تقديم

أخذ الفكر يهتم بالذات وما يتصل بها بعد الغوص في أسبار العلوم الإنسانية. لذلك، أضحت المراقبة نتيجة طبيعية لهذا الكائن المعقّد، وظهرت الحاجة الماسة إلى مأسسة الجسد الانضباطي، التي هي في الأصل طريق وعر تهدف السلطة إلى شقه، وكانت المراقبة وسيلة في تحقيق مراد السلطة. وتكمن الصعوبة في تعقيدات ودهاليز الذات الإنسانية التي تجعل من أمر مأسسة الجسد أمرًا غير هين. ولكن، لضرورة إنتاج الأفراد المنقادين، الطيّعين، تعمل السلطة على انتهاج الكثير من الأساليب التي تحقق هذه النتيجة، بحيث تكون سياساتها وممارساتها موجهة لإنتاج الأجساد الانضباطية.

منذ تبلور الفكر الصهيوني، رسمت الحركة الصهيونية أهدافًا استعمارية استيطانية لتحقيقها؛ فالسيطرة على الأرض، والأغلبية اليهودية مع تفوق اليهودي، وغيرها، أفكار أدت إلى تهميش الشعب الأصلي تلقائيًا. ونظرًا إلى وجود شعب أرض فلسطين على أرضه، ظهرت الحاجة إلى ضرورة ضبط الذوات الفلسطينية، أي إعادة إنتاجها على نحوٍ مضبوط، مع ضرورة تهميشها وتقزيمها في كل حين. إضافة إلى ذلك، فإن سعي إسرائيل لتحقيق أهدافها الاستعمارية الاستيطانية يتطلب إمكان هدر الدم الفلسطيني في أي وقت تراه مناسبًا.

تعتمد إسرائيل على المنظومة القانونية لترجمة جوهرها الاستعماري الاستيطاني، فالقوانين والأنظمة التي يتم إصدارها تعبر عن ذلك من خلال نطاق تطبيقها الذي يكون على الفلسطينيين حصرًا.

تهدف هذه الدراسة إلى توضيح الكيفية التي تعمل فيها إسرائيل على مأسسة الجسد الفلسطيني، المراقب، المضبوط، المستباح، بحيث يعَدّ توضيح ذلك إجابة عن سؤال: كيف تعمل المنظومة القانونية في إسرائيل على إعادة إنتاج الذوات الفلسطينية؟

لا توجد إجابة كافية شاملة لهذا السؤال، لأن إسرائيل تسعى دائمًا إلى تشريع قوانين جديدة تهدف منها إلى الاستمرار في إنتاج الأجساد الانضباطية. لذلك لا يمكن وضع سقف لنهاية هذه العملية، فبوجود إسرائيل، والشعب الأصلي، فإن مشروع الاستعمار الاستيطاني يستمر، ويتطور، وقد يعبّر عن نفسه بصور جديدة.

في ما يتعلق بأدبيات الدراسة، تم الاعتماد أساسًا على المصادر المختلفة، كالقوانين والاتفاقيات والأحكام القضائية، التي تم تأسيس الدراسة بناء عليها، مع التعرض للمراجع الأساسية التي تحدثت عن الجسد الانضباطي وحالة الاستثناء والحياة العارية، وما بينهم من تفصيلات.

أولًا: الجسد المراقب – الانضباطي في الخطاب الإسرائيلي

يعبّر خلق المجتمع الانضباطي عن قدرة السلطة على تكوين أفراد مفيدين لها وطيّعين، وتكون السلطة في أوج قوتها حين تمتلك القدرة على جعل الأفراد يقومون بأفعال تحددها هي، وتتواءم مع أهدافها. وهذه العلاقة بين السلطة والأفراد، تحدّها الآليات التي يتحرك الفرد من خلالها، ويختار منها أفعالًا معيَّنة مع بقائه في الآليات التي حددتها السلطة، أي أن اختيار الفرد وقدرته على الاختيار مضبوطة بإطار عام حددته السلطة مسبقًا، وهذا يعني أن الفرد يكون خاضعًا للسلطة في الوقت الذي يعتقد فيه أنه حر ويتصرف بإرادة كاملة لا يعتريها أي نقص[2]؛ أي أن السلطة تعمل بوضوح على قولبة وعي الأفراد ليصبحوا أفرادًا محدودي الفكر، بحيث يتوهم الفرد بحريته في الوقت الذي هو في الحقيقة في أعلى درجات الإخضاع.

عبّر فوكو في مؤلفاته عن علاقات القوة والسلطة والمعرفة، وأوضح كيف تتعامل هذه المركبات مع السكان بوصفهم مجموعة من الأحياء، لهم ملامح بيولوجية خاصة، وهو ما يجعل الحياة نفسها قابلة لأن تكون مراقبة، أي أن اكتشاف السكان يؤدي في الوقت نفسه إلى اكتشاف الجسد المروَّض، هذا الجسد الذي يمثل رهانًا لمقاومة السلطة. بناءً على ذلك، يعتقد فوكو بأن السلطة هي سلسلة من علاقات مركبة، صعبة، وغير محددة بوظيفة معيَّنة، فهي موجودة في كل مستويات العلاقات الاجتماعية، النزاعات، الترتيبات؛ لذلك، لا يمكن فهم السيطرة والضبط إلا في إطار ممارستهما[3].

جلّ الاجراءات، والنظم، والتشريعات، والأوامر، والسياسات التي تصدرها إسرائيل، والتي تنتهجها يوميًا، تنتمي إلى آليات السيطرة. ولعل القول بهذا الطرح يدفعنا إلى ضرورة تحليل الخطاب الإسرائيلي، من خلال التعرض للمنظومة القانونية، والممارسات اليومية، وأنماط الحياة، وحتى دراسة السياق التاريخي، بحيث تساهم هذه العوامل مجتمعة في تحديد وفهم القاسم المشترك الذي يسيّر السلطة وعلاقات القوة الناتجة منها.

يمكن أن تُفهم الإجراءات السلطوية التي تمارسها إسرائيل من منطلق فهم الاستعمار الاستيطاني، فآليات السيطرة والانضباط، وحتى الوصول إلى خضوع الأفراد طوعًا، كلها عبارة عن نتائج لعلاقة القوة التي أنتجتها السلطة.

إحدى الآليات التي عززت ومكَّنت من تسيير المجتمع وفقًا لما تراه إسرائيل هي الرقابة، بحيث تتجه السلطة نحو إحلال نظام من التفريد (مراعاة الفروق الفردية)، يهتم بتشكيل الأفراد وتطويعهم، وهي آلية تختلف عن الانضباط وتستقل عنه وفقًا لفوكو[4]. ويمكن القول إضافة إلى ذلك، بأن الرقابة سابقة على الانضباط، فالسلطة التي تعمل على خلق نظام رقابي لممارسات الأفراد وسلوكياتهم، تحقق في نهاية الأمر الانضباط، فالانضباط إذًا نتيجة حتمية لوجود آلية الرقابة.

وبما أن الانضباط هو محور الحديث، بوصفه آلية للسلطة ونتيجة حتمية لآلية الرقابة، فتجدر الإشارة إلى أن الانضباط يمثل التقنيات التي تمارس في المكان والزمان وحركة الأفراد خلالهما، وتتتبع هذه التقنيات حركات الأفراد، والمواقف، لتتمكن من مراقبة الفرد، وسلوكه، وحياته، وتصرفه، واستعداده، ومضاعفة قدراته، وكيف يمكن أن يوضع في مكان ما ليكون مفيدًا ونافعًا. وفي هذا الصدد، فإن تقنيات الانضباط إذًا تمارس على النشاط، بإخضاع دائم للقوى، فلحظة الانضباط هي لحظة ولادة الجسد، وكل حيِّز يعمل على إنتاج الجسد المنضبط سلوكيًا والمعدّ عقليًا للمستقبل[5]. وعليه، فإن لكل جسد إنساني يولد، هناك آلية انضباط تلائمه، بهدف تطويعه وقولبته وفقًا لمنظور السلطة.

وما يبرِّر تركيز آليات الانضباط على النشاط أكثر من النتائج، هو أن تقنيات مراقبة السلوك التي تؤدي حتمًا إلى الانضباط، ستحقق في نهاية الأمر النتائج التي رسمتها السلطة قيد إعدادها لهذه التقنيات. ومن نافل القول، لتحديد النتائج المرجو تحقيقها، أن الذات بالنسبة إلى فوكو تمثل الموضوع العام لمؤلفاته. فصحيح أن السلطة تحوي الكثير من العلاقات والأدوار والوسائل، ولكن لا يمكن فصلها عن الذات، فوجود السلطة مقرون بوجود الذات، إذ إن كل ما تحويه السلطة من ممارسات وأدوار وآثار مرهون بتعاملها مع الذات، وفي ذلك، يؤكد فوكو على دور السلطة ليس فقط في القمع، وإنما في إنتاج الذوات[6].

إذًا، السلطة، والقوة، والانضباط، والذات، مفردات تؤدي دورًا كبيرًا في فهم تقنيات السلطة الإسرائيلية، وقبل الخوض في منظومتها القانونية، يستوجب استعراض نقاط تساعد على تحليل السلطة وصولًا إلى كيفية ترابطها لإنتاج ومأسسة الجسد الانضباطي، مع تطبيقها على الحالة الإسرائيلية:

في أولى نقاط تحليل السلطة، لنظام الاختلاف في الدولة أثرٌ في الممارسات بين الأفراد أنفسهم، وبينهم وبين السلطة، وهذا الاختلاف إما يكون اختلافًا قانونيًا، اقتصاديًا، لسانيًا، ثقافيًا، وإما اختلافًا في المهارات[7].

وبتطبيق نظام الاختلاف على السلطة الإسرائيلية، فهو يكون متربعًا على عرش السلطة، ومساهمًا أساسيًا في تكوينها القائم على أساس الدين، أي أن نظام الاختلاف الذي بنيت عليه دولة إسرائيل، ساعد على تبلور فكرة السلطة، إضافة إلى العوامل الأخرى. ولعل ما يعبّر عن نظام الاختلاف في إسرائيل هو قانون القومية الصادر عام 2018، الذي يطرح بوضوح فكرة يهودية الدولة، وتفوق اليهودي، واعتبار اللغة العبرية كلغة رسمية[8]. إذًا، نظام الاختلاف القائم على أساس الدين، أنتج اختلافات على أساس اللغة والثقافة والقومية، وحتى على صعيد العمل. وأضحت الممارسات بين الأفراد محكومة بناء على نظام الاختلاف القائم على أساس الدين، وهذا يفسر الأفعال التي يقوم بها المستوطنون مثلًا ضد الأفراد بمجرد معرفة أنهم فلسطينيون. أما على صعيد علاقة السلطة بالأفراد، فهذا سيتضح من خلال ما سيتم طرحه في هذه الدراسة من قوانين تسنها السلطة، وأهمها قانون مكافحة الإرهاب[9].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 528 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 528 شباط/فبراير 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 528 في شباط/فبراير 2023.

الصورة من وكالة الصحافة الفرنسية.

[1]ملكة عبد اللطيف: باحثة في القانون – القدس.

[2]   ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة – ولادة السجن (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990)، ص 157-160

[3]  جوديت ريفال، معجم ميشيل فوكو (بيروت: دار سؤال للنشر، 2018)، ص 36.

[4]   المصدر نفسه، ص 40.

[5]   فوكو، المصدر نفسه، ص 35-36.

[6]   حسين موسى، ميشيل فوكو: الفرد والمجتمع (تونس: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2009)، ص 132-133.

[7]   ريفال، معجم ميشيل فوكو، ص 96.

[8]   انظر المواد 1،4 من قانون أساس: اسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي.

[9]   وُضعت على طاولة الكنيست القراءة الأولى لقانون مكافحة الإرهاب بتاريخ 31/8/2015، وتم بتاريخ 2/9/2015 في جلسة منعقدة بالكامل النظر في مقترح القانون. من تاريخ 12/10/2015 وحتى تاريخ 28/3/2016 تم تحضير القانون من أجل القراءتين الثانية والثالثة لدى لجنة القانون والقضاء. وخلال الأشهر اللاحقة، تم وضع القانون على قانون الكنيست للقراءة الثانية والثالثة، وصولًا إلى تاريخ 15/6/2016، وصل القانون إلى جلسة بتِّه لسنّه، وتم نشره في الجريدة الرسمية في كتاب القوانين رقم 2556 ص 898 بتاريخ 23/6/2016.


ملكة عبد اللطيف

باحثة في القانون – القدس.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز