مقدمة

سعى الفكر الإنساني لدراسة إمكانات إنشاء توازن بين الحق والواجب في مستوياتهما الفردية والجماعية داخل الدول، كما اهتم به على مستوى النظم الإقليمية والعالمية. وإذا كان أفراد المجتمع يميلون عادة إلى المطالبة بحقوقهم تجاه الدولة، فإن سلطات الدولة غالبًا ما تميل إلى شرعنة وتبرير إجراءات الحد من الحقوق والحريات العامة بحماية أو تحقيق المصلحة العامة، التي ترتبط بعلاقة وثيقة بمسألة تحقيق الأمن العام. وهذا يتأتى إدراكه في الساحة الدولية في موضوعات مختلفة ترتبط بوضع حقوق الإنسان وبالعدالة والشرعية الدوليين.

يظهر أحد أوجه تلك العلاقة دوليًا في مدى قدرة مكونات المنتظم الدولي على تحقيق الأمن الإنساني وحماية حقوق الإنسان على نحو متوازٍ ومتوازن. فالأمن بمفهومه الناعم[1] تمتزج فيه محددات الأمن الداخلي والخارجي، وهو ما تندرج ضمنه الملفات الأمنية التي تنبع أو تتصل بآثار تدبير الهجرة واللجوء في علاقة بتدابير محاربة الإرهاب والإجراءات المتعلقة بظاهرة الإسلاموفوبيا بالمجال الأوروبي بخاصة، أو ما يعرف بأمننة الهجرة[2].

يجد الموضوع أهميته من زاويتين، الأولى تتعلق براهنية الموضوع، حيث تحتل ظاهرة الإرهاب والإسلاموفوبيا مكانة مهمة لدى صنّاع القرار في دول ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وداخل مجتمعات هذه الدول. والزاوية الثانية لها علاقة باهتمام الباحث بالمفارقات التي تثيرها الظاهرتان وبوجه خاص وجود نوع من التداخل بينهما كتحديين أمنيين، وفي الآن نفسه يثيران تحديات إنسانية مردّها للجوانب الحقوقية المرتبطة بالإجراءات المتخذة للحدّ من الظاهرتين ومدى ملاءمة تلك الإجراءات مع حقوق الإنسان الكونية. ترتبط هذه الملاءمة بعلاقة جدلية مع إشكالية حماية واحترام حقوق المهاجرين وتداعياتهم على الأمن الإنساني في دول المنبع والعبور والاستقبال.

سننطلق هنا من إشكالية رئيسية يتمحور سؤالها حول: من خلال تتبع تدابير محاربة ظاهرة الإرهاب وتنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا في علاقة بين دول حوض البحر الأبيض المتوسط هل استطاعت دول المنطقة تحقيق تكامل بين الرؤية الأمنية والرؤية الإنسانية في تدبير الظاهرتين؟

ترتبط بالإشكالية العامة فرضية مركزية مفادها أن التوجهات السياسية التي تنسج طبيعة العلاقة بين دول شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط ترتهن لرؤية أمنية ضيقة لا تتسع لشمولية الجوانب الإنسانية في تدبير ومحاربة تداعيات ظاهرتي الإرهاب والإسلاموفوبيا.

ستكون منهجية بناء الموضوع معتمدة على المنهج الوصفي التحليلي في تكامل مع المنهج النسقي الذي سيسعف في تحليل واقع العلاقات الدولية والعابرة للأوطان في مجال البحر الأبيض المتوسط وذلك في ارتباط بموضوع المقالة.

أولًا: جدلية المحاربة والحماية في تدابير
الحرب على الإرهاب في القانون الدولي

يمكن القول إن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان التي ظهرت أهم مواثيقها في إعلان الميثاق العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، أعطت انطلاقة وحافزية للمطالبة بالحقوق الجماعية والفردية، سواء التي اعتنت بتحرير الشعوب من وطأة الاحتلال والتمييز العنصري، أو التي اهتمت بتمتيع مواطني الدول بالحقوق والحريات في علاقتها بأنظمتها السياسية[3]. وإن كانت تداعيات الحرب الباردة قد عمَّت جل دول العالم بما فيها هيمنة المعسكرين الشرقي والغربي على معنى السلم والأمن العالميين؛ إلا أن الإرهاب مثّل أحد أهم محددات السياسة الدولية في مطلع القرن العشرين. وقد ارتبطت مركزية الإرهاب ضمن مهددات الأمن والسلم الدوليين بأحداث انهيار برجَي التجارة العالمية بالولايات المتحدة الأمريكية في يوم السبت 11 أيلول/سبتمبر من سنة 2001، وتوالت بعدها ردود الأفعال الدولية التي أفرزت حالة استثناء، نتج منها تنازع بين مركزية الإسراع في اتخاذ تدابير محاربة الإرهاب بوصفه مهددًا للأمن والسلم العالميين، وفي الوقت نفسه حماية حقوق الإنسان عالميًا.

1 – الإرهاب وتهديد الأمن الإنساني

تحظى قرارات مجلس الأمن ذات العلاقة بتدابير حفظ السلم والأمن الدوليين بقوة إلزامية، إضافة إلى تقديم تلك الالتزامات على أي التزام دولي آخر في حالة التعارض، وهو ما تضمنته بنود قرار مجلس الأمن الرقم 1373/2001 المتخذ في الجلسة الرقم 4385 التي عُقدت بتاريخ 28 أيلول/سبتمبر 2001، أي بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001. وهو أيضًا ما نصت عليه الفقرة الخامسة من هذا القرار؛ حيث أكدت ضرورة إدراج الأعمال الإرهابية في القوانين والتشريعات المحلية، وتصنيفها في خانة الجرائم الخطيرة، التي تستوجب عقوبات تعكس جسامتها[4]. وهذه الدعوة مقرونة بجدول زمني محدد في تسعين يومًا من تاريخ اتخاذه كحد أقصى لموافاة اللجنة الأممية لمكافحة الإرهاب بتقارير حول الإجراءات المتخذة لتنفيذ مضامين هذا القرار[5].

بعد مضي نحو خمس عشرة سنة من هذا القرار جاء اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بصعوبة تعريف الإرهاب وتعريف التطرف العنيف في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم A/70/674 بتاريخ 24 كانون الأول/ديسمبر 2015 الأمر الذي اقتضى وضع استراتيجية جديدة لمحاربة الإرهاب والتطرف العنيف[6].

إن ما يميز خطة الأمم المتحدة واستراتيجيتها المعتمدة سنة 2006 لمحاربة الإرهاب والتطرف، واستراتيجيتها لسنة 2015، هو وجود ثابت إقرار حالة الاستثناء بسبب ظاهرة الإرهاب المهددة للأمن والسلام العالميين، بينما العنصر المتغير هو ما يرتبط بمحاربة التطرف، حيث لوحظ تطور في مقاربة الأمم المتحدة لهذه الظاهرة بجعلها مقرونة بأعمال عنف قبل إدراجها ضمن القوانين الاستثنائية، وهو تطور يحاول تدارك سياسات تقليص مجال الحقوق والحريات، وبوجه خاص حرية التنقل والتعبير وقرينة براءة المتهم، التي رافقت تنفيذ بعض الدول للقوانين الاستثنائية ذات الصلة بمحاربة التطرف والإرهاب.

2 – تدابير محاربة الإرهاب وحماية الدين والحق في التدين

مثلت كتابات فرانسيس فوكوياما وصمويل هنتنغتون وبرنالد لويس أهم الكتابات في تسعينيات القرن العشرين، المتعلقة بتحديات المعطيات الحضارية للقيم الغربية بعد انتهاء الحرب الباردة[7]. ولا غرابة إن وجدت قاعدة شعبية في المجتمعات الغربية ترسي دعائم الصراع الحضاري والثقافي، بل وتهاجم الديانات غير المسيحية بوجه خاص، بل إن التنظير الفكري تُرجم إلى استراتيجيات وجدت تعبيرها في تدخلات الولايات المتحدة الأمريكية في بعض الدول الإسلامية.

ومع ارتباط بعض الأحداث الإرهابية بأشخاص ذوي أصول إسلامية، وينتمون إلى دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، رجحت فكرة كراهية الإسلام والمسلمين للغير بما تستجلبه هذه المواقف من التعميم والنمطية المقرونين بالعداء والتمييز والعنصرية من منطلقات حضارية ودينية.

غير أن الأمم المتحدة حاولت التمييز بين ظاهرة ازدراء الأديان ومحاربة الإرهاب بجعل المدخل الثقافي إحدى أهم ركائز استراتيجية تطويق الأفكار الإرهابية.

وهكذا رأت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تعزيز الحوار والتفاهم بين الحضارات والثقافات والشعوب والأديان، واحترامها ومنع التشهير بها، والتشديد على دور المدخل الثقافي والتوعوي لتحقيق هذا الهدف، وحثت من أجل تحقيق ذلك منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة للقيام بدور رئيسي في هذا الباب[8].

من خلال ما سبق يتضح أن إحدى ركائز بناء الأمن الإنساني تتجلى في تجاوز محاولات المزج وربط ظاهرة الإرهاب بديانة أو حضارة محددة، واعتماد مقاربة الحوار بين الحضارات بكل مكوناتها كسبيل كفيل بدعم جهود المنتظم الدولي في إنجاح استراتيجية محاربة الإرهاب والتطرف العنيف، بما يكفل احترام الغيرية ويدمجها ضمن بنيته الإنسانية وأساس التعايش والتعددية في المجتمعات، وحسبان الديانة أحد أهم الحقوق التي يجب على الدول عدم الإخلال بها حتى في حالة إعلان حالة الطوارئ، مع تقييد هذه الأخيرة بشروط نصت عليها المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[9].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 543 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 543 أيار/مايو 2024

دراسات ذات صلة:

المقاومة والإرهاب: جدلية السياسة المسلّحة وسلاح السياسة

الإسلاموفوبيا وصعود اليمين المتطرف في أوروبا: مقاربة سوسيوثقافية

حان الوقت للحديث عن العنصرية ضد الفلسطينيين في فرنسا

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 543 في أيار/مايو 2024.

علي أوخيي: أستاذ زائر، كلية الشريعة أيت ملول وكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أزرو- جامعة ابن زهر.

[1]   للمزيد حول الفرق بين الأمن الناعم أو بمعناه الواسع (Soft or Broad Security) والأمن الخشن أي بمعناه التقليدي (Hard or Traditionnel Security). انظر: سليمان عبد الله الحرجي، «مفهوم الأمن: مستوياته وصيغه وتهديداته (دراسة نظرية في المفاهيم والأطر)،» المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 15 (صيف 2007)، ص 9-30.

وللتوسع حول مفهوم الإسلاموفوبيا، انظر: أحمد السيد محمد مصطفى البحلاق، «الإسلاموفوبيا: المفهوم – الأسباب – المظاهر،» مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية (جامعة قناة السويس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية)، العدد 39 (كانون الأول/ديسمبر 2021)، ص 122-126.

[2]   للتفصيل حول فكرة أمننة الهجرة، انظر: علي بلعربي، «أمننة الهجرة في سياسات الاتحاد الأوروبي: دراسة في تأثير الهجرة على الأمن الأوروبي،» مجلة العلوم القانونية والسياسية، السنة 10، العدد 2 (أيلول/سبتمبر 2019)، ص 872-879.

[3]   يمكن أخذ فكرة موجزة عن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، في: عماد عمر، سؤال حقوق الإنسان (عمّان: مطبعة السنابل، 2000)، ص 22-26.

[4]           Paragraph no. five in second band (Measures to address the conditions conducive to the spread of terrorism) Decision of General conseil the United Nations no 1373 date 28 december 2001, p. 2, <https://digitallibrary.un.org/record/449020?ln=en> (accessed on 5 August 2022).

[5]           Ibid., article 6, p. 3.

[6]           «Culture of Peace: The United Nations Global Counter Terrorism Strategy-Plan of Action to Prevent Violent Extremism,» Decision of General Assembly of the United Nations no. A/70/674 on 24 December 2015, <https://documents-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/N15/456/22/PDF/N1545622.pdf?OpenElement> (accessed on 5 August 2022).

[7]   يمكن ذكر أكثرها تأثيرًا في موضوع صراع الحضارات. انظر: كتاب صمويل هنتنغتون، صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي، وكتاب فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ومقالة برنارد لويس، «جذور غضب المسلمين».

[8]           The first and the second paragraph in First band (Measures to address the conditions conducive to the spread of terrorism) of Resolution no A/RES/60/288 adopted by the General Assembly on 8 September 2006, Under the title, «The United Nations Global Counter-Terrorism Strategy,» <https://documents-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/N05/504/88/PDF/N0550488.pdf?OpenElement>. (accessed on 5 August 2022).

[9]  عمر، سؤال حقوق الإنسان، ص 75-76.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز