه على أفق فلسفي كوني، يرفض المركزية الغربية ويمثل نقدًا مستمرًا لفكرة التفوق الحضاري الواحد، حيث يدعو إلى إعادة بناء مفهوم الكونية على أساس التعدد والتكافؤ بين الثقافات، حتى تصبح كل حضارة شريكًا فاعلًا في الحوار الفلسفي العالمي، لا تابعًا أو مستهلكًا لما تنتجه الحضارات الأخرى؛ وبخاصة الحضارة الغربية. في هذا السياق، أولى ديان اهتمامًا خاصًا للتراث الإسلامي الأفريقي، ليس بوصفه ذاكرة ماضية منغلقًا على ذاته، بل كمورد فكري حي يمكن إعادة قراءته وتحويله إلى أداة لتفكير معاصر يجيب عن أسئلة العصر، سواء في مجال الهوية أو الحرية أو التنمية الثقافية أو السياسية أو غيرها.
يتقاطع ديان مع الحبابي في تأثرهما بفلسفة هنري برغسون، ولا سيَّما في ما يتعلق بتصور الزمن بوصفه ديمومة مفتوحة، والرهان على الإبداع والحركة والانفتاح. غير أن هذا التأثر لدى ديان لم يتحول إلى بناء نسق شخصاني معياري، كما هي الحال عند الحبابي، بل قاده إلى تطوير مقاربة تحليلية وتأويلية أكثر مرونة، تهدف إلى إدماج الفكر الأفريقي في النقاش الفلسفي العالمي من موقع الشراكة والفاعلية، بعيدًا من الإملاءات أو القوالب المسبقة. يمكن القول إن مشروع ديان يعكس وعيًا متأخرًا بالاستعمار ولكن بحدّة تجعله أكثر تركيزًا على إعادة الاعتبار للفكر الأفريقي، وإثبات قدرته على المساهمة الفاعلة في الفكر الكوني، بما يتجاوز مجرد التقليد أو الردّ على الغرب، فهو فكر يتجاوز أن يكون مجرد انفعال إلى فكر بأفق إنساني كوني.
ثانيًا: هل نحن أمام تقليد أم تقاطع فكري؟
يفترض الحديث عن التقليد، في معناه الفلسفي الدقيق، الانخراط في نفس الأفق النظري وتبنّي المفاهيم المركزية نفسها، وإعادة إنتاج المشروع الفكري ضمن سياق مماثل، بحيث يصبح المتلقي مجرّد ناقل أو مستنسخ للأفكار من دون تطوير أو تحويل. من هذا المنطلق، يصعب القول إن سليمان البشير ديان قد قلد محمد عزيز الحبابي في مشروعه الفكري، إذ إن الاختلاف بين المشروعين يتجاوز مجرد الفوارق الشكلية أو الترتيبية، ليصل إلى طبيعة الاشتغال الفلسفي ذاته، فالحبابي يعمل على صوغ مشروع شخصاني معياري، يوجّه الفعل البشري ويعيد تأسيس الإنسان بوصفه شخصًا حرًّا وفاعلًا في التاريخ، في حين أن ديان يشتغل على مستوى التحليل والتأويل، فيسعى إلى تفكيك الشروط المعرفية والتمثلات الفكرية التي أسهمت في تهميش الفكر الأفريقي، ويهدف إلى إدماجه في النقاش الفلسفي الكوني من موقع الشراكة والتفاعل.
إن نفي التقليد لا يعني غياب التقاطع بين المشروعين، فكلا المفكرين يتقاطعان في رهانات جوهرية، تتمثل بنقد آثار الاستعمار على الهوية والفكر والثقافة الأفريقية، والدفاع عن كرامة الإنسان الأفريقي، ورفض اختزاله في صور نمطية محدودة أو سلبية، كما يشتركان في الرؤية القائلة بضرورة استثمار البعد الروحي والإسلامي في أفق تحرري، وفي خلفية فلسفية متأثرة بفكر هنري برغسون، الذي يقدّم الزمن كديمومة مفتوحة، والحرية كإمكان مستمر للإبداع والحركة. ومن خلال هذا المنطلق، يؤمن كلا المفكرين بقدرة الإنسان الأفريقي على النهوض من داخله، ضمن شروطه التاريخية والثقافية، بعيدًا من الوصاية أو التقليد الأجنبي.
مع ذلك، يبقى الاختلاف جوهريًا في طبيعة الأفق والفعل الفلسفي، فالحبابي ينطلق من مشروع نهضوي متكامل، يركز على إعادة بناء الإنسان وإعادة تأسيس الفعل الاجتماعي والتاريخي، ويضع الإنسان كفاعل مباشر في صوغ مستقبله، في حين أن ديان يعمل على مستوى التأصيل والتحليل النقدي، إذ يركز على شروط إنتاج المعرفة والفكر، وعلى إدماج التجربة الأفريقية في النقاش الفلسفي العالمي من دون الخضوع لمركزية الغرب. وبعبارة مركزة، يمكن القول إن الحبابي يمثل فيلسوف المشروع النهضوي، بينما ديان يمثل فيلسوف الأفق الكوني والحوار الثقافي العالمي، وهما إذ يشتركان في القيم والمبادئ، يختلفان في الاستراتيجية والأسلوب ومقاربة الفعل الفلسفي.
وعليه، يمكن القول بأن الجمع بين محمد عزيز الحبابي وسليمان البشير ديان ليس جمعًا تعسفيًا، ولا يقوم على فرضية التقليد، بل على تقاطع فلسفي داخل وحدة الرهان. إنهما يلتقيان عند سؤال مستقبل أفريقيا، وعند الإيمان بقدرة الإنسان الأفريقي على تجاوز آثار الاستعمار، لكنهما يختلفان في المقاربات والمناهج والأدوات المفهومية.
وبذلك، لا يمكن حسبان فكر سليمان البشير ديان امتدادًا مباشرًا لفكر محمد عزيز الحبابي، بقدر ما يمكن وصفه تطويرًا جديدًا للهمّ الأفريقي نفسه داخل أفق فلسفي مختلف، أكثر انفتاحًا على الحوار الكوني، ومن ثمّ، فإن هذا التقاطع يثري الفكر الأفريقي المعاصر، ويكشف عن تعدد السبل الفلسفية الممكنة للتفكير في الغد الأفريقي المنشود.
كتب ذات صلة:
التحول الديمقراطي في المجتمعات الإثنية: دراسة مقارنة العراق وجنوب أفريقيا
المصادر:
عبد الكريم الشريعة: أستاذ زائر بالكلية متعددة التخصصات بالناظور – جامعة محمد الأول وجدة – المغرب.
الصورة تعبيرية عن موقع العربية.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



