المؤلف: مارسيليو سفيرسكي

ترجمة: سمير عزت نصار؛ مراجعة وتدقيق: حسام موصلي

مراجعة: أحمد عز الدين أسعد (**)

الناشر: منشورات المتوسط، ميلانو

سنة النشر: 2016

عدد الصفحات: 285

 

أولاً: في أهمية الكتاب والكاتب

تنبع أهمية الكتاب من أهمية موضوعه، الذي يتخصص في تقديم تحليل ثقافي نقدي لطرق الحياة وأنماط تشكيل الذوات الصهيونية الإسرائيلية، من خلال أربعة أنماط مركزية (المتنزه، المدرس، الوالد، الناخب). ويجادل سفيرسكي بفكرة التحول الثقافي كخلاص سياسي وثقافي من الصهيونية، حتى تتحرر جميع ضحايا الصهيونية اليهود والفلسطينيين. تنبع أهمية الكتاب أيضاً من منهجيته التحررية والإنسانية ونقده الجريء، ويمزج في منهجيته بين النظريات الثقافية والاجتماعية وتفاصيل الحياة اليومية الإسرائيلية، التي تشكل الذوات الصهيونية، التي بحثها بالمنهج الإثنوغرافي. كما يرتكز التحليل النقدي في الكتاب على مقولات باترك وولف حول بنية الاستعمار الاستيطاني. ويحاول الكاتب استكشاف البنى التي تُمكن الإسرائيليين من التخلص من الهويات الصهيوينة من خلال الانخراط بأفكار وممارسات المؤسسات المنشقة عن تلك الهويات، ومن تلك المؤسسات (زخورت، بروفايل جديد). تجدر الإشارة إلى أن مصادر الكتاب في أغلبيتها منهجية، وهي بلغتين: الإنكليزية والعبرية؛ كشفت الكتب الإسرائيلية باللغة العبرية للكاتب آليات تشكل الهوية الصهيونية، إلى جانب استكشافها من خلال منهجه الإثنوغرافي في أثناء إقامته في إسرائيل.

زاد أهمية الكتاب تخصص الكاتب مارسيلو سفيرسكي؛ فهو محاضر في الدراسات الدولية ومدرسة الإنسانيات والبحث الاجتماعي في جامعة ولونغونغ منذ عام 2012. يُدرس سفيرسكي مواضيع في الدراسات الدولية وسياسات الشرق الأوسط والفلسفة القارية الأوروبية، ويركز في المقام الأول على النظريات وممارسة النشاط السياسي والعمل الثوري والتحول الاجتماعي، كما يستلهم مواضيعه بشكل خاص من أعمال جيل دولوز وفيلكس غواتاري؛ خصوصاً النظرية السياسية النقدية ونظريات ما بعد الاستعمار. ومن الكتب الصادرة لسفيرسكي دولوز والنشاط السياسي، أغامبين والاستعمار (مشترك مع سيمون بينيال)، النشاط العربي اليهودي في إسرائيل – فلسطين.

ثانياً: بُنى الكتاب

على نقيض الكثير من الكتب يبدأ هذا الكتاب بداية غير كلاسيكية، إذ يعلن منذ البداية تحت عنوان «بيان» عن موقفه الأخلاقي والسياسي بأن إسرائيل فكرة سيئة منذ البداية، فهي تجاهلت حياة اليهود المندمجين في المجتمعات المسلمة، وأقامت وطناً قومياً مكان وطن قومي آخر باستنادها إلى كل أنواع الأصوليات. ويوضح الكاتب مغزى كتابه وخصوصاً مقولته المركزية «ما بعد إسرائيل» التي يقصد بها؛ أن «ما بعد إسرائيل» فكرة بناء حياة مشتركة بين الفلسطينيين واليهود بعيداً من الافتراضات الصهيونية التي فرضت في المنطقة بالقوة.

يقفز الكتاب عن الحلول السياسية ويتجه نحو تحول ثقافي؛ كون الحل السياسي لا يقدم اللب الثقافي الذي يأخذ المجتمع والثقافة والسياسات بالحسبان، وأن المؤسسات والسياسات الرسمية لا يمكن أن تتغير بمعزل عن تحول جذري راديكالي للعادات والهويات والسلوكيات الصهيونية.

يتكون الكتاب من مقدمة وأربعة فصول وخاتمة بعنوان «ألف انتهاك». في مقدمة الكتاب ينطلق الكاتب من لحظة النكبة حيث يصف عنف سنة 1948 الذي أدى إلى دستور «دولة إسرائيل»، ويصف ما نتج من النكبة بأنه استعمار كولونيالي لفلسطين، كذلك احتلال الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية منذ عام 1967 هو إقصاء مثابر وبنيوي لمواطني إسرائيل الفلسطينيين. كما يتحلل الإسرائيليون من تحديد هوية الكارثة أو من الاعتراف بأنها خاصة بهم، وبذلك يكون «المجتمع الإسرائيلي اليهودي قد لقَّح نفسه بنجاح ضد التفكير الأخلاقي والسياسي» بالكارثة. كذلك يبين الكاتب أن كل اليهود الإسرائيليين متورطون في الاستعمار الكولونيالي لفلسطين، ولا بد أن يتحملوا المسؤولية عن هذا الاستعمار، وأغلب اليهود في إسرائيل ينفذون نشاط الصهيونية وسياساتها بعقولهم وأجسادهم.

يجادل الكاتب بأن الصهيونية ليست مشروعاً تاريخياً سياسياً بل سلسلة من ممارسات معاصرة. كما يرى أن «ما بعد إسرائيل» هو عملية فك الارتباط مع الممارسات الصهيوينة. كذلك يقول سفيرسكي «إن النظر في خط إنتاج أنفسنا (الإسرائيليين) نصبح بذلك قادرين على تحديد المتاريس والأمور التي تجعل شخصياتنا وعاداتنا مضطهدة وتجعلنا أبطالاً في أفعال الاضطهاد». يقدم الكاتب قراءته تحت مصطلح البطولة النقدية وهي عملية تعريف الرعايا على الأوضاع والممارسات والأفكار والعواطف والخطابات والمهمات كجزء من وجودها، كما يتبين أن البطولة النقدية هي عملية تعرف على ذات موحدة من أجل تمجيدها، بل وتصرف مبني على تفكير نقدي وإعادة تقييم ورفض لهوية الشخص المفترض أن تكونه. كما يجادل أن هوية المجتمع الجديد هي محاولة في فهم كلمة «بعد» المجتمع الذي تكون فيه إسرائيل، وهي محاولة تجريد الإسرائيليين من الأدوار المنجزة من قبل الشخصيات الاجتماعية السائدة، ومن مشاريع إسرائيل القومية، واستكشاف طرق أخرى من الوجود وفرص لتجريب ممارسة علاقات بديلة لحياة من عواطف ومواقف المستوطنين الاستعماريين.

في الفصل الأول يبيّن سفيرسكي أن التنزه هو نشاط نهاية الأسبوع، وله وضع أسطوري في مجتمع إسرائيل، وهو ممارسة جماعية بالأساس، كما أن للتنزه حضوراً قوياً في مناهج المدارس، وأنشطة حركة الشباب إضافة إلى الجيش، والتنزه بدأ قبل خلق الدولة أي منذ الهجرات الصهيونية الأولى إلى فلسطين. إن التنزه ليس حباً في الطبيعة أو من أجل الصحة، وإنما هناك بنية منظمة للتنزه: «للتنزهات جاذبية تجميعية واضحة ظاهرة إنها منظمة، إلى حد مفرط» (ص 70)، وأنه تنزه لأغراض أيديولوجية. كما يظهر دور المرشد/ الخبير في الشرح والترويج، ويبرز دور السلطوي (رجل الحكومة الإسرائيلي) الأهمية الاستراتيجية للتلة مع سرد للمعارك والأبطال، ويبدو كأن التنزه نشاط عسكري؛» إن التنزه الإسرائيلي ممارسة عسكرية تحول الأرض إلى منطقة، امشِ متقدماً، واحتل» (ص 36). وهذا ما حدا بسفيرسكي على وصف التنزه: «أصبحت ممارسة معينة للتنزه جزءاً من عملية بناء الأمة» (ص 76)، في حين يقوم المتنزه الإسرائيلي بوظيفته كصانع للأمة فهو ليس استعمال للطبيعة وإنما استملاك لها. والتنزه يخلق اليهودي الجديد الذكر بالمنطق الاستعماري الإسرائيلي.

لقد أنتجت المعرفة عن الأرض الجديدة القديمة في نظام تعليمي خاص عرف باسم (معرفة الأرض، ودراسات أرض إسرائيل)، وأصبحت معرفة الحياة الفلسطينية هدفاً وأولوية لقيادة اليوشوف قبل الدولة، وتم إعداد مسح للقرى العربية (ملفات القرى) ورسمت الخرائط وشارك أكاديميون ومحترفون في ذلك، وتم بناء إرشيف حول تلك القرى من خلال التنزه. وقد «أكمل العمل العسكري للتنزه مع ممارسات المعرفة، وإعادة الاكتشاف، وجسد اليهودية الجديدة، أكمل رزمة من تقنيات، أصبحت حيوية في إنتاج الذاتية الصهيوينة» (ص 81).

بيّن سيرفسكي أيضاً علاقة التنزه بالمكان وخصوصاً القرى الفلسطينية التي دُمِّرت إبان النكبة، لكنه يوضح أن مشروع اﻟCNF ودوره في «تنصيص من جديد لما قبل تاريخ إسرائيل، وعلى نحو خاص، تطهيرها العرقي: لا وجود لبقايا هي شاهد حي على الكارثة، بل علامات لطبيعة يهودية أجمل مؤلفة من روابط إنجيلية، لكلمات بطولة ومناظر تحبس الأنفاس» (ص 84). في حين كان لمؤسسة ذاكرات (زخروت) دور في مشروع التنزه البديل للرد على زعم مشروع التنزه الرسمي الصهيوني الذي يعرّف المتنزه بالأماكن العربية على أنها جزء من الطبيعة، وكل المتنزهين مجهزون بنص أيديولوجي يهمّش الوجود الفلسطيني كلياً قبل عام 1948. كما منعت المؤسسة الرسمية الفلسطينيين من القيام برحلات تعريفية بالنكبة والأماكن الفلسطينية.

تتألف الدائرة القومية الإسرائيلية من ثلاث طبقات: أرض إسرائيل؛ شعب إسرائيل؛ دولة إسرائيل. ومن خلال رحلات ميدانية في أرض إسرائيل يشعر الرحال بالانتماء إلى الشعب اليهودي في هويته اليهودية، كجزء غير قابل للتغير وللتقاسم التاريخي للأجيال. تبدو تركيبة برامج التنزه هرمية وتراتبية، كما أنها تهدف إلى خلق قيادة شابة. ويميز سفيرسكي بين النزهة والطلعة (المارش العسكري) حيث في الطلعة هي رحلة قصيرة أو مارش عسكري حماسي، يتم فيه الاستعمال المبالغ فيه للرموز الوطنية والمهارات الميدانية وعمليات شبه عسكرية مثل مسح مكان المخيم في الليل والنهار.

تعمل الخطابات والهويات الصهيونية على وفي جسد المتنزه وتخلق ذاتيته، وتشكل سلطة التنزه في إسرائيل جسد المتنزه حيث يتم اكتشاف الجسد في الطبيعة، وتعمل الحكايات والقصص مثل مسادا على نحت الجسد وتعمل على تجنيده كي يصبح منظماً ومرتباً في جسد مجند. كما بيَّن المتنزهون عند استطلاعهم أن دافعهم للقيام بالنزهة هو: تحدٍّ مادي وعقلي؛ والتعرف وحب أرض إسرائيل؛ تعبير عن ملكية أرض إسرائيل؛ وفرص لمعرفتها والتعرف إليها. في حين لا تقتصر برامج التنزه على الشباب داخل إسرائيل وإنما تشمل زواراً يهوداً من مناطق أخرى من العالم مثل الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، وتهدف البرامج إلى تعريفهم باليهودية والصهيونية.

يقول سفيرسكي إن التنزه يعني أن «الإنسان يحتاج إلى غزو الأرض بقدميه»
(ص 117). وإن الملامح الأيديولوجية والجسدية للتنزه الصهيوني تغرس شيئاً لا يمكن أن يقوم بالروابط التقليدية بين اليهود في الشتات وعائلاتهم وأصدقائهم في إسرائيل. إنها تشعل تأثيراً بطرق تجعل الناس قادرين على أن يشعروا بأقوى الترابط بالأرض، مبقين عن طريق الجسد، تدفقاً عاطفياً مستمراً، يثابر كذاكرة جسدية بُنيت عن قصد. كما يعمل التنزه على تحميل جسد المتنزه بالماضي الإنجيلي وماضي الرائد الصهيوني المثابر المضروب به المثل، ويتم إعادة تجسيدها في جسد المتنزه الصهيوني ليصبح جندياً.

يبين سفيرسكي في الفصل الثاني المعنوَن «المدرس» علاقة وزارة التعليم ببناء برامج مشتركة مع الجيش الإسرائيلي؛ من أجل تعزيز دفع الشباب للخدمة في وحدات القتال. كما أشار إلى زيارات الجنود برتب عليا إلى المدارس للحديث مع الطلاب. كذلك تُعطى محاضرات لمديري المدارس حول الأهمية الاجتماعية للتجنيد. وبذلك يشكل التعليم الإسرائيلي مساراً قومياً عسكرياً. وهناك ممارسات تشكل الحبل السري للعسكرية والقومية في التعليم الإسرائيلي اليهودي، مثل: إخضاع الطبيعة والتنزهات لتحقيق أهداف بناء الأمة؛ احتفالات متكررة وكثيرة لأيام إحياء ذكرى قومية؛ معالجة الهولوكوست اليهودي واستغلاله ليحل العرب مكان النازيين؛ برنامج خاص يُعِدّ الشباب للتجنيد العسكري؛ زيارات لقواعد الجيش لقضاء أسبوعين من التدريب العسكري. وفي الفصل (الصف) الحادي عشر يتم عمل «غدناع» استضافة ضباط جيش لإلقاء محاضرات. والغدناع: إطار عمل تعليمي كامل العسكرية، تأسس في 1945 مع تجنيد عسكري خلال سنة، ويتم فيه إعداد طلاب الفصل الحادي عشر بواسطة تدريب خمسة أيام على ثلاث قواعد عسكرية خاصة وهي أن يعتاد على الجيش: لغته، منطقه، جنونه. وقد تم إقرار التعاون وتنظيم اتفاقية عام 2007 باسم «اتفاقية نشاط برنامج تمهيدي لجيش الدفاع الإسرائيلي»، ونظمت بين وزارة التعليم- إدارة المجتمع والشباب، ووزارة الدفاع – دائرة المجتمع، و«جيش الدفاع الإسرائيلي»- التعليم وكتائب الشباب.

يهيأ الطلاب في الفصل المدرسي للتجنيد من خلال نقاش استراتيجيات صنع القرار والعمل على تنظيم العواطف السلبية حول الجيش؛ كيفية ترك الحياة المدنية؛ والتأكيد على الهوية الصهيونية السليمة. حتى تعليم المواطنة في إسرائيل هو عملية تعزيز الروح اليهودية، واقتناء كتاب أن تكونوا مواطنين وفي مقدمته معنى إعلان استقلال إسرائيل كوثيقة تأسيس وروح دولة الأمة، ومعنى الدولة اليهودية وما هي الديمقراطية وتركيبة المجتمع والنظام الإسرائيلي. وقد تنكر المنهاج للفلسطينيين وللتطهير العرقي والنكبة. وركز سفيرسكي على الاتجاهات المتنوعة التي تم من خلالها التصدي للمنهج الصهيوني الرسمي مثل: منظمات المجتمع المدني كمؤسسة زخروت (ذاكرات)؛ مدارس المزراحيم كمدرسة كيدما؛ الفلسطينيون في الداخل المحتل؛ التركيز على النكبة؛ القيم الديمقراطية وتعدد الثقافات.

ينطلق الكاتب في الفصل الثالث الموسوم «الوالد» لتوضيح الطبيعة العسكرية الأبوية في المجتمع الإسرائيلي من قصة «عملية بيتزر»؛ وهي عملية وقعت في ليلة 22 آب/أغسطس 1948 على مدار خمسة أيام متتالية بعد ثلاثة أشهر من إعلان استقلال «دولة إسرائيل»، وقد سد الجيش الإسرائيلي كل مخارج تل أبيب وفرض منع تجول من أجل إرهاب الفارين من التجنيد والخدمة العسكرية. كما يجادل (سيرلينج 2011) الذي يقتبسه سفيرسكي «تصبح الأبوة أبراهامية (نسبة إلى النبي إبراهيم) طالما لا تنسحب من الإجبار الاجتماعي لتحويل النسل إلى جنود محتملين… أول حامية عسكرية هي المستشفى، والرواية الأولى هي القومية المجندة لإنجاب الأبناء». كما يضيف سفيرسكي أن مفهوم العسكرية الأمومية ينبع من أن الرحم هو محطة تجنيد.

يؤدي الأباء دوراً مركزياً في صهْيَنة وعسكرة أبنائهم، من خلال صمتهم على المذهبة العسكرية المكثفة في المدارس، بحيث يصبح الجيش والحرب ظاهرتين طبيعيتين في المجتمع الإسرائيلي اليهودي، والثرثرات العادية في السبت عن تجارب في العسكرية من قبل الذكور؛ هي حدث يومي له دور خطير في غرس تلك العنصرية في نفوس الأطفال. كما تملأ الحكايات العسكرية غرف المنازل، وتصبح القصص والأحاديث العسكرية عن الجيش مجرد مجموعة أخرى في قائمة طعام الحياة العامة. كذلك واجبات الاحتياط العسكرية السنوية، فيرى الأطفال آباءهم يغادرون كل سنة لأداء خدمة الاحتياط ويرونهم يعودون في بزاتهم العسكرية وسلاحهم. كذلك، تخدم النساء اليهوديات العلمانيات خدمة سنتين كخدمة إلزامية؛ وبذلك تكون الخدمة العسكرية للجميع. وهذا ما يجعل الاطفال يفهمون أن الجيش مجرد دائرة طبيعية أخرى للحياة في مجتمع إسرائيل. فيُعِدّ الآباء أبناءهم لدخول الجيش كما يعدّونهم للمدرسة، وكما يعتنون بهم عناية وهم يخدمون في أنشطة اجتماعية (ذات يوم ستصبح جندياً).

تعمل الدولة الإسرائيلية على إنتاج ذاتيات قومية وعسكرية من خلال النفاذ إلى أجواء العائلة التعليم والجيش، ويتجاهل نظام الدولة الفهم النظري للمجتمع من خلال تقسيمات بين العام (التعليم والجيش) والخاص (العائلة).. والخاص هو امتداد للعام والعام هو امتداد للخاص، وهما يتصلان ويندمجان من خلال وظائف تنتج رعايا.. فالإسرائيليون لا يتحركون من البيت إلى المدرسة إلى الجيش؛ فهُم يسكنون كل هذه المجالات. قد يكونون في المدرسة أو البيت لكنهم يصبحون جنوداً. إن العسكرية الإسرائيلية حاضرة في كل مكان: جنود في الشوارع، أسلحة في الأماكن العامة، دبابات قوية وبنادق رشاشة، طائرات معروضة في المتاحف. تمثل الخدمة العسكرية معياراً اجتماعياً يفاقم اللامساواة والتهميش، وتؤكد سيطرة المصالح الصهيونية اليهودية البيضاء، ويتمتع بتلك الامتيازات في الأغلب أشكنازيون ذكور وقليل من مزراحيين ذكور. كما يتقاعد هؤلاء الرجال في عمر الخامسة والأربعين حيث يصبح بإمكانهم أن ينطلقوا بمهنة جديدة ويتلقون تقاعداً براتب عالٍ مدفوع الضريبة. بينما يتمثل نشاط بروفايل جديد كعمل تعليمي مع شباب، لرفع وعي العسكرة في المجتمع الإسرائيلي، ودعم الشباب الذين يختارون الامتناع عن الخدمة العسكرية في إسرائيل.

في الفصل الرابع (الناخب)، يصف سفيرسكي مواطنة الفلسطينيين في إسرائيل بالمواطنة الكسيحة، حيث المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل مساواتهم نسبية مع اليهود الإسرائيليين، فهم يعانون إقصاءً بنيوياً على المستوى العرقي في الحكومة وفي الحكم. ويجادل سفيرسكي بأن المشاركة الانتخابية تمنح الكيان السياسي العضوي الصدقية ويدعم صورته الديمقراطية. بينما يشارك المواطنون اليهود في عملية انتخابية تتوج ممثلين أصدروا قوانين وسياسات تضعف بانتظام حقوق ومصالح ومقتنيات وبنية فرص كل مجموعات الرعايا المحكومة ما عدا الإسرائيليين اليهود.

تتشكل ماهية الدولة اليهودية الحاكمة من حيث المحكومين والحاكمين من أربع فئات هي:

سكان إسرائيل المحكومونمشاريع إسرائيل القومية
فلسطينيون في المنفىمنع عودة الفلسطينيين
فلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقيةحكم عسكري دكتاتوري
مواطنون فلسطينيون ويهود في إسرائيلإقصاء بنيوي من الحكم وإنكار حق المساواة الكاملة للمواطنين الفلسطينيين والمنع البنيوي لحياة عربية وفلسطينية مشتركة

 

يخدم التصويت في الانتخابات البرلمانية في إسرائيل في تبرير استمرارية مشاريع إسرائيل الوطنية، وتحديداً منع عودة اللاجئين الفلسطينيين، والاضطهاد العسكري الدكتاتوري للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، والإقصاء الداخلي من الحكم والمساواة الكاملة لمواطني الدولة الفلسطينيين والمنع البنيوي لحياة مشتركة بين العرب واليهود.

ينتقد سفيرسكي أسس الديمقراطية الفردية التي تصنف إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية، وهي وضعت تحت احتلال عسكري 3.5 مليون فلسطيني في الضفة الغربية وغزة، وأبقت غزة تحت حصار منذ عام 2007، ومارست تفرقة عنصرية ضد مواطنيها الفلسطينيين البالغ عددهم 1.6 مليون نسمة بوسيلة عرقية، وبتواطؤ وخدمة المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية. في حين يهدف الناخبون إلى تغيير منهاج إسرائيل وشؤون الدولة دون إدراك أو النظر إلى القضاء السياسي من قبل منهاج الدولة الذي يجعل نصف المجموعات المحكومة بحياة غير محتملة، وبذلك يتحول الناخب إلى أسنان ترس (تغرس) في آلية المشاركة الانتخابية بدل أن يكون الناخب أشعة الدواليب التي يجب أن توقف عجلة إسرائيل. ويقول سفيرسكي «إن المشاركة السياسية في الانتخابات، من قبل المواطنين الفلسطينيين، قيمة أكبر لإسرائيل من مشاركة مواطنيها اليهود. وهذا بسبب مشاركتهم كعرب، بالرغم من أن تأثيرهم السياسي مقيد بنيوياً لكونهم عرباً، إلا أن مشاركتهم كعرب هو ما يزيد حصص إسرائيل الديمقراطية في السوق العالمي. هزيمة ذاتية بالتصويت».

يجادل سفيرسكي في الخاتمة (ألف انتهاك) بأن عمليات الذيتنة الاجتماعية تبنى بناءً؛ فالتنزه لا يعتمد على جعل العرب ضحية بل تحسب قواها الذاتية الجاذبة من تحديد مناطق الأرض والعنف العسكري، كما يعمل نظام ذيتنة التعليم والتصويت في غرس مفاهيم خادعة لمواطنة وديمقراطية تجعل صورة إسرائيل «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط». كما هدف الكاتب إلى تبيان حقيقة أن المجتمع الإسرائيلي الصهيوني ليس ذا هوية اجتماعية متوافقة بالكامل أو متحدة، ويشدد على قوة السيطرة الصهيونية على المجتمع الإسرائيلي.

لماذا يدعو سفيرسكي إلى التحول الثقافي؟ إن دعوته مرتبطة ببحثه عن الوصلة المفقودة في التفكير عن المستقبل الذي استعمر كولونيالياً وقلص إلى المناطق المحتلة. إن ما يمارَس داخل الخط الأخضر لا يختلف عمّا يمارس في «المناطق المحتلة»، وأن مطالبة إسرائيل بإنهاء الاحتلال يبقي المجتمع الإسرائيلي اليهودي في وضع آمن وليس في محل نقد جاد، وأن أي حل أو تحوّل لا ينقذ الفلسطينيين ما لم تتخلَّ إسرائيل عن أدوات السيطرة والاضطهاد. كما يحذر من الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية؛ لأنه يعني غلق باب المستقبل وهي عملية شرعنة لطرق الحياة التي تنتج وتصمم كالتطهيرات العرقية، وهي طريقة حياة انعزالية تنكر المواطنة المتساوية للأقلية الفلسطينية وترفض التفاوض حول مشكلة اللاجئين.

ثالثاً: نقاش الكتاب ونقده

يسهم الكتاب في تفكيك آليات وأنماط تشكل الهويات والذوات الإسرائيلية الصهيونية من خلال أربعة مثالب مركزية تتمثل أولاً بـ: «المتنزه» الذي يبني ويوثق العلاقة مع أرض «إسرائيل»؛ المدرس، أي النظام التعليمي الذي يبني الخطاب الإسرائيلي الصهيوني ويوثق علاقة الطالب مع مؤسسة الجيش، ويتعلم الطالب العرقية والعنصرية الإسرائيلية وكأنها ديمقراطية؛ الوالد، تشجيع الآباء للأبناء على الالتحاق بالجيش وغضهم الطرف عن دور المدرسة في التحضير لعملية التجنيد؛ الناخب، تهدف الانتخابات الإسرائيلية لتحسين صورة إسرائيل كدولة ديمقراطية. ويقترح سفيرسكي الخروج من نفق الهوية الصهيونية العنصرية فهي عملية تحول ثقافي تفضي بضحايا الصهيونية اليهود والفلسطينيين إلى ما يوسمه «ما بعد إسرائيل»؛ أي مرحلة تفكك النظام والهوية الإسرائيلية الصهيونية، وعملية التحول هذه تنتج من خلال انخراط اليهود الإسرائيليين بالأفكار والممارسات والمؤسسات المنشقة عن الخطاب الصهيوني، والتي وثقها في الكتاب ومنها مؤسسة ذاكرات (زخروت) ومؤسسة بروفايل جديد، وعدم المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية.

إن الفكرة التحليلية والتفكيكية لسفيرسكي منهجية ودقيقة في تحليل آليات بناء الهويات الصهيونية، لكن طرحها للتخلص من البنية الاستعمارية الصهيونية المتمثلة بـ «دولة إسرائيل»، هو طرح رومانسي وغير قابل للتطبيق، كون المؤسسات أو الروافع التي يعول عليها سفيرسكي في تفكيك المشروع الصهيوني هي مؤسسات من رحم المشروع الصهيوني ولا تشكل خطراً وجودياً على مصالحه. إن مؤسسات مجتمع مدني إسرائيلية تنشط في مجال الحقوق غير قادرة على تفكيك نظام استعماري.

يتجلى المثلب الثاني في الطرح أن سفيرسكي يرى أن الفاعلين الذين سيعملون على التحول الثقافي للوصول إلى مرحلة «ما بعد إسرائيل» هم اليهود الإسرائيليون المشاركون في المؤسسات المنشقة عن الخطاب الصهيوني، ولكن السؤال هل فعلاً هؤلاء الإسرائيليون سيتخلون عن امتيازاتهم التي يتلقونها من الدولة، وعن هوياتهم وصهيونيتهم من أجل مساواتهم مع الفلسطينيين؛ إن نضال هؤلاء الإسرائيليين ضمن بعض مؤسسات المجتمع المدني الإسرائيلي هو نضال داخلي صهيوني وليس نضالاً للتحرر من الصهيونية أو لتحرير الفلسطينيين منها.

أما المثلب الثالث في طرح سفيرسكي في التحول الثقافي فهو مساواته بين ضحايا الصهيونية اليهود والفلسطينيين. إن الصهيونية وفق مجادلة عزمي بشارة حركة لاسامية، هل اليهود والإسرائيليون يوافقون على تبني هذا الطرح؟ ليس دقيقاً أمر المساواة بين ضحايا الصهيونية اليهود والفلسطينيين؛ كون اليهود الشرقيين الذين يرى سفيرسكي أنهم ضحايا الصهيونية بتبنيه طرح أيلا شوحط، هم بالأساس جزء بنيوي من المشروع الصهيوني وأداة من أدواته، حتى وإن كان موقعهم الطبقي والوظيفي والاجتماعي في أدنى التراتبيات الصهيوينة؛ إلا أنهم يشكلون العصب القمعي والعنفي لبنيان الدولة العسكرية والأمنية والاستيطانية. بينما الفلسطينيون هم ضحايا المشروع الصهيوني سواء أكانوا اللاجئين أم سكان فلسطين المستعمَرة عام 1948، أو في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية؛ فمن غير المنصف مساواتهم كضحايا بجلادهم الإسرائيلي ذي الموقع الطبقي المتدني والهامشي في مجتمعه العنصري الاستعماري.

أما المثلب الرابع في الطرح، فيتمثل بتهميش دور الفلسطينيين في عملية التحول الثقافي، على اعتبار أن الإسرائيليين وحدهم قادرون على تحقيق ذلك التحول. إن إهمال التحول في دور الفلسطينيين في عملية التغيير الثقافي هو ما يؤكد بؤس المَخرج النظري والمنهجي لتحقيق فكرة «ما بعد إسرائيل». ولا بد من التوضيح أن دور الفلسطيني مركزي في تفكيك المشروع الاستعماري الصهيوني، وذلك من خلال ممارستهم أنماط المقاومات التي تهدم أنماط تشكل الذوات الصهيونية المختلفة.

أخيراً؛ يعتبر الكتاب جهداً علمياً مميزاً في النقد الثقافي السياسي لتشكل الهويات الصهيونية في المجتمع الإسرائيلي، ويقدم أفكاراً تحررية ببعد إنساني، تتجاوز فكرة حل الدولتين أو الدولة الواحدة. وقد أسهم الكتاب برشاقة أفكاره وتحليلاته في إغناء المعرفة العلمية النقدية اتجاه الصراع العربي- الإسرائيلي