مقدمة

إذا كان مصطلح «خلايا التفكير» يحيل على تلك الغرف التي كان يجتمع فيها الاستراتيجيون خلال الحرب العالمية الثانية لوضع خططهم الحربية، فإنّ مفهومها، اليوم، أخذ يتّسع أكثر فأكثر، بفعل تنوّعها وتزايد عددها، وتعدّد مجالات اهتمامها، وما تتوافر عليها من قدرات على الضغط والتأثير في السياسات الداخلية والخارجية للدول عمومًا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية بصورة خاصة. وتتمثّل أدوار ووظائف خلايا التفكير أو مراكز البحث في تقديم المشورة البحثية والاستراتيجيّة لصنّاع القرار السياسي العام، من خلال عقد الندوات والمؤتمرات، وإلقاء محاضرات في المعاهد والكليّات، ونشر تقارير ودراسات، وإصدار أوراق بحثيّة في الدوريات، وتقديم التحليلات والتوصيات، وتبادل الخبرات مع موظفي المؤسسات الحكومية، والمشاركة في وضع أجندة السياسات العامة والاستراتيجية، فضلًا عمّا تديره من مواقع ومنابر إعلامية. لهذا «فإن خلايا التفكير تمارس تأثيرًا كبيرًا في الحياة السياسية الأمريكية»[1].

يميّز كنت ويفر بين ثلاثة أنواع من مراكز الأبحاث، هي: «المراكز الجامعية» التي تركّز على العمل البحثي وتزوّد صناع السياسات بالتقارير والأوراق الأكاديمية من أجل فهم أعمق للقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مثل معهد هوفر الملحق بجامعة ستانفورد؛ و«المراكز التعاقدية» التي ظهرت برعاية الحكومة والتي تقدّم استشارات سياسية في مجالات محددة، مثل مؤسسة راند؛ و«المراكز الدعائية» التي تميل إلى مناصرة السياسات والأيديولوجيات والتأثير في الرأي العام والقضايا السياسية، التي تعدّ مؤسسة التراث أبرز نماذجها‏[2]. وإذا كان المبدأ العام هو أن هذه الخلايا أو المراكز تهدف إلى تقديم توصيات دونما تمييز بين المواقع السياسية، إلا أنه مع تزايد تخصُّصها بدأت تظهر توجهاتها الأيديولوجية، المحافظة والليبرالية؛ ففي حين تتناغم خلايا الفكر المحافظة مع أطروحات وسياسات الحزب الجمهوري في مجال السياسة الخارجية، التي تقوم على التدخل في شؤون الدول الأخرى والحفاظ على التفوّق العسكري والهيمنة الأمريكية على الساحة الدولية، يميل الليبراليون إلى تشجيع الأفكار الليبرالية والترويج لها في دوائر صنع القرار الأمريكي، التي تتوافق مع توجهات الحزب الديمقراطي وتتطابق مع شعاراته في تعزيز التعاون الدولي ونشر الديمقراطية وحقوق الإنسان عبر العالم كما يزعمون‏[3].

أولًا: ترامب والفكر اليميني المحافظ

على الرغم من انتقاد دونالد ترامب مراكزَ الفكر والأبحاث المحافظة أثناء حملته الانتخابية، والمطالبة بتقليص أدوارها وتغلغلها في أوساط صنع القرار الأمريكي، أخذ منذ انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة، يعتمد بصورة ملحوظة على هذه المراكز، ويستأنس بتقاريرها ودراساتها في وضع أجندته وصوغ برامجه واتخاذ قرارات سياسته الخارجية. فإذا كانت المراكز البحثية المؤيدة لتيار المحافظين والمحافظين الجدد تتبنّى مواقف تدافع عن زيادة ميزانية الدفاع وتحديث قواتها، على النحو الذي يكرّس التفوق العسكري للولايات المتحدة ويحافظ على هيمنتها في العالم، فإن ترامب سيعمل على رفع الإنفاق العسكري لتحسين قدرات القوات المسلحة الأمريكية وتعزيز ترسانتها في العام الأول من ولايته، وذلك انسجامًا مع توصيات بعض المراكز البحثية، مثل مؤسسة راند، التي ضخّمت احتمال «الحرب مع الصين»، وحثّت الإدارة الأمريكية على الاستعداد لمواجهة صعود القوى التي تمثل التحدي البارز لنفوذها‏[4].

أثّرت خلايا التفكير الأمريكية تأثيرًا واضحًا في خطاب إدارة ترامب تجاه القضايا الخارجية. مثلًا، قرّر وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، الذي يعدّ عضوًا نشيطًا في خلية هوفر، الاستقالة مباشرة بعد الإعلان عن انسحاب القوات الأمريكية من سورية أواخر عام 2018، وهو القرار الذي لا ينسجم مع توصيات هوفر التي تصرّ على ضرورة الحفاظ على الوجود الأمريكي هناك، ولا سيَّما من أجل تطويق تأثير إيران ونفوذها في المنطقة‏[5]. كما أن العدول عن الخيار العسكري الذي اقترحه ترامب لمواجهة الأزمة الفنزويلية بعد اتهام مسؤوليها بالتورط في الفساد وقمع انتهاكات حقوق الإنسان، جاء في الواقع متأثرًا بأبحاث وتحليلات هذه المعاهد التي نبّهت إلى العواقب الوخيمة على المصالح الأمريكية في حالة اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية ضد فنزويلا. نشير هنا، على سبيل المثال، إلى التحليل الذي قدّمه جيمس كارافانو، نائب رئيس معهد العلاقات الدولية في مؤسسة التراث، يوم 1 أيار/مايو 2018 على قناة فوكس نيوز، الذي حذّر فيه من مغبّة التدخل العسكري في البلد‏[6]، وهو التحليل نفسه الذي قدّمته أيضًا مجموعة من مؤسسات الفكر والرأي المحافظة الأخرى، كمعهد هادسون ومعهد المشروع الأمريكي‏[7].

بعد مقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، في غارة جوية أمريكية في بغداد يوم 3 كانون الثاني/يناير 2020، كان الباحث في مؤسسة التراث، جيمس كارافانو، من أوائل الذين سارعوا إلى تبرير الحادث، حيث أوضح، على قناة فوكس نيوز، أنه لم يكن هناك بديل آخر من هذا الهجوم الذي جاء تنفيذًا لأمر ترامب بوصفه قائد القوات المسلحة الأمريكية. وعاد كارافانو، مرة أخرى، ليشرح على هذه القناة نفسها المقرّبة من البيت الأبيض، كيف اختار الرئيس الأمريكي توقيت الهجوم والسماح بعد ذلك لإيران بالرد بطريقة تشبه ما أسماه «عرضًا للألعاب النارية الذي يهدف إلى حفظ ماء الوجه»، وهو ما أدى إلى منع التصعيد ومثّل في نظره انتصارًا للسياسة الخارجية الأمريكية‏[8].

تمثِّل سياسة الهجرة مظهرًا آخر من المظاهر التي تعكس العلاقة العضوية القائمة بين مراكز الأبحاث المحافظة وإدارة ترامب؛ ففي عام 2017 انضمّ الباحث في مركز دراسات الهجرة، جون فيير، إلى إدارة ترامب، حيث عمل مستشارًا لشؤون الهجرة والجمارك الأمريكية. وفي عام 2018، أصبح رونالد مورغنسترن مساعدًا لوزير الخارجية لشؤون مكتب السكان واللاجئين والهجرة. كما كان اتحاد إصلاح الهجرة الأمريكية (FAIR) وراء تعيين جولي كيرشنر في منصب مستشار كيفن ماكالينان، مفوض الجمارك وحماية الحدود، في عام 2017‏[9]. وقدّمت هذه المراكز عدّة توصيات للإدارة الأمريكية بخصوص نظام الهجرة الأمريكي. وتفاعلًا مع هذه التوصيات، أصدر الرئيس ترامب، بعد وقت قليل من وصوله إلى الحكم، عددًا من الأوامر والمراسيم التنفيذية في شأن سياسة الهجرة الأمريكية‏[10]، وهي المراسيم التي فرضت قيودًا صارمة على الهجرة، بما في ذلك بناء جدار فاصل على الحدود الجنوبية، وزيادة عدد الجنود على طول حدودها مع المكسيك، ومنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة‏[11]. بحسب الأمر التنفيذي الصادر في 25 كانون الثاني/يناير 2017 حول «تحسين إنفاذ أمن الحدود والهجرة»، يمثّل الأمن الحدودي أهمية قصوى للأمن القومي للولايات المتحدة، لذلك، فإنّ الأجانب الذين يدخلون بصورة غير قانونية إلى الولايات المتحدة الأمريكية يمثلون تهديدًا خطيرًا للأمن والسلامة العامة، وبخاصة في ظل تنامي المخاطر الأمنية عبر الوطنية المتمثلة بالتنظيمات الإجرامية وشبكات الاتجار بالمخدرات وتهريب البشر على جانبَي الحدود الجنوبية للولايات المتحدة. من هنا، توسعت عمليات الترحيل وإبعاد المهاجرين غير النظاميين إلى الولايات المتحدة، بحسب مصادر وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك التابعة لوزارة الأمن الداخلي‏[12].

إضافة إلى التطبيق الصارم لقوانين الهجرة، قلّص ترامب أيضًا عدد اللاجئين وأوقف تدفُّقهم إلى الولايات المتحدة، وضيَّق على المهاجرين النظاميين، وألغى برنامج الحماية للمهاجرين الذين دخلوا أمريكا بصفة غير قانونية عندما كانوا أطفالًا، والمعروف اختصارًا ببرنامج «داكا»‏[13]. في 6 آذار/مارس من العام نفسه، أصدر ترامب أيضًا أمرًا تنفيذيًا آخر يحمل عنوان «حماية الأمة من دخول الإرهابيين الأجانب إلى الولايات المتحدة»، الذي توخّى من ورائه تعزيز أمن الشعب الأمريكي من خلال إغلاق الحدود في وجه المهاجرين واللاجئين من بعض الدول وخصوصًا الدول ذات الأغلبية المسلمة‏[14].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 555 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 555 أيار/مايو 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 555 في أيار/مايو 2025.

أحمد المرابطي: أستاذ باحث في كلية العلوم القانونية والسياسية، جامعة ابن طفيل – المغرب.

الصورة من رويترز.

[1] Hongxia Wei, «Brief Introduction of U.S. Think Tanks,» in: Wenzhao Tao, The US Policy Making Process for Post-Cold War: China-The Role of US Think Tanks and Diplomacy, Springer, 2018, p.15.

[2] R. Kent Weaver, «The Changing World of Think Tanks,» PS: Political Science and Politics, vol. 22, no. 3 (September 1989), pp. 563-578.

[3] Rich Andrew, Think Tanks, Public Policy, and the Politics of Expertise (Cambridge, MA: Cambridge University Press, 2004), p.157.

[4] انظر على سبيل المثال: David C. Gompert, Astrid Stuth Cevallos and Cristina L. Garafola, War with China: Thinking Through the Unthinkable (Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2016), pp. 67‑72.

[5] Virgile Lorenzoni, «Think tanks conservateurs, politique étrangère et administration Trump,» Observatoire des Relations Extérieures du Monde Anglophone (OREMA) (22 mars 2020).

[6]   Ibid.

[7]   Ibid.

[8]   Ibid.

[9]   Ibid.

[10] Among them: «Executive Order 13767 of January 25, 2017: Border Security and Immigration Enforcement Improvements,» Federal Register, vol. 82, no. 18 (30 January 2017) Presidential Documents, pp. 8793-8797; «Executive Order 13769 of January 27, 2017: Protecting the Nation from Foreign Terrorist Entry into the United States,» Federal Register, vol. 82, no. 20, (1 February 2017), pp. 8977-8982; «Executive Order 13815 of October 24, 2017: Resuming the United States Refugee Admissions Program with Enhanced Vetting Capabilities,» Federal Register, vol. 82, no. 207 (27 October 2017), pp. 50055-50058…etc.

[11] Sarah Pierce, Jessica Bolter, and Andrew Selee, «U.S. Immigration Policy under Trump: Deep Changes and Lasting Impacts,» Migration Policy Institute (July 2018), p. 3.

[12]  Ibid, p. 4.

[13] Sarah Pierce and Andrew Selee, «Immigration under Trump: A Review of Policy Shifts in the Year of the Election,» Migration Policy Institute (December 2017), p. 4.

[14] Protecting the Nation from Foreign Terrorist Entry into the United States, Executive Order 13780 of March 6, 2017, Federal Register, vol. 82, no. 45 (March 2017).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز