إن هذه الدراسة، في أبعادها المفاهيمية النظرية، هي بحث هادئ مختصر حول بعض فخاخ النيوليبرالية وشيء من خطاياها الكبار في سياقاتها التطبيقية في تجارب دولية عديدة (في المركز والأطراف). أما في جوانبها التطبيقية، فهي ساعية لطرح مقاربات أولية حول مدى صلاحية أو نجاعة النيوليبرالية لتكون ركيزة للإصلاح والتنويع الاقتصادي في الأقطار الخليجية وفق معطياتها المجتمعية والاقتصادية، ما يجعلها تتلمس أبرز آثار النيوليبرالية وانعكاساتها وتكاليفها اقتصادياً ومجتمعياً بالتطبيق على الأقطار الخليجية، وتستكشف مدى إمكان ابتكار أو حتى تلفيق عقيدة اقتصادية تلائم ظروف هذه الأقطار وتستجيب لحاجاتها الحالية والمستقبلية، بما يكرس التنمية والاستقرار المستدامين على أسس صلبة. تتأسس هذه الدراسة على مبدأ، أو مسلمة، أن الاقتصاد علم اجتماعي بامتياز، وهو أمر لا يسوّغ الفصل بين الاقتصاد والسياسة، مهما كانت الدواعي أو المسوغات، نظرية أم عملية.

وفي سعيها للإجابة عن الأسئلة، تطبق الدراسة منهجاً وصفياً نقدياً تفسيرياً في إطار تحليلي يلوذ بقدر من التشخيص الثقافي الحضاري، بما يمكّن من إخضاع النيوليبرالية – بوصفها مفهوماً مترحلاً متغوِّلاً – لملاحظات تراكمية في بُعديها الأجنبي والأهلي وبنظرة تحليلية تستمزج آراء كبار الاقتصاديين والاجتماعيين، مع إيلاء عناية خاصة للآراء العلمية والنقدية لمفكري الخليج العربي ومحلليهم حول مسائل الدراسة وقضاياها الكبار، وتدعيم كل ما سبق بالإحصاءات والأرقام والتواريخ ذات الدلالة التفسيرية والتقويمية الجيدة.

أولاً: النيوليبرالية؛ النشوء والهيمنة والسيرورة والخطايا

تتمثل ركائز النيوليبرالية (أو الليبرالية الجديدة) بحرية السوق (أي عدم التدخل الحكومي في السوق)، والفردانية الشخصية، والخصخصة. من دون الإيغال في استتباع صفحات الماضي وتقليبها بشأن تاريخ هذه النيوليبرالية، يمكننا افتتاح مسرح تاريخ الاقتصاد السياسي على مشهد الكساد العظيم سنة 1929 متذكرين أن شخصية محورية عبّرت عن إيمانها بأن السبب الرئيس لهذا الكساد هو الحريات المفرطة للسوق، والمراكمة الفاحشة للثروات الخاصة (وهو الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت)[1]. وقد شكل ذلك منعطفاً تاريخياً لانشراخ الليبرالية الكلاسيكية. وفي هذا إعلان لبداية ولوج «الكينزية» الكلاسيكية بوصفها العقيدة الاقتصادية الناجعة التي يجب أن تحل محل ليبرالية «دعْهُ يعمل دعْهُ يمر». وبالفعل، حلق الاقتصاد الأمريكي – ومعه حليفه الأوروبي – في سماء «كينزية» لا تؤمن بأن السوق قادر على التصحيح الذاتي، الأمر الذي يستوجب قدراً جيداً من التدخل الحكومي[2]. كان ذلك بُعيد الحرب العالمية الثانية، وتحققت نتائج اقتصادية مذهلة وفق العديد من المؤشرات. وفي سبعينيات القرن العشرين أصيب الاقتصاد بركود متوقع، إلا أنه تحول إلى ركود تضخمي خطير غير منتظر[3]. إبان العقود «الكينزية» الزاهية، وحينها لم تكن الليبرالية نائمة ولا مستسلمة، بل كانت تُعِدّ أبطالها من العلماء والباحثين (مثل هايك وفريدمان) للإغارة من جديد على «الكينزية» بقالب النيوليبرالية (الزاعم بتجاوزه ليبرالية آدم سميث والسماح بتدخل حكومي معقول)[4]، وتحقق لليبرالية مرادها في الثمانينيات بعد استفحال الركود التضخمي وعجز «الكينزية» عن إيجاد حلول ناجعة سريعة، فطبقت تاتشر ومعها ريغان نهجاً متطرفاً من النيوليبرالية، فكان ذلك للأسف على حساب دولة الرعاية الاجتماعية؛ ليس ذلك فحسب، بل صاحبه ارتفاع في البطالة وخلق للطبقية واتساع للتفاوت واللامساواة مرة أخرى، وتفكيك للنقابات، وخصخصة للمشاريع العامة، وخفض للضرائب على الشركات ونحو ذلك[5].

مع سعي النيوليبرالية لفرض هيمنتها في المؤسسات الاقتصادية الدولية والإقليمية والوطنية والمؤسسات التكوينية (التعليمية) أيضاً[6]، نوّعت هذه النيوليبرالية المزاعم التنظيرية في الأطر الاقتصادية وما يتبعها من مسائل وملفات اجتماعية، إلا أن الأكثر أهمية هو الجوانب التطبيقية المتحققة فعلياً، حيث إنها تفند كثيراً من هذه المزاعم. ومن أهم هذه الحيثيات المفندة ما يتعلق بحرية السوق، حيث أثبتت دراسات عديدة – بحجج منطقية وحجج عملية – أن تقييد السوق ليس شراً محضاً، بل إن ثمة فوائد عملية لا يمكن تحقيقها إلا بتدخل حكومي رشيد[7]، معرِّية استخفاف النيوليبرالية بالعدالة الاجتماعية وعدم احتفائها بها، إنْ تنظيراً أو تطبيقاً[8]. على أن هذه الدراسة تشدد على وجوب تحقيق التوازن في المعالجة التحليلية النقدية؛ إذ لا يسوغ التوجه نحو ملكنة هذه الليبرالية أو شيطنتها، في نهج ينأى من الأطر الأيديولوجية الضيقة أو المُضيِّقة للمعالجات التحليلية النقدية المحايدة المستقلة.

وفي مسار تحليلي نقدي لهذه المزاعم التنظيرية، يمكن استعراض خمس من الخطايا العملية المتحققة لهذه الليبرالية الجديدة، مع الإشارة إلى التوسل بصيغ منكرة للتعبير عن هذه الخطايا، من أجل إشارة مضاعفة إلى كل من: الدهاء والتفنن في اقتراف الليبرالية الجديدة لهذه الخطايا من جهة أولى، ولانهائية مخادعتها من جهة ثانية. وهذه الخطايا هي:

1 – طبقية جائرة

يقرر جون ستيورات مل قدسية العدالة الاجتماعية وتربعها الواجب على سلّم الأخلاق[9]، ويشدد إدموند فيلبس على حاجة الناس إلى أن يكون الاقتصاد جيداً وعادلاً في آن[10]. إن التحليل المتأني لكثير من المؤشرات، يجعلنا نقرر أن النيوليبرالية تميل إلى إعادة توزيع الثروات أكثر من خلقها، فهي تهندس السوق بما يراكم الثروات الخاصة على نحو يخلق تفاوتاً متصاعداً ولامساواة غير مسبوقة. هنالك شواهد ومؤشرات إحصائية عديدة تعضد ذلك، ومنها أن ثروة 1125 مليارديراً – وفق مجلة فوربس 2008 – تلامس 4400 مليار دولار، وهي تعادل ما يحصل عليه نحو 3 مليارات شخص (أو ما يمثل سكان كل من الهند وباكستان وبنغلادش وتايلاند وماليزيا وفيتنام والفيليبين والقارة الأفريقية بأكملها)[11]. وقد أثبت مثل هذا التفاوت واللامساواة في الاقتصاد الليبرالي الأمريكي في عدة دراسات علمية رصينة، كما في كتابَي: ثمن التفاوت والانقسام الكبير لجوزيف ستيغلتز. وتؤكد المؤشرات الاقتصادية والإحصائية في مثل هذه الدراسات كذب نبوءة الرئيس الأمريكي «جون كيندي» حين زعم أن: «التيار سيحمل القوارب كلها نحو الأعلى»[12].

وثمة مؤشرات وشواهد أخرى في الاقتصاد الليبرالي الألماني كما في أبحاث ماركوس غرابكا، التي يؤكد فيها تآكلاً مطرداً للطبقة الوسطى وارتفاعاً مقلقاً لمعدلات البطالة في ألمانيا، ويثبت تحذير الباحثين الألمان من الخطورة البالغة للامساواة والطبقية المتنامية، وإمكان أن يقود ذلك إلى تفتيت الوحدة والاستقرار الاجتماعيين[13]. وتُعَد أبحاث الفرنسي توماس بيكيتي في كتابه الذي ذاع صيته: رأس المال في القرن الحادي والعشرين؛ بالغة الثراء والتنوع، حيث شمل الكتاب تحليلاً لبيانات تغطي ثلاثة قرون تقريباً، مما يزيد دلالتها وعمقها في تتبع دراسة أثر تراكم رأس المال والثروات الخاصة وأثر التفاوت واللامساواة وتمظهراتها. ومن بين المؤشرات الدالة ما خلص إليه بيكيتي من أنه في عام 1987 كان هنالك 5 مليارديرات مقابل كل 100 مليون شخص (يحوزون 0.4 بالمئة من إجمالي الناتج العالمي)، وارتفع عددهم إلى 30 (مع حيازة نحو 1.5 بالمئة) في عام 2013 واستمرار نمو ثرواتهم سنوياً بمعدل 6.4 بالمئة[14]، مشيراً إلى أن قوى السوق تواصل تحكمها في آليات إنماء الثروات الخاصة، الأمر الذي قد يخلق زعزعة للاستقرار والأمن[15]. ما سبق، يجعلنا نؤكد حقيقة وجود خلل بنيوي في النيوليبرالية من شأنه تكريس تصاعد الطبقية واللامساواة، وهذا ما يقودنا إلى هذه المقولة المكبسلة: النيوليبرالية تمنحنا جميعاً حرية متوهمة، وتُكسب الكثيرين منا فاقة أكيدة.

2 – لاتكافلية اجتماعية

اللاتكافلية الاجتماعية هي الخطيئة الثانية التي نعرض لها في هذه الدراسة. فالنيوليبرالية هي فلسفة منمية للاقتصاد بقوالب داروينية نيتشوية، مستخدمة قوتها لإضعاف برامج الرعاية الاجتماعية، وتمجيد الفردانية بصيغها الصراعية الذاهبة إلى تحميل الضعفاء والفقراء الفشل في تحصيل الثروات والمنافع، متخذة ذلك متكأً للنيل من سقوف الإنفاق العام الداعم للخدمات العامة الضرورية أو الأساسية، حتى لو قاد ذلك إلى تفشي الطبقية والفقر وإنهاك بيّن للتكافل الاجتماعي، ونمو مربك للبطالة[16]، وهي ميَّالة بإفراط إلى خصخصة المشاريع العامة. وهنا نذكّر بمقولة ذاع ذكرها إبان الليبرالية التاتشرية المتطرفة حيث كان بعض البريطانيين يطالب بضرورة وقف «التفريط في فضيات العائلة»[17]، مؤكدين أهمية مثل هذه المقولة، إذ قد يحتاج الخليجيون إليها قبل شروعهم في خصخصة بعض ذهبياتهم.

3 – «حبائل مديونية»

تعمد النيوليبرالية إلى تقوية مؤسساتها المالية من أجل بسط نفوذها، وتمكين المصارف الكبرى من اللعب بالأوراق الرابحة وفق المعطيات؛ ففي الرخاء تلوذ هذه المصارف برايات القوة: «نحن من الأهمية بحيث لا يجوز إخضاعنا للتوجيه الحكومي»؛ وفي الشدة تلجأ إلى التخويف: «نحن كبار جداً إلى درجة لا تسمح أبداً بتركنا نسقط»[18]. وبعد تأمين مكائن الديون (المصارف) على هذا النحو، تتصيد النيوليبرالية الدول والمؤسسات بحبائل الديون، ومنها تجارب دول في أمريكا اللاتينية كالأرجنتين، التي كانت ديونها في عام 1976 ما يقارب 7 مليارات دولار فقط، لتصبح 139.3 مليار في عام 1996، مع تخصيص نحو 90 بالمئة من هذه المديونية لمصلحة الأنشطة المالية المغامرة (وهي لعبة أخرى للنيوليبرالية)[19]. ولكي تمارس النيوليبرالية التصيُّد بالديون بكل احترافية، تسعى – كما في الولايات المتحدة الأمريكية – لوضع برامج تكوينية من شأنها تأهيل ما بات يسمى «قتلة اقتصاديين»(Economic Hit Men, EHM) ، ومن بينها التجربة المثيرة لأحد هولاء القتلة – وهو جون بركنز (John Perkins)[20]، وتتورط هذه الليبرالية الجديدة بنفس مكيافيلي قذر في دعم عمليات للتزوير في الانتخابات أو دفع رُشى لتمرير فساد هنا أو هناك[21].

4 – احتجاجات مجتمعية

هنالك صور متكاثرة للحراك الاحتجاجي ضد الممارسات التنموية الليبرالية الجائرة بيئياً والمنمية للروح الاستهلاكية بين البشر، في ظل تهميش أو تعطيل جوهر الممارسات الديمقراطية الحقيقية[22]، مع الإشارة إلى أن البعض يتهم النيوليبرالية بدعم الاستبداد كما في حالات الأرجنتين وأندونيسيا والصين وتشيلي [23]، ويمكن التذكير هنا بمقولة صدق فيها ألن غرينسبان حين أكد على أن النمو الاقتصادي المعاصر هو في مصلحة الطبقات الغنية، محذراً من التوترات الاجتماعية التي قد تقود إلى تحولات اقتصادية مربكة[24].

5 – سَوْقَنَة وَسَلْعَنَة

ثمة دعوة متأصلة في النيوليبرالية إلى الاستهلاكية المفرطة، مكرسة لـ«وجودية ليبرالية»، تتمثل بـ«أنا أتسوق فأنا موجود»، أو «أنا ما أشتري»[25]. ولتأكيد هذه الوجودية الاستهلاكية، نعرض لبعض المؤشرات الاستهلاكية في الوطن العربي، حيث وصل الإنفاق الاستهلاكي كما في عام 2014 إلى ما نسبته 64.4 بالمئة (60.1 بالمئة في 2013)[26]. أما في الخليج العربي فقد لامس هذا الإنفاق 865.5 مليار دولار في عام 2014 مقابل 780 ملياراً في 2013، مرتفعاً بنسبة 11 بالمئة[27]. وفي خضم الحمّى الليبرالية الجديدة، تنزع الوجودية الاستهلاكية إلى تسليع كل شيء، بما في ذلك «سلعنة الطبيعة» حتى لو أدى ذلك إلى تدمير البيئة ونسف مكوناتها وأنظمتها وتنوعها الحيوي. ولتحقيق ما سبق بأعلى درجة ممكنة من الكفاءة والفاعلية، تعقد الليبرالية عقداً مع «غول التقنية»[28]، وتغض الطرف عن الآثار السلبية، ومنها أن التقنية تأتي أحياناً على حساب تشغيل الإنسان، وحينها تهتف الليبرالية: لا تقلقوا فالسوق قادر على خلق وظائف جديدة.

ثانياً: تنويع الاقتصاد الخليجي.. الجفوة والفجوة!

لئن كان الجزءان الأولان مشدودين للأطر النظرية والمفاهيمية في النيوليبرالية، فإن هذا الجزء ينشط لتهيئة قاعدة معرفية لتأسيس منصات التطبيق على الاقتصاد الخليجي، حيث نعرض فيه أبعاداً أساسية في اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي العربي، مركزين على المسائل ذات العلائق المباشرة بالتنويع الاقتصادي الخليجي.

لا جدال حول الأهمية الكبيرة للنفط بوصفه المصدر الرئيس لاقتصاد كثير من الأقطار الخليجية، بطريقة لا تجعلنا مبالغين بتقرير تورط الاقتصاد الخليجي بريعية النفط (الكربون) عبر النسب العالية للإسهام النفطي الريعي (يصل إسهامه إلى نحو 90 بالمئة في بعضها). ومع القول بآثاره السلبية اقتصادياً وبيئياً، يتعين التحذير المباشر من هجمات الهيدروجين على كربون الخليجيين[29]، ولا سيَّما بعد التطور الكبير في تصنيع هذه البدائل وانخفاض تكاليفها ومخاطرها مع مرور الوقت، مقابل انخفاض أثمان النفط وتقلبات أسعاره وارتفاع آثاره البيئية المدمرة وتكاليفها المباشرة وغير المباشرة. وفي سياق الطاقات المتجددة، نذكِّر بالتجربة الأيسلندية الجسورة التي تتوشح بتحد مفاده: سنصبح المملكة العربية السعودية لاقتصاد الهيدروجين[30]. وهو ما يفرض تساؤلاً جوهرياً: هل ثمة يقظة طاقوية خليجية؟ هنالك ممارسات رائدة في بعض الأقطار الخليجية في هذا المضمار، إلا أنها غير كافية مع التشديد على ضرورة حسن توجيه الأموال الكافية أوقات الطفرة والوفرة للمشروعات الاستراتيجية الطاقية ونحوها، مع التشديد الجازم على أهمية الادخار الحقيقي، ومشيراً إلى أن معدل الإدخار الخليجي هو بالسالب وتحديداً (- 5 بالمئة) في الفترة ما بين 1997 و 2002، (أي أن الخليج العربي استهلك موارده أكثر من استثمارها)، على أنه قد تحول إلى (+ 5 بالمئة) في الفترة 2005-2011، وهذا أمر إيجابي إلا أنه أقل كثيراً مما يجب (يبلغ الادخار في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 10 بالمئة)[31] .

ويتخلق سؤال آخر حول الصناعات التحويلية الخليجية؟ مقعّداً للأهمية الاستراتيجية لهذه الصناعات في بناء اقتصاد قوي متماسك، يشدد الاقتصادي الخليجي يوسف اليوسف على هذه الصناعات لكونها تخلق استقراراً في الأداء الاقتصادي وتحد من آثار الصدمات الاقتصادية والسياسية، وتوفر مقومات النمو الذاتي المستدام للاقتصاد الخليجي[32]. هنالك بعض المؤشرات الخليجية الإيجابية في الفترة 2010 – 2014 ، إلا أنها إنجازات دون المأمول، مع وجود مشاكل بنيوية كمشكلة العمالة.

وفي اتجاه تعزيز التنويع الاقتصادي الخليجي، يتعين علينا التعرف الجيد إلى الثورة الصناعية الثالثة وفق طروحات تأسيسية لكبار المنظِّرين كجيرمي ريفكن الذي يرى أنها تقوم على خمسة أعمدة، وهي: التحول إلى الطاقات المتجددة، تحويل الأبنية إلى محطات صغيرة، تخزين الطاقات المتقطعة وغير المنتظمة، استخدام الشابكة لجعل مصفوفات الطاقة متداخلة متبادلة، تحول أسطول النقل إلى عربات تعمل بالكهرباء وخلايا الوقود. ليس هذا فحسب، إذ تتزايد أهمية تعضيد الأبعاد الاستراتيجية والاحترافية في مجال التنويع الاقتصادي الخليجي، مع التشديد على الأهمية الاستراتيجية للاقتصاد المعرفي، بما في ذلك بناء مقومات تأسيس مدن المعرفة والتعامل الذكي مع ملفات استراتيجية (كالبيانات الكبيرة والذكاء الصناعي) والتي يمكن أن تكون رافداً لتنويع الاقتصاديات الخليجية.

 

ثالثاً: الاقتصاد الخليجي.. تسييسه ولبْرَلته

التحليل المتأني للعديد من المؤشرات ذات الصلة، يجعلنا نقر بنجاحات تنموية خليجية وبالأخص في مجالات البنى التحتية والمؤسسات التعليمية والصحية والمصرفية، مع قدرة عالية على الاندماج في الاقتصاد المعولم[33]. وهذا التحليل نفسه يلجئنا إلى الإقرار بأن «الاقتصاد المسيس» هو النمط الأكثر شيوعاً وتأثيراً في الممارسات الاقتصادية العربية (ومنها الخليجية)[34].

بلورت الأقطار الخليجية رؤى وبرامج للإصلاح والتنويع الاقتصادي منذ 2008، على أن ثمة تشابهاً كبيراً من جهة الأهداف والبرامج والآليات والشعارات؛ والعامل الاقتصادي هو حجر الزاوية في الرؤى الخليجية وبرامجها التحولية. ومثل هذا الاشتغال يمكن أن يعد مؤشراً إيجابياً على الاهتمام النوعي بملف التنويع الاقتصادي مقارنة بعقود خلت، ويبقى التحدي الأكبر دائراً حول مدى قدرتها على الانعتاق بهذه الأقطار من الريعية والانفكاك من قبضة الكربون، والحؤول دون خسارة المزايا النسبية الفعلية، في سياق لا يمكن من بلورة مزايا تنافسية مستدامة.

وفي ما يخص مظاهر لبرلة الاقتصاد الخليجي ومراحلها، فإنه يمكننا ممارسة نوع من التوصيف العام لهذه المراحل بوصفه شكلاً لتحقيب تأريخي أولي. في هذا الاتجاه، تم الخلوص إلى أربع مراحل متماوجة نظراً إلى كونها تتداخل كالموجات، وهذه المراحل هي:

1 – المرحلة الأولى: ما قبل الليبرالية الخليجية

تركز هذه المرحلة على خليج ما قبل النفط (عهد التكوين الخليجي) ، وتندرج فيها الفترة التي سبقت ظهور النفط والفترة الأولى التي تلته أيضاً (أي ما قبل ارتفاع أثمانه). وقد تم تدوين ملاحظة تاريخية جوهرية، تسوّغ وصف هذه المرحلة بـ «ما قبل الليبرالية»، وتتمثل بغياب وجودي للنيوليبرالية في مرحلة التكوين الخليجي؛ حيث إن الاقتصاد العالمي محكوم آنذاك بـ«الكينزية» الكلاسيكية، مع الإشارة إلى أنه قد ترتب على ظهور النفط ظاهرتان، وهما: تشكل طبقات اقتصادية جديدة شديدة الثراء، وتشكل طبقات وسطى جديدة ظاهرة المهنية.

2 – المرحلة الثانية: الليبرالية الخليجية الضمنية الجزئية

بان الوجود الضمني الجزئي لليبرالية الخليجية في بواكير تطبيق الخطط والبرامج التنموية والاقتصادية، فحين نستعرض نصوصاً من هذه الخطط والبرامج، فإننا نجد أنها تتضمن إشارات واضحة للأفكار التأسيسية للنيوليبرالية كحرية السوق والخصخصة (كما ظهرت في نصوص خطط التنمية السعودية الصادرة ابتداءً من عام 1970). على أننا ننبه إلى عدم دقة تحميل مثل النصوص التنموية السابقة ما لا تحتمل، وهو ما يستلزم تحليلاً مضاعفاً يتضمن: تحليل الكلمات وفق الوثائق الرسمية، وتحليل الأفعال وفق التطبيق الاقتصادي. ومع الأخذ في هذا الاحتراز المنهجي الفاعلية فإن مثل تلك النصوص تؤشر على ثلاثة أمور: الفاعلية الانتشارية للفكر الليبرالي الجديد، والتبعية الاقتصادية للأقطار الخليجية للمنظومة الاقتصادية الغربية، وسعة تأثير الاستشارات الأجنبية. وبعد تحليل بعض الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، تم الخلوص إلى أن هنالك أربعة أسباب تجعل من فكرة الليبرالية الخليجية الضمنية الجزئية معقولة وربما مبررة في هذه المرحلة، وهي: (1) المحافظة السياسية والاجتماعية؛ (2) محدودية الذهنية الخليجية؛ (3) تفعيل الذهنية الأجنبية؛ (4) التشرذم الليبرالي الخليجي.

3 – المرحلة الثالثة: الليبرالية الخليجية الصريحة الجزئية

ثمة عدة مؤشرات تلمح لاجتياز الاقتصاد الخليجي التطبيق الجزئي للنيوليبرالية لتتحوّل إلى عقيدة اقتصادية خليجية صريحة، وإن بشكل جزئي. وفي اتجاه معزز لهذا التوصيف، يشير باحث سياسي خليجي إلى أن العولمة الاقتصادية أسهمت في دفع الأقطار الخليجية نحو مزيد من تبني النيوليبرالية، والتخلي شيئاً فشيئاً عن أدوار دولة الرفاه الاجتماعي[35]. وبعد تحليل تفصيلي للرؤى الاقتصادية الخليجية، يمكن القول إنها تتضمن العديد من الشواهد الدالة على الاتصاف بهذه النزعة الصريحة الجزئية، ومنها غلبة الجوانب الاقتصادية، والحضور الطاغي للأفكار التأسيسية للنيوليبرالية كالسوق المفتوحة، والتنافسية الشرسة، والخصخصة الواسعة، وخفض الإنفاق العام وتقليل برامج الرعاية الاجتماعية.

4 – المرحلة الرابعة: نحو ليبرالية خليجية صريحة كلية

ثمة إيراد منهجي محتمل حول صعوبة وربما تعذر التبني الصريح الكلي للنيوليبرالية من قبل الأقطار الخليجية لاعتبارات مجتمعية سياسية. إلا أنه يمكن الرد عليه، بمقاربتين: إحداهما نظرية (إذ إنه وفق النظرية لا شيء يمنع من حدوث هذا الأمر، وإن على سبيل الاحتمال القليل، ولو أخذ وقتاً طويلاً نسبياً) وثانيهما عملية (إذ إنه لا يقصد بالصريح الكلي وصول التطبيق الخليجي إلى مستويات الليبرالية الغربية الجديدة كما في أمريكا وبريطانيا وألمانيا مثلاً، ولا حتى مقاربتها، وإنما جرعات أكبر من التبني للنيوليبرالية. نعم، يكفي أن تكون جرعات غير مسبوقة تاريخياً مقارنة بعقود خلت، ويكفي أيضاً أنها قد تلامس أبعاداً لم تكن تلامسها في أوقات مضت)[36]. ومن بين التمظهرات التي تؤشر إلى حدوث أو قرب حدوث هذا السيناريو على افتراض إمكانية وقوعه، ما يلي: ضمان حريات أعلى للسوق مع الميل إلى فتح الأسواق للشركات الأجنبية العملاقة، والتوسع الأشد في الخصخصة حتى مع ظهور إشكاليات اقتصادية واجتماعية، والتورط بمغامرات استثمارية وتنموية بما في ذلك الاستدانة الخارجية، لمبررات استثمارية وتأسيس مشاريع عملاقة، وتعزيز النزعات الفردانية، والتقتير على برامج الرعاية الاجتماعية، وتشجيع الأنماط الاستهلاكية؛ وثمة احتمال بتبني بعض الأطر الليبرالية في الفضاء السياسي وفق دواعي الضرورة الاجتماعية.

 رابعاً: خمسة تنبيهات للخليجيين

في ضوء ما سبق تقريره حول فخاخ النيوليبرالية وخطاياها وآثارها السلبية الواقعية والمحتملة، نسطر في هذا الجزء خمسة من التنبيهات العامة للخليجيين، ونضمّن كل واحد منها ثلاثة تنبيهات، لتكون الحصيلة 15 تنبيهاً فرعياً. وقد جاءت التنبيهات في قوالب نصح استشاري على قاعدة افعل كذا أو تجنب كذا.

1 – تجنَّب الإفقار

يتعين التحذير مجدداً من انتهاج فلسفة اقتصادية تجذر اللامساواة والطبقية بمعدلات أعلى مما هو قائم، ويمكننا عرض بعض من ملامح التراجيديا الليبرالية كما في التجربة الألمانية، فعلى سبيل المثال تم خفض ضرائب الشركات بنحو 50 بالمئة، وزيادة الضرائب على العاملين بنحو أربعة أضعاف بدءاً من 1975 [37]. وهنا نشير إلى قلق نخبة من الاقتصاديين الخليجيين تجاه النزعة الضريبية الجديدة (مثل: ضريبة القيمة المضافة) في هذه الأقطار وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية السلبية، ومنها التأثير السلبي في نمو الطبقة الوسطى. وفي خضم التنبيه بتجنب الإفقار، تأتي ثلاثة تنبيهات فرعية، وهي:

أ- لا تُراكم مشاعر الحرمان؛

ب- لا تُزاوج المال بالسلطة؛

ج- لا تركز على بثور الشباب.

2 – «حاذر الغرماء»

هنا نعيد التذكير بنهج النيوليبرالية في توريط الدول بالديون، ونسوق بعض الإحصاءات المدعِّمة لذلك، ومنها أنه في عام 2004 بلغت ديون الدول النامية 2,5 تريليون دولار، وفوائدها السنوية تزيد على 375 ملياراً. وهذا المبلغ أكثر مما تنفقه هذه الدول على الصحة والتعليم وأكثر عشرين مرة من المعونات الأجنبية[38]. أما الوطن العربي فوفقاً للتقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2014، بلغت نسبة الدين الخارجي للناتج المحلي الإجمالي 22.3 بالمئة[39]. وفي سياق هذا التنبيه، تم وضع ثلاثة تنبيهات فرعية، وهي:

أ- تفادَ الديون ما أمكن؛

ب- تحوّط في استثمار الأرصدة السيادية؛

ج- احمِ البورصات الخليجية.

3 – «تحاشَ المغامرات»

هذه هي لافتة التنبيه الثالث للخليجيين، وتحتها نحُذّر مما يمكن وصفه بالمغامرات غير المحسوبة، ومنها الاستثمار في ما ينعته «وارين بافت» بـ «الأسلحة المالية للدمار الشامل»[40] (أي الأدوات والهندسة المالية). وقد جلبنا تحذيرات من داخل الرواق الليبرالي ذاته، كالتحذير الوارد من «مكتب المحاسبة العامة» التابع للكونغرس الأمريكي من المغامرات المالية وتأكيد المكتب خطورتها البالغة[41]. ولقد تم تضمين هذه اللافتة التحذيرية التنبيهات الآتية:

أ – لا تغامر كثيراً في مجال الاقتصاد الجديد (ومنه المعرفي)؛

ب – لا تقر تشريعات تسمح بمغامرات مالية؛

ج – لا تضع بيضاتك في سلة واحدة.

4 – «توقَ الكواسر»

للتحذير من الشركات العملاقة العابرة للقارات الساعية لإزالة البعد الوطني (Denationalized) ، أو إضعافه، صيغ هذا التنبيه، وذلك أنها تبسط هيمنتها على الاقتصاد المعولم وتبيع منتجاتها وخدماتها في قارات عديدة ودول نائية، ومما يؤكد ضخامة هذه الشركات أنه في سنة 2003 قامت شركة وولمارت بتحول هيكلي، قُدِّرت قيمته بما يفوق الدخل القومي للنمسا، وبمقارنة تحليلية، تم الخلوص إلى أن دخول أكبر 10 شركات متعددة الجنسيات يتجاوز دخول أفقر 100 دولة في العالم[42]. وتأسيساً على هذا التحذير، وضعت التنبيهات التالية:

أ – لا تتوسع في الخصخصة؛

ب – لا تجتذب الشركات الكبيرة؛

ج – لا تجعل الخصخصة منفذاً للإثراء.

5 – اتقِ الدخلاء

لتقليل الأضرار الناجمة من الاستعانة غير المبررة بالأجانب، يجيء هذا التنبيه الخامس، إذ نحذر مما يسميه البعض «النصح الخائب»، الذي قد يكون في شكل وصفات ليبرالية كما حصل من جراء تقديم نصح ليبرالي تسبب في تدمير التجارب الناجحة في بعض الدول الأوروبية في مجال «الزراعة الجماعية»، بمزاعم كثيرة مثل: ضعف الكفاءة والإنتاجية[43]. ومثل هذا هو ما دعا غونار ميردال إلى التقليل من احتمالات نجاح استشارات اقتصادية تقدم على غرار كتب الطبخ، وفقاً لتعبيره[44]. وفي السياق الخليجي، وضعت ثلاثة تنبيهات عملية، وهي:

أ – لا تغرَّنك الكاريزما الاستشارية؛

ب – لا تغرَّنك الاستشارات ذات الطابع المؤسسي الدولي؛

ج – ما حك جلد تنميتك إلا ظفر مفكريك المحليين.

خامساً: هل في الليبرالية «المحدودة» حل؟

في معرض البحث عن إجابة لهذا السؤال المعقد، تجدر الإشارة إلى زيادة الوعي الشعبي المؤيد لتقييد السوق وتدخل الحكومة لتحقيق أهداف مجتمعية عليا، ويعده البعض نزوعاً نحو طريق ثالث في الاقتصاد، عادين إياه ميلاً نحو «كينزية جديدة» [45] أو «اقتصاد اجتماعي» أو «رأسمالية اجتماعية» أو «ليبرالية اجتماعية»، ونحو ذلك من اللافتات التي تعبر عن الروح المتطلعة لأن تكون وثّابة فعّالة في انعتاقها من قبضة السوق. ويؤيد بعض الباحثين العرب هذا الانتهاج الثالث أو الجديد مشددين على ضرورة تقليل الجرعات الليبرالية والتحلي بـ «الأنَفة التنموية» المعززة للاستقلالية في التنمية الاقتصادية، تخطيطاً وعملاً[46]. وفي هذا السياق، نجدد تأكيد عدم صلاحية النيوليبرالية للدول الريعية (كالخليجية) لعدة عوامل، ومنها[47]: صعوبة التخلي عن وظائف الدولة التقليدية؛ تقليل رعوية الدولة الاجتماعية قد يؤثر سلباً في الاستقرار السياسي والأمني؛ عدم القدرة على فرض ضرائب من دون تبني النهج الديمقراطي.

ومن أجل التعريف بنماذج يمكن إدراجها ضمن الليبرالية المحدودة، نعرض للنموذجين الاسكندنافي والصيني. وفي خضم تحليل النموذج الاسكندنافي، نفند مزاعم وجود نسخ ليبرالية أكثر إنسانية مثل «الليبرالية الرحيمة» (المتبناة من قبل كلينتون وبلير وشرودر)[48]. يذهب عدة باحثين إلى أن الدول الاسكندنافية أفلحت في: الجمع بين الاقتصادين الاجتماعي والليبرالي في طريق ثالث، يقوم على تدخل حكومي متوازن مع ضمان رعاية اجتماعية شاملة (إنفاق حكومي ضخم)؛ ومحاربة فعالة للفقر والبطالة ضمن منظور اجتماعي (وليس اقتصادياً فقط)[49]؛ مع قدرتها الجيدة على تنويع اقتصاداتها بطرق عديدة ومنها الاقتصاد المعرفي وتحقيق مستويات عالية من الديمقراطية[50]. على أن الاسكندنافيين يحذرون من تخلق مشاكل اقتصادية من جراء تبني الرفاهية الاجتماعية، وهذا ما يجعلهم في قمة الفطنة للمشاكل والتحديات مع استعدادية عالية لمعالجتها. ومن بين التحديات الكبار قبالة التجربة الاسكندنافية، تعزيز التنافسية الدولية لدى الشركات الاسكندنافية (يدخل فيها تعزيز «أنظمة الابتكار العابر للدول» (Supernational Innovation Systems) ، وتحسين برامج التعليم والبحث العلمي والشراكات والتحالفات، والتطوير المستمر للسياسات والتشريعات [51].

يرى البعض في النموذج الصيني قالباً تطبيقياً لليبرالية المحدودة بنكهة محلية براغماتية صرفة. وحينما نقلّب شيئاً من صفحات حكاية الصينيين مع الانفتاح الاقتصادي والتغيير الاجتماعي، تكون الصفحة الأولى مبدوءة منذ أن أعلن دنغ شياو بينغ عن برنامج كبير للانفتاح عام  1978، والذي بدا متوسلاً بعض الشيء بالكونفوشيوسية لتحقيق الغايات الاقتصادية، حيث تم التعويل على منظومتها الأخلاقية كالطاعة والخضوع والعمل الدؤوب[52]، مع قدرة الصين على الاستفادة المثلى من الفوائض العمالية الضخمة[53]، وهو ما يتطلب هجر الوصفات الليبرالية المخفضة لمعدلات تشغيل الأيدي العاملة، منحازة لخيار التشغيل والتوظيف والإنتاج الكبير عبر الاجتذاب الحذر للشركات الأجنبية الكبيرة (وهنا نلاحظ اقتراباً من الكينزية في هذا الاتجاه). ومما يجدر ذكره أن النموذج الصيني آمن بضرورة إدخال قدر من الإصلاح الدستوري؛ فقد أجرت الحكومة الصينية عدة تعديلات كما في أعوام: 1988، 1993، 1999، 2004 [54]. كما أن الصين أقدمت على إصلاحات سياسية جيدة ومحاربة بدت أكثر جدية للفساد، مع إيمانها القاطع بضرورة تحقيق الاستقرار الاجتماعي والمحافظة عليه سواء بتأمين الحاجات الأساسية للشعب أو الحرص الكبير على تشغيل مرتفع للصينيين.

ومع صبغة الحذر والتمرحل الصيني في التغيير والإصلاح، فإن النيوليبرالية أوصلت بعض أدوائها متخطية سور الصين العظيم، فقد زاد معدل التفاوت والطبقية (ارتفع «معامل جيني» خلال ثلاثة عقود من 0.2 إلى نحو 0.46)[55]، وتشكلت طبقة «أمراء المال والأعمال» [56]، وشاعت الروح الاستهلاكية المفرطة (مثال: الصين الأكبر عالمياً من حيث استهلاك السيارات الفارهة)، والأخطر من ذلك التقليل المستمر للرعاية الاجتماعية، لعدة أسباب من بينها التوسع المتنامي في برامج الخصخصة. وكل ما سبق يدفع البعض إلى التقرير بأن الصين قد تعاني تصدعاً اجتماعياً عميقاً (حدثت عدة تظاهرات خطيرة وكبيرة متوالية)[57].

وبعد استعراض ملامح في التجربتين السابقتين، نعرض لبعض الأفكار العملية التي نراها معينة للخليجيين في السيرورة نحو نهج ثالث أو متوازن، ومن بينها وجوب مراعاة الأطر الاجتماعية جنباً إلى جنب مع الأطر الفنية، والابتعاد من أنماط التقليد الببغائي أو المحاكاة الشكلانية في الرؤى والبرامج الاقتصادية ، والتوقي من أي نموذج اقتصادي يؤدي إلى «النمو المفقر» (أي نمو الدولة وفقر الأفراد)، والاستعانة بكل المدارس والأطياف الفكرية وتدعيم دور الجامعات ومراكز البحوث.

سادساً: الإصلاح أنفاس الاقتصاد

نعاود في هذا الجزء التشديد على التوأمة المؤبدة بين الاقتصاد والسياسة، نافين الصبغة العلمية للاقتصاد ومثبتين من ثم صبغته الاجتماعية. تمتاز التجربة الكورية الجنوبية بعدة مزايا في مسار الإصلاح والتنمية، حيث تمكنوا من التقدم التنموي وفق ما يسميه الباحث نموذج «المستبد النهضوي» ؛ المتجسد بما صنعه «بارك شانغ-هي» (سيطر على الحكم بانقلاب يوم 16 أيار/مايو  1961، وبقي بقبضته الحديدية حتى اغتياله في 26 تشرين الأول/أكتوبر 1979). أخرج بارك شانغ-هي كوريا الجنوبية من عزلتها عبر تطبيع شجاع مع اليابان الصناعية، وأعلن في 1973 عن برنامج إصلاح اقتصادي ضخم؛ استهدف رفع نصيب الفرد إلى 1000 دولار والصادرات إلى 10 مليارات بحلول 1980، وقد حقق المجتمع الكوري ذلك في نهاية 1977، مع تحقيق نجاحات ملموسة في تحويل المجتمع الكوري من الطور الزراعي إلى الطور الاستثماري بوصفه وسيطاً ينقله إلى الطور الصناعي، وقد حققت الرأسمالية الصناعية الجديدة (المجمعات الصناعية العملاقة Chaebols) قفزة هائلة في المجال التصنيعي، في ظل دهاء سياسي أفلح في جلب مساعدات أجنبية في مجالات مستهدفة. ومع الوقت، استطاع هذا المجتمع العمل على دمقرطة الاستبداد وتغذية السير في مسار الإصلاح السياسي الشامل.

نشدد هنا على ضرورة الاعتناء بمسألة العقد الاجتماعي في ظل ركني المشروعية (للدولة) والشرعية (للحكام)[58]، والتأكيد أن هذا العقد يعين على تثبيت المشروعية والشرعية معاً في إطار تعاهدي تعاضدي تراكمي سلمي، وفق منظومة الثوابت أو المواضعات السياسية والاجتماعية المستقرة[59]، التي لا يسوغ أن يكون من بينها ما يصفه باحث سياسي خليجي بـ «شرعية العولمة» أو «شرعية الإنجازات»[60]، بل الشرعية المتجددة؛ وفق مفاهيم الدولة الحديثة ومتطلباتها (ومن ضمنها مراجعة العقد الاجتماعي وتطويره).

وحين نحلل آراء نخبة من المفكرين والباحثين الخليجيين، نجد أنهم يقرّون بضرورة إقدام الأقطار الخليجية على الإصلاح السياسي والتشريعي الجاد، وإن على مراحل متدرجة، ولكنها بقالب مقنع ملموس، مع الاحتفاظ بأقدار كافية من دولة الرعاية الاجتماعية، وتعديل سلم أولويات الحكومات الخليجية وتصحيحها، والانعتاق من نمط «الاقتصاد المسيَّس» والحذر من مغبة «النمو المفقر» وتراكم الإحباط الشعبي أو حتى «الاحتباط»، وهو: «اجتفاف» الأمل في العقول وتيبس الفأل في النفوس، أو بعبارة قاصدة، هو: موت دماغي للأمل الإصلاحي، كما في تعبير عبد الله البريدي [61].

وفي السياق الإصلاحي الخليجي، نشدد على ضرورة العمل على رشدنة الخصخصة الخليجية، من خلال منظومة من الضوابط الحاكمة العادلة المعينة على تحديد مجالات الخصخصة ومعاييرها الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك المعاونة على توزيع الثروات على نحوٍ عادل ومن ثم خفض سقوف الاحتجاجات الاجتماعية المحتملة، مع التشديد على حتمية رفع الكفاءة الحكومية وخطورة الاستسلام التام للقطاع الخاص بحجة الكفاءة والفاعلية العالية[62].

وفي الخاتمة، نقدم «مشاريع استنتاجات»، ومن أهمها: أن المدارس الاقتصادية كلها عرجاء؛ فلا يستقيم من ثم الاعتماد على واحدة بمفردها، وأن النيوليبرالية ليست شراً محضاً، بيد أن خيرها قليل وفخاخها كثيرة، ولا سيما للدول الريعية كالأقطار الخليجية، لاعتبارات مجتمعية وسياسية، مع ممارسة هذه الليبرالية لعبة خطرة تتمثل بالعبث في «الإعدادت الداخلية» للمجتمعات الخليجية، وهو ما يتسبب في إرباك منظومتها الاجتماعية والسياسية، وكل ذلك يدفع باتجاه التقرير بأنه لا يناسب هذه الأقطار سوى أنماط مصطفاة من «الاقتصاد الاجتماعي» مع تطعيمه ببعض آليات الليبرالية، والسعي لتقوية القطاع الخاص وجعله أكثر تنافسية وإبداعاً واستدامة، والحرص على الخصخصة الرشيدة المتوازنة، التي تمارس انحيازاً إيجابياً لفئات الطبقات الوسطى والأجيال الشابة، وتعضيد مقومات بناء الاقتصاد المعرفي، والعمل على ترشيد النفقات من خلال «قدوات ترشيدية» من جانب المسؤولين الخليجيين أنفسهم، هذا مع أهمية تعزيز التكتل الخليجي وعزل القضايا السياسية عن الاقتصادية، بما يقوي الاقتصادات الخليجية ويجعلها أكثر تماسكاً وتنافسية وتكاملاً. أخيراً، نشدد على مسيس الحاجة إلى خلق «لحظة تاريخية خليجية» بممارسة إصلاح سياسي تشريعي جيد، مع ضرورة تفعيل الإفادة من طبيعة العلاقة الجيدة بين الشعوب والحكام في الخليج العربي التي تعد أحد أهم «الذخائر المجتمعية».

 

قد يهمكم أيضاً  قراءة سريعة في الأيديولوجيات السائدة في العالم والوطن العربي

اقرؤوا أيضاً  الخروج من جهنم: هل هذا ممكن بعد؟

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #الخليج_العربي #الاقتصاد #الخليج #الاقتصاد_الخليجي #الليبرالية #الاقتصاد_الحر #اقتصاد_السوق #النيوليبرالية #الليبرالية_الخليجية #الليبرالية_المحدودة #الإصلاح #المدارس_الاقتصادية #الاقتصاد_الريعي