مقدمة:

شهدت العلاقات الفرنسية- الإيطالية، حالات متعددة من التنافس، والصراع في ليبيا، لعل أهمها بعد عام 2011، وقيام فرنسا بدور محوري في قيادة العمليات العسكرية من طرف حلف شمال الأطلسي، وهو ما أثار مخاوف إيطاليا من تزايد النفوذ الفرنسي على حساب النفوذ الإيطالي في ليبيا، وبذلك يهدف هذا البحث إلى التعرف إلى موضوع التنافس الفرنسي الإيطالي في ليبيا، وإلى أهم المقومات الموضوعية للقوة التي يملكها الطرفان، وأيضًا إلى أهم قضايا التنافس بين الطرفين على المستوين الإقليمي والدولي منذ عام 2011، وحتى عام 2020، وتم صوغ إشكالية البحث في التساؤل المركزي حول: أهم الموضوعات والقضايا المتعلقة بالتنافس الفرنسي الإيطالي في ليبيا؛ والمقومات الموضوعية للقوة التي يملكها الطرفان وتؤهلهما إلى التنافس بينهما. وتماشياً مع التساؤل المطروح، فإن الإجابة عنه انطلقت من افتراض رئيس مؤداه: أن التنافس الفرنسي الإيطالي في ليبيا تزايدت وتيرته بعد التحولات التي شهدتها ليبيا في عام 2011، وعززت من فرص تزايد النفوذ الفرنسي على حساب النفوذ الإيطالي في ليبيا. وتكمن أهمية البحث في كونه موضوعًا يثار حوله الكثير من التساؤلات بين أوساط المجتمع الليبي، ويشوبه بعض من جوانب النقص في البحوث والدراسات التي تناولته، بالوصف والتحليل. وهذا ما سيتم تناوله في خلال هذا البحث، الذي تم تقسيمه إلى ثلاثة محاور رئيسة، ويتناول المحور الأول الخلفية التاريخية لعلاقات فرنسا وإيطاليا بدولة ليبيا، بينما يهتم المحور الثاني بموضوع طبيعة التنافس الفرنسي- الإيطالي في ليبيا، ويبحث في أهم المقومات الموضوعية للقوة التي يملكها كل طرف منهما، وتسهم في تفوقه على الطرف الآخر. ويأتي المحور الثالث ليبين أهم مظاهر التنافس سواء في صورته السياسية أو الاقتصادية.

أولًا: نبذة تاريخية عن علاقات إيطاليا وفرنسا بليبيا

 

1- علاقات ليبيا بإيطاليا وفرنسا قبل كانون الأول/ ديسمبر 1951

تعود العلاقات الليبية بدولتَي إيطاليا وفرنسا إلى البدايات الأولى للقرن العشرين؛ ففي عام 1900[1]، وفي إطار التنسيق الإيطالي- الفرنسي المشترك بينهما حول تقاسم النفوذ في منطقة شمال أفريقيا، تم التوقيع على اتفاقية بين الطرفين تقضي بالسماح للنفوذ الإيطالي في ليبيا، مقابل توسع النفوذ الفرنسي في المغرب الأقصى، ومهد هذا الاتفاق إلى التدخل العسكري الإيطالي في ليبيا؛ ففي تشرين الأول/ أكتوبر 1911، نفذت القوات الجوية الإيطالية، أول عملية تشغيل في العالم لطلعة جوية بطائرة استطلاع واستكشاف فوق الأراضي الليبية، لتقوم في تشرين الثاني/ نوفمبر 1911، بقصف منطقتي عين زارة وتاجوراء في غرب ليبيا[2]، وبهبوط قواتها لأول مرة في طرابلس وبرقة. وبعد عامين من هبوط قواتها في شرق وغرب ليبيا، تقدمت القوات الإيطالية في عام 1913 نحو فزان في جنوب غرب ليبيا، وتمكنت من الاستيلاء على الواحات الرئيسية في أوائل عام 1914، إلا أن طول وهشاشة خطوط الإمداد أسهمَ في تعرّض تلك القوات إلى هجمات من حركة المقاومة الليبية، الأمر الذي أدى إلى هزيمتها في صيف عام 1914، وطردها من فزان[3].

ومع صعوبة حسم المعركة لصالحها وتكبدها خسائر بشرية ومادية في ليبيا، قامت إيطاليا باتباع سياسة استعمارية أسهمت في بسط نفوذها على كامل التراب الليبي وتتلخص في الآتي:

  1. استقطاب بعض القوى المحلية وتسليحها، وضمها إلى صفوف القوات الإيطالية للحرب بالوكالة، وللحد من خسائر الجنود الإيطاليين، وفي إطار تنفيذها لهذه السياسة عززت إيطاليا الفُرقة بين أبناء الوطن في غرب ليبيا، الأمر الذي أدى إلى استقرار نسبي في هذه المنطقة، والسماح لبنيتو موسوليني بزيارة طرابلس في نيسان/ أبريل 1926..[4]
  2. استجلاب قوات محلية من المستعمرة الإيطالية في بلاد الحبشة للحرب إلى صفوف القوات الإيطالية في ليبيا؛ وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أنه بين عامي 1912- 1934، استقدمت إيطاليا ما لا يقل عن 68 كتيبة من بلاد الحبشة، للخدمة في ليبيا[5].
  3. اتباع سياسة التجويع والحصار، لتجفيف منابع الدعم والمساندة لحركة المقاومة الليبية للاحتلال الإيطالي في شرق ليبيا؛ ففي حزيران/ يونيو 1930، أفرغت القوات الإيطالية قرى كبيرة في منطقة الجبل الأخضر من أهاليها، ووضعتهم في معسكرات الاعتقال على الشريط الساحلي داخل سياج من الأسلاك الشائكة، يقدر عددهم ما بين 80 ألفًا إلى 100 ألف شخص، ونتيجة لتردي الظروف التي عاشها هؤلاء، فقد تراوحت التقديرات في عدد الوفيات بينهم من 40 ألف شخص إلى 65 ألف شخص. كما بنَت القوات الإيطالية بين عامي 1930-1931 حاجزًا على الحدود المصرية- الليبية بطول 270 كم، من الأسلاك الشائكة، لمنع حركة المقاومة الليبية من الحصول على الإمدادات والدعم من مصر[6].

ويبدو أن سهولة التضاريس في غرب ليبيا، وافتقار تلك المنطقة إلى قيادة موحدة لمقاومة الاحتلال الإيطالي، واستغلال ذلك من طرف إيطاليا، أسهم في حدوث هدوء نسبي، وتراجع لعمليات استهداف القوات الإيطالية، وذلك بخلاف المناطق الواقعة شرق ليبيا حيث ساعدت التضاريس الجبلية والحرجية، والقيادة الموحدة بزعامة عمر المختار في عرقلة الجهود الإيطالية، ولم تتمكن من إحكام السيطرة عليها إلا في كانون الثاني/ يناير 1932، وبعد عدة أشهر من إلقاء القبض والحكم بالإعدام على القائد عمر المختار في أيلول/ سبتمبر 1931[7].

ويشار إلى أن الاحتلال الإيطالي لليبيا بدأ قبل نشوب الحرب العالمية الأولى في تموز/ يوليو 1914، والتي في بدايتها حافظت إيطاليا على حيادها، وذلك على عكس الانخراط البريطاني والفرنسي في تلك الحرب. فقد جاء بروز إيطاليا كقوة أوروبية استعمارية في وقت متأخر، ولم تحتل سوى ليبيا وبلاد الحبشة، إلا أنه وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في تشرين الثاني/ نوفمبر 1918، بدأت إيطاليا تفكر في التوسع الإقليمي، ولذلك كانت لدى تركيا، مخاوف من أطماع إيطاليا التوسعية في أراضيها[8].

حاولت تركيا أن تستفيد من التنافس بين القوى العظمى، حيث رأت أنه في حال ما تم التعاون البريطاني الإيطالي باستهداف أراضيها، فستلجأ إلى إبرام اتفاقية حماية مع فرنسا، على الرغم من أن تركيا لم تكن على علاقة جيدة مع فرنسا في ذلك الوقت. ولذلك يمكن القول إن فرنسا ظلت المنافس الوحيد لإيطاليا بعد انهيار الإمبراطورية النمسوية، وأيضًا كانت فرنسا مشكلة مشتركة لتركيا وإيطاليا. وهكذا دعت وزارة الخارجية الإيطالية القادة السياسيين الأتراك إلى ميلانو في نيسان/ أبريل 1928، لتهدئة مخاوفهم من إيطاليا، ودعتهم إلى إقامة تعاون تركي -يوناني مع إيطاليا في البحر الأبيض المتوسط ضد فرنسا، وأرادت إيطاليا من ذلك إعطاء انطباع كدولة متوسطية بأنها وحدها التي يمكنها الحفاظ على الاستقرار والسلام في البحر الأبيض المتوسط. ​​ وكان من نتائج لقاء ميلانو أن وقّعت تركيا على معاهدة الحياد والمصالحة مع إيطاليا في أيار/ مايو 1928، التي تقضي بتعهد إيطاليا وتركيا البقاء على الحياد في حالة اعتداء طرف ثالث على أي طرف في المعاهدة[9].

إن المعاهدة التركية- الإيطالية، وفّرت فرصًا كبيرة لإيطاليا في إطار منافستها للنفوذ الفرنسي، من خلال مساعدة تركيا على تحديث أسطولها البحري الحربي، حيث كان التنافس يجري بين شركات بناء السفن الفرنسية والإيطالية، وفي أيار/ مايو 1929، أُرسيت المناقصة لصالح الشركات الإيطالية، التي شملت توريد السفن الحربية وتدريب العناصر التركية على استخدامها، إلا أنه وبعد عدة أشهر، وتحديدًا في تشرين الأول/ أكتوبر 1929 وقعت الأزمة الاقتصادية العالمية وضعفت قدرة إيطاليا على الوفاء بالتزاماتها تجاه تركيا[10].

انقلبت حالة التقارب بين تركيا وإيطاليا، إلى توتر وخلاف بعد الاعتراض الإيطالي على انضمام تركيا إلى عصبة الأمم في عام 1932، وتجددت المخاوف التركية من التوسع الإيطالي، بعد الاقتراح الذي قدمته إيطاليا في آذار/ مارس 1933، ومفاده أن السلام لا يمكن أن يستمر إلا بمبادرات وتعاون القوى الأوروبية الأربع (فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا)، وهو ما أثار مخاوف بريطانيا وفرنسا أيضًا بسبب إشراك ألمانيا في الاقتراح الإيطالي، ولذلك تغير نمط التحالفات عشية الحرب العالمية الثانية بتحالف تركيا مع بريطانيا وفرنسا[11].

حاولت فرنسا من جانبها تقديم تنازلات إلى إيطاليا في ليبيا لكي تبعدها عن ألمانيا، حيث وقّعت في كانون الثاني/ يناير 1935 على معاهدة تقضي بتنازل فرنسا لإيطاليا عن شريط أوزو بمساحة 14 ألف كم2، والذي يقع على الحدود بين ليبيا وتشاد[12].

لم تفلح تلك المحاولات الفرنسية في تغيير مواقف إيطاليا، وهو ما دفع بتلك الأخيرة إلى التدخل العسكري في الحبشة وأعلنت عن تحالفها مع ألمانيا. وفي أيلول/ سبتمبر 1939، اندلعت الحرب العالمية الثانية، ولم تنتهِ إلا في أيلول/ سبتمبر 1945، أي بعد ستة أعوام من تاريخ اندلاعها، وكان من نتائجها أن اجتمعت القوى المتحالفة المنتصرة في الحرب، بشأن مستقبل الدول المنهزمة من المحور الثلاثي والذي يضم ألمانيا واليابان وإيطاليا، ومنها المستعمرات الإيطالية في أفريقيا، وعلى رأسها ليبيا. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1949، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، مقترحًا ينص على أن تصبح ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة، قبل كانون الثاني/ يناير 1952، وهو ما تم في كانون الأول/ ديسمبر 1951، حيث نالت ليبيا استقلالها[13].

2- علاقات ليبيا بإيطاليا وفرنسا بعد كانون الأول/ ديسمبر 1951

في صبيحة اليوم الذي أعلن فيه عن استقلال ليبيا، وقعت الأخيرة على اتفاقيتين مع فرنسا؛ الأولى تتعلق بالشأن العسكري، ويسمح بموجبها أن تحتفظ القوات الفرنسية بوجودها في فزان لمدة ستة أشهر إلى حين توقيع معاهدة تحالف تحل محل الاتفاقية المؤقتة بالخصوص، بينما نصت الثانية على أن تتعهد فرنسا بتقديم مساعدات مالية تعادل في قيمتها عجز الموازنة في إقليم فزان[14].

وفي نيسان/ أبريل 1956، تم التوقيع على المعاهدة الليبية- الفرنسية، والتي تعهدت بمقتضاها فرنسا بإجلاء قواتها العسكرية في مدة لا تتجاوز 12 شهراً من تاريخ المعاهدة، كما تضمنت المعاهدة أيضا ترسيم الحدود الليبية مع جاراتها الجنوبية من المستعمرات الفرنسية[15].

يشار إلى أن فرنسا التي دخلت إقليم فزان في كانون الثاني/ يناير 1943، بالتزامن مع دخول القوات البريطانية إلى برقة خلال الحرب العالمية الثانية، كانت تطمح في ضم مدينة غات إلى الجزائر، ومدينة غدامس إلى تونس، إلا أنها لم تتمكن من ذلك وانسحبت من الإقليم في تشرين الثاني/ نوفمبر1956[16].

خلال المرحلة التي تلت الاستقلال واجهت ليبيا تحديات اقتصادية كبيرة؛ فقد كانت من بين الدول الأفقر في العالم؛ وفي أيلول/ سبتمبر 1957 تم اكتشاف النفط، وافتتح أول خط أنابيب وميناء لتصدير النفط الليبي في تشرين الأول/ أكتوبر 1961، وأصبحت ليبيا رابع أكبر مصدر للنفط في العالم في ذلك العام[17].

جدير بالذكر أن إنتاج النفط الليبي بين عامي 1961-1962، اقتصر على شركات النفط الأمريكية[18]، إلا أن دور هذه الشركات بدأ ينحسر، بعد أن صدر أمر رئاسي بالمغادرة في حزيران/ يونيو 1987، بعد التوترات التي شهدتها العلاقات الأمريكية- الليبية، وما رافقها من عقوبات أمريكية ودولية على ليبيا، ما أدى إلى انخفاض مستويات الإنتاج النفطي الليبي من 3 ملايين برميل يوميًا في أوائل السبعينيات إلى 1.5 مليون برميل يوميًا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي[19]. وبدأ نشاط الشركات الأوروبية يتصاعد بعد رفع العقوبات الأمريكية والدولية عن ليبيا في العقد الأول من القرن الحالي، إلا أن شركات النفط الأمريكية، لم تتمكن من العودة سريعًا، أو أنها لم تكن مستعدة لاستئناف عملياتها المباشرة في ليبيا، وهذا وفر فرصة سانحة لتنامي الاستثمارات الدولية في قطاع النفط والغاز الليبي، من بينها شركة توتال الفرنسية وإيني الإيطالية[20].

يشار إلى أن العلاقات الليبية- الإيطالية شهدت تطوراً ملحوظًا بعد التوقيع على معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون بين الطرفين في آب/ أغسطس 2008، بمدينة بنغازي، والتي دخلت حيز التنفيذ في آذار/ مارس 2009[21].

إن معاهدة الصداقة أضفت الطابع المؤسسي على العلاقات الإيطالية- الليبية في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية، وقدمت نموذجًا للعلاقة بين الدولة المستعمرة ومستعمرتها سابقًا؛ فقد أبدت إيطاليا الاعتراف الأخلاقي بالضرر الذي ألحقته بليبيا أثناء الحقبة الاستعمارية، ووافقت على تعويض ليبيا من خلال الالتزام بضخ ما يزيد على 5 مليارات دولار خلال 20 عامًا من تاريخ المعاهدة في مشاريع تنموية في ليبي[22]. وأسهمت المعاهدة في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الطرفين؛ فقد التزمت ليبيا بتمديد الامتياز لشركة إيني الإيطالية للطاقة، بحيث يتم تمديد عقدها حتى عام 2042، الذي يتعلق بالنفط، وإلى العام 2047، للعقد المتعلق بالغاز الطبيعي[23]. هذا إضافة إلى إعطاء الأولوية للشركات الإيطالية التي ترغب في العمل في ليبيا، وفي آذار/ مارس 2009، أعلنت ليبيا عن استراتيجيتها الاقتصادية التي تقوم على توجيه نحو 90 بالمئة من استثماراتها الخارجية نحو إيطاليا[24].

يبدو أن معاهدة الصداقة الليبية- الإيطالية، أسهمت في تزايد النفوذ الإيطالي، بخلاف النفوذ الفرنسي في ليبيا.

تاريخيًا وباستثناء تواجدها العسكري لعدة أعوام في إقليم فزان، يمكن القول إن ليبيا لم تكن ضمن المستعمرات الفرنسية كما هو حال الدول الواقعة جنوب وغرب ليبيا، وهو ما انعكس على ضعف تفاعل العلاقات الليبية- الفرنسية، إلا أنه وبعد إطاحة النظام الملكي في أيلول/سبتمبر 1969، وتبنى النظام الليبي الجديد سياسة خارجية (ثورية) تستهدف التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى؛ بدأت العلاقات الليبية- الفرنسية تشهد توترات عميقة وتنافسًا؛ بسبب التدخل الليبي في مناطق النفوذ الفرنسي في القارة الأفريقية،  ففي أيلول/ سبتمبر 1989، اتهمت ليبيا بتفجير طائرة مدنية تابعة لشركات النقل الفرنسية في النيجر[25].

يشار إلى أن أغلب التدخلات الليبية في أفريقيا في تلك المرحلة انتهت إلى الفشل، والاستثناء من ذلك والذي يمثل نجاحًا للدبلوماسية الليبية هو ما تم في شباط/ فبراير 1998[26]، بإنشاء تجمع يضم دول الساحل والصحراء في القارة الأفريقية ومقره ليبيا، ويضم السودان وتشاد والنيجر ومالي وبوركينا فاسو وليبيا. وفي أيلول/ سبتمبر 1999، حينما تقدمت ليبيا بدعوة الدول الأفريقية إلى إنشاء الاتحاد الأفريقي، كامتداد وتجديد لمنظمة الوحدة الأفريقية، وحظي المقترح بموافقة 55 دولة أفريقية التي أصبح يضمها الاتحاد الأفريقي بعد الإعلان عن تأسيسه في تموز/ يوليو 2002. هذا إضافة إلى الطموح الليبي في القيام بمشاريع اقتصادية تكاملية بين دول القارة الأفريقية؛ على غرار نموذج الاتحاد الأوروبي، وإصدار عملة موحدة[27]، وهو ما تسبب في قلق فرنسا من النفوذ الليبي المتزايد الذي قد يؤدي إلى تآكل وتقليص النفوذ الفرنسي في القارة الأفريقية. ويبدو أن القلق الفرنسي خفت وتيرته، مع التحولات السياسية التي شهدتها ليبيا في شباط/ فبراير 2011، وأدت إلى انهيار نظام الحكم، وإلى انحسار النفوذ الليبي في أفريقيا، ودخلت معها العلاقات الليبية- الفرنسية في مرحلة مختلفة عن سابقتها من العلاقات.

ثانيًا: طبيعة التنافس الفرنسي- الإيطالي في ليبيا

  • المقومات الموضوعية للقوة التي تملكها الدولتان

إن الدولتين ينتميان إلى القارة الأوروبية، ومتجاورتان وتشتركان في حدود برية يصل طولها إلى نحو 488 كم. والدولتان عضوان في منظمة الأمم المتحدة؛ إلا أن فرنسا تتفوق على إيطاليا في كونها ضمن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وتملك حق النقض والاعتراض على القرارات التي يصدرها المجلس. والدولتان عضوان في الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة؛ وعضوان أيضًا في منطقة شنغن، والتي تسمح للأفراد بالسفر والتنقل دون فحص جوازات السفر وتضم 22 دولة عضوًا من أعضاء الاتحاد الأوروبي. ويضاف إلى ذلك أنهما عضوان في المجموعة الأوروبية التي تستخدم عملة موحدة وتضم 19 دولة من أصل 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، وهي اليورو، والتي حلت محل العملات الوطنية في الدول المشاركة فيها منذ كانون الثاني/ يناير 2002[28].

وتشترك الدولتان في عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أن فرنسا تتفوق على إيطاليا في كونها دولة تملك السلاح النووي، وعضوًا مؤسسًا لهذا التحالف العسكري الدولي الذي يتكون من 30 دولة من دول القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية، وتأسس في عام 1949، من طرف تكتل الدول الديمقراطية، في مواجهة النظم الديكتاتورية، كالفاشية الإيطالية، والنازية الألمانية، والشيوعية السوفياتية آنذاك، وبالتالي انضمام إيطاليا إلى الحلف جاء متأخراً مقارنة بفرنسا التي تتمتع بمزايا تفضيلية، من أهمها أن اللغة الفرنسية إلى جانب اللغة الإنكليزية هما اللغتان الرسميتان فقط داخل الحلف، ولا يمكن استبدالهما بلغة أخرى. ويشار إلى أن اللغة الفرنسية تتفوق على نظيرتها الإيطالية في عدد المتحدثين بها؛ وهذا يرجع في جزء كبير منه إلى تاريخ فرنسا الاستعماري، ويتضح هذا من خلال أن ما يزيد على ثلث دول القارة الأفريقية تتحدث اللغة الفرنسية. وأنها اللغة الرسمية بجانب الإنكليزية في كندا. إضافة إلى أن اللغة الفرنسية تنتشر على نطاق واسع في بعض المناطق الإيطالية[29]. كذلك يلاحظ أن الحدود الجغرافية بين الدولتين، لا تتطابق مع الحدود اللغوية؛ إذ تعد كورسيكا الناطقة باللغة الإيطالية تقليديًا جزءًا من فرنسا، في حين يُعتبر وادي أوستا جزءًا من إيطاليا على الرغم من تحدّث سكانه باللغة الفرنسية[30]. وخلافًا لفرنسا التي تتسع حدودها لتشمل أقاليم خاضعة لسيادتها خارج القارة الأوروبية، نجد أن إيطاليا تضم دولتين مستقلتين داخل حدودها؛ هما جمهورية سان مارينو، ومدينة الفاتيكان. وعلى الرغم من أن وجود الدولتين قد يحسب على أنه عامل ضعف لسيادة الدولة الإيطالية على ترابها الوطني، إلا أنه يحسب من عناصر القوة التي تتمتع بها إيطاليا في وجود دولة الفاتيكان على أراضيها؛ حيث إنها المقر الروحي للكنيسة الكاثوليكية في العالم، والتي ظهرت إلى حيز الوجود كدولة ذات سيادة في عام 1929، وتقيم علاقات دبلوماسية مع 175 دولة، ويوجد على أراضيها ما يزيد على 71 سفارة من دول العالم[31].

وعلى صعيد تقييم مقومات القوة والضعف للدولتين أيضًا يمكن إضافة الجدول التالي الذي يبين بعض المؤشرات الرقمية لتلك المقومات لبعض دول الاتحاد الأوروبي، وذلك النحو التالي:

جدول يبين المؤشرات الرقمية لمقومات القوة والضعف لبعض دول الاتحاد الأوروبي

الدولةالمساحة بالكيلومتر مربع[32]

 

عدد السكان (2020) [33]

بالمليون نسمة

الناتج المحلي الإجمالي بالدولار الأمريكي لعام 2019[34]معدل نسبة المئوية للبطالة عام 2020[35]
ألمانيا35737683.13.861.1234
فرنسا63318667.12.715.5188.5
إيطاليا30207360.22.003.5769.9
إسبانيا50594447.31.393.49016.7

 

إن المعطيات الرقمية الواردة في الجدول أعلاه تسمح بإبداء الملاحظات التالية:

  1. إن مساحة فرنسا تزيد على ضعفي مساحة إيطاليا، وتعادل تقريبًا مساحة ألمانيا وإيطاليا مجتمعتين.
  2. إن عدد سكان فرنسا يفوق نظيره الإيطالي بنحو 7 ملايين نسمة.
  3. إن الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا يعادل الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا وإسبانيا مجتمعتين. وأن الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا يفوق نظيره الإيطالي بنحو 700 مليار دولار.
  4. إن نسبة معدل البطالة في إيطاليا أعلى من نظيرتها في فرنسا بواقع 1.4 بالمئة.

 

ثالثًا: مظاهر التنافس الفرنسي – الإيطالي في ليبيا

 

1- مظاهر التنافس السياسي والأمني

أالتنافس حول القضايا السياسية

شهدت العلاقات الفرنسية- الإيطالية تنافساً سياسيًا ملحوظًا بعد الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها ليبيا في شباط/ فبراير 2011؛ ففي الوقت الذي كان فيه الموقف الإيطالي في بداية تلك الاحتجاجات يتسم بالحياد والغموض، كان الموقف الفرنسي أكثر وضوحًا بالاعتراف المبكر بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي باعتباره الممثل الشرعي الوحيد للشعب الليبي في آذار/ مارس 2011[36]. وكانت فرنسا أول دولة أوروبية، تتبنى هذا الموقف بعد أقل من شهر على الاحتجاجات الشعبية في ليبيا. وقامت بنشاط دبلوماسي مكثف في مجلس الأمن الدولي للتنسيق، والتشاور مع الطرفين البريطاني والأمريكي، في إصدار القرار الدولي الرقم (1973)، الذي يمثل الأساس القانوني للتدخل العسكري في ليبيا[37]. يشار إلى أنه بعد مضيّ عدة ساعات على تصويت مجلس الأمن الدولي في آذار/ مارس 2011، على القرار الدولي الرقم (1973)، لحماية المدنيين في ليبيا، أقلعت الطائرات المقاتلة الفرنسية من قواعدها الجوية في شمال شرق فرنسا، وكانت بذلك أول شريك في التحالف الدولي ينفذ أولى الضربات في ليبيا، وحتى قبل أن تبدأ القوات البريطانية والأمريكية في العمل، الأمر الذي أظهر رغبة فرنسية في قيادة العمليات القتالية على الأراضي الليبية[38]. وتطلب هذا الدور القيادي لفرنسا أن أنفقت على حملة حلف شمال الأطلسي في ليبيا أكثر مما أنفقته الولايات المتحدة في أفغانستان[39]. إلا أنه وعلى الرغم من هذا الإنفاق العالي من جانب فرنسا، اعتمدت في الأيام الأولى من العمليات بصورة كبيرة على التقنية العسكرية الأمريكية، التي لا تملكها فرنسا، من بينها صواريخ كروز التي نفذت ضربات عميقة في البنية التحتية للجيش الليبي؛ فمن أصل 199 صاروخ كروز أُطلِقت من البحر في الأيام العشرة الأولى، كانت192  منها أمريكية، و7 صواريخ بريطانية، ولم يكن من بينها صواريخ فرنسية[40].

من جهة أخرى يمكن القول إن الدور القيادي الذي انتهجته فرنسا خلال العمليات القتالية في ليبيا قوبل بالرفض من جانب إيطاليا؛ التي هددت بوقف دعم طائرات التحالف في قواعدها الجوية وإغلاق مجالها الجوي إذا لم يقم حلف شمال الأطلسي بنظام القيادة المشتركة للحملة، في تناقض واضح مع الموقف الفرنسي[41].

 

ويبدو أن التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في ليبيا وضع إيطاليا أمام عدة تحديات يتلخص أهمها في النقاط التالية:

  1. إن معاهدة الصداقة الإيطالية- الليبية تتضمن عدم السماح لأي أعمال عدائية قد يقوم بها طرف ضد الآخر في المعاهدة، وبالتالي تعدّ المشاركة الإيطالية نوعًا من عدم الوفاء والالتزام بتعهداتها الدولية.
  2. إن معاهدة الصداقة الإيطالية- الليبية وفرت فرصًا اقتصادية كبيرة لإيطاليا، وبالتالي كانت تفضل المحافظة على الوضع القائم في ليبيا، وذلك بخلاف فرنسا، التي تسعى إلى تغيير الوضع القائم في ليبيا لتحقيق مكاسب اقتصادية في مرحلة ما بعد التدخل.
  3. إن الحكومة الإيطالية برئاسة سيلفيو برلسكوني آنذاك كانت تعاني أزمات سياسية واقتصادية على الصعيد الداخلي، وبالتالي لم تكن قوية بصورة كافية تمنحها قدرًا كبيرًا من هامش الحركة، في تبني مواقف سياسية صلبة كالموقف الفرنسي[42].
  4. إن التدخل العسكري قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع في ليبيا ويسهم في تزايد أعداد المهاجرين إلى إيطاليا، وهو ما يضعها في تحدٍّ أمني جديد في حالة قيام بعضهم بعمليات انتقامية داخل التراب الإيطالي نتيجة انخراط الأخيرة وتحويل أراضيها إلى نقطة انطلاق للتدخل العسكري في ليبيا.
  5. إن التدخل العسكري قد يؤدي إلى إحياء مشاعر الكراهية التي يكنها الشعب الليبي في ذاكرتهم الوطنية تجاه الاحتلال الإيطالي، وينسف كل الجهود الدبلوماسية التي بذلتها إيطاليا من حملات علاقات عامة في طيّ صفحة الماضي والاعتذار عن تلك المرحلة من تاريخ العلاقات الثنائية بين الدولتين. وعلى الرغم من كل هذه المحاذير قامت إيطاليا بتوفير سبع قواعد جوية لعمليات حلف شمال الأطلسي في ليبيا؛ وبإنفاق ما يزيد على 150 مليون يورو[43].

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2011، انتهت العمليات العسكرية للتحالف الدولي بانهيار نظام الحكم في ليبيا، ودخلت معه الدولة الليبية في فوضى سياسية وأمنية، وأعمال عنف لعل أهمها ذلك الهجوم الذي استهدف القنصلية الأمريكية في بنغازي في أيلول/سبتمبر 2012، وأسفر عن مقتل السفير الأمريكي وبعض مرافقيه، وهو ما أسهم بشكل فاعل في توقف الخطط المستقبلية الأمريكية لدعم المرحلة الانتقالية في ليبيا[44].

لم تتمكن الأطراف الليبية المتصارعة على السلطة والنفوذ من تجاوز المرحلة الانتقالية إلى أخرى دائمة تسهم في استقرار الدولة، وبدأت ليبيا تعاني أزمة التنافس على الشرعية حيث استغلت الأجهزة التشريعية والتنفيذية بعض الثغرات القانونية بتقديم تفاسير مختلفة على أنها تملك الشرعية؛ وبلغت الأزمة ذروتها في عام 2014، بعد الانقسام المؤسسي ووجود حكومتين: الأولى وتسمى “الحكومة المؤقتة” والمخوّلة من قبل مجلس النواب الليبي، ومقرها مدينة البيضاء في شرق ليبيا؛ والثانية تسمى “حكومة الوفاق الوطني” والمخولة من قبل الأمم المتحدة، ومقرها مدينة طرابلس في غرب ليبيا. ومع هشاشة الدولة إلى جانب التدخلات الخارجية تحوّلت ليبيا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي بين محورين: المحور الأول ويضم حكومة الوفاق الوطني والدول الداعمة لها إيطاليا وتركيا وقطر؛ بينما يضم المحور الثاني الحكومة المؤقتة والدول الداعمة لها فرنسا وروسيا والسعودية والإمارات ومصر والأردن. ويبدو أن عامل المصلحة، وتحالف الضرورة هما الأساسان الرئيسيان اللذان يقفان خلف الاصطفاف إلى كلا المحورين؛ حيث إن المصالح الفرنسية في شرق ليبيا، ومحاولة الحصول على تعاقدات في الطاقة وإعادة الاعمار اقتضت أن تصطف إلى جانب روسيا ضمن  المحور الداعم للحكومة المؤقتة، على الرغم من أنهما يقفان على طرفَي نقيض في القضايا الدولية الأخرى كالأزمة الأوكرانية أو السورية؛ وكذا الحال في المصالح الإيطالية في غرب ليبيا المتعلقة بالحدّ من الهجرة والمحافظة على تدفق الطاقة، اقتضت باصطفاف إيطاليا إلى جانب تركيا في دعم حكومة الوفاق الوطني وهما على طرفَي نقيض في القضايا الإقليمية كقضية المهاجرين إلى أوروبا أو انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ومن جهة أخرى يمكن القول إن ثمة فارقًا كبيرًا ما بين الدعم الفرنسي والإيطالي للأطراف المتصارعة في ليبيا؛ حيث إن فرنسا دعمت وساندت قوات الحكومة المؤقتة عسكريًا، وفي تموز/ يوليو 2016، قُتل عدد من عناصر قوات العمليات الخاصة الفرنسية المساندة لقوات الحكومة المؤقتة في ليبيا، الأمر الذي أدى إلى خروج تظاهرات في طرابلس رافضة للوجود الفرنسي غير العلني في ليبيا، وأدى أيضًا إلى تأجيل إعادة فتح السفارة الفرنسية في العاصمة، والتي كانت على وشك الافتتاح[45]. وفي المقابل نجد أن عملية الدعم الإيطالي لقوات حكومة الوفاق الوطني جاءت في صورة سلمية؛ ومعبرة عن الجوانب الإنسانية، ويتبين هذا من اسمها (عملية أبقراط) نسبة إلى أشهر طبيب في العصور القديمة، حيث أرسلت إيطاليا طاقمًا طبيًا ونحو 300 جندي لحماية المستشفى الميداني العسكري. وفي آب/ أغسطس 2017، نشرت سفنًا بحرية وأرسلت مدربين إلى طرابلس بناء على طلب رسمي من حكومة الوفاق الوطني للمساعدة في بناء قدرات القوات البحرية الليبية. وعليه، يمكن القول إن الوسائل السلمية التي تبنتها إيطاليا في خدمة مصالحها الاستراتيجية في ليبيا، وفر لها أن تصبح الدولة الأولى أوروبيًا التي أعادت فتح سفارتها في طرابلس في كانون الثاني/ يناير 2017[46].

وعلى الرغم من أن فرنسا وإيطاليا تسعيان إلى إحلال السلام والأمن في ليبيا، إلا أنهما يقدمان حلولاً متباينة نتيجة للتنافس بينهما على النفوذ، وبسبب تضارب مصالحهما في المنطقة، حيث إن إيطاليا تضع العراقيل أمام أي حلول تقترحها فرنسا، وكذلك الحال عند فرنسا التي تسلك في مسارات تعرقل أي مبادرة إيطالية للحل، وظهر هذا في قمة باريس التي عقدت في أيار/مايو 2018، حيث تقدمت خلالها فرنسا بمبادرة تستهدف وضع إطار عمل سياسي من أجل تمهيد الطريق لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، في كانون الأول/ ديسمبر 2018،  تدعمها الأمم المتحدة لإنهاء الصراع والمرحلة الانتقالية في ليبيا. وجاء الرد الإيطالي برفض المبادرة الفرنسية، والدعوة إلى قمة مماثلة؛ وقامت في كانون الأول/ ديسمبر 2018، بعقد مؤتمر باليرمو حول ليبيا، إلا أنه لم يحقق نجاحًا ملموسًا على صعيد حل الأزمة الليبية، شأنه في ذلك شأن القمة الفرنسية[47].

ب- التنافس حول القضايا الأمنية

إن من أهم القضايا الخلافية في العلاقات الثنائية والتي تتقاطع فيها المصالح الفرنسية مع نظيرتها الإيطالية، هي القضايا الأمنية؛ حيث تقوم الرؤية الإيطالية الأمنية على أولوية تكثيف الجهود الأوروبية، وتعزيز الشراكة بشأن حل مشكلة تدفق المهاجرين  غير النظاميين عبر ليبيا؛ والتي اكتسبت زخمًا مع صعود تيار اليمين المناهض لتدفق المهاجرين بعد حصوله على نسبة 37 بالمئة من الأصوات في الانتخابات التشريعية الإيطالية عام 2018[48]. وفي المقابل تقوم الرؤية الفرنسية الأمنية على أولوية أمن منطقة الساحل، ومنع تدفق نقل الأسلحة عبر الحدود الليبية إلى بعض الجماعات التي تستهدف المصالح الفرنسية في أفريقيا. وهنا تجدر الإشارة إلى منطقة فزان الحدودية، والتي تعد نقطة رئيسة للمهاجرين في اتجاه إيطاليا وبما يهدد الأمن الإيطالي، ونقطة رئيسة أيضًا لتدفق الأسلحة باتجاه منطقة الساحل مما يهدد الأمن الفرنسي. ويبدو أن منطقة فزان تعدّ المنطقة الأكثر احتكاكاً للتنافس الفرنسي الإيطالي في ليبيا، ويسعى كل طرف فيها إلى توظيف عناصر نفوذه في تحقيق مكاسب أمنية؛ وعلى الرغم من أن كليهما كان له وجود استعماري زمني متقارب في فزان، إلا أن فرنسا لديها فرص أكبر من إيطاليا، حيث إنها تملك وجوداً أمنيًا واقتصاديًا في الدول التي ترتبط بحدود مشتركة بمنطقة فزان، إلا أن ذلك لم يمنع إيطاليا من القيام بنشاط دبلوماسي مكثف في فزان من خلال مخاطبة الجهات الفاعلة المحلية، في محاولة منها للحفاظ على علاقات جيدة مع أولئك الذين يسيطرون على هذا الجزء من ليبيا للحد من الهجرة غير النظامي[49].

من ناحية أخرى، تواصل فرنسا اتباع سياسة دعم العمليات العسكرية التي تستهدف الجماعات الجهادية بدلاً من وقف تدفقات الهجرة غير النظامية إلى إيطاليا، ولذلك تبنت خيار دعم قوات الحكومة المؤقتة في محاولة بسط نفوذها على فزان، لعرقلة أي وجود عسكري إيطالي في منطقة نفوذ فرنسية، ويبدو أن هذا ما يفسر تركيز إيطاليا على وجودها في غرب ليبيا، النقطة الرئيسة الثانية لعبور المهاجرين غير النظاميين، والتي تحتوي على الاستثمارات الإيطالية في قطاع الطاقة، بدلاً من تركيز وجودها في فزان. وعليه، يمكن القول إن التنسيق والتعاون الأمني المشترك بين الجانبين الفرنسي والإيطالي، قد يسهم في تعزيز الأمن في ليبيا، ومنطقة الساحل، والاتحاد الأوروبي أيضًا، من خلال التعاون الأمني الإيطالي مع نظيره الفرنسي في ضبط الحدود المشتركة بينهما، والحد من الانتقال غير القانوني إلى التراب الفرنسي، وأيضًا من خلال التعاون الأمني الفرنسي مع نظيره الإيطالي في ضبط الحدود الليبية للحد من تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى إيطاليا، من خلال وجودها العسكري والأمني في دول الساحل الأفريقي. إن غياب هذا التنسيق والتعاون الأمني المشترك بين الطرفين سوف يؤدي إلى مزيد من الانكشاف الأمني لكليهما، ويهدد عملية الاستقرار داخل الاتحاد الأوروبي بخاصة وفي ظل التحديات الجديدة التي ظهرت بعد قرار بريطانيا الانسحاب من هذا الاتحاد، والذي أضاف بعداً جديداً لقضايا التنافس بين فرنسا وإيطاليا. حيث إن تنامي تيار الشعبوية في أوروبا، إضافة إلى التشجيع الأمريكي، أهم عاملين يقفان خلف موافقة البرلمان البريطاني في كانون الثاني/ يناير 2020[50] على سحب عضوية المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي التي استمرت 47 عامًا، والذي يمثل أهم التحديات الأمنية الأوروبية الجديدة، والتي قد تؤدي إلى تجاوز مرحلة التنافس الفرنسي الإيطالي، والتوجه نحو تطوير هوية دفاعية للاتحاد الأوروبي، يكون محورها فرنسا لما تملكه من مقومات موضوعية للقوة، كونها الدولة النووية الوحيدة ضمن الاتحاد بعد خروج المملكة المتحدة.

ويشار إلى أن المملكة المتحدة كانت تمثل ثاني أكبر اقتصاد داخل الاتحاد الأوروبي إلى جانب ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وبالتالي قد يؤدي خروجها إلى تقليص دور الاتحاد الأوروبي، وتأثيره في النظام الدولي، بفقدانه للنفوذ الدبلوماسي والعسكري والاقتصادي للمملكة المتحدة، وبتحولها من عضو ضمن الاتحاد إلى منافس سياسي واقتصادي له. وفي المقابل سوف يؤثر خروج المملكة المتحدة من الاتحاد، ويقلص مكانتها الدولية، ونفوذها، وقدرتها على التأثير في النظام الدولي، ويجعلها عرضة للهجمات الخارجية، حيث إن الاتحاد الأوروبي واحد من ركائز الأمن في المملكة المتحدة. هذا إضافة إلى أن خروج المملكة المتحدة يمكن أن يؤدي إلى تفكك الاتحاد الأوروبي؛ حيث إن التيار الشعبوي سوف تتزايد ديناميته في دول أوروبية أخرى من دول الاتحاد، ويدفع نحو المطالبة بالخروج أيضًا. ومن الجهة المقابلة قد يؤدي خروج المملكة المتحدة إلى توسيع دائرة الاتحاد ليشمل المزيد من الأعضاء من أجل سد فراغ انسحاب المملكة المتحدة. إلا أنه مهما اختلفت الآراء وتباينت حول مستقبل الاتحاد الأوروبي بعد انسحاب المملكة المتحدة منه، لا تختلف حول وجود تحديات كبيرة أمام دول الاتحاد تهدد وحدته مثل التباين بين دول الشمال والجنوب، وتحمّل بعض الدول ذات الاقتصاد الأكبر كألمانيا أعباء كبيرة لمعالجة تعثر اقتصادات بعض دول الجنوب كاليونان.

2- مظاهر التنافس الاقتصادي والتجاري

إن أبرز مظاهر التنافس الاقتصادي بين فرنسا وإيطاليا في ليبيا، يتمحور حول مجموعة متعددة من المصالح، تتعلَّق بإنتاج الطاقة، وتطوير البنية التحتية، أي أنه تنافس يدور في أغلبه بين شركة توتال الفرنسية للطاقة وشركة إيني الإيطالية. وعلى الرغم من أن الدوافع الاقتصادية لهذا التنافس أقل مناقشة في العلن، إلا أنها بدأت تظهر بصورة جلية بعد الدور الفرنسي القيادي في عمليات التدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا عام 2011. وسعت فرنسا من خلال ذلك إلى تحقيق أهداف استراتيجية مهمة، لعل أهمها أن تكون لها حصة من عمليات إعادة الإعمار التي يمكن أن تشهدها ليبيا بعد استقرار الأوضاع الأمنية فيها، وهو هدف مرتبط بالتنافس الفرنسي مع الصين، وبتحجيم التمدّد الاقتصادي الصيني في أفريقيا، حيث كانت الصين من أهم الشركاء الاستراتيجيين لليبيا. وتهدف أيضا إلى توسيع حجم الاستثمارات لشركة توتال الفرنسية في الطاقة، وإزاحة أهم المنافسين لها، وهي شركة إيني الإيطالية. وفي هذا الإطار يمكن القول إن إيطاليا لديها شراكة تجارية واسعة مع ليبيا، ففي عام 2004، تم افتتاح أكبر خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من ليبيا إلى إيطاليا من جانب شركة النفط الإيطالية المملوكة للقطاع العام إيني التي تملك حقوق الامتياز الحصرية حتى عام 2047[51].

تتمتع شركة إيني الإيطالية بمكانة مهيمنة بفضل إنتاجها المهم في ليبيا، حيث تبلغ مستويات إنتاجها 10 مليارات م3 من الغاز الطبيعي من إجمالي 16 مليار م3 هي الإنتاج الليبي من الحقول البرية والبحرية الواقعة في الأحواض الرئيسية، وبذلك فهي تزود 9.4 مليون عميل بالغاز والكهرباء في إيطاليا ودول الاتحاد الأوروبي[52]. ومنذ عام 2011، ركزت إيطاليا أنشطتها في ليبيا على حماية مصالحها في مجال الطاقة، حيث إن طوال الأعوام التالية للتحولات التي شهدتها ليبيا وحالة الفوضى الأمنية، فإن الأصول التابعة لشركة إيني لم يتم استهدافها أو مهاجمتها. والسبب يرجع في جزء كبير منه إلى تأقلم إيطاليا السريع عمومًا مع الظروف الليبية الجديدة، إضافة إلى تبنيها سياسة عقد صفقات أمنية مع القوى المحلية شرعية كانت أم غير شرعية[53].

ويشار إلى أن الاقتصاد الليبي يعتمد إلى حد كبير على عائدات مورد الطاقة، وكان لانعدام الأمن تداعيات سلبية على الإنتاج والاستثمار؛ ففي البداية، تعافى إنتاج النفط في أواخر عام 2011، وبلغ مستويات إلى نحو 1.5 مليون برميل يوميًا في عام 2012، قبل أن يبدأ في الانخفاض مرة أخرى. وبدأت تشهد ليبيا سلسلة من حالات التوقف والاضطراب في حقول النفط وعند التصدير، وانخفض إنتاج النفط إلى متوسطات تقل عن 500 ألف برميل يوميًا بين عامي 2014-2016، وبلغ أدنى مستوى له حين وصل إلى 200 ألف برميل في اليوم  وشهد تحسناً في عام 2019، عندما بلغ مستوى الانتاج نحو 1 مليون برميل في اليوم، وهو الأفضل منذ عام 2013[54].

جدير بالذكر أن زعزعة استقرار الاقتصاد النفطي الليبي لم يكن سلبياً على الجميع، ففي الوقت الذي قررت فيه بعض الشركات الدولية التوقف وعدم المخاطرة بضخ استثمارات رأسمالية كبيرة في ليبيا، نجد أن شركة توتال الفرنسية على خلاف ذلك تسعى إلى ضخ مزيد من الاستثمارات في ليبيا، من خلال قيامها في آذار/ مارس 2018 بشراء نسبة 16.3 بالمئة من الامتيازات النفطية التي تمتلكها شركة ماراثون أويل الأمريكية في حقول الواحة الليبية في جنوب شرق ليبيا[55]، وهو ما أعطى لشركة توتال نصيباً من احتياطات الطاقة في ليبيا. إضافة إلى امتلاكها نسبة 27 بالمئة من حقل الشرارة في الجنوب الغربي لليبيا، والذي يُعد ثالث أكبر حقل في ليبيا. ونسبة 50 بالمئة من حقل الجرف البحري، ونحو 30 بالمئة من حقل الشرارة، و24 بالمئة من حقل مرزق. وارتفعت نسبة صادرات النفط الليبي إلى فرنسا من 17 بالمئة قبل عام 2011، إلى نحو 33 بالمئة، وتستهلك المحروقات في فرنسا نحو 99 بالمئة من واراداتها من النفط الليبي[56]. وأثار هذا التوسع مخاوف إيطاليا التي تستحوذ على أكبر حقل نفطي في ليبيا، وهو حقل الفيل في جنوب غرب ليبيا؛ وأيضًا على الحقول البحرية حول طرابلس. ويشار إلى أن شركة إيني تتفوق على باقي الشركات الدولية العاملة في ليبيا، بأنها تملك بنية تحتية لإنتاج، وتصدير الغاز الطبيعي إلى الأسواق العالمية؛ من خلال خط أنابيب غرين ستريم لنقل الغاز والبالغ طوله 520 كم، وتملك شركة إيني نحو 50 بالمئة من مشروع الغاز في غرب ليبيا. ويبدو أن التنافس الفرنسي الإيطالي في ليبيا دفع باصطفاف فرنسا إلى جانب الحكومة المؤقتة في شرق ليبيا، ودعم حملتها العسكرية للسيطرة على الجنوب الليبي لترجيح كفة شركة توتال الفرنسية على حساب شركة إيني الإيطالية في حقول النفط بجنوب ليبيا، وحيث توجد الامتيازات النفطية الفرنسية ضمن نطاق الرقعة الجغرافية الواقعة في شرق وجنوب ليبيا وللحصول على منفذ في كل من ميناء بنغازي وميناء رأس لانوف. ودفع باصطفاف إيطاليا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني في غرب ليبيا، والذي يتوافق مع رغبتها في تأمين وحماية منشآتها وامتيازاتها النفطية التي تتركز ضمن نطاق الرقعة الجغرافية الواقعة في غرب وجنوب ليبيا.

خلاصة

يعد موضوع التنافس الفرنسي الإيطالي في ليبيا من بين القضايا المهمة في العلاقات الفرنسية الإيطالية، والذي شهد تزايداً ملحوظاً بعد التحولات التي شهدتها ليبيا منذ شباط/ فبراير 2011، وسعي كل طرف إلى تعظيم نفوذه في ليبيا من خلال عقد تحالفات مع الأطراف المحلية الفاعلة، وبما يضمن حماية مصالحه وتوسيعها في الجغرافيا الليبية، وبالتالي سوف تشهد خارطة تلك التحالفات تحولات كبيرة بعد المبادرة الأممية التي تستهدف توحيد المؤسسات الليبية وإجراء انتخابات تشريعية وتنفيذية في كانون الأول/ ديسمبر 2021، قد تسهم في تقليص هوة التنافس الفرنسي الإيطالي من خلال تبني خيار التنسيق والتعاون، بدلاً من خيار التنافس والتصادم، وبخاصة في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية نتيجة الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي.

 

قد يهمكم أيضاً  السخرية السياسية زمن التحول والعنف: قراءة في الرسائل النصية الليبية بعد القذافي

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #ليبيا #النفوذ_الإيطالي_في_ليبيا #التنافس_الفرنسي_الإيطالي_في_ليبيا #المصالح_الفرنسية_في_ليبيا #المصالح_الإيطالية_في_ليبيا #التنافس_الفرنسي_الإيطالي_على_ليبيا #الانتخابات_في_ليبيا #الحرب_في_ليبيا