– 1 –

عندما غادر شتيفان زفايغ موطنه، النّمسا، وأوروبّا القاريّة كلّها، مارًّا بسرعةٍ من إنكلترا إلى البرازيل، كان يختار – بصورة متعمّدة وشبه مقصودة – موتًا معنويًّا أودى به إلى حتفه الماديّ، منتحرًا وزوجته في بيتروبوليس، ريو دي جانيرو، بعد يوم واحد من إرساله مخطوطه الأخير إلى الناشر.

كان زفايغ أحد ألمع كتّاب عصره الذي امتد من نهاية القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن العشرين، وكانت هجرته نتيجة سلسلة من الانهيارات التي ضربت القارة الأوروبيّة حينها: الحرب العالميّة الأولى وفظائعها التي خلّدها شعراء كبار كالبريطاني وِلفرِد أوين، وتفكك الإمبراطوريّات الأوروبيّة الكبرى ومنها الإمبراطورية النمساويّة الهنغاريّة، وصعود النازيّة المدويّ بين الحربين، وتمكنها من السلطة، وفرضها وممارستها أيديولوجيا التفوّق العرقيّ الآريّ، وإشعالها للحرب العالمية الثانية، وتداعيات كلّ ذلك على زفايغ شخصيًّا من جانبين: الأول شخصيّ، هو إقصاؤه ومنع كتبه وتحوّله من مركز المشهد الأدبيّ – الثقافيّ إلى هامشه، والثاني عامّ، هو انهيار فكرة المواطنيّة الأوروبيّة التي كان زفايغ قد غادر «يهوديّته» نحوها، رافضًا الصهيونيّة التي عرضها عليه ثيودور هرتزل، وكان يسعى إلى ترسيخها مع أعلام أوروبيّين في الأدب والفكر، أهمّهم الفرنسيّ رومان رولان.

مع انهيار «الكوزموبوليتانيّة الأوروبيّة» أمام النزعات القوميّة العنصريّة والفاشيّة واندلاع الحرب، نزفت أوروبّا الكثير من كتّابها وفنّانيها وعلمائها وأكاديميّيها، ومنهم زفايغ الذي (على خلاف أقرانه الذين توجّه كثير منهم إلى الولايات المتّحدة) ذهب في هجرة معكوسة من المركز إلى الهامش، تضيء لنا ما سنحاول أن نبحث فيه هنا ويتعلّق بمنطقتنا العربيّة: نزيف الأدمغة وهجرة العقول، لا بل والبحث المحموم للإنسان العاديّ عن منفذٍ إلى «الشاطئ الآخر»، ولو كان في هذا العبور حتفه المؤكّد.

– 2 –

في المنطقة العربيّة، وأجزاء أخرى من العالم، ترك الاستعمار خلفه كيانات مكبّلة بالروابط الاستعماريّة، والتبعيّة البنيويّة، وأثّر عميقًا في مسارات نشوئها وتطوّرها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الرغم من فاعليّة ومقاومة المجتمعات المحليّة، وهي مقاومة تثبت أثر الاستعمار العميق في تكوين تاريخ ومآلات هذه الكيانات.

التأثير الاستعماريّ هو نتيجة رئيسة تقع في صلب أدبيّات التحرّر والقراءات ما بعد الاستعماريّة، نلمسها في معذّبو الأرض لفرانتز فانون، ونمط الإنتاج الكولونيالي عند مهدي عامل، ونظرية التبعيّة عند سمير أمين، وصولًا إلى جملة من الدراسات الجديدة التي تؤكد عمق واستمراريّة هذا المسار المكبِّل، مثل التنمية العربيّة الممنوعة لعلي القادري، وتدمير اليمن لعيسى بلومي، وتأثيرات استعماريّة لجوزيف مسعد.

خلاصة هذا المسار البحثيّ المتصاعد تشير إلى أن الكيانات الناشئة بعد الاستعمار (وبتأثير منه، وارتباطٍ به)، رغم عوامل المقاومة الداخليّة، معتقلة داخل حلقة مفرغة ترتبط بأمرين: ما أسمّيه «وظيفيّة المجموعات الحاكمة» وارتباطها بأدوار تتعلّق أساسًا بمصالح خارجية، مصالح قوى إقليميّة ودوليّة تشتق المجموعات الحاكمة أسباب بقائها الأساسيّة منها؛ وفي ظلّ سيادة الرأسماليّة المعولمة، تصبح هذه الأدوار مرتبطة أيضًا بالأمر الثاني: موضعة الاقتصادات المحليّة داخل منظومة «السوق العالميّة» وتقسيمات العمل والإنتاج والاستهلاك داخلها، والتعامل مع الآثار المحليّة الناتجة من تلك الموضعة، سواءٌ بالاحتواء الإغوائيّ أو بالعنف الإكراهيّ.

ضمن هذا السياق، يصف علي القادري ما تقوم به المجموعات الحاكمة العربيّة بأنه «تنمية معكوسة» (De-development)، تقوم من خلالها طبقة تجاريّة في الأساس بممارسات تدمّر التنمية وإمكاناتها، كالسطو على القيمة، والسعي خلف الربح الخاص السريع، وخفض قيمة الأصول الوطنيّة بغية خصخصتها، والتربّح من بيع المستوردات، وعدم إعادة استثمار الأموال المتحصّلة في أنشطة إنتاجيّة داخل البلد. قبل القادري، استخدمت سارة روي هذا المفهوم في سياق آخر شبيه، لوصف عمليّة تحويل قطاع غزة اقتصاديًّا «إلى ملحق بدولة إسرائيل». أما عيسى بلومي فيطلق وصف «التّدمير المنظّم» (Controlled Demolition) على الرحلة الدراميّة التي انتقل خلالها اليمن من مشروع دولة وليدة تحاول الحفاظ على استقلاليّة مجتمعاتها المكتفية ذاتيًّا في زمن الإمامة، إلى كيان وظيفيّ، عبر مجموعة من الأدوات الإكراهيّة كبرامج المساعدات والتدخل السياسيّ والعسكري والاغتيالات، لإدخاله عنوة في سياقات «السوق العالميّة».

كان مهدي عامل قد سمّى هذا النوع من علاقات التبعيّة البنيويّة: «نمط الإنتاج الكولونيالي»، وفيها ترتبط برجوازيّة محليّة – كومبرادوريّة (البرجوازيّة الكولونياليّة)، ماديًّا ومعنويًّا وأيديولوجيًّا، ببرجوازيّة المركز المهيمن (البرجوازيّة الإمبرياليّة)، ما يؤدّي إلى «عدم انقطاع علاقة التّبعيّة البنيويّة للإمبرياليّة»، حتى ولو وصل إلى الحكم «أنظمة تقدّميّة» مرتبطة بطبقة أخرى (يسمّيها عامل: «البرجوازيّة الصّغيرة المعادية للإمبرياليّة» التي قادت في مرحلة ما حركات التّحرّر من الاستعمار)، والسبّب – بحسب عامل – هو أن «الوجود الموضوعي لهذه البُنية [بنية العلاقة الكولونياليّة]، بما هي القاعدة الماديّة لوجود البرجوازيّة الصّغيرة كطبقة مسيطرة، ولتجدُّد سيطرتها الطّبقيّة (…) [يمنع] هذه الطبقة من أن تقوم بقطع العلاقة الكولونياليّة، برغم وجودها في تناقض مع الإمبرياليّة، وهو الذي يعطي هذا التّناقض طابعه المحدود».

ويؤكّد سمير أمين هذا الطابع المحدود في محاولات الانفكاك عن الاستعمار ونظامه الاقتصاديّ وتأثيره العالميّ المهيمن، مضيفًا إلى عوامل تأصّله ما تقوم به المجموعات الحاكمة من احتجاز لأيّ تطوّر سياسيّ شعبيّ حقيقيّ. يقول أمين إنّه رغم بعض الإصلاحات التي قد تقوم بها بعض «الأنظمة التقدّميّة» مثل إنشاء بعض الصّناعات، وتأميم بعض القطاعات التي كان يسيطر عليها رأس المال الخارجيّ، وعمليّات الإصلاح الزراعيّ، والجهود المبذولة في قطاعات الصّحة والتّعليم، إلا «أنّ لهذه الأنظمة حدودها التّاريخيّة، فهي؛ إذ تدخل في اشتباك مع الهيمنة الإمبرياليّة (…) تظلّ عاجزةً عن المضيّ حتى النّهاية في منطق هذا الاشتباك، تظلّ عاجزةً عن تحقيق فكّ الارتباط. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنّ هذه الأنظمة تشكو من كونها لاديمقراطيّة (…) [تظلّ فيها الجماهير] مُحتجزة في حالة من السّلبيّة، (…) [ولا] يُسمح لها أن تنتظم بوصفها قوّة مستقلة إزاء السّلطة».

قبل عامل وأمين، كان فرانتز فانون يشرح كيف وجدت الدول المستقلة حديثًا نفسها «مُجبرة على استخدام القنوات الاقتصاديّة نفسها التي أوجدها النظام الاستعماريّ (…) قنوات يجب المحافظة عليها وإلا حلّت الكارثة». كما يوضّح فانون كيف أن النخبة المحليّة (وبرجوازيّتها التجاريّة) تصعد إلى السلطة من خلال علاقاتها مع، وبقائها تحت تأثير، برجوازيّة المركز الاستعماريّة، فهي «طبقة صغيرة جشعة، بعقليّة المتكسّب الوضيع، تسعد بقبول العوائد التي تخصّصها القوّة الاستعماريّة السابقة لها».

– 3 –

استكمالًا لهذه القراءات، يبحث كتابي الكيانات الوظيفيّة: حدود الممارسة السياسيّة في المنطقة العربيّة ما بعد الاستعمار الفوارق بين ما أسميّه «الدولة»، وأقصد بها الدولة الڤيبرية المُهيمنة استنادًا إلى تعريف ماكس ڤيبر عن الدولة واحتكارها لممارسة العنف وشرعيّته، ورؤية أنطونيو غرامشي للدولة كإطار للهيمنة عبر مجتمعين، المجتمع السياسيّ (الإكراهي) والمجتمع المدنيّ (الإغوائيّ-الإقناعيّ)، وبين الكيان الوظيفيّ. الأولى قادرة على ممارسة العنف على المستوى الدوليّ (عسكريًّا، ولكن أيضًا اقتصاديًّا وسياسيًّا)، وانتزاع شرعيّة لهذا العنف من «المنظّمات الدوليّة» (مجلس الأمن، صندوق النقد الدوليّ، منظمة التجارة العالمية… إلخ)، والردع النسبيّ لمحاولة ممارسة العنف عليها، ويتحقّق فيها مفهوم «الهيمنة» من خلال فعالية مجتمعها المدنيّ (بالمفهوم الغرامشيّ، لا المفهوم الإنجيوزيّ)، وقد تتمكّن من مدّ هذه الهيمنة خارجيًّا عبر أذرعها «المدنيّة» مثل برامج المساعدات، والتمويل، والمانحين، والمنظمات «غير الحكوميّة»؛ أما الثاني فهو على الجهة «المستقبِلة» من هذه المعادلة، تتلخّص ضرورته في بقاء مجموعته الحاكمة، وهذا البقاء يتطلّب اشتقاقًا للقيمة (الدور، الوظيفة) من الخارج والعلاقات الدوليّة وموازين القوى فيها (القوى الإقليميّة والدوليّة)، كما يتطلّب أيضًا احتكارًا داخليًّا للسلطة ومنعًا لصعود المنافسين، وهذا الأخير يُترجم (على العكس من الدولة الڤيبرية المُهيمنة) بمنع تطوّر المجتمع المدنيّ الداخلي، والهجوم المستمرّ عليه، بوصفه الحاضنة التي يمكنها أن تفرّخ المنافسين على السلطة، وفي إطار هذا المنع وذاك الهجوم، تتمّ رعاية ما يسميّه زيغمونت باومان «المجتمعات المتفجّرة»: الإثنيّة والطائفيّة والمناطقيّة والعشائريّة وغيرها، لأن احتواءها وتوظيفها وبناء علاقات زبائنية-وظيفيّة معها أيسر وأسهل، وبهذا المعنى لا تتحقّق الهيمنة (إذ لا وجود ولا فعاليّة إلا للمجتمع السياسيّ)، بل تتمدّد السيطرة (الإكراهيّة) فقط، وتتضعضع وتضعف بذلك الجبهة الداخليّة للبلد، ويصبح بذلك عرضة لمزيد من التدخّل الخارجيّ والابتزاز الوظيفيّ، وهو ما أسميّه: المتناقضة الوظيفيّة (The (dys)functional Paradox). والحال هكذا، يعاني الكيان الوظيفيّ نوعًا خاصًا، مزمنًا، من «أزمة النفوذ»، تلك التي يصفها غرامشي بأن «القديم يحتضر، والجديد لا يمكنه أن يولد؛ في فترة الخلوّ هذه، تظهر أشكالٌ هائلةٌ من الأعراض المرضيّة الفظيعة».

– 4 –

هذا، إذًا، هو الظرف الموضوعيّ الذي ينشأ فيه إنسان المنطقة العربيّة، و«البنية التحتيّة» التي يقف عليها، بعد أن تفاقما بالفساد والمحسوبيّة والقمع، وكلاهما يحوّلان الكيان الوظيفيّ ما بعد الاستعماريّ إلى إطار مهمّته الأساسيّة بقاء السّلطة، والبقاء (بشرطه الوظيفيّ، كما مرّ معنا) لا يتطلّب إحداث التنمية واستثمار الموارد المحليّة وإطلاق الطاقات الإبداعيّة والإنتاجيّة (الماديّة والبشريّة) وتطويرها، بل هو، على الضد، مهتمّ بإيقاف التنميّة، وإدماج المجتمع المحليّ (من خانة التبعيّة والاستهلاك السلعيّ) بالسوق «العالميّة»، والسير في طريق «التدمير المنظّم» للإبقاء على حالة «الوكالة» المرتبطة بالاستعمار (سابقًا) أو الشكل الرأسماليّ المعاصر وميزان علاقات القوّة الإقليميّة والدوليّة وتحوّلات المجموعات الحاكمة – وظيفيًّا – داخله (حاليًّا)، حيث هذه الأخيرة ممثلّة لمصالح تصريف الإنتاج السلعيّ الخارجيّ في الداخل، أو لمصالح رأس المال الماليّ (غير الإنتاجيّ، كالبنوك وصناديق الاستثمار والمضاربة)، أو لمصالح الإقطاعيّات الجديدة (الاحتكارات المعلوماتيّة الكبرى مثل أمازون، وألفابيت-غوغل، وميتا-فيسبوك)، تتعارض مصالحها مع شروط إحداث تنميّة محليّة.

البرجوازيّة الكولونياليّة التي تحدّث عنها فانون وعامل والقادري صارت برجوازيّات متعدّدة الأشكال، الكومبرادوريّة – الوكيلة منها مشغولة بالترويج السلعيّ للمنتجات الخارجيّة (سيارات، أجهزة إلكترونيّة… إلخ) وتتضرّر من مشاريع التصنيع المحليّ، أما البرجوازيّة الماليّة المحليّة فمهتمة بـ«المال الذي يُنتج مالًا» من خلال المضاربة في الأسواق العالميّة التي يتحكّم فيها – عمومًا - البنوك والصناديق الماليّة العالميّة الكبرى ومُنتجو العملات المُشفّرة، وهذا النوع من «الاستثمار» غير المنتج لا يقود إلى تحديث أو تنمية. أما البرجوازية المحليّة المرتبطة بالإقطاعيّة الجديدة فمهتمّة بتوفير البنية التحتية لشركات المعلوماتيّة (خطوط الاتصالات، لوجستيّات النقل وتسليم البضائع… إلخ)، واليد العاملة الرخيصة المُستعبدة (المنافسة) لتنفيذها (مبرمجين، موظّفي ردّ على استفسارات العملاء، موظفي مستودعات وشحن ونقل وتوصيل… إلخ)، وهذه أيضًا غير منتجة ولا تساهم في مشاريع التحديث والتطوير والتنمية، إن لم نقل التحرّر والاستقلال والانعتاق من التبعيّة.

– 5 –

والحال هكذا، من سيهتمّ بـ«العقول» إذا صودف أن ظهرت داخل منظومات «التنمية المعكوسة» و«التدمير المنظّم»؟ وما المشروع الذي ستنخرط فيه هذه «العقول» إذا تغلّبت على صعوبات ضعف البنية التعليميّة وشبه انعدام البنية البحثيّة والإبداعيّة، وطوّرت نفسها بجهود ذاتيّة أو مستقلّة؟ وما المشهد الذي ستتفاعل فيه ومعه هذه «العقول» في ظل الفساد والشللية والمحسوبيّة والقمع؟ وما الأدوات التي ستتمكّن تلك «العقول» من خلالها من تطوير قدراتها وقدرات مجتمعاتها وتوظيف معارفها وخبراتها وإمكانياتها؟

عربيًّا، تُعلمنا الموازنات المخصّصة للبحث العلمي، سواءٌ بأرقامها المطلقة، أو بنسبها من الناتج المحليّ الإجماليّ (مع استثناءات برزت مؤخرًا تتعلّق بالسعوديّة والإمارات)، وتدهور جودة التعليم والتعليم العالي في الكثير من البلدان العربيّة، أن مشاريع التحديث والتطوير والإبداع والإنتاج عربيًّا هي على آخر سلّم الأولويّات، ما يمثّل دليلًا دامغًا يفسّر الواقع الموضوعيّ الذي تحدّثنا عنه. ليس غريبًا – والحال هذه – أن تتحوّل الجامعات (في بعض البلدان العربيّة) إلى ثكنات أمنيّة مسوّرة ببوّابات حديد وحرس خاص، يخضع التّعيين على كادرها التدريسيّ لموافقات أمنية، وتحكم شروط الترقيات فيها معايير فاسدة لا علاقة لها بالأكاديميا والإنتاج المعرفيّ، ولا يساهم أساتذتها في الإنتاج الإبداعيّ ولا في نقاش العامّ بل يبتعدون من هذا الأخير ويهربون منه، بل لا ينطبق عليهم ما يسمّيه إدوارد سعيد «المثقف المحترف» المهتمّ – مهنيًّا – بالبحث الأكاديميّ الذي يؤدّي إلى المكانة والترقيات، فالأخيرة هنا مشتقّة من الواسطة والنفوذ، أما النشاط الأكاديميّ نفسه فيُحدّث عن مخرجات ضعيفة يتم إنتاجها في ظلّ سلطات تفضل القارّ والمستقرّ والمسلّم به، وتكره النقد والسؤال والبحث، وهذه الأخيرة هي لبّ العمل الفكريّ – الأكاديميّ – العلميّ وأساسه.

ولأن التنمية ومشاريع التطوير والاستقلال غائبة، فالبنية التحتيّة الحديثة – التصنيعيّة – البحثيّة – الإبداعيّة غائبة بغيابها، فتعلو أمام صاحب العقل المبدع (ابن المصادفة، والاجتهاد الذاتيّ المستقلّ) جدرانٌ أربعة:

جدار الفساد والواسطة والمحسوبيّة وانعدام الجدارة والشخص غير المناسب في المكان الذي استطاع الوصول إليه؛ وجدار ثانٍ ينبثق من الأول هو العاديّة والرداءة السائدتان، اللتان تحاربان بشراسة صاحب العقل المبدع لأن الثاني يفضح رداءتهما ويهدّد مصالحهما؛ وجدار ثالث يمثّل انعدام البنية التحتيّة البحثيّة والإبداعيّة أو ضعفها، فيقف صاحب العقل المبدع عاريًا أمام إمكاناته، عاجزًا عن تحقيقها؛ يتمّمها جدار رابع هو جدار السلطة الأمنيّ القمعيّ الرقابيّ التوظيفيّ.

بهذه الجدران الأربعة ينغلق الأفق (ماديًّا ومعنويًّا)، ويصير الفضاء المفتوح أمام احتمالات الاجتهاد والإبداع سجنًا لا سبيل أمام المعتقل داخله سوى التكيّف مع شروطه وإعادة إنتاج نفسه كجزءٍ من منظومة «تسيير الأمور كما هي»، شكل آخر من ذلك الذي تطلق عليها حنّة أرنت وصف «عاديّة الشرّ» (Banality of Evil)، أو أن المعتقل سـ«ينزف» و«يتسرّب» إلى خارج هذه الجدران، إلى حيث يجد مساحة أرحب، وإمكانات أكثر، وتقديرًا واحترامًا للإبداع والكفاءة، لأنّه سيجد مكانًا له في سياق هيمنة الدولة الڤيبرية المُهيمنة التي تتعزّز بوجوده، بعد أن كان خاضعًا لتسلّط وإفساد وسيطرة الكيان الوظيفيّ الذي يراه تهديدًا لبقائه ومصالحه.

هجرة العقول ونزيفها هي إذًا نتيجة منطقيّة يمكن تفسيرها بالسياق التطوريّ والواقع الموضوعيّ لنشوء الكيانات الوظيفيّة ما بعد الاستعماريّة وآليّات بقاء مجموعاتها الحاكمة، وليست ظاهرة «غريبة» نردّها حينًا إلى «انتهازيّة الغرب» الذي «يختطف» الكفاءات – بعد جهوزها والصّرف عليها في بلدانها – بلا مقابل، ونردّها حينًا إلى «ضعف انتماء» و«انتهازيّة» المتسرّب/المنزوف إذ يختار (لأسباب ذاتيّة) المساهمة في مسيرة تطوّر بلد آخر غير بلده. صحيح أن ثمّة انتهازيّة عند الطرفين: بلد المقصد الذي ساهم (ويُساهم) في تعميق تبعيّة بلد المنشأ، والعقل المهاجر الذي يبحث عن شروط إنتاجيّة ومعرفية وماليّة و«مواطنيّة» أفضل، لكن في المركز من هذه العلاقات المتشابكة، يتمّ إغفال دور السّلطة ومشرعها اللاتنمويّ-التبعيّ، والتحكّمي-الإقصائيّ، والفساديّ-الإفساديّ، من المعادلة، وإهمال المنطق الذي سيصل بنا إلى أن هجرة العقول ونزيفها هي في واقع الأمر طردٌ فعليّ، تقوم عليه السّلطة نفسها التي تشكو وتتحسّر (ظاهريًّا)، بينما يتعمّق فسادها وقمعها وتبعيّتها (فعليًّا).

في بيئة يزداد تصحيرها، وينضب ماؤها، وتتداعى صروحها، هل نلوم الجوعى والعطشى (فقط، وبصفة رئيسيّة) على رحيلهم خلف الماء والكلأ؟

– 6 –

لم يختر شتيفان زفايغ الرحيل عن موطنه، بل طرده الظرف الموضوعيّ من حيث كان مساهمًا مهمًّا في المشهد الأدبي – الإبداعيّ لعصره وبلده، إلى حيث ذوى مكتئبًا، هامشيًّا، غير ذي شأن. اليوم، ولكي لا يكون مصير «العقول» في بلداننا مصير زفايغ المأسوي، يهرب أصحابها بما تبقى منها إلى حيث تُحفظ كراماتهم، وتقدّر مساهماتهم، وتوفّر لهم الإمكانات للنموّ والتطوّر والتطوير، ليعود إلينا ذلك، في جزءٍ منه على الأقل، على شكل ترسيخ لهيمنة المراكز على الأطراف، وفي سياق أطراف تحكمها سلطاتٌ لا تهتمّ إلا لبقائها، وتعزّز بنفسها دائرة طرد مركزيّة للعقول اسمها «المتناقضة الوظيفيّة»، مررنا عليها سابقًا.

كان آخرَ ما كتب زفايغ قبل أن ينتحر مرافعة في مديح الماضي الذي لم يعد، «عالم الأمس» الذي اعتُقل وجوده فيه فعزّز كآبته، إذ شكّل له مرجعًا للمقارنة والتفجّع، فهل نتغاضى عن السّلطة ودورها، ونلوم مبدعينا فقط إن هم اختاروا الهروب إلى مستقبل يعزز تبعيّة ما هربوا منه، بدلًا من أن يذووا داخل الخزان الذي دقّ بعضهم جدرانه، ودقّوا ودقوا، ولا من مُجيب؟

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 533 في تموز/يوليو 2023.

الصورة عن موقع https://www.magnific.com/.

[1]هشام البستاني: باحث وناشط.

الترجمات الواردة في النص هي للمؤلف عن الإنكليزية.
المراجع والإحالات بحسب ترتيب ورودها داخل النص:

Zweig, Stefan. The World of Yesterday: Memoirs of a European. Translated by Anthea Bell. London: Pushkin Press, 1943.

Fanon, Frantz The Wretched of the Earth. London: Penguin, 1963.

عامل، مهدي. مقدّمات نظريّة لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرّر الوطني، القسم الثاني: في نمط الإنتاج الكولونيالي. بيروت: دار الفارابي، 1976.

أمين، سمير. إمبراطورية الفوضى. ترجمة سناء أبو شقرا. بيروت: دار الفارابي، 1991.

Kadri, Ali. Arab Development Denied: Dynamics of Accumulation by Wars of Encroachment. London: Anthem Press, 2015.

Blumi, Isa. Destroying Yemen: What Chaos in Arabia Tells Us About the World. Oakland: University of California Press, 2018.

Massad, Joseph. Colonial Effects: The Making of National Identity in Jordan. New York: Columbia University Press, 2001.

Roy, Sara. The Gaza Strip: A Case of Economic De-Development. Journal of Palestine Studies: vol. 17, no. 1, pp. 56-88, 1987.

Roy, Sara. The Gaza Strip: The Political Economy of De-development, 3rd ed. Washington D.C.: Institute of Palestine Studies, 2016.

البستاني، هشام. الكيانات الوظيفيّة: حدود الممارسة السياسية في المنطقة العربية ما بعد الاستعمار. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2021.

Gramsci, Antonio. The Modern Prince and Other Writings. Translated by Luis Marks. New York: International Publishers, 2016.

Gramsci, Antonio. Selections from the Prison Notebooks. Edited and translated by Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith. New York: International Publishers, 2018.

Weber, Max. Essays in Sociology. Translated and edited by H. H. Gerth and C. Wright Mills. New York: Oxford University Press, 1946.

Weber, Max. Max Weber’s Complete Writings on Academic and Political Vocations. Edited by J. Dreijmanis and translated by G.C. Wells. New York: Algora, 2008.

Weber, Max. Weber’s Rationalism and Modern Society: New Translations on Politics, Bureaucracy, And Social Stratification. Translated and edited by T. Waters and D. Waters. New York: Palgrave MacMillan, 2015.

Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Cambridge, UK: Polity, 2012.

Dean, Jodi. «Same As It Ever Was?.» New Left Review Sidecar, 6 May 2022, <https://newleftreview.org/sidecar/posts/same-as-it-ever-was/>.

Wark, McKenzie (2019). Capital Is Dead: Is This Something Worse?. London: Verso, 2019.

سعيد، إدوارد. صور المثقف. ترجمة غسان غصن. بيروت: دار النهار، 1996.

Arendt, Hannah. Eichmann in Jerusalem: A Report on the Banality of Evil. Rev. ed. New York: Viking, 1965.

كنفاني، غسان. رجال في الشمس. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1963.

 

 

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز