بعد صعود «داعش» السريع والمكاسب الكبيرة التي حققها على الأرض، يتولى هذا التنظيم الآن، وبحكم الواقع، القيادة العملانية للحركة الجهادية العالمية، يخلف في ذلك «القاعدة» التي كانت هاجمت أراضي الولايات المتحدة الأمريكية في أيلول/سبتمبر 2001. وفي زمن كتابة هذه الكلمات، يسيطر «داعش» على مساحات كبيرة من أراضي العراق وسورية، تعادل مساحة المملكة المتحدة، ويقطن فيها ما بين ستة وتسعة ملايين ساكن. وهو يدير، إلى ذلك، جيشاً يضم أكثر من ثلاثين ألف مقاتل، يتكون في جزء منه من جنود محليين سابقين ومن منتسبين أجانب.

أدّت انتفاضة «داعش» في سورية والعراق سنتي 2013 و2014 إلى حراك مباشر عنيف للقوى الإقليمية والدولية. فبالرغم من تدريب قوات الأمن العراقية على يد الولايات المتحدة وتكلفة تجهيزها التي بلغت ما بين 8 مليارات و12 مليار دولار أمريكي‏[1]، فإنها تمزّقت كلوح من زجاج أمام إعصار «داعش» في صيف 2014 مع أن مقاتليه كانوا بالمئات فقط، أو بضعة آلاف في الحد الأقصى، قاضماً بسرعة المحافظات المجاورة وتاركاً القوى الكبرى في دهشة تامة. وبحسب النيويورك تايمز، فإن الجيش الذي ضم يوماً 280000 جندي في الخدمة الفعلية، وكان الأضخم في الشرق الأوسط، لا يضم الآن وفق بعض التقديرات أكثر من 50000 رجل‏[2]. وكان الرئيس باراك أوباما في حزيران/يونيو 2014، قبل أسابيع فقط من احتلال «داعش» الموصل، ثانية كبرى مدن العراق ويسكنها نحو مليوني شخص، قد قلل كثيراً من أهمية التنظيم معتبراً أنه لا يمثّل تهديداً حقيقياً لحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين أو لمصالحها في المنطقة، قائلاً: «إن التشبيه الذي نلجأ إليه أحياناً ليس دقيقاً، فأن يرتدي أفراد فريق ما ثياب اللايكرز، مثـلاً، لا يجعل منهم كوبي براينت… أعتقد أن هناك فارقاً بين قدرات بن لادن وما بلغه وشبكته التي خططت لعمليات إرهابية كبرى في بلادنا وبين جهاديين طائفيين في الغالب متورطين في نزاعات سياسية ومعارك محلية»‏[3]. ومع أن أوباما محق في القول إن «داعش» لا يمثل خطراً داهماً أو استراتيجياً على أراضي الولايات المتحدة، إلا أن النقّاد اعتبروا ملاحظاته تلك دليـلاً على سوء تقدير الإدارة لقوة التنظيم.

هَزم «داعش»، منذ عام 2013 وحتى صيف 2014، القوات العراقية والسورية وقوات الأمن الكردية والفصائل الإسلامية المنافسة له معاً. وتجلَّت ذروة قوة التنظيم في احتلاله محافظتي الرقة ودير الزور في سورية سنة 2014 وفي الانهيار الملحمي لأربع فرق عراقية كانت تدافع عن الموصل ومناطق أخرى في شمال العراق أمام مقاتلين مصممين أقل منهم عدداً كثيراً‏[4]. وقد أثار اجتياح «داعش» لما يسمى «المثلث السنّي» (المنطقة الممتدة من وسط العراق إلى شمال العاصمة بغداد وغربها ومعظم سكّانها من السُنّة) ثم تهديده أربيل عاصمة إقليم كردستان، انتباه حكومات منطقة الشرق الأوسط كما القوى الغربية. وقد خشي المسؤولون الأمريكيون أن تكون العربية السعودية والأردن الهدفين التاليين لـ «داعش»‏[5].

عند نهاية عام 2014، كان «داعش» قد احتلّ ما يقارب ثلث الأراضي السورية والعراقية، وغدا بمحاذاة الحدود الأردنية – السعودية، مع شبكة واسعة من المريدين له في كل من الأردن والعربية السعودية. في لبنان، يقدّر أن التنظيم امتلك بضع مئات من المقاتلين اللبنانيين على الحدود اللبنانية – السورية الشرقية والشمالية. كذلك نفّذ التنظيم والشبكات التابعة أو الموالية له داخل الأراضي اللبنانية تفجيرات انتحارية داوية وشنّ عدة اختراقات برية داخل الأراضي اللبنانية، مختطفاً العشرات من رجال الأمن اللبنانيين ودافعاً بقوة المجتمع إلى المزيد من الانقسام وفق خطوط اجتماعية ومذهبية. وإلى ذلك، تسلل مقاتلو التنظيم إلى مصر، وليبيا، واليمن، وشمال أفريقيا، وأفغانستان، ونيجيريا، وأبعد من ذلك، معرّضاً للخطر نظام الدولة العربية الهشّ وكاشفاً علانية وبقوة حجم الانقسامات الأيديولوجية والمجتمعية داخل مجتمعات الشرق الأوسط والبلدان الإسلامية‏[6]. واليوم، تقود الولايات المتحدة وروسيا، للحفاظ على مصالحهما ولمنع سقوط النظامين العراقي والسوري، تحالفين مختلفين وتشنّان – ومن دون انقطاع – ضربات جوية ضد «داعش» والتنظيمات القريبة منه في البلدين. وحتى وقت كتابة هذه الكلمات (أواخر 2015) فإن فاعلية تحالفَي الولايات المتحدة وروسيا تبدو محدودة تبعاً للتنافس الشرس بين القوى الإقليمية والدولية. لكن ذلك عرضة للتغيير، إذ أقدم التنظيم في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 على استغلال ثغرة في أمن مطار شرم الشيخ المصري ودسّ قنبلة يدوية الصنع في طائرة روسية ما أدى إلى مقتل جميع ركابها المئتين وأربعة وعشرين. ونفّذ التنظيم أيضاً ومن خلال سبعة انتحاريين عملية دموية كبرى في باريس قتلت أو جرحت المئات من المدنيين وذلك في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2015. وقبل ذلك بأيام، ضرب «داعش» حيّاً سكنياً مكتظاً في الضاحية الجنوبية لبيروت بواسطة انتحاريين تاركين خلفهما سيـلاً من الدماء والدمار. وفي 2 كانون الأول/ديسمبر 2015، هاجم مؤيدان للتنظيم (الزوج سيّد رضوان فاروق في الثامنة والعشرين من العمر وزوجته تاشفين مالك ذات التسع وعشرين سنة)، مركزاً للخدمات الاجتماعية في سان برناردينو، كاليفورنيا، في الولايات المتحدة، فقتلا ما لا يقل عن 14 شخصاً وجرحا 21 آخرين. وفي إثر ذلك، بدأت روسيا والقوى الغربية، وبخاصة فرنسا، بالتنسيق في ما بينها وإن على نحو غير مباشر وذلك من خلال الهجمات على المناطق التي يحتلها «داعش» في سورية، رغم أن التنسيق هذا لا يزال في بدايته. ولم يتأخر الرئيس أوباما في إعلانه انفتاحه على التعاون مع روسيا في الحملة ضد «داعش» فيما لو كان الرئيس فلاديمير بوتين يستهدف التنظيم حقاً، مع أن للقوتين الكبريين مصالح متعارضة في سورية‏[7].

يمثّل «داعش» خطوة جديدة، وموجة جديدة، في الحركة الجهادية. وعلى نقيض بروز «داعش» القوي الساطع، بدت «القاعدة المركزية»، الجماعة القائدة السابقة لحركة الجهاد العالمي أو للسلفية – الجهادية (والمصطلحان يستخدمان بالتبادل للإشارة إلى ناشطي القاعدة المتدينين المقاتلين على أنواعهم)، وعلى سبيل المقارنة، مجرد تنظيم صغير. فهو يضم أقل من ثلاثة آلاف مقاتل ولا يملك أراضي تخصّه، وهو من دون حدود، بلا دولة، ومجرد حركة اجتماعية عابرة للحدود بلغت ذروة قوتها أواخر تسعينيات القرن الماضي. فقد كان بن لادن أمير القاعدة، تحت حماية طالبان في أفغانستان، يؤدي يمين الولاء لقائدها «الملّا عمر» (أُعلن موته لأسباب طبيعية سنة 2015). وفي تناقض تام مع وضع القاعدة، أعلن زعيم «داعش»، إبراهيم بن عوّاد إبراهيم علي البدري السامرّائي، والمعروف أكثر باسمه الميداني (أبو بكر البغدادي)، خليفة جديداً، أو الحاكم الأعلى لبلاد المسلمين، ويتحدى بذلك ادعاء «الملّا عُمر» الاسم نفسه. ويظهر تحدي «داعش» الصريح لقيادة القاعدة وطموحها التوسعي تنظيماً مصمماً على فرض إرادته كلاعب رئيسي جديد في المنطقة وكدولة أمر واقع أيضاً.

ويمثّل «داعش» خطراً جديداً على الأمن الإقليمي في لحظة اشتداد الصراع الاجتماعي والسياسي الشرس داخل المجتمعات العربية وصعود التشدد الطائفي يغذيه بشكل رئيسي التنافس الجيوستراتيجي بين الشيعة بقيادة إيران والسنّة بقيادة العربية السعودية. و«داعش» لا يهدد فقط بقاء الدولة السورية المنهكة بالحرب الأهلية والدولة العراقية التي قامت بعد الغزو والاحتلال الأمريكيين سنة 2003، وإنما يهدد استقرار البلدان العربية المجاورة أيضاً. وقدرة التنظيم على فعل ذلك ناتجة بالدرجة الأولى من هشاشة نظام الدولة العربية أكثر مما هي نتاج قوته كفاعل استراتيجي. وقد كرس البغدادي ومخططوه حديثاً المزيد من الموارد والجهد للانقسامات المحلية التي يأملون أن تنتهي إلى إعلان الولاء لـ «داعش». على سبيل المثال، فقد أعلن الفرع المصري لـ «داعش» – ولاية سيناء، الناشط في منطقة شمال سيناء، حرباً اقتصادية على الدولة. فهو، ومن خلال عملياته القاتلة ضد قوات الأمن المصرية، واستهدافه الأجانب في العاصمة وسواها، إنما يهدد على نحو خطير قطاع السياحة، شريان الحياة للاقتصاد المصري. ويفتتح الدور الذي برز لـ «داعش» في تفجير طائرة الركاب الروسية في تشرين الأول/أكتوبر 2015 ومقتل ركابها المئتين وأربع وعشرين، فصـلاً جديداً زاخراً بالقدرات التنظيمية والإمكانات الكامنة. ويقول مسؤولو الأمم المتحدة والرسميون الغربيون الذين لهم صلة بالملفات الاستخبارية، إن من بين ثمانية فروع تابعة أو قريبة لـ «داعش» يبدو الذراع الليبية للتنظيم الأكثر خطورة، فقاعدته في مدينة سرت على المتوسط لا تبعد أكثر من أربعمئة ميل عن جزيرة صقلية. وبحسب تقرير لمنظمة مراقبة تابعة للأمم المتحدة تتابع الجماعات الإرهابية في ليبيا ويعود لتشرين الثاني/نوفمبر 2015، فإن الفرع ذاك هو الفرع الوحيد الذي يعمل الآن تحت سيطرة مركزية كاملة من «داعش»، ويتبعه ثلاثة آلاف مقاتل نصفهم في سرت، والعديد منهم ينتشر شرقاً حول النوفلية. فمع اشتداد الضغط العسكري على «داعش» في سورية والعراق، أرسل البغدادي مجموعات صغيرة من ضباطه إلى سرت للعمل عليها كقاعدة احتياطية يتراجع إليها التنظيم في حال إجباره على الخروج من سورية‏[8].

مع ذلك، فالبلدان العربية مسؤولة جزئياً عن صعود فاعلين أهليين يحملون السلاح خارج الدولة، من مثل «داعش». وإذا كانت الفوضى في كل من العراق وسورية قد منحت «داعش» الأرض الخصبة للنشأة والتمدد وامتلاك القوة، فإن فشل الدول العربية في تمثيل مصالح مواطنيها وفي بناء هوية وطنية جامعة، وقوية بما يكفي لخلق الوحدة المجتمعية، أسهم في نشأة داعش أيضاً. فميل الأنظمة العربية إلى الاعتماد على الاستبداد والفساد المستشري والقيود الكثيرة أدّت كلها إلى انهيار علاقة المجتمع بالدولة. واستغلت جماعات مثل «داعش» الاستبداد السياسي ذاك والظروف الاجتماعية والاقتصادية المزرية السائدة بتحدي أيديولوجية الدولة، وتقديم بديل عملي، مدمّر، من خلال إعادة تأسيس الخلافة أو «الدولة الإسلامية».

وأحد الوجوه المميزة لاستراتيجية «داعش» على نقيض «القاعدة المركزية» هو أنه، وكامتداد لسلفه (القاعدة في العراق) ذهب بعيداً في التركيز على الشيعة و«العدو القريب» أي النظامين العراقي والسوري وحليفهما الإيراني، لا على «العدو البعيد»، الولايات المتحدة وإسرائيل والفاعلين الدوليين الآخرين. وللبغدادي – كما للزرقاوي قبله – إقبال على فكرة القتل الجماعي أو الإبادة، وبعض هدفها الشيعة منظوراً إليهم ككفار، تطبيقاً في زعمهم للركن الخامس من الإسلام حيث الكافر أمام خيار قبول الدعوة أو القتل. رأت «القاعدة في العراق» و«داعش» إلى القتال ضد أمريكا وأوروبا وحتى إسرائيل كهدف ثانوي بعيد يجب تأجيله إلى حين قيام الدولة الإسلامية السنية في قلب الجزيرة العربية وإلى أن تستقر سيطرة «داعش» على الأراضي العراقية والسورية التي يحتلها. مع ذلك، وفي إثر التعرض لنكسات عسكرية في سورية والعراق سنة 2015، بدأ التنظيم باستهداف العدو البعيد اعتماداً على الجماعات القريبة منه في مصر، وليبيا، وشبكات محدودة من الأتباع والخلايا النائمة في أوروبا وأمريكا الشمالية. حوّلت الهجمات على العدو البعيد الأنظار عن هزائم «داعش» العسكرية في سورية والعراق كما هدفت إلى تعزيز خطاب التنظيم في النصر القريب. ورغم هذا التحول التكتيكي في هدف هجمات «داعش»، تبقى الرياض، وبغداد، ودمشق، وليس روما وباريس ولندن وواشنطن، أهداف «داعش» الاستراتيجية المباشرة‏[9].

هذا التحول الدعائي النافر نحو هجمات جماعية في باريس وكاليفورنيا والمتعاونين في بلجيكا، وبتوقيع «داعش»، بعث بلبلة واسعة حيال استراتيجية التنظيم؛ في اختيار عمليات بشعة لا تتضمن غير نسب بسيطة من الضحايا. ومع حقيقة أن «داعش» أكثر اهتماماً بالعدو القريب فإن العمليات تلك تؤكد فرضية الصلات القائمة بين التنظيم وأفراد من الشبكة الجهادية العالمية، بما فيها «القاعدة المركزية»‏[10].

ومع أن «داعش» هو امتداد للحركة الجهادية الدولية من حيث أيديولوجيته وأفكاره، إلا أن أصوله الاجتماعية متجذرة في سياق عراقي معيّن، وإلى درجة أقل في الحرب السورية التي اندلعت منذ سنة 2011. واستخدامه الاستراتيجي الصدامات الطائفية بين المسلمين السنّة والمسلمين الشيعة في العراق وسورية أفاد التنظيم كثيراً وطبع بطابعه عملياته. وبينما يتعزز معظم السلفيين – الجهاديين بالخطاب المعادي للشيعة، والمعادي لإيران، تبقى الأولوية للقاعدة المركزية للعدو البعيد، وخصوصاً أمريكا وحلفاءها الأوروبيين. شنّت «القاعدة المركزية» منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي حتى الآن موجة جهاد عالمية ضد الولايات المتحدة محاولةً جرّها إلى حرب شاملة مع العالم الإسلامي‏[11]. ولم يتبدّل الأمر إلا لاحقاً حين أعاد بن لادن ثم أيمن الظواهري (القائد الحالي للقاعدة المركزية) الاعتبار للساحات المحلية مكاناً لمقاتلة العدو القريب (الحكام المحليون) والاستيلاء على السلطة فيها، لكن استراتيجيتهم باءت بالفشل الذريع‏[12].

على نقيض ذلك، قامت استراتيجية «داعش» الأساسية على تعزيز وتوسعة رقعة الأرض والسلطة اللتين تمتلكهما «الدولة الإسلامية» في العراق وسورية والبلدان الإسلامية المجاورة. فـ «داعش» يريد تحطيم الحدود الاستعمارية للهلال الخصيب، أو المشرق، التي رسمتها القوى الأوروبية في نهاية الحرب العالمية الأولى. ويسعى التنظيم من خلال ذلك إلى إحلال الدولة الإسلامية، أي الخلافة، مكان الأنظمة «المرتدة». وقد وظّف البغدادي، الذي أعلن نفسه الخليفة الجديد، الكثير من طموحاته السياسية المحلية في الرمزية واليوطوبيا العابرتين للدول. لكن الدخول الرسمي للولايات المتحدة في الحرب ضد «داعش» في آب/أغسطس 2014، ثم الدخول الروسي مع القوى الأوروبية نهاية 2015، ألغيا إلى حد كبير الفروق التي كانت قائمة بين العدو القريب والعدو البعيد. لقد قلب «داعش» بمعنى ما الطاولة على «القاعدة المركزية» آخذاً لنفسه شرف قيادة حركة الجهاد العالمي. لكنه سيبقى من الجنون إهمال استراتيجية «داعش» الأصلية ضد الدول في المشرق، الأمر الذي يستمر في قلب أنشطة التنظيم وأفعاله كافة.

يُظهر صعود «داعش» السريع الحاجة الماسة لفهم ما حدث داخل المجتمعات العربية وكذلك العلاقات الدولية للشرق الأوسط. و«داعش» مجرد عيِّنة لسياسات الشرق الأوسط المتدهورة، ولهزال مؤسسات الدولة العربية وتهرُّئها في المنطقة، كما لانتشار الحروب الأهلية في العراق وسورية وسواهما. وتكمن أسباب صعود التنظيم وتنامي قوته، واقعاً، في الظروف الاجتماعية والسياسية المريعة التي تسود المجتمعات العربية كما في الصراعات والمنافسات الإقليمية والدولية في المنطقة. فأزمة الحكم المستمرة والاقتصاد السياسي، ومنذ عقود، هما العامل الأساسي في الصعود ذاك. وعليه يأخذ الباحث على عاتقه استعادة مسيرة هذا التنظيم «التكفيري»‏[13] منذ بداية تأسيسه وامتلاكه القوة وصولاً إلى انتفاضته العسكرية التي سمحت له أن يستقر ويتمدد في العراق أولاً، ثم في سورية لاحقاً، وسواهما. يركّز النص على أربعة مفاتيح أساسية في ظهور «داعش» من جديد. الأول، في أنه يمكن النظر إلى «داعش» كامتداد لتنظيم «القاعدة في العراق» الذي كان هو نفسه من نتائج الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق سنة 2003 وتداعياته. فالغزو الأمريكي للعراق ثم احتلاله، من خلال تحطيمه الدولة ومؤسساتها، شجّع الانقسامات التقليدية بين الناس وفق خطوط إثنية وعرقية، لاوطنية، خالقاً بالتالي بيئة مثالية لظهور جماعات مثل «القاعدة في العراق» و«داعش» وتمددها. المفتاح الثاني، تشظي المؤسسة السياسية ما بعد صدّام حسين وعجزها عن تبنّي سياسات ترسّخ الوحدة الوطنية للبلاد، ودفعها الناس، أكثر من ذلك، نحو الإحباط الجماعي، ما عمّق ووسّع من الانقسام السنّي – الشيعي. الثالث، تحطّم مؤسسات الدولة في سورية وسقوط البلاد في حرب أهلية شاملة ما ساعد على بث الحياة في عروق التنظيم. الرابع والأخير، وهو أن «داعش» ما كان ليستطيع تعزيز المكاسب التي حققها مع الحرب الأهلية السورية لولا اندلاع انتفاضات الربيع العربي والنيران التي تسبب بتمددها إلى البلدان العربية المجاورة.

أولاً: الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله: التداعيات

قاد غزو العراق واحتلاله بقيادة الولايات المتحدة عام 2003، مع الفوضى الطويلة الأمد اللاحقة والمقاومة المسلحة المكلفة، إلى انحلال مؤسسات الدولة وتأسيس نظام سياسي قائم على المحاصصة، أو توزيع مرافق السلطة وفق خطوط طائفية وعرقية وعشائرية‏[14]. اختلط أمر الهوية الوطنية العراقية وتحوّلت تدريجاً نحو هويات طائفية وعرقية بعدما تراجعت الهوية الوطنية المجتمعية التي أرساها حزب البعث الحاكم القائمة على العروبة والقومية. ومع انكشاف فشل دولة ما بعد الاستقلال وما بعد الاستعمار في بناء هوية وطنية جامعة، جاء الغزو والاحتلال ليمزّقا النسيج الاجتماعي للعراق. والنظام السياسي الحالي القائم على الطائفية والقوى المهيمنة داخله هما إلى حد كبير نتاج احتلال الولايات المتحدة والتدمير الذي أصاب الدولة. ولا تستطيع الهويات الطائفية المنفصلة أن تكون البديل الذي يبني عراقاً جديداً. لقد نجح «داعش» حقاً في استثمار فشل النظام السياسي، ولكن ذلك لا يجعل منه قبلة التطلعات السنّية. مع ذلك، فغزو العراق واحتلاله اللذان قادتهما الولايات المتحدة، إلى جانب الحرب الأهلية السورية، كانتا اللحظة المناسبة لصعود شعور بهوية سنّية شاملة في البلدين والمنطقة عموماً. ورغم أنه ما كان بوسع «داعش» أن يفعل ما فعله من دون شعور سنّي شامل متعاطف، إلا أنه من المشكوك فيه اعتبار الشعور السنّي الشامل هذا هويّة دائمة للسنّة العراقيين والسوريين.

لا نعرف إلا القليل عن العلاقة المعقدة بين «داعش» وسكان المناطق الخاضعة لسيطرته، فمعظم التقارير جزئية وتعطي مشاهد متناقضة للحياة في «الخلافة». في موازاة ذلك، ولأسباب منفصلة، شعر الشيعة والكرد أن الهوية الفوقية التي كانت للدولة منحت الأفضلية للعرب السنّة على حسابهما. وبهذا المعنى، فانحلال مؤسسات الدولة سنة 2003 وإقامة نظام بديل مبني على قاعدة طائفية زادا صراع الهويات حدةً، الصراع الذي دمّر – على الأرجح – العراق الحديث‏[15].

يعكس عنف «داعش» الزائد التركة الموروثة المُرّة لعقود من الحكم البعثي الذي مزّق النسيج الاجتماعي للعراق وترك جراحاً عميقة ما زالت نازفة إلى اليوم. ما فعله «داعش» هو أنه، بمعنى ما، استعار في حربه الداخلية التكتيكات الوحشية للنظام البعثي التي طبعت بطابعها الدموي تاريخ العراق الحديث. ومع أن كـلاً من البغدادي وصدّام حسين جاءا من قطبين أيديولوجيين متناقضين، فقد سعى كلاهما لبناء نظام استبدادي لا يحتمل أي معارضة بل يلجأ إلى كل أشكال العنف لإسكاتها. فالبغدادي يحيط نفسه بضباط جيش صدّام وشرطته من الرتب الدنيا والعليا، وكان بعضهم مسؤولاً مباشراً عن وحشية أساليب النظام البعثي. لكن هذا لا يعني أن «داعش» السلفي – الجهادي، كما يحلو لبعض المراقبين أن يزعموا، مرادف للبعث، صاحب الأيديولوجية القومية العلمانية. لم يقم البعثيون السابقون باختطاف «داعش»، بل إن الأخير – بالأحرى – هو من جلب أولئك إلى قضيته. من المهم التمييز بين تكتيكات «داعش» العنيفة، التي تشبه تكتيكات نظام حكم حزب البعث البائد، وبين الأيديولوجيا الإسلامية الثورية والأيديولوجيا البعثية القومية. وكانت تلك نقطة نزاع أخرى بين «داعش» و«جبهة النصرة» (جماعة سلفية جهادية مسلحة أخرى في سورية والذراع الرسمية لـ «القاعدة المركزية» هناك والتي تأسست بعد اندلاع الحرب الأهلية في سورية عام 2012)، إذ يتهم كل منهما منافسيه بأنهم بعثيون سابقون، محاولاً نزع شرعيتهم بالتالي وعلى أساس من الشرع الإسلامي. على سبيل المثال، يشرح أبو محمد المقدسي، أحد العلماء البارزين الذي يدعم النصرة ضد «داعش»، الأساليب الوحشية للبغدادي ومعاونيه بالتأكيد أنهم «دخلوا الإسلام الآن، وكانوا حتى الأمس بعثيين يذبحون المسلمين»‏[16]. ولا يخفى أن اتهام المقدسي للبعثيين هي محاولة لتبرئة السلفيين – الجهاديين، أصحابه، من مسؤولية المذابح الجماعية التي ترتكب بحق المدنيين.

تكمن أسباب عنف «داعش» الزائد في: 1 – انتسابه الأصلي إلى «القاعدة في العراق» ومُوجدها أبو مصعب الزرقاوي، الذي مثّل جيل ما بعد القاعدة من السلفية – الجهادية الذي ركّز على مسألتي الهوية والسياسة المحلية؛ 2 – عراقيته الغالبة واستعارته الأدوات البعثية في القمع إضافة إلى إرث البلاد المرّ من العنف؛ 3 – ريفية ضباط التنظيم وأفراده‏[17].

وبينما ضمّت موجتا الجهاديين بين السبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي قيادات من النخب الاجتماعية وقاعدتها خليط من خريجي جامعات من أصول طبقية وسطى أو دنيا – وسطى، تتكون الأطر القيادية لـ «داعش» من ريفيين ومزارعين، ينقصهم الإعداد الديني والفكري معاً. وبينما يميل معظم مقاتلي «داعش» ليكونوا من الفقراء، تنتسب القيادة إلى الطبقة الوسطى أو الدنيا – الوسطى؛ وهو ما يفسّر اضطراب الجماعة حين تبدأ حظوظها العسكرية بالتراجع، إذ لا يلتزم، أو حتى ينتسب، جنود التنظيم إلى الأيديولوجيا السلفية – الجهادية بخلاف قياداتهم. وفي وسع الجنود الفقراء هؤلاء إدارة ظهورهم في أي لحظة للتنظيم والعودة للاندماج في جماعاتهم الأصلية‏[18].

تغلِبُ على الموجة الحالية من السلفيين – الجهاديين الأصول الريفية والعشائرية، ما يعطي زخماً عميقاً لفكرة الضحية ولحتمية النصر كما لِحسِّ الاستعلاء حيال المسلمين الشيعة، الذين شكلوا تاريخياً جماعة مهمّشة في العراق والبلدان العربية المجاورة الأخرى. في مقابل ذلك، ينحدر ضباط «داعش» وكذلك «النصرة»، منافسه، من أصول تتصل بالعمل اليدوي، والوظائف الدنيا كالميكانيكيين، وباعة الفواكه والخضار، والمزارعين، وعمال البناء، وأصحاب الحوانيت الصغيرة، والعمل المتدني الرتبة في المطاعم. ويعمل «داعش» بين الفقراء والجماعات السنية غير المقتدرة، بما فيها مناطق الفلوجة وتكريت والأنبار في العراق؛ والرقة ودير الزور في سورية؛ وعكار وطرابلس والبقاع في لبنان؛ ومعان والزرقا في الأردن. ويفسّر تدني الأصول الطبقية لمقاتلي «داعش» أسباب تبرير التنظيم لعملياته بأنها دفاع عن الفقراء والأقل حظوة، ولماذا يستهدف أيضاً المنطقة الغنية بالثروات والمواد الخام‏[19]. وعلى نقيض منتسبي التنظيم القادمين من الشرق الأوسط، فإن عدداً من المقاتلين الأجانب الذين قدموا إلى التنظيم من حول العالم، وبخاصة من أوروبا وأمريكا الشمالية، هم متعلمون وينتمون إلى الطبقة الوسطى، وهذا تناقضٌ يستدعي بحثاً إضافياً.

في حدود 2010، كان تنظيم «القاعدة في العراق»، السابق لـ «داعش»، قد عانى الهزيمة عسكرياً وجرت محاصرته اجتماعياً. مع ذلك، وفي أقل من أربع سنوات، استعاد التنظيم خلاياه وتوسّع بعيداً خارج المثلث السنّي العراقي، مهدداً نظام الدولة في الهلال الخصيب. ورغم أن للظروف المادية الموضوعية في العراق وسورية دوراً في نهوض «داعش»، فإن أيديولوجيته كانت جاذبة وعملت على دفع الناشطين الدينيين وشرائح صغيرة من الشباب والنساء حول العالم نحو التطرف؛ فقد أراد المتطوعون والمنتسبون أولئك أن يسهموا في بعث الخلافة – السردية الميتافيزيقية، الرومانسية، والطوباوية، التي تلعب بالأخيلة في شرق أوسط مهشّم تسيطر عليه أنظمة حكم قمعية، غير شرعية، وذات قواعد أقلوية.

ثانياً: النظام السياسي العراقي المهشّم

أحدث الاضطراب الناتج من غزو العراق واحتلاله بقيادة الولايات المتحدة، وبخاصة تدمير مؤسسات الدولة، شرخاً عميقاً بين المسلمين السنّة والمسلمين الشيعة، وسهّل بالتالي صعود «داعش» وتحوّله من مجرد فاعل هامشي خارج الدولة إلى «دولة إسلامية». وبملء «داعش» الفراغ الفكري والمؤسسي القائم، قفز إلى الواجهة مانحاً الجماعة السنّية المقهورة إمكان امتلاك هوية سنيّة شاملة (طائفية – إسلامية) عابرة للقوميات والإثنيات والحدود. حاول البغدادي وجماعته إعادة بناء هوية سنّية مستعلية (عروبية وقومية) وفق خطوط طائفية (سنية شاملة)، متحدّياً طبيعة الدولة – الأمة القائمة على القوانين والقواعد التي يفرضها المجتمع الدولي. الطائفية هي الوقود الذي يتغذّى منه «داعش»، وهي تتغذى من «داعش» بالمقابل، أمر يجب التوقف عنده والتفكير فيه بإمعان وما اتصل منه ببناء الهوية العربية السنّية وإعادة تعريفها. فقد سقط العراق منذ سنة 2003 في أزمة طائفية ممتدة، يغذيها قلق السكان السنّة بعد تجريدهم من القوة مع تحول السلطة في النظام الجديد نحو الشيعة وتحت النفوذ الإيراني. ورغم مقاومة السنّة التمييز الذي جرى ضدهم لسنوات، لكن ذلك لم يلقَ غير آذان صمّاء في بغداد وواشنطن. وأحدث تمزّق النسيج الاجتماعي على هذا النحو ممراً لـ «داعش» ليقفز إلى الواجهة مواجهاً الأغلاط التي يشعر بها السنّي العراقي ومنصِّباً نفسه مدافعاً عنهم و«حامياً» لهم. بالإضافة إلى تلاعب «داعش» الاستراتيجي، كما سابِقوه («القاعدة في العراق» و«الدولة الإسلامية في العراق»)، حظي التنظيم بالمزيد من الدعم بسبب من خطابه المعادي للولايات المتحدة، الذي أغرى الشباب السنّي الذين شعروا بمدى الإهانة والاذلال اللذين تسببت بهما الولايات المتحدة للبلاد بدعم من إيران. وعليه، فقد قدّم هذا التهشيم المريع للنظام السياسي في العراق، مع تعطيل لوظائفه وسقوطه في مذهبية متزايدة، الغذاء الأيديولوجي الذي كان يحتاج «داعش» إليه.

كان البعثيون، النخبة السياسة الجديدة الحاكمة في العراق، قد فشلوا، كسابقيهم، في بناء هوية وطنية جامعة وفي إعادة بناء مؤسسات الدولة على قواعد شرعية أكثر متانة. أما النخب الحاكمة التي تلت مرحلة صدّام فهي مسؤولة عن الأخطاء الجسيمة التي سقط فيها العراق بعد 2003. ومع مسؤولية الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق في التسبب بتمزيق الدولة والمجتمع، إلا أن القادة الجدد يتحملون المسؤولية لتقاعسهم في تحسين الظروف الاجتماعية وتعزيز الوحدة الوطنية. فقد شعر السنّة طوال السنوات الثماني التي قضاها نوري المالكي في رئاسة الوزراء (20 أيار/مايو 2006 – 8 أيلول/سبتمبر 2014) بالتهميش من خلال ما شهدوه من سياسات ذات قاعدة طائفية جعلتهم يصممون على تنظيم أنفسهم كجماعة. وقد عمّق تردد المالكي في دعم قوات «الصحوة»، المجالس السنية العشائرية التي نظّمتها وموّلتها سلطات الاحتلال الأمريكية، من الشقاق مع الجماعة السنية، وقاد تعزيز صراع الهويات إلى حلقة مفرغة من الاستقطاب بين السنّة والشيعة. كما أن علاقته الاصطدامية مع بعض الشخصيات الشيعية الرفيعة المكانة، مضافاً إليها عدم فاعلية الحكومة والفساد المستشري في داخلها، تركت الجماعة الشيعية نفسها في حالة انقسام. فمنذ سنة 2010 وما بعدها لم ينفع وضع المالكي يده على جهاز الحكومة ومؤسساتها في بعث الثقة في حكومته، كما أثار قمعه العنيف لتظاهرات الربيع العربي الغضب والاعتراض. ومع تغلغل الجماعات المسلحة، كان من الصعب التمييز بين المحتجين السلميين وبين الميليشيا المسلحة. وهكذا أضعفت الثغر الاجتماعية والأيديولوجية العراق الضعيف في الأصل، ما مكّن البغدادي ومخططوه من النفاذ إلى سياسات البلاد الهشّة.

صوّر البغدادي «داعش» باعتبارها المدافع الوحيد عن أهل السنّة، وصوت السنّة العرب الذين يشعرون بالاستبعاد والقهر على يدي نظام بغداد الذي يهيمن عليه الشيعة أو نظام دمشق الذي يقوده العلويون‏[20]. وبخلاف سلفه الذائع الصيت، ومؤسس «القاعدة في العراق» (أبو مصعب الزرقاوي)، طوّر البغدادي قاعدة اجتماعية قوية وفّرت لـ «داعش» باستمرار مقاتلين أكفاءً وكذلك ملاذاً آمناً في الأراضي التي سيطر عليها. والنقطة هذه بحاجة إلى بحث إضافي: فآلاف من السنّة العراقيين والسوريين الناقمين يقاتلون تحت راية «داعش»، مع أن الكثير منهم لا ينتسب إلى أيديولوجيتها الإسلامية المتطرفة. وقد نجحت الجماعة في إقحام نفسها بنجاح في الحرب الأهلية المندلعة في العراق وبربط نفسها بالجماعة السنية المحلية. إلا أنه ما من سرّ في ذلك أو في الصعود المشهدي الصارخ لـ «داعش». لذلك، يمكن التأكيد أنه ما من دليل موثوق يؤيد أن أيديولوجية «داعش» في إسلام سنّي شامل هي الهوية الخالصة للمناطق السنية في العراق وسورية، مع الملاحظة أن الكتّاب الذين اقترحوا الفرضية تلك لا يملكون في الواقع أدلة ميدانية كافية لتأييدها. فبحسب عراقيين سنّة من الموصل وتكريت ومدن عراقية أخرى تحدثت معهم، أدى الثوّار السنّة والعشائر السنّية دور الدليل في تسهيل احتلال «داعش» للمثلث السنّي وقبل أن يتحول التنظيم ضدهم بعد سقوط المدن تلك. وإلى ذلك، فمن خلال محادثتي مع زعماء عشائر سنية عراقية، اعترف البعض أن أولادهم انضموا لمسيرة «داعش» في البدء لا بسبب من أيديولوجيتها الإسلامية بل كأداة مقاومة ضد السلطة المركزية الطائفية في بغداد وراعيها الإيراني. وهناك الآن أدلة متزايدة تُظهر أن السنّة العراقيين منقسمون بين من يدعم «داعش» كسلاح فعال ضد جلّاديهم من الشيعة، وآخرين يظهرون الندم لدعمهم التنظيم وقد تحوّلوا ضده بسبب أساليبه الوحشية وحكمه الاستبدادي.

ووفق تقارير واردة من المثلث السنّي، فإن المزيد من العشائر هناك بدأت تنأى بنفسها بعيداً من «داعش» نافية أي دور لها في جرائمه الجماعية‏[21]، رغم أن الموج لم يتحوّل بعد ضد التنظيم. فإلى الآن، لا يزال «داعش» يتمتع بحاضنة شعبية سمحت له بتحمل الضربات العقابية التي يوجهها له التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والجيشان العراقي والسوري والميليشيات الكردية والعراقية. فقد أفاد التنظيم إلى الحد الأقصى من الإساءات والتعديات التي تعرّض لها السنّة على أيدي الميليشيات الشيعية في العراق وسورية كما من الرأي السائد لدى السنّة من أن الغارات الجوية للولايات المتحدة وحلفائها تتقصد على نحو غير عادل إخوانهم في المعتقد فيما هي تغض الطرف عن المتطرفين الشيعة في الجانب الآخر. وبالمقابل، لم ينجح التنظيم في أن يقدّم إلى السنّة العراقيين والسوريين رؤية سياسية واجتماع – اقتصادية إيجابية تتصدى بفاعلية للتحديات القاسية التي تتعرض لها الجماعة. وفي الحقيقة، ما كان ينقص الجهاديين من كل الألوان والمشارب، قديماً وحديثاً، هو الخيال السياسي، وذلك نتيجة لخلل بنيوي في عملية صنع القرار، كما يقول منظّر القاعدة المعروف، عبد الله بن محمّد، في ورقة نشرت حديثاً، بعنوان «المشكلة في عملية صنع القرار الجهادي». ينتهي بن محمّد إلى أنه ما دام العلماء والدعاة يسيطرون على الحركة الجهادية فسيبقى الجهاديون عاجزين عن ترجمة مكاسبهم العسكرية في الميدان رصيداً سياسياً‏[22].

ثالثاً: الحرب الأهلية السورية

عامل رئيسي آخر كان خلف صعود «داعش» السريع هو انهيار مؤسسات الدولة في سورية وسقوط البلاد في حرب شاملة منذ عام 2011. فغير بعيد ممّا حدث في تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن، اندفع عشرات ألوف السوريين يحتجون على الاستبداد والتهميش. كانت الصرخات المجلجلة في الميادين السورية تطالب بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، وكانت تعكس مطالب سياسية واقتصادية غير طائفية أو فئوية. لم تتعسكر الانتفاضة إلا لاحقاً، ولتأخذ بعد ذلك وجهاً طائفياً. ولأن العلاقات المدنية – العسكرية في سورية مغايرة كلياً لما هي عليه في تونس أو مصر، وفي مواقع أخرى من انتفاضات الربيع العربي؛ فقد كانت أجهزة الأمن السورية على بيّنة تامة من أن وجودها على ما هي عليه يعتمد إلى أقصى حد على بقاء نظام الأسد. ومع التصدي العنيف من أجهزة أمن بشّار الأسد للمتظاهرين السلميين ودفعها الحراك الاجتماعي المعادي للنظام نحو زوايا طائفية، عنُفت الانتفاضة وتعسكرت ونَحَت أخيراً نحو التطرف. وسرعان ما ارتدت التظاهرات الوطنية والمطلبية في الأصل اللبوس الطائفي والديني، ولتظهر بعد ذلك في القرى والبلدات النائية جماعات إسلامية مسلحة تسلمت زمام الحراك ولتدفع به من ثم نحو أيديولوجيا سلفية وأجندة محافظة جداً.

وعليه، فقد تحوّل ما بدأ صرخة تقدمية للإصلاح الاجتماعي والسياسي إلى حرب طائفية اشترك فيها الكل ضد الكل. وفي تكرار للسيناريو العراقي، تعززت بنتيجة ذلك الجماعات الإسلامية المسلحة والخطاب الإسلامي الجهادي، وباتا شرعيين إلى حد كبير في نظر شرائح واسعة من السوريين تبعاً لعنف النظام الزائد ضد المدنيين. قدّمت الجماعات الإسلامية في سورية نفسها بوصفها المدافعة عن حقوق الجماعة السنّية، كما جرى النظر إليها من هذا المنظار. وكما في حال العراق أيضاً حيث قاد دعم الجمهورية الإسلامية في إيران للجماعة الشيعية إلى توتر طائفي، كذلك في سورية حيث عزز الدعم غير المحدود من إيران لآل الأسد من حدة الصراع الأهلي ومنحه من ثم طابعه الطائفي. وقد كان للبغدادي وقادته الرؤية الكافية أواخر سنة 2011 بإرساله إلى سورية ثلة من رجاله بقيادة رجلين محل ثقة لديه هما أبو محمد الجولاني والملّا فوزي الدليمي لبدء معركة التنظيم مع نظام الأسد وتأسيس قاعدة عملانية له في البلاد‏[23].

وفي أقل من عام واحد، تمكنت جبهة «النصرة» بقيادة الجولاني (فرع من «الدولة الإسلامية في العراق»)، من بناء شبكة قوية في سورية ضمّت آلاف المقاتلين المحليين والأجانب الذين كان لهم السبق في قتال قوات الأسد. ووفق شهادات مسؤولين جهاديين رفيعي المراكز، فقد تقرر منذ البدء إبقاء هوية جبهة النصرة سرّاً لتسهيل اندماجها بالسكان المحليين وتجنّب لفت نظر الأمريكيين إلى وجود «القاعدة» في سورية‏[24].

سمح هذا التكتيك للنصرة بالتمدد وبناء تحالف مع فصائل إسلامية متعددة. ومع الوقت قلل البغدادي علناً في نيسان/أبريل 2013 من أهمية المسافة الفاصلة بين «الدولة الإسلامية في العراق» والنصرة قائلاً إن الهدف الاستراتيجي للنصرة هو إقامة دولة إسلامية في سورية‏[25]، ومعتبراً أنه ربح بالفعل عمقاً استراتيجياً في سورية عمّده مقاتلوه بالدم والنار… وفي خطوة من جانب واحد، أعلن البغدادي دمج «الدولة الإسلامية في العراق» مع «النصرة» في تنظيم جديد أسماه «الدولة الإسلامية في العراق والشام – «داعش»»‏[26]، الخطوة التي رفضها الجولاني بلطف ما أشعل حرباً داخلية بين التنظيمين الجهاديين‏[27]. ورغم مكاسب «النصرة» الأولية في تلك المواجهة، بالتعاون مع فصائل إسلامية أخرى، إلا أن الغلبة كتبت في النهاية لـ «داعش» الذي طرد النصرة وحلفاءها من معظم المناطق واستولى على المدن المهمة، بما فيها الرقة، التي غدت عاصمة لتنظيمه وخلافته.

ومن خلال تبادل التأثر والتأثير، كان العراق وسورية محطة حاسمة في انطلاق «داعش»، الذي أعطى المعركة فيهما تعريفاً في إطار المعركة على الهوية. فقد أبرز هوية سنّية طائفية شاملة منفصلة، في تناقض محسوب مع الهوية الشيعية الشاملة التي يمثلها النظامان العراقي والسوري ذَوَا الهوية الطائفية والمدعومان من إيران. ومن بين كل العوامل التي يحتمل أنها قوّت «داعش»، يأتي عامل العداء للشيعة والعداء لإيران في رأس اللائحة. فقد عمل «داعش» على خطاب – جذره هوية سنّية شاملة مضاد لما جرى تصويره من أيديولوجيا شيعية عدوانية توسعية شاملة – أريد له أن ينتشر في العالم الإسلامي ويمسك به. كان العداء للشيعة والعداء لإيران البطاقة الرابحة التي لعبها «داعش» في العراق وسورية، وأثبت ذلك فاعلية عالية في جذب الأنصار.

كذلك أفاد التنظيم إلى أقصى حد من الثغرة التي فتحها الغزو الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق سنة 2003. وقد خرج الجدل عن السيطرة بعدما انحرف الربيع العربي عن مساره الأولي وغرقت سورية والعراق في الحرب والفوضى. الصراع الإسلامي التحتي على الهوية، والحرب الإسلامية الداخلية شبه الشاملة، هما اللذان دفعا بالتنظيم إلى الواجهة على نحو مثير. وبعد سقوط الموصل في حزيران/يونيو 2014 وإعلان «الدولة الإسلامية»، أثبت الزمن، وكذلك بيانات القائمين على التنظيم، تصديه لمهمة قيادة «الأمة» وأهل السنّة وتفوقه على منافسيه وأخصامه في نيل هذا الشرف.

ورغم أن العراق هو الموطن الأصلي للتنظيم، إلا أن تمدده إلى سورية المجاورة منحه عمقاً استراتيجياً ووفر له موارد اقتصادية مهمة. فسورية الآن هي مكان عاصمة «داعش»، الرقّة، ومصدر دخله الرئيسي، بما فيها النفط، التجارة، الضرائب، القمح، والأراضي الزراعية الخصبة، ومرتع أنشطته الإجرامية كذلك. وبحسب مسؤولي استخبارات الولايات المتحدة فإن أكثر من ثلثي مقاتلي التنظيم ينتشرون في هذا البلد (رغم أن هذه النسبة قد تتغيّر مؤقتاً وتبعاً للضغط العسكري الذي يتعرض له التنظيم في سورية).

أضف إلى ذلك، أن تهشّم النسيج الاجتماعي والنظام السياسي للبلاد وتحولها إلى ساحة حروب بالواسطة وفّرت جميعها الدافع والإلهام لمنضوين محتملين عديدين لـ «داعش» والتنظيمات المشابهة مثل «النصرة». وما دامت الحرب السورية مستعرة، فسيستمر «داعش» في التموضع في قلب تلك الفوضى، التي باتت عليها تلك البلاد التي تمزّقها الحرب الآن. مع ذلك، وحتى كتابة هذه الكلمات، نجحت الفصائل السورية الكردية، مدعومة من الولايات المتحدة، ومن الفصائل المعارضة الأخرى وبتوجيه من رعاتها الإقليميين، في الضغط على «داعش» وإضعاف حظوظ انتصاره في سورية جوهرياً. وقبضة «داعش» في سورية ليست في قوة ما هي عليه في العراق.

ومع ذلك، فصعود التنظيم القوي الناجح مرة أخرى في العراق مدين للقوة التي اكتسبها في سورية. فنجاحه في احتلال مدن سورية كبرى سنة 2014 سمح له بتدمير الحدود الدولية التي تفصل بين البلدين. وقاده ذلك ومن دون منازع إلى تأكيد تفوقه في تسنّم قيادة شبكة الجهاد الدولي مثبتاً أن تكتيكه في «كسر الحدود» قد نجح فعـلاً. وقد استخدم «داعش» إنجازاته في سورية والعراق لتهديد البلدان المجاورة الأخرى، الأمر الذي ضاعف بدوره من شعبيته في المنطقة.

رابعاً: الربيع العربي

أخيراً، ما كان لـ «داعش» أن يبدأ ويتقدم لولا انهيار انتفاضات «الربيع العربي» وتلاشي أحلام ملايين المواطنين الذين خرجوا مطالبين بعقد اجتماعي عادل وبلائحة حقوق أخرى. لم ينشأ الربيع العربي من فراغ. فملايين العرب كانوا قد بلغوا بعد عقود طويلة من فشل التنمية والحكم الاستبدادي مرحلة الانكسار واليأس. كانت تلك نقطة حاسمة في وسعها إحداث التغيير التقدمي في الوطن العربي لو لم تقع ضحية تحالفات مشبوهة بين قوى خارجية ومحلية مضادة للثورة. ومن بين هؤلاء فاعلون كُثُر من مثل الحكام المستبدّين المدعومين من دول إقليمية حليفة، وأجهزة أمنية وعسكرية، والفلول أو عناصر النظام القديم القوية، و«داعش»، التقت مصالحهم جميعاً على مواجهة فرصة التغيير السياسي السلمي التي كانت سنحت لفترة قصيرة.

كذلك، ما كان «داعش» ليتصدر المشهد في المنطقة من دون التحالف الكبير بين الحكام السلطويين ورعاتهم الإقليميين والدوليين وعنوانه إبقاء الأمور في المنطقة كما هي وبأي ثمن. ورغم المنافسة الجارية بين العربية السعودية وإيران، إلا أن كليهما أدتا دوراً حاسماً مضاداً للثورة، وعملتا بكل الوسائل على إبعاد موجة التغيير السياسي التي هبّت في المنطقة عن الداخل في بلديهما وذلك بتغذية أوارها لدى الجيران وبهدف تعزيز نفوذهما.

حين امتلك الربيع العربي الزخم الكافي لينطلق أكثر سارعت العربية السعودية إلى إنفاق أكثر من مئة مليار دولار أمريكي في الداخل بهدف الحفاظ على الاستقرار وشراء ولاء مواطنيها. كذلك، استثمرت المملكة مليارات الدولارات في البحرين ومصر وعُمان واليمن والمغرب والأردن للحؤول دون نجاح التغيير الثوري الجاري والإبقاء على حلفائها التقليديين تحت السيطرة، بل لجأت، معها دولة الإمارات العربية‏[28]، أكثر من ذلك، إلى إرسال 2000 جندي إلى البحرين لمساعدة حليفها الخليجي على التصدي للمعارضة في بلده. ورغم أن الولايات المتحدة لم تتقبل في البدء المزاعم السعودية والبحرانية الرسمية من أن إيران هي التي تحرّك المتظاهرين في المشيخة الصغيرة، فهي عادت لاحقاً فقبلت ضمناً بالتدخل العسكري السعودي مبررة ذلك بأن عناصر مؤيدة لإيران ربما كانوا يختطفون إرادة السكان. وغدت البحرين بالتالي نقطة خلاف رئيسية في الخلاف الأمريكي – الإيراني في سياق المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الأمريكية مع بلدان الخليج العربي‏[29]. وبينما دعم صنّاع السياسة الأمريكيون التغيير الجاري في تونس وليبيا واليمن وسورية، إلا أنهم كانوا مترددين جداً في فعل الشيء نفسه في الخليج لأن المنطقة تحتوي على مصالح أكثر أهمية للمصالح الوطنية الأمريكية.

كذلك، حاربت إيران، وهي التي ما انفكت تصف نفسها بالدولة الثورية، وبكل ما تملك للإبقاء على نظام الأسد. ودعمت أيضاً المالكي في العراق، الذي جلبت سياساته الطائفية الخراب للبلاد، ولم تنأَ بنفسها عنه إلا بعد أن سحبت المؤسسة الدينية الشيعية القوية ثقتها منه. ومن الطريف أن القادة الإيرانيين حاولوا مع بدء الانتفاضات العربية في شباط/فبراير 2011، وقبل أن تصل العاصفة إلى سورية، استثمار ما يجري لصالحهم. فقد تباهى المرجع الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله خامنئي أن الربيع العربي هو «امتداد طبيعي لأفكار الثورة الإسلامية الإيرانية سنة 1979»، واعتبرها «المحفّز للصحوة الإسلامية الحالية»‏[30].

ولكن حين وصلت «الصحوة الإسلامية» إلى سورية والعراق، تغيّرت بوصلة التأييد الإيراني فيما كان حليفاها الأكثر قرباً، المالكي والأسد، يخوضان حرباً شرسة للحفاظ على وجودهما السياسي. عند ذلك، رمت إيران سترة النجاة للرجلين اللذين كانا على حافة الغرق، فصبّت بذلك المزيد من الزيت على النار الطائفية المستعرة في العراق وسورية وسواهما. وفي سياق جهودها لمنع انهيار نظام الأسد، وجدت إيران في روسيا حليفاً طبيعياً لها. وهكذا تدخل الرئيس بوتين بدءاً من أيلول/سبتمبر 2015 مباشرة في الحرب الدائرة وذلك بشنّه غارات جوية مكثفة على المعارضة دعماً لنظام الأسد. وغدت سورية من ثم ساحة لحرب عالمية بالواسطة بين القوى الغربية وروسيا التي استخدمت كل رصيدها العسكري والدبلوماسي لتحول دون التدخل العسكري الغربي في البلاد التي مزّقتها الحرب.

وسط ذلك كله، كانت حرب باردة جديدة بين زعيمة الإسلام السنّي العربي، العربية السعودية، وزعيمة الإسلام الشيعي، إيران الفارسية، تدور في شوارع بلدان عربية عدة فقيرة ومضطربة، مثل العراق وسورية واليمن، وحوّلت تلك الحربُ الصراعَ من أجل المطالب الاجتماعية والسياسية في البلدان العربية إلى شكـل من أشكال التنافس الجيواستراتيجي والطائفي بين البلدين. وغدت سورية والعراق، وبلدان أخرى، ساحات لحرب إقليمية بالواسطة بين العربية السعودية وإيران، مع قطر وتركيا وغيرهما، من خلال تسليح وتمويل الأطراف المتقاتلة سعياً للنفوذ والهيمنة. وفي النهاية كانت هذه الحرب بالواسطة، والصراعات على السلطة، وسياسات الهوّية (السنية ضد الشيعية وعلى العكس)، والصراع بين الهويات القومية المتنافسة (العربية ضد إيران وعلى العكس)، الهدية الإلهية التي قُدّمت إلى «داعش» وفصائل «القاعدة» المختلفة في المنطقة. فقد أمكن «داعش» و«النصرة» مع بداية الاضطرابات في سورية الحصول من البلدان السنّية المجاورة على التمويل، والسلاح، والغطاء الديني، وكان ذلك عامـلاً حاسماً في امتلاك التنظيم القوة التي ظهرت لاحقاً. وعليه فقد يسّر التنافس الجيواستراتيجي والجيوطائفي بين البلدان التي يهيمن عليها السنّة وإيران، التي يهيمن عليها الشيعة، نشوء «داعش» من جديد وصعوده. وهكذا سمحت هشاشة نظام الدولة العربية بقيام معركة مجّانية بين القوى الإقليمية سعياً للهيمنة والسيطرة. وأمكن «داعش» من ثم أن يتسلق كلاعب من خارج الدولة أكتاف الدول الإقليمية الأساسية التي كانت تتقاتل على النفوذ في قلب المنطقة العربية. وليس بعيداً من «القاعدة المركزية» التي نشأت من رحم الصراع الأمريكي – السوفياتي الشرس على أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، بدا «داعش» وليد الصراع الجيواستراتيجي والجيوطائفي، كما للتدخلات الخارجية في الوطن العربي.

خامساً: «داعش» وقصة البغدادي

في سياق بحثنا في تاريخ «داعش»، من خلال إطار الهوية والسياسات الطائفية، نقدّم رسماً للبغدادي بإعادة تركيب مسيرته من التخفي إلى بقائه في الظل. جرى التقاط أجزاء قصته من إعادة تجميع شهادات معاصرة لشهود عيان عرفوه قبل انضمامه إلى تنظيم «القاعدة في العراق»، كما من آخرين كانوا قد أمضوا وقتاً معه قبل – وبعد – احتجاز الأمريكيين له في معسكر «بوكا» قرب أم قصر في جنوب العراق وذلك في شباط/فبراير 2004 باعتباره «مقاتـلاً سنّياً بسيطاً»‏[31].

وحين تسلّم البغدادي قيادة «القاعدة في العراق» عام 2010، كان التنظيم على شفا الانهيار، بفعل خسارته آنذاك لقاعدته الاجتماعية والمادية في المثلث السنّي. وكان ذلك نتيجة حرب محلية داخلية بين «القاعدة في العراق» والجماعة السنية في العراق التي كانت وفّرت في البدء الملاذ للتنظيم. عمل البغدادي والحلقة الصغيرة إلى جانبه بصبر ومنهجية على إعادة بناء شبكتهم الاجتماعية ووسّعوا من استقطابها للسنّة الريفيين الفقراء في العراق ثم في سورية بعدما تحولت الانتفاضة السياسية فيها إلى حرب أهلية مفتوحة. كان البغدادي، في ذلك الوقت، يعيد وبذكاء تنظيم جهاز «القاعدة في العراق» العسكري معتمداً على خبرات جنود ورجال شرطة سابقين في الجيش العراقي، كما على مدربين شيشان في سورية، ما حوّل التنظيم إلى قوة مقاتلة محترفة قادرة على خوض حرب مدينية تقليدية.

ومن خلال خبرتهم القتالية والتدريبية الطويلة وقتالهم الفعلي لسنوات طويلة بما فيها الحرب الإيرانية – العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، وغزو الكويت (1990 – 1991)، وقمع الانتفاضات في الثمانينيات والتسعينيات، ومقاومة الأمريكيين منذ 2003 إلى 2010، حوّل الضباط السنّة العراقيون المحترفون من أفراد الجيش العراقي المنحل عصابات تنظيم البغدادي وشبكاته المجمّعة من هنا أو هناك إلى قوة حرب عصابات حقيقية، كفؤة، وأقرب إلى جيش مذهبي صغير محترف، أمكنها في النهاية شن هجمات من عيار كبير وتشتيت فرق عسكرية عراقية وسورية عدة.

مع ذلك، فإن أسئلة عدة حول البغدادي لا تزال بحاجة إلى أجوبة لتفسير صعود «داعش» السريع. ومنها، على وجه الخصوص، كيف أمكن لرجل من دون خلفية عسكرية سابقة، ولم يكن يوماً منظّراً سياسياً ولا داعية دينية، تحويل «داعش» إلى أهم تنظيم سلفي جهادي دولي، يسيطر على «أمة» مفترضة تمتد عبر الحدود السورية – العراقية وعلى رأس جيش يضم أكثر من ثلاثين ألف مقاتل؟ كيف أمكن له أن يؤمن حاجات القوة تلك والتي تبلغ ما لا يقل عن ملياري دولار أمريكي سنوياً (تناقصت ميزانية «داعش» السنوية سنة 2015 إلى نحو مليار دولار) وليحوّلها إلى أحد أغنى التنظيمات غير الرسمية في العالم، مع التطلع لأن تشبه دولة، وكله في أثناء اقتصاد حرب؟ إلى أي حد قامت مؤسسات الدولتين العراقية والسورية المتهالكة، وكذلك القوى الإقليمية المتنافسة على النفوذ والاستقطاب المذهبيين، بمساعدة البغدادي؟ لا يمكن الركون في تفسير ذلك إلى ما نعرفه من خبرات البغدادي الشخصية، ولا إلى دراسة مركَّزة له في القيادة، ولا إلى خصال خارقة للرجل نفسه. وفي الحقيقة، فإن الصعود القوي للبغدادي قد تزامن مع الاضطرابات السياسية والمجتمعية المتزايدة التي شهدها العراق، حيث جرى النظر على نطاق واسع للكثير من سياسات الحكومة المركزية باعتبارها تهميشاً وحطّاً من وزن الجماعة السنية. لقد كانت الفوضى التي سادت العراق ثم سورية هي الرافعة التي دفعت بقوة مسيرة البغدادية الجهادية إلى أمام.

يتصل صعود «داعش» بقوة بالنيران المذهبية المستعرة في العراق وسورية، وبصراع الهويات الذي شق المجتمعات العربية، وإذا ما حدث وهُزمت «داعش» فهناك باستمرار احتمال أن تتقدم جماعة أخرى تشبه «داعش»، كالنصرة مثـلاً، لتحاول ملء فراغ السلطة في المنطقة. وإذا صحّ أن «داعش» هو مظهر لإفلاس مؤسسات الدولة، يتوجب إذاً أن يعاد بناء نظام الدولة السلطوية الهش على قاعدة من الشرعية مختلفة وأقوى كثيراً. ويتطلب ذلك حكومة شفافة، استيعابية، وممثلة، توفر الخير العام بما فيه فرص العمل، وأن تعطي لملايين الرجال والنساء الذين يشعرون بالاستبعاد أمـلاً بالمشاركة في مستقبل بلدانهم. والتحدي المعقد الآخر هو مواجهة أيديولوجيا «داعش» السلفية الجهادية بالمعنى الواسع. و«داعش» في محاولته تصوير نفسه البديل الوحيد للنظام السياسي المهشّم والفاسد إنما يحاول اختطاف توكيل الناس، ثم يعود لاحقاً ليستخدم التكتيكات نفسها للأنظمة القمعية التي يسعى للحلول محلها. وعليه فالتحدي الحقيقي هو توفير الأمل لملايين الرجال والنساء الذين نادوا بالعدالة والحرية والحياة بكرامة، كما شهدنا في انتفاضات الربيع العربي، وإقناعهم في الوقت عينه أن هناك بالفعل خيارات تغيير غير عنفية في وسعها إحداث تغيير سياسي حقيقي وذا معنى. وإلى أن نفعل ذلك، سيستمر كابوس «الدولة الإسلامية» والجماعات السلفية المجاهدة المشابهة مشكلة كبرى للوطن العربي والعالم الإسلامي كما للمجتمع الدولي في آن معاً.

 

احصلوا على نسختكم من الكتاب  داعش إلى أين؟ : جهاديو ما بعد القاعدة