لم يكن تلقي الفكر الفلسفي بالمغرب لمفهوم المثقف كغيره من ضروب التلقي التي خص بها هذا الفكر غيره من المفاهيم الرئيسية في الفكر الفلسفي الغربي الحديث والمعاصر، وسيكون من باب مجانبة الصواب القول إن ما عرفه الوطن العربي من رجاتٍ سياسية أخيرة كان السبب الرئيس الذي حمل الفكر الفلسفي في المغرب على إعادة التفكير، بجديةٍ، في مفهوم المثقف ووضعه المأزوم، بحكم الدور الباهت الذي اضطلع به المثقفون في خلق تلك الأحداث وتوجيه مسارها‏[1]، ما دام التعرف إلى هذا المفهوم كان سليل اكتشاف متون الفكر الغربي الحديث والمعاصر، والتفاعل مع إشكالياته الفلسفية الكبرى. يكفي الباحث أن ينتبه إلى مقدار حضور فكرة الالتزام، والمثقف العضوي، في كثيرٍ من متون الفكر الفلسفي في المغرب، حتى يدرك أن انفتاح هذا الفكر على ذلك المفهوم ارتبط بتشكله البنيوي وتعلق بأولى لحظات اكتشاف المنظومات الفكرية والفلسفية الغربية. أتى تلقي مفهوم المثقف يُعبر عن مقدار القلق الذي انتاب الفكر الفلسفي المغربي لحظة تفاعله مع منظومات الفلسفة الغربية الحديثة، وعبَّر، بالقدر عينه، عن بعض الصعوبات التي رشحت على سطح احتضان الحقل الثقافي المغربي لكثيرٍ من المفاهيم الرئيسة الناظمة للعقل الحديث.

ترتبط أولى تلك الصعوبات بخصوصية مفهوم المثقف نفسه؛ إذ يدرك الباحثون أنه كان سليل العلاقة المتوترة التي ربطتْ، في التجربة الغربية الحديثة، المعرفة بالسلطة، وأن ظروفاً سياسية مخصوصةً هي التي عجلت بطرح السؤال عن ماهية المثقف ودوره‏[2]، ولا سيّما بعد تصاعد فكرة الالتزام التي سرعان ما قررت وظيفة اجتماعية للمثقفين على نحو ما لاحظ سارتر في هذا الباب‏[3]. يعني هذا القول، في جملة ما يعنيه، أن أي محاولة لاستقدام مفهوم المثقف إلى بيئة ثقافية أخرى، دونما إدراكٍ لشروط ميلاده ومقتضيات تكييفه، من شأنها أن تقود إلى اسقاطٍ للمفهوم لا يأخذ بعين الاعتبار خصوصية تكوينه التاريخي، والمآل الذي انتهى إليه في سياق الفكر الغربي المعاصر، الذي أخضع المفهوم ذاك لكثير من النقد والمراجعة، وعبَّر من خلاله عن مقدار محايثة الممارسة الفلسفية للواقع والشرط الإنسانيين.

أما ثانية تلك الصعوبات فتتعلق بالسياق العام للتلقي المغربي لمفاهيم الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر؛ من المعلوم أن تعامل فلاسفتنا مع المنظومات الفكرية الغربية لم يكن محكوماً، فقط، بهاجسٍ أكاديمي صرف، بقدر ما كان مُوجهاً بأسئلة الراهن التي ما انفكت تفرض ذاتها على تأويلهم لتلك المنظومات. لذلك يصعب أن ننظر إلى ما أنتجه هؤلاء بحسبانه مجرد ترويج لهذه المرجعية النظرية أو تلك، أو محاولةً لتعريف القارئ المغربي، والعربي، بالأفكار الفلسفية التي انتدبَ كل واحٍد من فلاسفة المغرب نفسه للدفاع عنها. يقرأ المرء كتاب عبد الله العروي العرب والفكر التاريخي، فيدرك أن الأمر لا يتعلق بمجرد التعريف بالفكر التاريخاني كما تبلور عند كبار منظِّريه في السياق الغربي منذ هيغل، بقدر ما يروم صاحبه بلورة فهمٍ معقولٍ لوضعية التأخر التاريخي التي يعيشها الوطن العربي، معتبراً أن التاريخانية فلسفةٌ من شأنها أن تفيدنا في إدراك تلك الغاية وتحصيل أسباب مجاوزتها‏[4].

يمكن تعميم الملاحظة عينها على جل الذين احتلوا مجال الفكر الفلسفي في المغرب‏[5]، وقد ألقى ذلك بظلاله على تلقي مفهوم المثقف من طرف هؤلاء الذين استقدموا المفهوم وسعوا إلى إعماله في فهم راهنهم وتراثهم. بل إن ما يعضد هذا الرأي علاقة المثقفين المغاربة بالحركة الوطنية المغربية، ولا سيَّما أن جل الذين استأنفوا القول الفلسفي في المغرب، أو أسهموا في تطويره، كانوا على صلةٍ برموز تلك الحركة لحظتئذٍ، بل وتفتَّق وعيهم على المطالبة بالاستقلال، وما اقتضاه ذلك من تفكيرٍ جدي في مآل المجتمعات المستعمرة في ظل الوعي بتأخرها التاريخي، وبروز الحاجة إلى المثقف ودوره في توجيه العمل السياسي‏[6].

ويبدو أن استحضار مفهوم المثقف في الفلسفة المغربية المعاصرة اتخذ شكلين رئيسيين كانا سليلَي التداخل بين إشكالية العلاقة بين المعرفة والسلطة من جهة، وفكرة الالتزام من جهة ثانية. فمن جهةٍ أولى، يمكن القول إنه بعد أن كتب فوكو ما كتبه عن مسألة العلاقة بين الحقيقة والسلطة، غدا من الصعب الإعراض عن مقدار حضورها في الثقافة العربية في الحاضر كما في الماضي. كان من الطبيعي، والحال هاته، أن يتخذ مفهوم المثقف صورة أداةٍ مفهوميةٍ الغايةُ منها إضاءة عناصر تلك الإشكالية وتكوُّنها التاريخي؛ يحضر هذا بوضوحٍ عند كل من الجابري‏[7] وأومليل‏[8] وغيرهما من الباحثين الذين اهتموا بإشكالية المعرفة والسلطة في التجربة السياسية الإسلامية‏[9].

ولعله من الغني عن البيان القول إن ما رمى إليه هؤلاء هو فهم طبيعة تشكل قضية العلاقة بين الحقيقة والسلطة في التراث الإسلامي وتحدُّرها إلينا منه، بما يستلزمه ذلك من استحضارٍ للعوائق التي على مقتضاها استقامتْ علاقة المثقف بالسلطة في التراث العربي الإسلامي، وبمدى استمراريتها اليوم في تضاعيف الرؤية العامة التي يصدر عنها المثقف في تصوره للسلطة. أما من جهة ثانية، فإن حضور مفهوم المثقف في الفلسفة المغربية اتخذ، في كثير من الأحيان، صورة نقدٍ لمعنى المثقف ودوره الممكن في ضوء الشروط الجديدة التي تمخضت عن مراجعة فكرة الالتزام، والوعي بتصدع الرأسمال الرمزي للمثقف، ممثـلاً بالمعرفة، في ظل الثورة المعلوماتية التي جعلت من المعرفة مسألةً عمومية، وكذا في ظل الوعي بمحدودية الدور الرسولي والدعوي الذي بات المثقفون يطلعون به على نحو ما بين عبد الإله بلقزيز في هذا الباب‏[10]. قد يرى البعض في هذا النقد مجرد صدى لما عرفه مفهوم المثقف من مراجعة في كثير من متون الفكر الفلسفي الغربي المعاصر، بحكم تصدع فكرة الالتزام نفسها، وإعادة النظر في مقولاتٍ شديدة الصلة بها، من قبيل مفهوم الطبقة، والعلاقة الميكانيكية بين البنية الاجتماعية والإنتاج الثقافي الرمزي. بيد أن تحليل النقد الذي أقام عليه الخطاب الفلسفي في المغرب مقاربته لمفهوم المثقف من شأنه أن يكشف عن الدرب الفريدة التي شقها بأن أخضع ذلك المفهوم لمقتضيات شرطه السياسي والثقافي، وللإشكاليات الكبرى المنبثقة منه. صحيح أن كثيراً من ملامح النقد المعاصر للمثقف تحضر في ما كتبه فلاسفة المغرب عن المثقف، بيد أن ذلك لا يمثل سبباً كافياً لوصف إنتاجهم النظري في هذا الباب بأنه مجرد صدى لنظيره الغربي.

تمثل هذه الصعوبات مقدمات رئيسية لفهم سهم الخطاب الفلسفي المغربي في التنظير لمسألة المثقف، طالما أننا نلفيها عند جل الذين كتبوا في الموضوع. في هذا السياق النظري، تحديداً، كتب عبد الإله بلقزيز ما كتبه عن المثقف والمسألة الثقافية في الوطن العربي، ونحن نعتبر كتابه العمدة في هذا الشأن؛ نهاية الداعية‏[11]، عمـلاً دالاً على المسار النقدي الذي سلكته الفلسفة المغربية في مناولتها مفهوم المثقف. بل إن ما يزيد ذلك العمل أهميةً انخراطُ صاحبه في التفكير في قضايا الفكر العربي وهمومه الكبرى؛ إذ هو صاحبُ سهم ٍكبيرٍ في تحليل قضايا الفكر العربي وإرساء دعائم مشروع نقدي يجيب عن أسئلته الكبرى انطلاقاً من اتصاله الشديد بالتراثين الإسلامي والغربي الحديث‏[12]، وعندي أن الجهد النظري الذي بذله بلقزيز في تحليل مفهوم المثقف يمكن أن يعتبر منطلقاً لفهم مسارات الفكر العربي الحديث والمعاصر، طالما أنه قارب المفهوم ذاك في ظل اتصاله بأبرز محاور الفكر العربي ولم يتردد في تحميل المثقفين العرب كثيراً من أسباب الإخفاق الذي عاشه الوعي العربي.

أولاً: نهاية الداعية وأزمة المثقف

توجد، في المكتبة المغربية، كتبٌ اهتمت بمسألة المثقف، وقد نهل أصحابها من مرجعيات الفلسفة المعاصرة الشيء الكثير لفهم تشكلها التاريخي وتمفصلاتها الإشكالية‏[13]. بعضُ تلك المصنفات انصرف إلى التأريخ لكيفية تبلور فكرة المثقف في التجربة الأوروبية الحديثة، واصفاً الحيثيات السياسية والثقافية التي عجلتْ بميلاد المثقف وبصوْغِ إشكال العلاقة بين المعرفي والسياسي‏[14]، فأتى عمله في صورة وصفٍ لمسار الفكرة تلك في السياق الغربي، دونما احتفال بطبيعة حضورها في الفكر العربي والمفارقات التي يطرحها على المشتغلين به. في مقابل ذلك، انصرف بعضٌ آخر، من تلك المصنفات، إلى العناية بوضعية المثقف في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، انطلاقاً من الدور الذي يمكن، أو بالأحرى ينبغي، أن يطلع به في الإجابة عن أسئلة النهضة ورهاناتها. كانت تلك حال عبد الله العروي الذي ألف، رأساً، أزمة المثقفين العرب‏[15]، وانبرى يعيب عليهم رسوخهم في نزعةٍ تقليديةٍ مجافية للحداثة التي ما انفك يدعو إلى استيعاب درسها، فكان من الطبيعي أن يعتبر أن «صلاح حالنا مرتبط بصلاح حال مثقفينا»‏[16].

والملاحظة عينها يمكن أن تقال عن عبد الإله بلقزيز الذي انتبه، منذ كتاباته الأولى، إلى ضرورة الاهتمام بالثقافة والمثقف‏[17]، بحكم الأدوار التي يضطلعان بها في تحديد مسار النهضة والحداثة في الوطن العربي. لم يكن اهتمام بلقزيز بالعامل الثقافي محض مصادفة؛ إذ بمقدار ما ينم تحليلُه للمسألة الثقافية عن وعيٍ بمحدودية المقاربات التي ارتكز عليها الوعي العربي في بناء تصوره لأسباب التأخر التاريخي وسبل الخروج من خندقه، كالتحليل الاقتصادي والسياسي‏[18]، بمقدار ما يعني، كذلك، أهمية العامل الثقافي في تحديد فهمنا لكثيرٍ من مفاهيم الفكر الحديث المحورية، من قبيل مفهوم الديمقراطية والمواطنة والدولة والسلطة والسياسة‏[19]. ويبدو أن الانتباه إلى مركزية العامل الثقافي يُمثل مقدمةً رئيسيةً لفهم تلقي بلقزيز مفهوم المثقف واشتغاله عليه، في ظل شرطه التاريخي الذي انتدب نفسه لتحليل تمفصلاته والإجابة عن كثيرٍ من أسئلته. بذلك يكون اهتمام هذا المفكر بمفهوم المثقف محطة من مسار تفكيره في السؤال الذي شغل جل مساحات متنه النقدي؛ سؤال النهضة والحداثة في الفكر العربي المعاصر. وسيكون من باب مجانبة الصواب النظر إلى مؤلفه نهاية الداعية من دون انتباه إلى ما يربطه بغيره من المؤلفات التي ضمنها تصوره للنهضة والحداثة، طالما أننا نعثر على كثيرٍ من تصوره ذاك في تحليله للممكن والممتنع في أدور المثقفين العرب، انطلاقاً من اعتبار المثقف المسؤول الرئيس عن إنتاج الوعي التاريخي المتحرر‏[20]. نقرأ لبلقزيز في هذا المعرض قوله؛ «تتزايد اليوم حاجة المثقفين العرب إلى التحرر الذاتي؛ التحرر من جملة القيود والعوائق الذاتية التي تقوم بينهم وبين أداء دورهم المعرفي الموضوعي والاجتماعي الإيجابي الفعال (…) وبغير هذا التحرر، لن يكون في وسع الوعي العربي أن يعيش التوازن النفسي الضروري الذي به يكون وعياً تاريخياً فاعـلاً»‏[21]. واضح، إذاً، أن بلقزيز لا ينأى، بمقاربته مسألة المثقف، عن هم التفكير في قضايا الفكر العربي المعاصر وتحصيل أسباب النهضة والحداثة. وواضحٌ، كذلك، أن في تحليله وضعية المثقفين العرب كثيراً من عناصر تصوره لأعطاب الوعي العربي ومكامن الخلل في مسار النهضة العربية.

ليس نهاية الداعية كغيره من الكتب التي عقدها أصحابها في مضمار التفكير في المثقف ووضعه في الوطن العربي؛ فهو ليس عرضاً لنظريات الفلاسفة، غرباً أو عرباً، في هذا الشأن؛ ولا هو مقالةٌ في علاقة المعرفة بالسلطة التي استبدت باهتمام غالبية الباحثين المغاربة. بل هو، بالأحرى، بحثٌ في ما تبقى للمثقف من دورٍ يضطلعُ به بعد الرجّات العنيفة التي زحزحت موقعه في العالم، وعجلتْ بطرح كثيرٍ من التساؤلات عن مقدار الحاجة إليه في ظل تصدع صورته. وعلى مثال العروي الذي أسهب في توصيف أزمة المثقف العربي ورصد وضعه المفارق في مجتمع تقليدي، انصرف بلقزيز إلى بيان الأسباب الاجتماعية (التحتية) التي كرست، في ذهن ذلك المثقف، وظيفة خدمة قضايا الشعب والجماهير التي هيأها له مجتمعه الفقير والأمي والمقهور‏[22]. غير أنه لم يكتفِ برصد سهم تلك الأسباب والتماس العذر للمثقف العربي على نزعته التقليدية ومجافاته الواقع الاجتماعي الذي يتبجح بالتعبير عن همومه وقضاياه، بل أراد لمصنَّفه ذاك أن يكون نقداً ذاتياً آنَ للمثقف العربي أن يمارسه على نفسه، من أجل فضح الأوهام الكبرى التي ما انفكت تكبِّل وعيه وتسوغ، في وجدانه، دور الداعية الذي درَّب نفسه على إتقانه.

عاب بلقزيز على المثقفين العرب إثخانَهم في منزعٍ دعويٍ يضرب بجذوره في تاريخ تصورنا الحقيقة المطلقة، وما ترتب عليه من إيمانٍ بدورهم الرسولي والخلاصي‏[23]. ليس بالعسير على الباحث أن ينقب لذلك الدور عن جذور في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، ولا سيَّما عند كثيرٍ من الفقهاء الذين نصبوا أنفسهم في منزلة ورثة الأنبياء‏[24]، وممثلي السلطة الثقافية‏[25]، الناهضين بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏[26]. لم تكن مصادفة، والحال هاته، أن يجد الدور الرسولي للمثقف سنداً تاريخياً وثقافياً أقام عليه مشروعية وجوده في الثقافة العربية المعاصرة، واستوت، على مقتضاه، أساطير وأوهامٌ عدها بلقزيز في جملة العوائق الذاتية التي تعترض إنتاج الوعي العربي، بل ولم يتردد في إخضاع عمل المثقفين الفكري لمقولات التحليل النفسي قصدَ الوقوف على العوائق غير الواعية التي ما انفكت تصنع وعيَهم، معتقداً أن من يُدقق النظر في إنتاجهم النظري يَلحظُ وجودَ بعض الظواهر التي يُمكن عدُّها ضمن الأمراض والاضطرابات النفسية‏[27]، من نرجسيةٍ، وساديةٍ، ومازوشية، وفوبيائية مرضية‏[28]. كان لهذه الظواهر المرضية وقعُها الكبيرُ على وعي المثقفين العرب، وزاد وضعهَم تعقيداً ما طال رأسمالهم الرمزي (المعرفي) من تهميشٍ من طرف السلطان كما من طرف الجمهور‏[29]؛ إذ لم يعد المطلوبُ من المثقف، بالنسبة إلى السلطة السياسية، قولَ الحقيقة أو ترشيد عمل السياسي، بل أن يلزم الصمت، فباتت الفجوة الفاصلة بينهما غير قابلة للجسر. وما كانتْ حالُه مع الجمهور أفضل من سابقتها مع السلطان، إذ لم تعد معرفته في جملة الأمور المطلوبة من طرف جمهوره الأمي، ولم يكل إليه أحدٌ، من ذلك الجمهور، مهمة التعبير والدفاع عن مصالحه وتغيير العالم من أجله‏[30]. بل إن ما زاد الفجوة بين خطاب المثقف العربي والجمهور عمقاً هو اتساعُ الثقب الاستراتيجي الفاصل بين خطابه ووعي الجماهير على نحوٍ يعيدُ إلى الأذهان الجدلية الكلاسيكية بين النخبة والعامة. إن رصد هذه الأعطاب الذاتية في عمل المثقف كان كافياً لدفع بلقزيز إلى الاعتراف بمحدودية الدور الذي يمكن أن يلعبه في النهوض بالمهمة التي سطرها له ماركس من قبل؛ مهمة تغيير العالم بدلاً من الاكتفاء بفهمه وتفسيره. فهل يمكن أن نقرأ في ذلك اعترافاً جهيراً بنهاية المثقف وانتفاء الحاجة إليه؟ وبأي معنى يكون وضع المثقف وضعاً مأزوماً يحتاج إلى نوعٍ من النقد الذاتي قصد تحرير عملية إنتاج الوعي من مظاهرها المرضية؟ وهل ما يزال للمثقف دور يضطلع به؟

ثانياً: في نقد المُثقف وتشخيص أمراضه

1 – كثيرةٌ هي الأوصاف التي يصف بها بلقزيز وضع المثقف العربي المأزوم، بيد أن من بينها وصفاً نحسبُه أكثرها دلالة على المعنى الذي يضفيه على مفهوم النقد كما ارتأى إلى ممارسته على عمل المثقفين؛ أمراض المثقفين‏[31]. تضرب العبارة بجذورها في مجال التحليل النفسي وعلم النفس المرضي، وبلقزيز لا يلجأ إليها إلا لشعوره بحاجة الوعي العربي إلى إخضاع عملية إنتاجه مقولات التحليل النفسي لما لمسه فيها من قدرةٍ على تحليل أزمة المثقف العربي ووضع اليد على تمفصلاتها النفسية اللاواعية. ليس بالعسير على من يقدم على مثل هذه الخطوة أن يلاحظ حضورَ ظواهر مرضية حاكمةٍ لوعي المثقفين العرب؛ من نرجسيةٍ وساديةٍ ومازوشيةٍ وفوبيائيةٍ، وهذه كلها اضطراباتٌ نفسية ما انفكت تُعبِّد الطريق أمام صناعة أوهامٍ وأساطير كبرى لم يهتد الوعي العربي إلى نقدها وتفكيك أثرها في عمل المثقفين. تقتضي الأمانة الاعتراف بأن بعضاً من هؤلاء انصرف إلى ممارسة نوعٍ من النقد الذاتي كان من شأنه أن يمهد السبيل إلى تفكيك تلك الأساطير، بيد أن ذلك لم يذهبْ، في نظر هذا المفكر، إلى حدودٍ بعيدةٍ تخضع فيها عملية النقد الذاتي، نفسها، للنقد والتفكيك، فكانت النتيجة أن آل النقد الذاتي إلى نزعةٍ «تبسيطية لا تقل سوءاً عن الادعائية الإيمانية الجاحدة كل شرعيةٍ ممكنةٍ لفاعلية التمحيص والمراجعة والنقد»‏[32]، وما حديثُ بلقزيز عن انحراف فعل النقد الذاتي عن وظيفته المعرفية وتحوله إلى فعل جديد من أفعال الأيديولوجيا إلا علامةً على ما يعتور النقد الذاتي من نزعة إيمانيةٍ (وثوقية ومطلقية على حد تعبير بلقزيز) تجعل من كل نقد إيبيستيمولوجي غير ذي قيمة داخل الثقافة العربية المعاصرة. من علامات قصور هذا النقد ما تشهده الساحة الثقافية العربية من حرب أهلية فكرية بين المثقفين، والحال أن بلقزيز لم يجانب الصواب إذْ وصف تلك الحرب بالإرهاب الفكري والفتنة؛ إذ يشي ذلك بمقدار قوة أثر أمراض المثقفين في تأزيم الثقافة العربية‏[33]، بترسيخ الإيمانية والوثوقية وثقافة الصمت، وقد كلف ذلك كله الثقافة تلك ثمناً باهظاً من جسدها وروحها في نظره‏[34]. لا يرى هذا المفكر بديـلاً من التأسيس لثقافة الإنصات، والحوار، وحرية الرأي، وقيمة النسبية، للخروج من وضعية الفتنة والإرهاب الفكري‏[35]، ويحصل ذلك متى أمكن للمثقف العربي خلخلة أوهامه وتفكيك أساطيره الكبرى التي رسخت في ذهنه إيمانه بالحقيقة المطلقة ودوره الرسولي والإرشادي.

2 – بذلك يقود التحليل النفسي لخطاب المثقف العربي إلى الكشف عن الوجه النفسي لأزمته، غير أن ذلك لا ينبغي أن يحملنا على الاعتقاد أن بلقزيز انكفأ بمقاربته إلى رؤية نفسية تختزل أزمة المثقف في بعدها النفسي دونما انتباه إلى غيره من العوامل المتدخلة في صناعة تلك الأزمة. لقد أراد الرجل لكتابه نهاية الداعية أن يكون إسهاماً في إعادة تدوين تاريخ المثقفين العرب على نحو نقدي، فكان من الطبيعي أن يأتي في صورة نقدٍ للعوائق المعرفية التي تعرقل عملية الإنتاج والإبداع الفكري والرمزي في الثقافة العربية. يذكر بلقزيز ثلاثةً من تلك العوائق يسهل على الباحث رصدها في الإنتاج النظري والفكري للمثقفين العرب بحكم ارتباطها الماهوي به؛ فقره النظري والمعرفي، وطابعه الوثوقي المطلقي، ودوره التبريري. لا يجد بلقزيز حرجاً في الإقرار بالفقر النظري الرهيب الذي يرزح وعي المثقفين تحت براثينه، «فالقارئ في التأليف العربي المعاصر، يقول هذا المفكر، وفي المجالات كافةً (…) يكاد ألّا يعثر على كتابة تجنح نحو التجريد والتنظير، والبناء المفهومي للمعرفة، والصياغة النسقية للأفكار»‏[36]. كيف يمكن فهم هذا الفقر النظري؟ هل هو نتيجة كثافة الخطاب الأيديولوجي وطغيانه على مجالات الفكر العربي المعاصر؟‏[37] أم أنه مجرد صدى لنزعة وثوقية لم يستطع المثقف العربي التخلص منها رغم ما مارسه على نفسه من نقد ذاتي؟ يمكن أن نجيب عن هذا السؤال بالقول إن الفقر النظري أتى يعبر عن طغيان الأيديولوجيا والطابع التبريري على خطاب المثقفين العرب؛ وتفصيل ذلك أن إيمان ذلك الخطاب بالمطلقية والوثوقية ما كان له إلا أن يقود إلى بلورة مواقف أيديولوجية لا يحتفل بمتغيرات الواقع وشروطه. وقد زاد من حدة ذلك ما لاحظه بلقزيز من نزعةٍ نصيةٍ وتقديسٍ للسلف عند كثيرٍ من المثقفين العرب بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم الفكرية والأيديولوجية‏[38]. انتهى الأمر بهؤلاء إلى إنتاج أنساق عقائدية مغلقة حلتْ محل المعرفة وآلياتها النقدية‏[39]، وليس في ذلك ما يحمل على الاستغراب، طالما أن تلك الأنساق تغيَّتْ أهدافاً تقعُ خارج نطاق المعرفة والحقيقة، وتنتمي، بالتَبِعَة، إلى مجال الأيديولوجيا والعقيدة (السياسية).

3 – على أن إنتاج الخطاب الدوغمائي المنغلق والتبريري ليس يختزل كل مظاهر أزمة المثقفين العرب في نظر بلقزيز، ما دام تبيُّن ملامح تلك الأزمة يقتضي منا التوقف عند الأوهام والأساطير التي ما انفك هؤلاء يبررون بها وضعهم المأزوم في المجتمع العربي. يتحدث بلقزيز عن أساطير ثلاث يحسبها الأكثر دلالة على أزمة المثقفين: أسطورة الدور الإرشادي أولاً؛ وأسطورة الدور الرسولي ثانياً؛ وأسطورة الدور العلمي المحايد ثالثاً‏[40]. يقدم المثقف نفسه باعتباره مالكاً رأسمالاً رمزياً هو المعرفة، غير أنه لا ينتبه إلى ما طال هذا الرأسمال من تبديدٍ من طرف الجمهور. يعتقد المثقف أن امتلاكه رأسماله المعرفي كفيل بأن يضمن له ولاء الجمهور، فيعيش أسطورة دوره الإرشادي دون أن يعي مقدار مفارقته لواقع حاله، بعد أن «انهار نظام «الإقطاع المعرفي» الذي أرساه المثقفون العرب، وكل المثقفين في العالم، تحت ضربات معاول التقدم الذي أطاح الحدود الفاصلة بين الناس وبين قدرتهم على تحصيل المعارف»‏[41]. لا حاجة بنا إلى التنبيه إلى ما كان للثورة التكنولوجية من سهمٍ في هدم تلك الحدود وفتح عالم المعرفة أمام الجمهور، غير أن بلقزيز يرى أن انهيار أسطورة المثقف المرشد بدأ بانكشاف فساد مقولة امتلاك الحقيقة التي روّج لها المثقفون طويـلاً؛ على يد العلم وثوراته كما على يد التحولات التاريخية الكبرى التي امتحنت «أفكار المثقفين امتحاناً عسيراً، وأعادتها إلى حجمها الطبيعي من حيث هي مجرد محاولاتٍ لإدراك العالم أكثر من كونها حقائق راسخة عنه»‏[42]. كيف يمكن أن نفهم إيمان المثقف العربي بدوره الإرشادي بعد انتفاء شروطه بتعميم المعرفة وإضفاء النسبية على الحقيقة؟ أليس إيمانه بهذا الدور علامةً دالةً على مفارقة وعيه للواقع تحت وقع أسطورة المثقف المرشد؟

إن ما يعزز المفارقة تلك إثخان المثقف العربي في تقمص دورٍ دعويٍ رسولي يحيدُ به عن دوره المبدئي كمنتجٍ للوعي القلق بالراهن. لم يتوقف هذا المثقف عن الإيمان بأن له رسالةً ينهضُ بتبليغها والدفاع عنها، فانتهى به الأمر إلى هَوسٍ رسولي عبَّر عن تضخم النزعة الخلاصية لديه، متناسياً، حسب بلقزيز، أن «الثقافة الدعوية لا تقدم إدراكاً ما للعالم، تصوراً ما عنه، [بل] إنها تنتج مواقف منه»‏[43]. بتحوله إلى داعية يتنازل المثقف عن دوره في مخاطبة العقل، لينصرف إلى مخاطبة الوجدان؛ يتخندق في مواقف مسبقة دونما حذرٍ ولا يقظة معرفية، وكل غايته الظفر بدعم الجمهور له والتبشير بغدٍ يترجم وجدان الذين يدعي التعبير عن مصالحهم والدفاع عنها. زاد الطين بلةً تصاعد الإسلام السياسي الصحوي، وما ساوقه من انفجار متخيلٍ دينيٍ رمزيٍ جيَش الوجدان، وشحذ وعي المثقفين المدافعين عنه‏[44]. تقمص هؤلاء دوراً خلاصياً ونبوياً‏[45] لا صلة له بدورهم المعرفي. ويلاحظ بلقزيز أن هذا الدور الدعوي تضخم أكثر بإعلان كثيرٍ من المثقفين العرب توبتهم واصطفافهم إلى جانب السلطة، وتنازلهم، بالتالي، عن دورهم النقدي‏[46]. لذلك أمكن الحديث، في هذا السياق، عن تلازم في الفكر العربي المعاصر، بين ظاهرة المثقف الداعية وظاهرة مثقف السلطة. لا تخفى الأسباب المادية والتحتية التي تقف وراء ظاهرة التوبة عند المثقفين العرب، إذ إن انتماءهم إلى الطبقة الوسطى واتصالهم المباشر بالدولة والسلطة ما كان له إلا أن يفرض وضعية تبعيتهم للحاكم والدولة‏[47]، وأن يكرس دورهم الدعوي بالضرورة، غير أن ثمة أسباباً أخرى لا يمكن أن نذهل عنها لفهم تلك الظاهرة؛ «ضعف وهشاشة المقاومة المعنوية لدى قسم من المثقفين لم تكن تحصيناته ودفاعاته الأخلاقية من القوة بحيث تزوده بأسباب الحماية من غارات المال والنفوذ وإغراءات التسلق والوصول السهل»‏[48]. لا شك في أن مردَّ هذا الضعف إلى انهيار قيمة الالتزام التي اعتبرها سارتر جوهر عمل المثقف‏[49]، وإبدالها بأخلاق المنفعة كما لاحظ بلقزيز عن حق.

يمكن لمعترض أن يرفض موقف بلقزيز بالقول إن ما يحدد ماهية المثقف هو دوره الأكاديمي وليس التزامه الأخلاقي أو السياسي، بحكم امتلاكه لرأسمالٍ معرفيٍ يُلزمه بتقديم فهمٍ معقولٍ لتحولات الواقع المعيش، وينأى بموقفه عن أي دورٍ تبريريٍ أو دعويٍ. لا يُنكر صاحب نهاية الداعية حاجة الثقافة العربية إلى البحث الأكاديمي الرصين، ولا سيَّما في ظل الفقر النظري الرهيب الذي ينخر وعيها، غير أنه لا يرى في ذلك سبباً كافياً لخلق أسطورة «المثقف المعتكف» باسم رفض الأيديولوجيا والانتصار للمعرفة والعلم تارة، وباسم الاستقلالية والحياد تارة أخرى‏[50]. ويبدو أن ما أغلق الباب في وجه هذا الفهم الأكاديمي الضيِّق لعمل المثقف هو اعتقاد بلقزيز أن المثقف يبقى الشخص الوحيد الذي استطاع تحويل «موضوعات العالم الخارجي – الطبيعي والإنساني – إلى موضوع للتأمل ولإنتاج المعارف والأفكار والتصورات والأنساق النظرية (…)؛ محولاً عملية التفكير، وهي نشاط ذاتي، إلى ممارسة اجتماعية تنشأ عنها بنيات ذهنية تصير، بفعل التمثل الجماعي لها، إلى حقائق مادية موضوعية»‏[51]. لا مجال، إذاً، للتخلي عن الدور الاجتماعي والثقافي للمثقف بذريعة الاعتكاف المعرفي والأكاديمي، إذ إن التزامه يبقى سبباً من أسباب وجوده. وعليه، فإننا «لا نحتاج إلى معركة ضد الإيديولوجيا لصالح العلم، لأن هذه، أيضاً، معركة إيديولوجية. بل نحتاج إلى محاصرة الداعية فينا لصالح الباحث، لأن هذه فعـلاً هي المعركة العلمية»‏[52].

يرصد بلقزيز العلاقة الجدلية التي ما انفكتْ تربط المثقف بمجتمعه، ويرى أنها علاقةٌ بين بنيتين، «هما البنية الثقافية والبنية الاجتماعية. أو، للدقة، علاقة بين الحقل الثقافي والحقل الاجتماعي»‏[53]، بيد أن ذلك لا يعني، ودرءاً لكل سوء فهمٍ، أن الرجل سقط في نزعةٍ ميكانيكيةٍ تختزلُ إنتاج الأفكار في اعتبارها مجرد صدى للواقع الاجتماعي (الطبقي)‏[54]، غير أنه يدرك أهمية دور الالتزام بالنسبة إلى الثقافة ككل، ولا ينفك ينبه إلى الأسباب العميقة الثاوية وراء بروز ظاهرة المثقف المنفصل عن الواقع والمجتمع، من قبيل شعور هذا المثقف بالإخفاق وضعف الحس التاريخي لديه، أو بسبب رغبةٍ مؤسساتيةٍ في الرقابة على المعرفة باسم التقاليد الأكاديمية الصارمة‏[55].

والحال أن فكرة الالتزام ذات الأصول السارترية تبقى المنبع الرئيس الذي نهل منه بلقزيز تصوره لعلاقة المثقف بالمعرفة والسلطة والمجتمع، فعنها صدر في قوله إن المثقف المنفصل، وخلافاً لما هي عليه حال المثقف المندمج، يكتفي بتحول الواقع إلى مادةٍ باردة للتأمل لا صلة لها بالرهانات الاجتماعية والسياسية الحاكمة لوظيفة الالتزام‏[56]. وعنها صدر، كذلك، في حديثه عن نزعةٍ نخبويةٍ انعزاليةٍ متضخمةٍ عند المثقفين العرب رأى فيها عائقاً من عوائق تحول المعرفة إلى عاملٍ فعال في الحياة السياسية والاجتماعية، وهو ما يعني أن دور المثقف لا يستقيم إلا «حين ينجز مصالحةً حقيقيةً مع الشعب، ومع الواقع، ومع الالتزام السياسي بمعناه الواسع لا بمعناه التنظيمي الضيِّق»‏[57].

هل يعني هذا أننا أمام دعوةٍ شعبوية ترى في المثقف كائناً منصهراً في هموم الشعب ولغته؟ لا يبدو أن الأمر كذلك؛ فمن المعلوم أن بلقزيز ما اطمأن يوماً إلى النزعة الشعبوية التي اكتسحت مختلف مجالات الوعي العربي المعاصر، في حيزه السياسي‏[58] كما في مستواه الثقافي، وما تشديده على الفقر المعرفي الذي يعتور الوعي العربي المعاصر إلا علامة على وعيه بالحاجة إلى الوظيفة الأكاديمية للمثقف، بل إن تمسكه بهذا الموقف لا يضارعه، من حيث الأهمية، إلا تشديده على حفظ المسافة النقدية الفاصلة بين السلطتين الثقافية والسياسية من جهة، وبين المثقف وهمومه المعرفية والأكاديمية من جهة ثانية. واضح، إذاً، أن تصور هذا المفكر لمهمة المثقف تتحدد في ظل هذا المثلث العلائقي الذي يربطه بالمعرفة والسلطة والمجتمع‏[59]، مما يعني أنه لم يقدم على نقد المثقف وإنتاجه النظري بغرض تقويض مشروعيته، بل من أجل وضع اليد على الممكن والممتنع في أدواره، في ظل وعيه بالعوائق الذاتية والشروط الموضوعية المؤطرة لعملهم. كيف يتحدد دور المثقف في ظل جدلية الممكن والممتنع؟ بأي معنى تكون بداية المثقف سليل نهاية الداعية؟ هل مجرد قتل الداعية في عمل مثقفينا كفيل بضمان ميلاد المثقف؟ أم أن موت الداعية ونهايته ليس إلا لحظة من لحظات العبور إلى ميلاد المثقف عندنا؟

ثالثاً: الممكن في دور المثقف

رغم النقد الجذري الذي شَهَره بلقزيز في وجه المثقف وعمله النظري في الوطن العربي، فإنه لم ينته إلى الإقرار بموت المثقف ولا بانتفاء الحاجة إليه، وليس في ذلك ما يحمل على الاستغراب، وخصوصاً أن صاحب نهاية الداعية ما انقطع يوماً عن الإيمان بحاجة الوعي العربي المعاصر إلى المثقف ودوره للخروج من وضعية توازنه المختل، لذلك كان من المفهوم أن يدعو إلى إعادة النظر في مفهوم الالتزام الذي استقام على مقتضاه مفهوم المثقف في الوعي الفلسفي المعاصر، والعمل على إعادة تأسيسه انطلاقاً من الرهانات الحاكمة لوضعية الفكر العربي اليوم. وحده ارتياد هذه الدرب من شأنه أن يحول دون الأيلولة إلى إحياء الأساطير الكبرى التي كانت وراء ظهور الداعية. ولعلنا لا نُجانب الصواب إذ نقول إن هذا الموقف ينم عن منزعٍ واقعي في النظر إلى قيمة المثقف ومكانته في المجتمع، بعيداً من وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وبعيداً، كذلك، من أسطورة الوصاية على الآخرين وإملاء آرائه عليهم، فلم «يعد مطلوباً منه (=المثقف) أن يكون مسيح العالم الذي يملك خلاص البشرية، والشعب، والأمة، والطبقة…إلخ، أصبح مطلوباً منه أن يكون مثقفاً فحسب، أي فاعـلاً اجتماعياً يسمح له الاختصاص بأن يجتهد في تفسير العالم، والمحيط الاجتماعي، لتقديم معرفةٍ أكثر رصانة وشمولاً عنه»‏[60].

لا يستقيم الحديث عن دورٍ مكنٍ للمثقف إلا في ظل الوعي بالشروط المحددة لوجوده والنظر إليه باعتباره فاعـلاً اجتماعياً. من المؤكد أن الحس الواقعي الذي يسم مقاربة بلقزيز لهذه المسألة يصدر عن هوسٍ بخطر انفلات ذلك الدور من عقاله ليهوي بصاحبه إلى منزلة الداعية. لذلك ينبغي التنبيه إلى أن حصره وظيفة المثقف في بعدها الفكري والاجتماعي (باعتباره فاعـلاً اجتماعياً) ليس حطاً من قيمتها ولا اختزالاً لأهميتها، بل محاولة لوضعها في مكانها المناسب ليس إلا. يتضح ذلك كلما انتبهنا إلى المعنى «الجديد» الذي يضفيه الباحث على مفهوم الالتزام الذي أخرجه من حيزه التقليدي كما حددته الأدبيات الماركسية وفلسفة سارتر؛ فهو يرى أن ثمة ثلاثة عناوين لمثل ذلك الالتزام: التنوير؛ والاستقلال الذاتي؛ والسيادة الثقافية‏[61]. ليس بالعسير على المرء أن يُلاحظ أن الحاجة إلى الدور التنويري للمثقف ما تزال قائمة، بل هي اليوم أكبر وألحّ من أي وقت مضى، ولا سيّما «وأن إرادة التجهيل والتكديح العقلي مستمرةٌ في الجهر بنفسها على نحوٍ سافرٍ في برامج السلطة القائمة». من يُدقق النظر في هذا الموقف يُدرك أن الدور التنويري للمثقف ليس مجرد دورٍ معرفيٍ صرف، بقدر ما هو دور يعيد ترتيب أوضاع العلاقة بين السلطة والمجتمع، إذ يتضمن «الدفاع عن جملة من المبادئ الحيوية والضرورية لكل تقدم اجتماعي، دفاعاً قد يحتاج إلى الشجاعة الأدبية عينها التي كان عليهم أن يتحلوا بها في وجه عسف السلطة بالأمس»‏[62]. خلف هذا الإيمان بقدرة المثقف على خلخلة التسلط والاستبداد يثوي وعيٌ بالدور الذي لعبه المثقفون في التقدم الذي عرفه العالم الغربي، في مستواه السياسي كما في مستواه الثقافي. كان على هؤلاء أن يدافعوا عن الاختيار العقلاني وأن يعملوا على ترسيخه في العقل الغربي في مستوييه النظري والعملي، وبلقزيز لا يتردد في الإحالة على هذه التجربة للقول إن الدور التنويري للمثقف العربي يقتضي، هو الآخر، الإيمان بالعقل والعقلانية‏[63]، رغم كل ما يمكن أن يُقال عن الشروط والظروف التي تحول دون التفاؤل حيال مسألة العقلانية في الوطن العربي. يلزم عن هذا الدور التنويري الوعيُ بالحاجة إلى استقلال المثقف عن السلطة السياسية كما عن المجتمع للنهوض بمهمة «حماية حق العقل، والوعي، في ممارسة نشاطه الطبعي دون حجر أو تقييد»‏[64]، بما يستلزمه ذلك من تحرير للرأي وإعادة ترتيب أوضاع السياسة الثقافية في الوطن العربي حتى تغدو أقدر على تلبية حاجتها إلى الأمن القومي والثقافي‏[65].

لا يخفى على القارئ ما يمكن أن يثيره هذا الموقف من اعتراضات ترى فيه موقفاً مثالياً قياساً بما سبق لصاحبه أن رصده من ضعف موقف المثقف وهشاشة موقعه في المجتمع؛ فكيف يعقل أن يُعوَّل على دور المثقف وهو المستضعف من طرف السلطة السياسية والمستهجن من طرف المجتمع؟ أليست الدعوة إلى نهاية الداعية فكاً للارتباط بين الثقافة والسياسة؛ بين المثقف والسلطة؟ وأي معنى يبقى للالتزام في هذه الحالة؟

من البيِّن بنفسه أن هذا الاعتراض يصدر عن فهم للسلطة تكون بمقتضاه هذه الأخيرة سلطة تحتكرها الدولة دون غيرها من مؤسسات الدولة، وهو ما يفترض، مسبقاً، عدم احتياز المعرفة أي شكل من أشكال السلطة. يرفض بلقزيز هذه الرؤية الضيقة للمعرفة ويأبى إلا أن يعتبرها سلطة معرفية، فهي سلطان معرفي على حد تعبيره‏[66]، لذلك كان حرياً بالمثقفين أن يخدموا سلطان المعرفة بدلاً من أن ينصرفوا إلى خدمة سلطان السياسة، إذ في ذلك يكمن دورهم الطبيعي في نظر هذا المفكر‏[67]، وفي ذلك يكمن المعنى الحقيقي الذي يمكن أن نضفيه على مفهوم الالتزام نفسه. من هذا المنطلق حق لنا القول إن تحليل بلقزيز لمسألة المثقف وموقعه في الثقافة العربية كان، في جوهره، مراجعة لمفهوم الالتزام ومحاولة لوضعه في إطاره النظري وسياقه المناسب. لا يعني الالتزام، في سياقنا هذا، التبشير بدور رسولي للمثقف، كما لا يتضمن أي دعوة إلى حفر فجوة غير قابلة للجسر بين السلطة الثقافية والسلطة السياسية، وكل ما يشير إليه هو ضرورة إعادة بناء الصلة بينهما «على النحو الذي يعيد لسلطان المعرفة والثقافة اعتباره الذي ضاع في تضاعيف الخضوع والسخرة اللذين مارسهما المثقفون دون أن تفيد منهما السياسة فائدةً»‏[68].

خاتمة

كانت الغاية التي وجهت هذا المقال الوقوف على الكيفية التي تلقى بها الفكر الفلسفي المغربي مفهوم المثقف باعتباره سليل المنظومة الفلسفية الغربية المعاصرة. اخترنا بلقزيز لأنه يبقى، في نظرنا، من أغزر الذين كتبوا في الموضوع أولاً، وبحكم زاوية النظر التي أطل منها على مسألة المثقف والثقافة ثانياً؛ إذ هو لم يكتف بتقديم صورة عن مناولة الفكر الغربي لذلك المفهوم، بل ارتأى إلى الإسهام في إعادة بلورته انطلاقاً من السياق العربي الذي في خضمه، وفي خضم همومه، كتب كل ما كتبه من أعمال نقدية. بذلك يتقاطع في عمل بلقزيز هاجس التعريف بمفهوم المثقف في الثقافة العربية بهاجس توطينه في سياق تلك الثقافة وجعله قادراً على التعبير عن قضاياها بحسبانه مظهراً من مظاهر اختلال توازن الوعي العربي. انتبه مفكرنا إلى مركزية فكرة الالتزام ومحوريتها في تأسيس مفهوم المثقف في السياق الغربي كما في السياق العربي، غير أنه فطن كذلك إلى ما أصابها من تحريفٍ حادَ بها عن مهمتها الرئيسة التي من شأن اضطلاع المثقف بها أن يجعل دوره أداة إفادة للثقافة العربية ككلٍ. لذلك ما كان لبلقزيز أن يستعيض عن فكرة الالتزام بأخرى يبني عليها تصوره للمثقف، لِما أدركه في ذلك من نسفٍ لحقيقة المثقف، بل وجدناهُ يعولُ على الالتزام بعد أن أعاد ترتيب أوضاعه وسطر للمثقف دوراً يضمن له إقامة علاقةٍ متوازنةٍ مع القوى الفاعلة في مجال الثقافة؛ مع السلطة والمعرفة والمجتمع. يتأتى ذلك من طريق حفظ مسافة نقدية إزاء كل واحد من تلك المحددات وضمان الاستقلال اللازم والضروري للمثقف. من الممكن أن نتفهم، إذاً، سبب تنازلِ بلقزيز عن المهمة التي سطرها ماركس من قبل للمثقفين، مهمة تغيير العالم، واكتفائهِ بدور فهم العالم وتفسيره الذي عابه عليهم صاحب الرأسمال، نظراً إلى ما رآه في لهث المثقفين وراء أمل التغيير من تهديد لماهية دورهم وإفسادٍ له؛ إذ من جوفه خرج الداعية الذي ابتلع المثقف وزج بالثقافة العربية في أتون أساطيره التبشيرية والخلاصية، بل والرسولية كذلك. لقد «آن للداعية – يقول بلقزيز – أن يصمت، وأن ينسحب من المشهد بهدوء، كي يُفسح فرصة للمثقف الباحث كي يزوِّد ثقافته بمساهمة هي في عوز إليها. آن له أن يحترم دوره، وأن لا يتعدى حدود المعرفة فلا يظلم نفسه. لم تعد المرحلة تتحمله، أو تتحمل ثرثرته الببغاوية ومهاراته الكلامية. فالدعاة أدعياء بلا زيادة ولا نقصان…»‏[69]، لذلك كانت نهاية الداعية، أو موته إن شئنا الدقة أكثر، شرطاً قبلياً لميلاد المثقف عندنا، ولعلنا لا نجانب الصواب إذْ نقول إن الداعية لم يصمت تماماً، وأن الحديث عن موته ما يزال أمـلاً عسير التحقق في ضوء تضخم أوهام الدعاة واستفحال حضورهم في الثقافة العربية المعاصرة. بين نهاية الداعية وميلاد المثقف مسافة هي عينها التي يحتاجها الوعي العربي لتحصيل أسباب توازنه النفسي والمعرفي، لذلك فضَّل بلقزيز الحديث عن الممكن والممتنع في أدوار المثقفين، بدلاً من التبشير بميلاد قريب للمثقف عندنا.