الزمان: آخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

المكان: غزة… الخارجة لتوّها من أتون ودمار عدوان إسرائيلي جديد، والدافنة منذ شهور قليلة مزيداً من الشهداء…

المناسبة: مفرحة، رغم هذا كله. المناسبة عرس جماعي يضم أكثر من أربعمئة عروس وعريس، ويحضره الآلاف من أهل المدينة والقطاع، ومن أهالي العرسان، طبعاً، ومن السكان الآخرين. جميعهم هنا ليقولوا إن الحياة مستمرة، وإن الموت لا يمكنه أن يقضي على تلك الحياة. وللشهادة على هذا كله، كانت الكاميرا هناك. وهذه الكاميرا التقطت الصور، ثابتة ومتحركة، تحت الأضواء أو بعيداً قليلاً من الأضواء. الصور أتت جامعة حيّة، بل نكاد نقول مليئة بحيوية استثنائية. والمتحرك من هذه الصور بثّ منذ مساء اليوم التالي على شاشات كثيرة في العالم، تماماً كما أن الصور الثابتة تم تناقلها في الصحف والمجلات وما إلى ذلك. وربما كانت هناك، أيضاً، شرائط وثائقية بكاملها أرّخت للحدث لتبقى ذكرى ما بعدها من ذكرى، وعلى الأقل بالنسبة إلى المعنيين مباشرة: العرسان أنفسهم وأهاليهم الأقربين.

ولكننا نتوجّه بكلامنا هنا أيضاً إلى العرسان، وليس إلى العرائس، فالعرائس، مئات العرائس، بأثوابهن الزاهية، وزينتهن المتواضعة، بالتأكيد، وابتسامات الفرح التي لا شك ارتسمت على وجوههن طوال ساعات الفرح.. وحتى بأحجبتهن.. كنّ غائبات. الغائبات الوحيدات، على الأقل عن الصور الثابتة والمتحركة، عن الأفلام الملتقطة. صحيح أنهن سوف يكنّ إلى الأبد جزءاً من ذاكرة الحدث.. ولكن ليس في الملموس، وليس على الشرائط أو على الصور. في البال فقط. فغزّة في نهايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تقع تحت السلطة المباشرة لمنظمة حماس. وحماس ترى أن المرأة لا تصوّر… حتى في يوم عرسها. وبالتالي لن تكون صورة المرأة جزءاً من تاريخ الحدث.. لن تكون جزءاً من الذاكرة الجماعية. والمرأة المغيّبة هنا هي، بالطبع، امرأة فلسطينية. امرأة بات يراد لها أن تكون المرأة الوحيدة في هذا الجزء من العالم التي لا يحق لها أن تكون جزءاً من الصورة، جزءاً من المشهد الجماعي. ليس هذا، اليوم، عيباً فقط. بل هو حرام أيضاً.

في لقطة استرجاعية، قد يصح أن نعود بالصورة نحو أربعين عاماً إلى الوراء.. يوم كانت المرأة الفلسطينية، أيضاً، صورة تملأ صحف العالم وذاكرته الجماعية، مناضلة، محامية، سياسية، فنانة… وحتى سيدة بيت يهزّها واقع التشرد والاحتلال وفلسطين التي حتى وإن كانت قد باتت سجناً فلسطينياً كبيراً في الداخل ومجموعة من الغيتوات في الخارج، كانت قد بدأت تعرف كيف تقاوم وكيف تصرخ في وجه العالم: أوقفوا هذا كله.. أوقفوا اسرائيل عن قضم قضيتنا وشعبنا وأرضنا! تلك أيضاً كانت امرأة فلسطينية… والحقيقة أن من يدهشه اليوم غياب العروس الفلسطينية عن الصورة الغزاوية الجماعية، لا شك سيدهشه أكثر، إن استرجع ذاكرة التاريخ القريب، كل ذلك الحضور للمرأة الفلسطينية قبل عقود في طول العالم وعرضه.. في طول النضال وعرضه. لكنه إن تمعّن في الأمور أكثر، سوف تزداد مفاجأته إن هو لاحظ أن تلك المرأة الفلسطينية، حتى في عز لحظات تألقها وحضورها في شتى ساحات العالم، كانت غائبة، ولو نسبياً عن الصورة الفلسطينية، كما قدمتها السينما، منذ بدايات القضية وحتى بداية سنوات الثمانين. قبلها كانت هناك في بعض الأفلام التي تحقق عن فلسطين وباسم فلسطين، لكنها كانت جزءاً من شيء ما… تابعة لواقع ما. يكاد يكون لها حضور في ذاتها… كانت تبدو كالمنسية. كما لو أن البدايات آثرت أن تكون من دونها. صحيح أنها في بعض الأفلام كانت فتاة من فلسطين أو امرأة يحبها مناضل.. لكنها كانت في الجانب الخفي من الصورة.

لقد احتاجت إلى أن يحقق ميشال خليفي فيلميه الأوّلين: الوثائقي «الذاكرة الخصبة»، ثم الروائي «عرس الجليل» (الأول في العام 1980، والثاني في العام 1987)، لكي تكون في الجزء الأساسي .. في الواجهة من الصورة. لكي تتحول من موضوع إلى ذات. قبل ذلك، كانت السينما الفلسطينية سينما قضية خالصة وسينما ذكورية خالصة. ولنتذكر هنا كيف أن أفضل فيلمين حققا عن فلسطين، قبل إمساك السينمائي الفلسطيني قضيته السينمائية بيديه، وهما «المخدوعون» لتوفيق صالح (1972)، و«كفرقاسم» لبرهان علوية (1973)، ليس فيهما للمرأة أي حضور، اللهم إلا عبوراً لدى برهان علوية. والحقيقة أن هذين الفيلمين سوف يكونان، على أية حال، الأخيرين تقريباً بين الافلام الكبيرة التي حققها مبدعون عرب عن فلسطين. ذلك لأن الربع الأخير من القرن العشرين، شهد تلك القلبة الأساسية التي جعلت السينمائي الفلسطيني مسؤولاً، بمفرده تقريباً، إذا استثنينا فيلماً ليسري نصر الله أو أي شيء من هذا القبيل، عن سينماه، وعما تريد أن تقوله هذه السينما.

ذكر/أنثى

ولسوف تكون تلك الحقبة، وبشكل تدريجي، الحقبة التي ستشهد ظهور السينمائية الفلسطينية أيضاً. صحيح أن ليس في إمكاننا أن ننكر وجوداً سابقاً، من ناحية، للمرأة الفلسطينية على الشاشات الفلسطينية، أو المحققة باسم فلسطين، وأحياناً، حتى وراء الكاميرا، من خلال نساء اشتغلن كاتبات للسيناريو أو مخرجات أو حتى تقنيات في فضاءات غربة السينما والعمل الفلسطيني ككلّ، في عمان أو في بيروت، على غرار خديجة أبو علي – ولكن، طبعاً، في ركاب زوجها السينمائي الراحل مصطفى أبو علي – أو أكثر من هذا، على غرار مي المصري، التي كانت بداياتها في أوائل تلك الحقبة كسينمائية مستقلة قبل أن تنضم في العمل السينمائي إلى جان شمعون – زوجها لاحقاً – اللبناني الذي اختار فلسطين ميداناً لعمله وكاميراه، وإن في لبنان وانطلاقاً من لبنان. غير أن سنونوات من هذا النوع، في الزمن الذكوري الخشن، ما كان من شأنهن أن يعلنّ مجيء الربيع، بل إن سينما مي المصري نفسها، كانت في البداية سينما عامة، لا تفرّق بين الموضوع الأنثوي والذكوري. كانت لا تزال في انتظار أن تنفرد في عملها، وأن تحقق بدايات الانزياح من الوثائقي إلى الروائي، قبل أن تجد أن الموضوع الأنثوي جدير بكاميرا خاصة به.

والحقيقة أننا إذا تحّدثنا هنا، بهذا التفريق بين ما هو ذكوري وما هو أنثوي، لا شك في أننا لن نكون سائرين في هذا السياق على خطى ما هو مألوف من جعل البعدين متضاربين مع بعضهما البعض. ففي السينما الفلسطينية لم يحن بعد – كما يبدو لنا – أوان ولادة ما يمكن أن نسميه «السينما النسوية». كل ما في الأمر أن الأفلام التي يمكن أن نتوقف عندها في هذا السياق، بما فيها، خاصة، هي تلك التي بدأت تحققها نساء، خلال الآونة الأخيرة، وهي أفلام لا تكاد أن تصوّر صراعاً بين المرأة والرجل. هي، بالأحرى، وفي معظمها، أفلام تنطلق من حقيقة الغياب: غياب الذكر، ما يجبر المرأة على تدبير حياتها من دونه – ونادراً على الضدّ منه – وآمل ألا أكون هنا في هذه الفرضية قد أبكرت مستبقاً التحليل، الذي سيُفصّل فيه بشكل أكثر وضوحاً في الصفحات التالية. ومن هنا سأذكّر فقط ببعض جوهر بعض الأفلام: العروس في «عرس الجليل» (1987، 112د.)، وموضوع «أمريكا» (2009) لشيرين دعيبس، والوحدة القاتلة للمرأة في «المر والرمان» (2009)، ووضوح الصرخة النسائية الجماعية في «هاي مش عيشة» لعلياء آراصغلي (2001، 24د.)، والتصوير الجوّاني لوحدة فدوى طوقان وحنينها إلى أخيها إبراهيم في فيلم شاعري لليانا بدر، ومغامرة بطلة «ملح هذا البحر» (2008) لآن ماري جاسر… وغير ذلك مما سوف نراه بعد صفحات.

لا شك في أن الصدفة وحدها، والواقع نفسه، هما اللذان جعلا فيلم «الذاكرة الخصبة» لميشال خليفي يدور من حول امرأة أو بالأحرى من حول امرأتين فلسطينيتيْن: السيدة رومية فرح حاطوم التي تطالب بقطعة أرض تركها لها زوجها حين مات، لكن السلطات الإسرائيلية صادرتها، فكرّست السيدة حياتها للنضال من أجل استعادتها، والكاتبة سحر خليفة التي واجهت الحياة، وتغلّبت عليها بعد طلاق، ورغم كل الصعوبات والمعوقات. لقد قدم خليفي هنا نمطين للمرأة الفلسطينية: واحدة تناضل ضد إسرائيل، والثانية ضد مجتمع الذكور. وهما امرأتان التقطهما السينمائي من الحياة، ولم يخترعهما، لتجعل منهما سينماه أول بطلتين سينمائيتين فلسطينيتين.. فتفتحان بذلك سلسلة من أفلامه. غير أن الأهم كانت البطلة التالية، البطلة الروائية في فيلم ميشال خليفي التالي «عرس الجليل». صحيح أن في خلفية معركة الخطيبة (آني أشديان) كان ثمة الاحتلال الإسرائيلي… ثم عجز الذكر الفلسطيني. لكن السينمائي، لم يجعل النضال ضد الاحتلال صاخباً زاعقاً مسلحاً، ولا الصراع مع الذكر أنثوياً نسوياً، على الطريقة الحديثة، بل هو جعل المعركتين واحدة، وآية ذلك أن الذكر بدا في فيلمه مخصيّاً بفعل تردّد الأب (وخيانته تقريباً)، أمام جبروت الاحتلال وعجرفته. ومن هنا حين كان متوقعاً بعد ليلة العرس الصاخبة، التي شكّلت عماد الفيلم، أن يمارس العريس حقه (وواجبه) في افتضاض بكارة عروسه، وإطلاع الأقارب على بقعة الدم الناجمة عن ذلك كي يكتمل العرس، يعجز العريس عن ذلك لأن والده والاحتلال وتاريخ فلسطين كلها كانوا قد خصوه، تتولى العروس ذلك بنفسها.. فتنقذ الوضع، لكنها في طريقها تعلن عجز الذكر، وبداية إمساك المرأة الفلسطينية بقضيتها بيدها.

لقد كان مدهشاً وغريباً أن يكون مخرج هذا الفيلم رجلاً.. لكن الصورة تستقيم إن نحن افترضنا أن كل ما في هذا الفيلم إنما يدور في حيّز الرمز، لا في حيّز تصوير الصراع بين المرأة والرجل. والحقيقة أنه لو كان هذا الفيلم من إخراج امرأة لابتعد مباشرة عن الرمز، وبدا نسوياً بامتياز. مهما يكن، يجب أن نلاحظ هنا أن أي فيلم فلسطيني مقبل، وخاصة تلك التي حققتها نساء، لن يصل في «إدانته» للذكر إلى هذا الحدّ، حتى وإن تحركت سينما المرأة في معظم الأحيان انطلاقاً من غياب هذا الرجل.. وليس فقط انطلاقاً من الرغبة في إعطاء المرأة حقها في الكلام، بل إن سينما ميشال خليفي نفسها، حتى وإن ظلت تعطي للمرأة الموقع الأقوى والمستعلي أحياناً (كما في «نشيد الحجارة» (1990، 106د.)، فإنها ستتوقف في تصوير رمزية علاقة المرأة بعجز الذكر عند الحدّ الذي صوّرته في «عرس الجليل».

لقد بدا الأمر، وكأن ميشال خليفي يقول: ها هي الطريق فتحت أمام سينما تقوّل المرأة وموقعها من القضية وتاريخ القضية. وهنا، للإنصاف، لا بد من أن نشير إلى أن هذه لم تكن سوى ثاني إشارة إلى ريادة ميشال خليفي.. بعد ريادته في مجال بدء السينمائي الفلسطيني – وأتحدث هنا، بالتحديد، عن السينما الروائية الفلسطينية التي كانت كبيرة الحضور راسخته مميّزته خلال العقود التالية – إمساك قضيته السينمائية بيده. وتبدو المسألة هنا وكأن فيها انزياحاً مزدوجاً، أو اكتشافاً مزدوجاً: ها هو الفلسطيني يسعى كي تكون له سينماه المتحدثة عن فلسطين بعدما عوملت فلسطين – بكثير من حسن النوايا طبعاً – وكأنها قضية ملحقة بالسينما العربية، يخوضها سينمائيون عرب كلما أحسّوا بوخز ضمير وطني. وها هي السينما الفلسطينية تكتشف المرأة الفلسطينية، مؤشرة إلى أن هذه – إذ أمسكت مصيرها بيديها، كما فعلت السيدة حاطوم وسحر خليفة في «الذاكرة الخصبة»، ثم كما فعلت بشكل أكثر رمزية عروس «عرس الجليل» – يمكنها أيضاً أن تمسك مصيرها السينمائي بيديها.

ونعرف الآن أن هذه الطريق المزدوجة التي فتحها ميشال خليفي في فيلميه الأولين تزامنت مع بعد ثالث لن نجد بأساً في أن نتوقف عنده بعض الشيء هنا، حتى وإن كنا نعرف أن هذا ليس مجال الخوض فيه بالتفصيل، إذ قبل ظهور ميشال خليفي في فضاء السينما الفلسطينية، وتحقيقه عبر «عرس الجليل» أول فيلم روائي فلسطيني متكامل، كان العدد الأكبر من سينمائيي فلسطين، إما عرباً آتين من شتى الأقطار العربية، ومن المنافي الأوروبية – وغالباً كي يخوضوا عبر الاندماج في السينما الفلسطينية نضالاتهم الخاصة، الذاتية أو الوطنية، وإما من فلسطينيي الشتات، من قاطني الأردن أو مصر أو لبنان، بمن فيهم غالب شعث الذي حقق في مصر واحداً من أول الأفلام الروائية التي تمتّ إلى فلسطين بصلة سياسية مباشرة: «ظلال على الجانب الآخر» (1973)، وبمن فيهم طبعاً كل ذلك الرهط الذي عمل ضمن إطار مؤسسة السينما الفلسطينية، ولا سيما زمن ماجد أبو شرار في عمّان، ثم في بيروت. مع ميشال خليفي حدث انزياح سينمائي مدهش وغير متوقع نحو الداخل الفلسطيني، نحو فلسطين المحتلة، أي بين شبان ينتمون إلى ما يعرف بـ «فلسطينيي 48»، من الذين تربوا ودرسوا وناضلوا تحت ربقة الاحتلال، من دون أن يكونوا لاجئين أو مناضلي مخيمات أو أهل شتات. لقد كان مجيء السينما الفلسطينية الجديدة، من داخل الداخل، بدوره، أمراً جديداً.

ولئن كان ميشال خليفي هو الأول من بينهم، فإنه كان من بينهم كذلك، خلال السنوات التالية على ظهور ميشال خليفي وفيلميه الأولين، كل أولئك الذين ساهموا طوال ما لا يقل عن ربع قرن في وجود – ولا نقول فقط في ازدهار – سينما فلسطينية على خارطة السينما العالمية، من إيليا سليمان وهاني أبو أسعد، وتوفيق أبو وائل، وصولاً إلى نجوى نجار، وشيرين دعيبس، وآن ماري جاسر.. من المخرجين، وكلارا خوري، ومكرم خوري، وهيام عباس، وعرين العمري، وعلا طبري، من الممثلين أو الحائرين بين التمثيل والإخراج، مروراً بمحمد بكري، وابنه السائر على خطاه صالح بكري. طبعاً، لا نقول هنا إن كل هؤلاء كانوا من نتاج أرض الاحتلال وزمنه، ولكن تضافر وجودهم في سينما فلسطينية استحوذت على حقيقتها ومواضيعها، ثم على مكانتها العالمية – إنما ليس العربية حتى الآن، وهذا أمر يلفت النظر حقاً – يطرح أسئلة وفرضيات كثيرة حول الخلفية الفكرية لهذه السينما، التي إذا كانت، وبشكل أو بآخر، تبدو شبيهة حقاً بفلسطين، فإنها لا تبدو في الوقت نفسه شبيهة بما قدِّم من سينما عن فلسطين وباسمها قبل ذلك.

ربما يمكننا هنا أن نستثني فيلمين عربيين حكيا فلسطين هما «المخدوعون» (1972 – 110د.) (الذي أخذ، على أية حال، عن قصة لغسان كنفاني، روائي فلسطين بامتياز)، و«كفرقاسم» (1974 – 99د.) (الذي أُخذ أصلاً بدوره، عن حادثة حقيقية تدمي التاريخ الفلسطيني، وتشكّل أحد ضروب عار الجيش الإسرائيلي على مدى الأزمان). فهذان الفيلمان بديا على أية حال مؤسسين، ولا سيَّما فيلم برهان علوية – الذي لا ينتمي، موضوعاً فقط، إلى السينما الفلسطينية الحقيقية التي ظهرت لاحقة عليه، بل يكاد يبدو لنا مؤسساً لتلك الجماليات التي نزعم حضورها في معظم الأفلام الفلسطينية، فنجدها في «عرس الجليل» تسير على خطى «كفر قاسم»، ثم نجدها في «عرس رنا» (2002، 80د.)، وفي المتن السينمائي لرشيد مشهراوي، كما في سينما نجوى نجار، وآن – ماري جاسر، وشيرين دعيبس.

ولِمَ لا نقول هنا إننا نكاد أيضاً نجدها في بعض الأفلام الإسرائيلية التي وقفت وقفة نقدية ما، من ممارسات السلطات الإسرائيلية، فبدت في نظر العالم الخارجي، وكأنها جزء من السينما الفلسطينية الجديدة (أقول هذا وأفكر في «العروس السورية» و«شجرة الليمون»، و«عجمي» (2009)، و«يافا» (2009) لكارين يدايا… على سبيل المثال، وهي كلها على أية حال أفلام فيها حضور للشخصية الفلسطينية).

إن الجماليات التي نتحدث عنها هنا، ونكاد نقول إن «كفر قاسم» أسس لها، بشكل أو بآخر، تقوم على تصوير الواقع بشكل واقعي، وعلى جعل السياسي لا يطلع مباشرة، بل من داخل السياق السردي، تمزج بين مشاهد الداخل والخارج، وكأن الفضاء واحد متكامل (هذا أوصله إلى ذروته، إذ على الأقل هناك فيلمان هما: «عرس الجليل»، وطبعاً «حتى إشعار آخر» لرشيد مشهراوي، حيث تصبح علاقة الداخل بالخارج موضوع الفيلم لا شكله فقط). إنها جماليات تؤدي فيها الحواجز الإسرائيلية دوراً أساسياً، وانتظار ما لا يجيء دوراً أساسياً آخر.. فإذا أضفنا التشتت العائلي، وصراع الأجيال («عرس رنا»)، والبحث عن البيت المفقود («تذكرة إلى القدس» – 2002؛ وخاصة «ملح هذا البحر» – 2008)، وصراخ المرأة المباشر رفضاً لعيشة لم يعُد لها أي غد («هاي مش عيشة»)… سنجدنا أمام سينما يفرض مضمونها شكلها، وتبدو شديدة الاختلاف عن أفلام النوايا الطيبة العربية (من «فتاة من فلسطين» لمحمود ذو الفقار إلى «أرض السلام» لكمال الشيخ)، ناهيك بكل تلك الشرائط البؤسوية التي كان أقصى ما تحمله هو التحسر على حال الفلسطيني البائس.

 

من رمز الأرض إلى كائن يحقق ذاته

إذاً، حتى وإن كان أول الاهتمام السينمائي بالمرأة الفلسطينية قد جاء من طريق سينما حققها رجل (ميشال خليفي)، فإن هذا أحدث تبدلاً أساسياً في التعاطي مع القضية الفلسطينية، حيث إن حضور المرأة، كذات، وليس كموضوع، في الفيلم الفلسطيني، مكّن الكاميرا من الدخول إلى البيوت الفلسطينية من ناحية – وأحياناً إلى حدّ النظر إليها كمملكة للمرأة مع ما يصحب ذلك من تهميش للرجل، تحت ذريعة إعادة الاعتبار إلى وجود المرأة ونضالاتها بعدما همّشت هي الأخرى طويلاً، بل حتى استخدمت أداة للشكوى الدائمة، مقابل فاعلية الرجل ودوره الواضح – والمبالغ فيه أحياناً – في تاريخ النضال الفلسطيني. منذ «الذاكرة الخصبة»، و«عرس الجليل»، صارت الأبواب مشرّعة أمام بروز المرأة الفلسطينية في واجهة القضية وردود الفعل عليها، بحيث صارت هي من ينطق باسم هذه القضية، توثيقياً أول الأمر، ثم روائياً بشكل متأخر بعض الشيء لاحقاً.

وفي هذا السياق، حتى وإن كانت ليانا بدر قد اهتمت بهذا الجانب، على خطى ما كان بدأه ميشال خليفي في فيلمه «الذاكرة الخصبة»، موصلة إياه إلى مستوى لا بأس به في فيلمها الوثائقي عن فدوى طوقان، فإن علياء آراصغلي التي ينظر إليها عادة على أنها ناشطة سينمائية أكثر منها مخرجة، جاءت في العام 2001 لتعطي المرأة الفلسطينية العادية إمكان التعبير عن الذات وعن الواقع في القضية. هنا، مثلاً في فيلم «هاي مش عيشة» لآراصغلي، لم يعُد من يملأ الشاشة نساء معروفات، أو شخصيات استثنائية، بل فلسطينيات معظمهن طالع من العادي واليومي.

في هذا الفيلم أتت المخرجة – والأستاذة الجامعية – علياء آراصغلي التي كانت انتقلت لتوّها من الولايات المتحدة إلى رام الله، بعدما نشطت في العالم الجديد، تنظيماً وتوزيعاً لتظاهرات، من أجل السينما العربية بشكل عام، حاملة مشروع حياتها لتأسيس مهرجان وكيان مؤسساتي لسينما المرأة؛ وبعد تنظيم مع الناقد السينمائي المغربي مصطفى المسناوي «أول لقاء بين المخرجات العربيات والنقاد العرب» في الدار البيضاء في سنة 1996، والذي أدى في ما بعد بطرق مختلفة إلى ولادة المهرجانين العربيين الوحيدين لسينما المرأة في الوطن العربي – مهرجان شاشات لسينما المرأة في فلسطين، والذي نظم في سنة 2010 دورته السادسة، والمهرجان الدولي لسينما المرأة (سلا المغرب) الذي احتفل في سنة 2009 بدورته الثالثة، وبعد دورة أولى في سنة 1999، لم تسجل عليه؛ أتت لتعطي الكلام لثماني نساء فلسطينيات، معظمهن سيدات عاديات (عاملة زراعة أو عاملة نظافة، أو صاحبة محل أزياء أو طالبة… إلخ)، وربما ربات بيوت أيضاً، انطلاقاً من فكرة أساسية بنت عليها آراصغلي فيلمها (42 دقيقة): إن حياتهن هي الحياة العادية التي تصنع الأخبار، لكن الأخبار تهمّش حياتهن.

ومن هنا راحت هؤلاء النساء «يتكلمن بمرارة ولوعة وغضب ومساءلة»، فهنّ يرين حياتهن كحياة منتجة فعّالة فيها كرامة.. لكن الحرب قلّصتها إلى المآسي والمخاوف والصدمات.. وها هن يتحدّثن عن «خسارة فادحة في مصادر رزقهن وأرضهن ومنازلهن، وموت أحبائهن، وضياع راحة بالهن وأهداف حياتهن…». في هذا الشريط الفلسطيني عرفت آراصغلي كيف تصوّر العادي داخل اللاعادي، والعكس صحيح. وعرفت كيف تقدم شخصيات واقعية، لعلّنا لا نبالغ إن قلنا إن حكاية كل شخصية منها قد تصلح خلفية لأفلام عديدة. طبعاً، لا نقول هنا إن «هاي مش عيشة» كان هو من افتتح سينما بات يمكننا أن نطلق عليها اسم «سينما المرأة الفلسطينية»، لكنه – في المقابل كثف إشارات كثيرة، كانت آراصغلي نفسها قد رسمت إرهاصاتها في فيلم سابق لها عنوانه: «حياة ممزقة» حققته عام 1993 يوم كانت لا تزال مقيمة بشكل كلّي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث صوّرت في ما صوّرت، انطلاقاً من تجربتها الشخصية، ما يعتبر «التعديلات الكبرى وضروب التكيف التي كان يتوجب على الفلسطينيات الأمريكيات القيام بها لدى سفرهن من المدن والقرى ومخيمات اللجوء في الشرق الأوسط إلى ضواحي العواصم الصناعية للولايات المتحدة…

إننا هنا، إذا كنا توقفنا بعض الشيء عند تجربتي علياء آراصغلي هاتين، فما هذا إلا لأنهما، في تضافرهما كما في الفروق بينهما، تصوّران خير تصوير ذلك الانزياح في نظرة السينما إلى المرأة الفلسطينية وتعاملها معها… من دون أن يعني هذا أن آراصغلي حملت «النسوية» راية نضال: لديها ظلت المعركة الأساسية واحدة، معركة الإنسان الفلسطيني ضد الاحتلال وضد التخلّف، مضيفة إليها أسئلة غاضبة عن قدرة المرأة الفلسطينية على القيام بدورها في هذه المعركة. وطوال الفترة الفاصلة بين أول فيلمي علياء آراصغلي هذين، وثانيهما، كانت السينما الفلسطينية تنمو وتتطور بشكل مدهش… وبدأ النقد العربي والعالمي يتحدث عن التزامن بين إمساك الفلسطيني بمصيره سينمائياً… وإمساك الفلسطينية، بدورها، ذلك المصير. كانت الفترة توازي تقريباً عقداً من السنين بكامله (بين 1993 و2001).. وخلال ذلك العقد حدثت، بالطبع، أمور كثيرة وانزياحات أكثر. ولن نبدو مبالغين إن قلنا هنا إنها كانت الفترة، التي وصل فيها إلى الذروة واقع تحوّل السينما الفلسطينية بأسرها من سينما تُحقق باسم فلسطين، إلى سينما فلسطينية حقيقية.

وطبعاً، لن يكون من الممكن هنا رسم صورة كاملة لما حدث في السينما (الوثائقية حتى نهاية تلك الحقبة) الفلسطينية التي حققت خلال ذلك، ولكن يمكن القول إنها الحقبة التي تفجّر فيها الفعل السينمائي الفلسطيني، وانعدمت الحدود بين الإنتاج الذكوري والإنتاج الأنثوي. وكذلك تفجرت الأساليب، ولم يعُد المضمون السياسي يفرض شكلاً كلاسيكياً أو غير كلاسيكي على هذه السينما، حيث صار الأمر أشبه بأبواب مفتوحة على اتساعها، أمام التجريب (منى حاطوم)، وأمام الصياغة الأدبية – شبه الكلاسيكية التي تعطي الأرجحية للموضوع وخدمته (ليانا بدر)، وصولاً إلى استخدام السينما كحامل لأفكار أيديولوجية نضالية (نورما مرقص). وإذ راحت التجارب تتكاثر، ذكورياً وأنثوياً، شجع ذلك كله، عدداً كبيراً من «مولعات» فلسطينيات بفن الصورة المتحركة، ومن اللواتي يقمن غالباً، خارج فلسطين، في الشتات، عربيات كنّ أو غير عربيات، على خوض التجربة، ولا سيَّما أن تلك المرحلة كانت قد بدأت تشهد بدايات الفورة التقنية (كاميرات الديجتال) التي جعلت صنع فيلم – فلسطيني أو غير فلسطيني – في متناول الجميع.

والحقيقة أنه كان من النتائج الحتمية والمهمة لهذا كله، أن حدث تبدل حتى في ممارسة السينمات التي كانت، ومنذ زمن بعيد، تحقق باسم فلسطين ومن أجلها، من لدن سينمائيات عربيات غير فلسطينيات، وصولاً حتى إلى كشف فلسطينيات كثيرات يقمن في العديد من العواصم العربية غير معلنات عن جذورهن الفلسطينية، أو عن هذه الجذور!

لن ندخل هنا في لعبة الأسماء والإحصاءات. إن جلّ ما نريد الوصول إليه هنا هو القول إن ما ترسخ منذ ذلك الحين كان طريقاً ما، طريقاً راح يزداد ترسخاً ووضوحاً عاماً بعد عام، وفيلماً بعد فيلم، للوصول إلى سينما تحققها المرأة الفلسطينية، تقول فلسطين، مباشرة، وأحياناً بصيغ غير مباشرة، بلغة مختلفة عن لغة السينما الذكورية الفلسطينية، وأكثر من هذا، عن لغة السينما الذكورية العربية التي أرادت أن تأخذ الكلام الفلسطيني عن الفلسطينيين. ولقد تزامن ترسخ عمل سينمائيات، آتيات من العمل الجامعي (علياء آراصغلي)، أو من العمل الأدبي (ليانا بدر)، أو من العمل الصحافي (نورما مرقص)، أو من زحام التيارات السينمائية الجديدة في المدن العربية، سواء أكانت أو لم تكن مدن شتات (من رانية أسطفان، ومنى حاطوم… إلى تهاني راشد – ذات الأصول اللبنانية المتاخمة للأصول الفلسطينية…)؛ تزامن هذا مع الفورة التي كانت قد بدأت تعيشها السينما الروائية الفلسطينية، التي راحت تتكثف حضوراً، في خارطة السينما العالمية.. وصار ثمة من التراكم في الإنتاج الروائي السينمائي الفلسطيني، ما راح يؤشر إلى أن سينما المرأة الفلسطينية الروائية قادمة لا محالة.. حيث بعد ترسخ الوثائقي وتطوره، كان واضحاً أن المواضيع والخيالات والأفكار سوف تتوسع. ولعل في مسار مي مصري، الفلسطينية الآتية من الشتات الأمريكي لتقيم وتعمل في لبنان، مع إطلالة على مدينة نابلس مسقط رأس أهلها، بين الحين والآخر، ما يصور ذلك كله، كما سنرى بعد سطور.

أما هنا، فلا بد من إشارة إلى أنه، مع انبثاق سينما المرأة الفلسطينية، وثائقياً ثم روائياً، كما سوف نرى، كان لا بد للمرأة على الشاشة الفلسطينية من أن تتوقف عن أن تكون مجرد رمز، أو ذريعة، أو مجرد حاملة للأحلام… فالحقيقة أننا، وعلى الأقل، منذ نساء علياء آراصغلي الثماني في «هاي مش عيشة»، صرنا أمام امرأة من لحم ودم. فقد صارت المرأة إنساناً، وليس مجرد رمز للأرض.. حتى ولو كانت هذه الأرض تحمل اسماً مقدساً: فلسطين.

مي المصري: وثائقي كأنه من صنع خيال روائي

تحمل «الفيلموغرافيا» الخاصة بسينما مي المصري منذ أواخر الثمانينيات من القرن الماضي وحتى اليوم، أربعة أفلام حققتها وحدها كمخرجة، بعدما حققت مجموعة أفلام أخرى شراكة مع زوجها المخرج اللبناني جان شمعون. ومن بين الأفلام الأربعة واحد يتحدث عن – ومع – السيدة حنان عشراوي. أما الأفلام الثلاثة المتبقية فتبدو، إلى حدّ كبير، مترابطة في ما بينها لتشكل ما يشبه الثلاثية. ويزيد من حدة هذا الترابط أن المحور الذي تدور حوله هذه الأفلام – ولو في قراءتها الأولى – هو الأطفال: أطفال فلسطين من الذين يعيش بعضهم في نابلس، والبعض الآخر في مخيمي الدهيشة في فلسطين، وشاتيلا في لبنان. والأخير بين أفلام هذه «الثلاثية» هو «أحلام المنفى» الذي تأخرت مي كثيراً قبل أن تحقق من بعده فيلمها التالي الذي أتى سياسياً، ولكن لبنانياً، ما يجعلنا ميالين إلى وضعه خارج السياق الذي يهمنا هنا.

الأفلام التي نتحدّث عنها هنا، وهي «أطفال جبل النار» و«أطفال شاتيلا»، وأخيراً «أحلام المنفى»، تنتمي من الناحية الشكلية إلى «السينما التسجيلية»، حتى وإن كانت مي المصري نفسها ترفض هذه التسمية، لأنها لا ترى أنها مخرجة تحمل كاميرا لـ «تسجل» بها واقعاً ما. وهذا صحيح، بالطبع، ذلك أن أفلام مي المصري لا تنتمي قطعاً إلى ذلك النوع السينمائي الذي يهمه أن يصور الواقع، حتى وإن كانت النتيجة التي يراها المتفرج في نهاية الأمر على الشاشة، ولمدة ساعة عرض الفيلم، صورة لواقع ما. فكاميرا مي المصري ومواضيعها واشتغالها على هذه المواضيع، هي أكثر مراوغة وذكاء من أن تكتفي برصد واقع معين. وليست المسألة، حتى، مسألة توليف، كما يحدث في أفلام تصور عشرات الساعات، لتنجز في نهاية الأمر في غرفة أمام طاولة التوليف عبر اختيار اللقطات الأكثر ملاءمة لـ «قول خطاب ما»، ذلك أن سينما مي المصري، في جوهرها، لا تسعى إلى قول خطاب معين. إنها، وبشيء من الاختصار، سينما تعيد ترتيب الواقع – وإلى حد ما، كما تفعل السينما الروائية، ولكن هنا مع «ممثلين» تطلب منهم المخرجة أن يؤدوا أدوارهم الحقيقية في الحياة.

أما غاية مي المصري من تصوير هذا «الواقع، وقد أعيد ترتيبه»، فلا تبدو واضحة تماماً للوهلة الأولى، بل لعل المخرجة نفسها، حين تدخل بكاميراها عالماً أو موضوعاً ما، لا تكون على علم مسبق بما تريده من ذلك العالم. إنها تكتشف. تسبر أغوار الأشخاص، من دون أن تتوقف طويلاً لتحليل الأحداث. «الأحداث تحدث من تلقائها» تقول مي المصري، مضيفة: «وقد يمكن أن أقول إنني محظوظة، إذ في مرات عديدة، وفيما كنت أصور وأبحث وأدهش أمام عالم أتسلل إليه، تسلل المنتمي لا تسلل المتلصص، كانت الأحداث سرعان ما تتصاعد من أحداث صغيرة إلى أحداث كبيرة. كان حظي أن تكون كاميراي هناك لتصور ما لم أكن أتوقعه، ما كان ولا يزال يضفي على فيلمي أبعاداً تخرج به عن إطاره المعد له أصلاً».

وكنموذج لهذا، نتوقف عند فيلمين من أفلام الثلاثية: «أطفال جبل النار» و«أحلام المنفى». الأول كان يجب أن يتخذ شكل «يوميات» تكتبها مي المصري بالكاميرا، في وصف زيارة تقوم بها لمدينتها الأصلية نابلس. كانت زيارتها الأولى للمدينة وأهلها بعد غياب 17 سنة، وكان في ودها – وفريق العمل المرافق لها – أن يصورا الحياة في المدينة. ولكن فجأة تدافعت الأحداث: الانتفاضة الأولى، سقوط الشهداء. امتلاء الأزقة بأطفال يقاومون. وجنازة جار استشهد. وهكذا، من غرفتها في المنزل العائلي، من نافذة سيارة، في مطبخ بيت عادي، وسط أطفال يلعبون لعبة الموت والنضال، تحوّل فيلم مي المصري من فيلم عن لقاء امرأة بمدينتها بعد غياب، إلى فيلم عن فيلم يحقق عن المدينة. صارت السينما هي الموضوع: صنع السينما وسط استحالة صنع السينما. ومن هنا صارت الكاميرا الشخصية المحورية في الفيلم: صارت المصوَّر بقدر ما هي المصوِّر؟

الفيلم الآخر هو «أحلام المنفى»: مي المصري، خلال عملها على «أطفال شاتيلا» الفيلم السابق على هذا الأخير، كانت تعرفت إلى مجموعة من الصغار والمراهقين، ورصدت نوعاً من التواصل بين فتيات من المخيم، ومواطنات لهن في مخيم الدهيشة الفلسطيني، عبر الإنترنت. في البداية توجهت مي المصري بالكاميرا، لتصور ذلك التواصل، لكن الذي حدث هو أن الإسرائيليين كانوا انسحبوا أثناء ذلك من جنوب لبنان، ما فتح المجال أمام لقاء، عبر «حدود الخوف» بين الصغار الذين لا يعرفون بعضهم بعضاً إلا عبر الإنترنت وعبر الأحلام والآمال والمآسي المشتركة. وإذ رتبت مي المصري لقاء بين أطفال المخيمين عند الحدود اللبنانية – الفلسطينية، تبدل فيلمها تماماً، اتخذ حياته الخاصة، بالقدر الذي حدث فيه تبدل جذري في علاقة الصغار والمراهقين، من الجانبين ببعضهم البعض. ومن جديد صارت «السينما» هي الموضوع هنا: السينما في قدرتها على إعادة تشكيل الواقع انطلاقاً من عناصره الطبيعية، وليس من طريق عناصر تخييلية مقحمة عليه.

ولكن هل يمكن القول هنا، حقاً، إنه يمكن الحديث عن حدود تفصل بين الواقعي والتخييلي؟ هذا ما يمكن العثور على جواب عنه في الفيلم الثالث (الثاني زمنياً) «أطفال شاتيلا»، إذ هنا تصبح اللعبة أكثر وضوحاً: لعبة الكاميرا والتصوير هي العنصر الأبرز والمحرك. والكاميرا جزء من المشهد العام.  أفلا يقترح علينا هذا كله أن ما نراه في «ثلاثية» مي المصري هذه، هو سينما عن السينما؟ سينما تستهدي – ولو بشكل عفوي – بما كان قاله الألماني/الفرنسي جان – ماري شتروب يوماً من أنه، بدلاً من أن يحقق فيلماً عن هاملت، يفضل أن يحقق فيلماً عن الممثل الفلاني وهو يلعب دور هاملت؟ إن ما نشاهده على شاشة أفلام مي المصري، إنما هو أطفال فلسطينيون يؤدون أدوار أطفال فلسطينيين: أدوارهم الحقيقية في الحياة. لكنهم هنا، وتلك هي نقاط القوة الأساسية في هذه السينما «الحقيقية»، يعرفون أن المطلوب منهم أن يجابهوا الكاميرا، كممثلين يشاركون في لعبة مرايا لا بداية لها ولا نهاية؛ لعبة مرايا تقودها وتخوضها عين مخرجة نبيهة، قد لا يصح أن نقول إنها تعرف مسبقاً ماذا تريد، ولكن يصح القول إنها تعرف كيف توظف ما قد يفاجأ غيرها بحدوثه أمام كاميراها.

ومن هنا، يمكن أن نفهم مي المصري حين تقول إنها لا «تسجل» مجريات الواقع هنا، ذلك أن الواقع كما تصوره ليس الحياة نفسها، بل حياة أخرى مستقاة من الحياة، لكنها تتجاوزها. فمثلاً حين تقول منى، طفلة مخيم شاتيلا، في «أحلام المنفى» عند بداية الفيلم إنها تفضل أن تكون عصفوراً يطير على أن تكون فراشة توضع داخل كتاب لتزينه، تعرف منى – وتكتشف مي المصري بالتالي – أن مثل هذا الكلام لا يمكن أن يقال هكذا في حياة كل يوم: يمكنه أن يقال أمام كاميرا، أو في رسالة، أو في قصيدة شعر. وحين يجلس فادي (طفل «جبار النار») ليتحدث عن «الشباب المقاتلين» قائلاً في النهاية وهو يبتسم بسحر وملعنة: «سنقاتل» – ماداً حرف القاف إلى ما لا نهاية – يعرف فادي وتعرف مي أن هناك كاميرا تصور. أن هناك سينما تصنع للتو. سينما تحاول أن تنقل من الواقع شاعريته الاستثنائية. سينما تشبه مفهوم جويس لـ «العمل قيد التحقيق»، وشاعرية الواقع، وسينما تصور أناساً يلعبون السينما: تلك هي العناصر الثلاثة الأساسية التي يمكن رصدها في السينما الفلسطينية التي حققتها مي المصري، منفردة، حتى الآن. ومع هذا، ليست هذه السينما سينما عشوائية مغلقة على موضوعها الفني.

إنها، بعد كل شيء، سينما تقول قضية. وقضية سينما مي المصري المحورية هي فلسطين: فلسطين كوطن لا يزال قيد التكون، وهوية يجب على الصورة أن تحفظها من الاندثار. وهذان العنصران يؤمنهما، هنا، تتالي أحداث كل فيلم من الأفلام. ودائماً خلال زمن التصوير والكاميرا المندهشة – بمراوغة لذيذة – أمام ما يحدث. فمثلاً، تطلب منى – ابنة شاتيلا في «أحلام المنفى» – من منار – ابنة مخيم الدهيشة، ورفيقتها في الإنترنت من بعد – أن تصف لها، بعد زيارة قرية آبائها الأصلية شمال الضفة الغربية هذه القرية. فتزور منار القرية لتجدها خراباً، لكنها ترسل إلى منى حفنة من ترابها. وهذا التراب، يصبح لدى منى كناية عن فلسطين. وربما البديل المنطقي الوحيد للوحل القاتل الذي كانت كاميرا مي المصري رصدته في أزقة مخيم شاتيلا، وسط مستنقعات تصورها حين تبدي منى – ورفاقها – بهدوء رغبتها في أن تعيش البحر وفضاءه. وهذا كله يحدث أمامنا هنا. وتبدو الكاميرا وكأنها تكتشفه لحظة اكتشاف شخصيات الفيلم له. ومرة أخرى حين يأخذ الجد حفيدته ليزور القرية التي كانت مسقط رأسه ويكتشفا بيته الحقيقي الأصلي وما تبقى منه. هنا، الكاميرا موجودة أيضاً تسجل لحظة الاكتشاف.

إن مثل هذه المشاهد واللحظات هي ما يخلق ذلك التداخل بين الأفلام والمواقف، ويعطي أجزاء الثلاثية وحدتها الجانبية. أما الوحدة الأساسية، فيؤمنها حضور مي المصري كمخرجة للأفلام. ولكن هل هي هنا مخرجة وحسب؟ من الصعب تصور هذا. ذلك أن المخرجة هنا – وهذا سبب إضافي يبتعد بنا عن عالم التسجيلي – شخصية أساسية في الأفلام. ليس فقط لأنها تحضر وراء الكاميرا دائماً وأحياناً أمامها كـ «مايسترو» يقود تسجيل ما يحدث، حتى وإن كان غير قادر على قيادة الأحداث نفسها، بل أيضاً لأن الأساس هنا، وفي كل لحظة، هو لعبة المرايا التي تقودها. فالحدود بين المصوَّر والمصوِّر تنعدم هنا، تماماً كانعدام الحدود بين المتخيل والواقعي، وبين فلسطين ولبنان. والمدهش في هذا كله أن هذا التوحد بين العناصر والشخصيات يهيمن تماماً إذ إن كل شيء يبدو وكأنه آتٍ من البداهة ليلتحم في بوتقة واحدة: العنصر الوحيد الدخيل في الموضوع هو الجندي الإسرائيلي (في «جبل النار»)، فهو يبدو بعيداً، دخيلاً، غريباً… وأحياناً مثيراً للشفقة. لا يعرف ماذا يفعل هنا. ولا يكاد يعرف لماذا عليه أن يَقتل أو يُقتل؟. المهم هنا، أن كاميرا مي المصري تصوره عرضاً، من دون أن تبدو أنها تفعل ذلك: إنه الواقع الوحيد غير المشتغل عليه. ووجهه الوحيد الذي لا يبدو أنه يريد أن يقول شيئاً.

في المقابل، واضح أن أطفال المخيمات، إذ عرفوا أنهم أمام كاميرا تصورهم، أرادوا أن يقولوا أشياء كثيرة: وليس فقط الحرب والمعاناة (كما يحدث دائماً في الأفلام الفلسطينية الروائية!). إنهم يتحدثون عن الحب والزواج، عن الجمال وعن السينما. يضحكون ويسخرون وكأنهم في برامج حوارات تلفزيونية… لكنهم، ولأن التجربة علمتهم كيف يمثلون جيداً، ولأن عفويتهم كشفت لهم أنهم هنا في خضم لعبة مرايا، يفرضها عليهم حضور المخرجة وفريقها بكاميراته وآلاته، يعرفون كيف يزينون كلامهم. فالعري هنا غير ممكن، لفظاً وتعبيراً عن العواطف.

ولنتذكر كيف أن منى، حين بكت مرتين في «أطفال المنفى» – مرة إذ تذكرت موت أبيها، ومرة إذ راحت تقرأ رسالة وصلتها بغتة من رفيقتها سمر التي سافرت من دون إخطار إلى لندن كاسرة الحياة والصداقة – أبعدت وجهها عن الكاميرا تماماً. ذلك أن لها صورة لا ينبغي أن تكشف أي ميلودراما في عواطفها. ولأن كاميرا مي المصري، غير تلصصية، حتى حين تدخل الحميميات، احترمت هذه الكاميرا رغبة منى في البكاء خفية، مركزة مرة أخرى على جانب حاذق وحقيقي من لعبة المرايا – ومي المصري ستقول لاحقاً إنه في الوقت الذي كانت فيه مستسلمة لدموعها خفية عن الكاميرا، «كنا جميعاً نبكي وراء الكاميرا» – ألم توصل مي المصري لعبة المرايا هنا إلى أقصى حدودها؟ تجاه الكاميرا وتجاه الشخصيات وتجاه القضية نفسها، لا تشعر مي المصري، عادة، بأي حيادية. إنها «شاهد متورط» إن عجزت عن أن تكون كلياً جزءاً مما تصوره. ولعلها تجد تعويضاً عن هذا العجز في تلك العلاقة التي تقيمها مع شخصياتها، بعد إنجاز الفيلم وعرضه، فهناء وفادي (في «جبل النار») وطفلا «أطفال شاتيلا» الرئيسيان، ومنى ومنار وسمر وعيسى والآخرون (في «أحلام المنفى») صاروا جزءاً من حياتها.

خلال السنوات الأخيرة والتي تلت إنجاز آخر أفلام هذه الثلاثية، صورت مي المصري، وحدها وشراكة مع زوجها المخرج جان شمعون فيلمين وثائقيين عما حدث ويحدث في لبنان، منذ انتفاضة الأرز، غير أن هذا لا يعني أن فلسطين باتت غائبة عن سينماها. بل على العكس. فهي عند كتابة هذه السطور، تضع اللمسات الأخيرة لسيناريو تنجزه.. وسيكون حين تحققه خلال الفترة المقبلة أول أفلامها الروائية التي يبدو أنها تشغل بالها منذ زمن طويل، هي التي ما عملت حتى الآن إلا على أفلام «وثائقية»، إنما من نوع خاص. في انتظار ذلك، تراقب مي المصري ماذا يحدث في السينما الفلسطينية، ولا سيّما في سينما المرأة الفلسطينية، وتشير إلى كل من يحدثها عن السينما الفلسطينية إلى ما ينتج، ولا سيّما إلى أفلام آن - ماري جاسر، وشيرين دعيبس، ونجوى نجار، هؤلاء الشابات الفلسطينيات الثلاث اللواتي لئن كن سبقنها إلى السينما الروائية، فهي تعتبر أنها وهنّ في خندق واحد، لصنع سينما جادة تفرض فلسطين أكثر وأكثر على الخارطة السينمائية العالمية.

جيل الوارثات: ثلاثة أفلام روائية لثلاث مبدعات

إذا كانت مي المصري قد أنجزت عند كتابة هذه السطور (نيسان/أبريل 2015) أولى تجاربها في السينما الروائية الفلسطينية من خلال موضوع من حول سجينة فلسطينية تضع مولودها داخل سجن إسرائيلي، فإن في رصيد السينما الروائية التي تحققها المرأة الفلسطينية بقوة في أيامنا هذه، أكثر من عشرة أفلام أخرى حققت وعرضت خلال السنوات الأخيرة، وعرفت جولاتها المعتادة في المهرجانات، وإن كانت الصالات العربية في معظم مدن الوطن العربي المترامي الأطراف، لا تزال تجهلها تماماً.

ومن هذه الأفلام ثلاثة لفتت الأنظار حقاً كانت الأولى لثلاث مخرجات فلسطينيات شابات، كانت كل واحدة منهن جربت حظها من قبل في الأفلام التسجيلية والقصيرة: آن – ماري جاسر، وشيرين دعيبس، ونجوى نجار، ثم عدن بعد سنوات من عرض الأفلام الأولى الثلاثة لتحقق كل واحدة منهن فيلماً آخر. صحيح أن الاستقبال النقدي لها لم يكن على مستوى استقبال الأفلام الأولى، لكن هذه الأفلام اعتبرت خطوة إضافية على طريق تحقيق هذا المتن السينمائي الفلسطيني الأنثوي البديع. فآن ماري جاسر، كانت قبل سنوات قليلة إحدى المفاجآت الطيبة في واحدة من تظاهرات مهرجان «كان»، حيث عرضت فيلمها الروائي الطويل «ملح هذا البحر»، وبعد عام تبعتها شيرين دعيبس في المهرجان نفسه بفيلم «أمريكا» الذي كان عرض في صاندانس (مهرجان السينما المستقلة الأبرز في العالم). ثم أتت نجوى نجار بفيلم أول لها هي الأخرى عنوانه «المر والرمان»، لتباشر عرضه في مهرجان دبي، ثم في مهرجان «صاندانس». والحقيقة أن هذه الأفلام الثلاثة شكلت متناً سينمائياً دفع كثراً إلى الحديث الجدي عن تيار نسائي جديد في السينما الفلسطينية، «يرث» سينما الرجال، التي يبدو أن حركتها قد خفت نسبياً، كما يرث التيار الوثائقي الذي تحدثنا عنه سابقاً. وهنا، في هذا السياق، سنتحدث عن الأفلام الثلاثة تباعاً.

«ملح هذا البحر» لآن-ماري جاسر: البحث عن البيت المفقود

كانت آن – ماري جاسر، الفلسطينية الأصل المقيمة في أمريكا بدورها، قد ظهرت في ساحة السينما الفلسطينية سنوات قبل العرض العالمي الأول في مهرجان «كان» 2008، لفيلمها الروائي الطويل الأول «ملح هذا البحر»، حيث كانت شاركت في مهرجانات عربية، وغير عربية أيضاً، بأكثر من فيلم قصير لفتت الأنظار.

غير أن فيلمها الطويل الذي اقتبست عنوانه من قصيدة لمحمود درويش، فيما أخذت موضوعه مما يشبه التجربة الشخصية الخاصة بها، أتى شيئاً آخر تماماً: أتى مفاجئاً، وبالتحديد لأنه كان أول فيلم روائي طويل تحققه امرأة فلسطينية. فخلال السنوات العشرين السابقة عليه كانت السينما الروائية الفلسطينية قد بدأت بالظهور قوية شديدة الخصوصية، معنى ومبنى، جديدة في طرح مواضيعها، جديدة كذلك في زاوية النظر إلى فلسطين، وإلى تاريخ القضية، وصولاً إلى نزعة ذاتية في هذه النظرة لم يكن للسينما الفلسطينية عهد بها من قبل (ولا سيما لدى إيليا سليمان الذي كان، إلى أفلامه القصيرة، قد حقق حتى ذلك الحين الفيلمين الأولين من ثلاثيته: «سجل اختفاءه» و «يد إلهية» وحقق بهما ما نعرف من نجاحات كبيرة أتت لتساهم بدورها في إخراج السينما الفلسطينية بشكل عام، من عزلة «غيتو سينما القضية». ومن هنا حين جاء فيلم «ملح هذا البحر» وعرض في «كان» جابهه كثر بدهشة كبيرة: فهو لم يأت فقط فيلماً من إخراج امرأة وروائياً، بل أتى أيضاً فيلماً ذاتياً، يكاد يروي فصلاً – ولو متخيلاً – من سيره ما لصاحبته.

ولئن كان متفرجو السينما العربية قد اعتادوا قبل ذلك بسنوات سينما رجالية تقول السيرة الذاتية، فإن التعود على سينما أنثوية من هذا النوع لم يكن قد استشرى بعد، ولا حتى في السينمات العربية غير الفلسطينية، اللهم إلا في بعض السينمات التونسية أو المغربية. غير أن الواقع يقتضي منا أن نقول هنا إن البعد الذاتي – أو شبه الذاتي – في «ملح هذا البحر» لم يكن «فضائحياً»، أي معريّاً للذات كما حال بعض أفلام السيرة الذاتية الذكورية، بل كان مجرد شكل جديد من أشكال تناول القضية الفلسطينية.. لكنه كان شكلاً موفّقاً، ذلك أن مخرجته عرفت، فيه، كيف تجدد حتى في الطوبوغرافيا المكانية. صحيح أن فيلمها كان أساساً عن عودة ما إلى فلسطين (والعودة غالباً ما شكّلت جوهر موضوع بعض أفضل الأفلام الفلسطينية على أية حال)، لكن العودة لم تكن لمجرد عرض القضية بالمعنى الأيديولوجي للكلمة، أي بالمعنى النضالي.. بل إن النضال والأيديولوجيا جاءا هنا هامشييْن في الفيلم، الذي اتخذ، في نهاية الأمر، شكل لعبة: فيلم طريق، وفيلم مغامرة «خارجة على القانون»، وفيلم حنين.. وكذلك فيلم جدل (بالمعنى الذي يوصل إلى مفهوم الديالكتيك)، حيث إن رفيق طريق الفتاة بطلة الفيلم في رحلتها ومغامرتها، هو شاب فلسطيني يدفعه كل ما حوله إلى اتخاذه القرار بالرحيل عن فلسطين: إنه مثل بطلة الفيلم المقبل لشيرين دعيبس، لم يعُد يجد في فلسطين متسعاً له، لذلك يقرر الرحيل، وذلك في الوقت نفسه الذي تعود فيه فتاة الفيلم من أمريكا، ربما للبقاء.. وربما لمجرد أن تسترد من مصرف فلسطيني قديم حساباً كان لجدها قبل زوال فلسطين، ثم إذ تبذل جهوداً شاقة وتفشل، تقرر أن تخرق «القانون» من جديد بالبحث عن البيت الذي كان لأهلها في يافا قبل النكبة.

إذاً، الفيلم هو رحيل متواصل، وربما مزدوج أيضاً إن نحن نظرنا إلى الفتى والفتاة على أنهما وجهان لصورة واحدة هي صورة التمزق الجديد للفرد الفلسطيني: إلى الماضي بالنسبة إلى الفتاة، وإلى المستقبل بالنسبة إلى الشاب.

لن نعرف في نهاية الفيلم أي رحيل هو الذي سينجح أو سيكون ذا جدوى على الأقل، لكننا نعرف أن آن – ماري جاسر، استطاعت في هذا العمل الأول، أن تقدم شخصية نسائية أكثر قوة وحضوراً ومعرفة بما تريد، من شخصية الذكر. طبعاً، لا يصل الفيلم إلى أن يقول لنا، بفصاحة أن تسلم الفتاة لمقدرات قضيتها، متمثلة بعودتها ومطالبتها بالإرث المالي من ناحية، وبالبيت القديم من ناحية ثانية، إنما هو حل مقترح يقوم في تسلّم المرأة الفلسطينية للقضية بدلاً من الرجل الذي فشل في تحقيق أية نتيجة على ذلك الصعيد حتى الآن.. لكن ثمة في الموضوع وسياقه ما يغري، خصوصاً أن الشاب في الفيلم، بدا طوال الوقت متردداً، لا يأبه إلا برغبته في مغادرة فلسطين.

مهما يكن، لا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا الفيلم، عرف في طريقه كيف يقدم إضافة إلى المتن الفلسطيني السينمائي المعتاد، صورة جديدة لفلسطين الداخل بالمعنى المزدوج للكلمة: داخل فلسطين السلطة، وخصوصاً داخل فلسطين 1948، ليس للمقارنة بينهما، بل لرسم صورة تبدو متكاملة لـ «الكل الفلسطيني» الذي تشعر آن – ماري جاسر بأنه صار الغائب الأكبر عن كل حديث عن فلسطين.

هذه المرة إذاً في تكامل الداخلين الفلسطينيين، بدت الجغرافيا أشمل، والتاريخ أكثر وطأة. ففي فيلم آن – ماري جاسر الذي عرض في «كان» أولاً أمام جمهور غفير ومصفق ومصغٍ باهتمام، بدت الأمور أكثر وضوحاً. هنا نحن في قلب القضية. ولم يكن مقدمو الفيلم، من المشرف الفني على المهرجان إلى منتجيه الأجانب، ومن بينهم النجم الأمريكي داني غلوفر، فولكلوريين، حيث اعتلوا المسرح متوشحين بالكوفية الفلسطينية الشهيرة. الكل كان يعرف هنا أموراً كثيرة عن فيلم آن – ماري جاسر الأول، الروائي الطويل، لكن أحداً لم يكن قد رآه، وإن كان كثر قد سرّوا بكونه يأتي من فلسطين إلى تظاهرة «نظرة ما».

«ملح هذا البحر» لم يخيّب يومها التوقعات والآمال التي بنيت عليه، وإن كان طوله المبالغ فيه قد أساء إلى سياقه بعض الشيء، كما أن حواراته أتت تقليدية تفسيرية في بعض الأحيان. ناهيك بأن ثمة لحظات في الفيلم بدا فيها وكأنه لا يعرف ماذا يقول الآن، وبأن مخرجته تاهت بين أنواع عديدة، ولم توفق كثيراً في المضافرة بينها. غير أن هذا كله لا يمنع من أن «ملح هذا البحر» فيلم مميز، ينضاف إلى أفلام فلسطين اللافتة التي بدأت تعرف طريقها إلى العالم خلال العقدين الأخيرين. إذ حتى لو بدا الفيلم مرتبكاً بعض الشيء بين أن يكون فيلم طريق، وعملاً سياحياً، وعودة إلى الجذور، وفيلم مغامرات وثرثرة مثقفين وميلودراما غرامية، وقبل هذا كله عملاً سياسياً بامتياز، فإنه في المحصّلة الأخيرة قدّم صورة لفلسطين وقضيتها وأبنائها لم نعهدها كثيراً في الفن السابع.

«أمريكا» شيرين دعيبس: السيدة التي لم يعُد لها وطن

«بدأ اهتمامي بوسائل الاتصال، وبالسينما تحديداً، إبان حرب الخليج الثانية (1991)، وذلك انطلاقاً من أنني فتاة أمريكية من أصل فلسطيني، أعيش في بلدة صغيرة في ولاية أوهايو. في ذلك الحين، راح والدي، وهو طبيب في تلك البلدة، يفقد زبائنه واحداً بعد الآخر، لأن المرضى الأمريكيين لم يعودوا راغبين في أن يداويهم طبيب عربي… بل إننا رحنا في ذلك الحين نتلقى تهديدات يومية بالقتل».

من ناحية مبدئية، كانت تلك هي التجربة التي أرادت شيرين دعيبس أن تعبّر عنها في فيلمها الروائي الطويل الأول «أمريكا»، ولكن من خلال حكاية تصبح معها حكاية الأب ومهنته الطبية حكاية جانبية. ومن هنا يبدو هذا الفيلم فيلم سيرة ذاتية، وإنما بشكل محدود. ذلك أنه لا يعود يدور من حول الفتاة المراهقة التي صارت مخرجة وكاتبة سيناريو لتروي الحكاية بعد ذلك بنحو عقدين من السنين، وإنما من حول أنثى أخرى هي خالتها منى فرح، الفلسطينية المسيحية التي إذ اشتد الضغط السياسي والاجتماعي عليها في مدينة تعيش فيها في فلسطين (رام الله)، لا تجد أمامها إلا أن تهاجر إلى أمريكا، مع ابنها المراهق، هرباً – من ناحية – من وضعها الخاص كمطلقة فضّل زوجها عليها امرأة أكثر جمالاً؛ وبحثاً – من ناحية أخرى – عن مستقبل ما لابنها، بعد أن كفّ هذا المستقبل عن أن يكون واضحاً في فلسطين الممزّقة، معنوياً وجغرافياً. هكذا تأخذ منى ابنها وتهاجر إلى أمريكا، حيث تقيم أختها وعائلة هذه الأخيرة، ورب العائلة، نبيل، الطبيب الذي يمكننا أن نكتشف بسهولة أنه مستعار في الفيلم من شخصية والد المخرجة في الحياة.

ومن تلك اللحظة، ولأن منى وابنها وصلا إلى أمريكا في الوقت الخطأ (أي وقت اندلاع المواقف العنصرية ضد العرب والمسلمين في أوائل التسعينيات من القرن العشرين)، ولأنها – أي منى – وصلت خالية الوفاض معتمدة على بضع دولارات كانت معها – فضاعت الدولارات في المطار – وجدت نفسها غير مرحب بها. وهكذا، بين لحظات الأمل القليلة ولحظات القنوط الكثيرة، كان على منى أن تحارب، وأن تكذب، وأن تبكي، بل أن تجد نفسها مهددة بالعودة والطرد، وتجد ابنها مهدداً بالفساد، كان لا بد لهذه السيدة منى من أن تقاتل بشكل مزدوج بل مثلث، حتى تجد لنفسها مكاناً هي الفلسطينية، المنتمية إلى اللامكان.. لكنها من خلال العثور على هذا المكان سوف توصل درساً إلى الآخرين بمن فيهم ذلك الأستاذ اليهودي الذي سيكون الوحيد الذي يعينها حين تستبد بها الصعوبات في «وطنها» الجديد، فتسحبه إلى عالمها ولو بشكل رمزي حافل بالمعاني.

ذلك هو موضوع «أمريكا» لشيرين دعيبس، بكل اختصار. موضوع بسيط في ظاهره ويكاد – مبدئياً – لا يبدو قادراً على أن يحمل فيلماً سينمائياً في ساعة ونصف الساعة. غير أن هذا ليس سوى في الظاهر فقط. ذلك أن شيرين دعيبس تمكنت هنا، وفي لغة متقشفة، من دون نجوم، من دون بهرجة أسلوبية، من دون مؤثرات، وحتى من دون لحظات درامية كبرى، من أن تقدم فيلماً ينتمي بكل وضوح إلى السينما المستقلة… المستقلة الحديثة، ولكن المستقلة الكلاسيكية أيضاً. فالحال أن «أمريكا» بقدر ما يذكّر بنمط من سينما معاصرة، يسير على درب سينما ألكسندر باين وأفلام مثل «مس سانشاين»، يذكّر كذلك – أكثر كثيراً – بأفلام مثل «مقهى بغداد» للألماني بيرسي آدلون (بل إنه يمتّ بقرابة وثيقة إلى هذا الفيلم الذي يبدو أنه كان، بعد السيرة الذاتية، مصدر إلهام أساسي لفيلم «أمريكا»)… وحتى ببدايات جيم جارموش (في «أغرب من الجنة»).

والحقيقة أننا، هنا، لم نورد كل هذه المرجعيات السينمائية على سبيل الترف، بل لتحديد الخط السينمائي الذي إليه ينتمي هذا الفيلم، ما يعطيه شرعية الانتماء إلى سينما يزداد حضورها في العالم منذ زمن: سينما تقوم على قوة العواطف – من دون ميلودراما – وعلى تصوير الحالة – من دون أية محاولة لبرهنة أي شيء – والنهل من الحياة مباشرة من دون المرور بأية أيديولوجيا.

ففي «أمريكا» جل ما يحدث أمام أعيننا على الشاشة، هو تلك الشريحة من الحياة التي ترينا كفاح منى للحصول على حقها في العيش. وهو كفاح تفرضه، وتفرض صعوبته عوامل عديدة، أولها أن منى وابنها لا يعود أمامهما منذ مغادرة فلسطين أي خيار آخر – وهذا ما يجعلهما مهاجريْن غير عادييْن، خصوصاً أن دروب فلسطين نفسها صارت شبه مسدودة في وجهيهما، بسبب اختلاف دينهما عن ديني القوتيْن المتناحرتيْن: الإسرائيليين والفلسطينيين، وهذا أمر بات لا بد لأية نظرة إلى فلسطين أن تأخذه في الحسبان، حتى وإن كان الغرب لن يعترف بهذا العنصر! ثم هناك أن منى لا تتقن اللغة، وليس من السهل عليها التأقلم مع الذهنية العامة في أمريكا.

وهي إضافة إلى هذا، ليست في وضع يؤهلها للحصول على وظيفة في بنك – كما كانت حالها في فلسطين – بل ولا على أية وظيفة أخرى. فإذا أضفنا إلى هذا توقيت وصولها، يصبح لدينا من تراكم العناصر ما يبدو أنه يلفظ منى وابنها لفظاً…

غير أن منى لا تأبه لهذا… بل تشق طريقها وتجد عملاً متواضعاً، واصلة حتى إلى فرض ذهنيتها المكافحة والمحبة للحياة على الذين حولها. وهكذا، حتى من دون نهاية سعيدة واضحة، يقف «أمريكا» عند لحظة أمل… قد تكون وهمية. لكنها لحظة أمل على أية حال.

وللوصول إلى هنا، كتبت شيرين دعيبس هذا الفيلم الذي أضاءت فيه «بطلته» مشاهده كلها، على رغم أن وزنها يكاد يكون مئة كيلوغرام، ويقف ضدها في كل حركتها، وعلى رغم أن شعورها بأنها تفقد ابنها، لصالح التأمرك المتزايد، كان لا يكف عن إحباطها… وكانت النتيجة فيلماً أضاءه نور حياة غير متوقع. وهذا ما لاحظه جمهور «صاندانس» – مهرجان السينما الأمريكية المستقلة – ثم لاحظه بشكل أوسع جمهور «أسبوعي المخرجين» – وهي واحدة من تظاهرات مهرجان «كان» الثانوية، فمنح الفيلم تصفيقاً استثنائياً مكرماً مخرجته الشابة شيرين دعيبس، اسماً جديداً في السينما الفلسطينية الناهضة. كما منح للمناسبتين بعض الجوائز اللافتة.

صحيح أن اسم شيرين دعيبس كان معروفاً منذ زمن، إنما بفضل أفلام قصيرة نال بعضها جوائز لا بأس بها. أما في «أمريكا» فإنها تقدم عملها الروائي الطويل الأول، لتضم اسمها إلى أسماء فلسطينيين سبقوها في وضع اسم فلسطين – بشكل جدّي – على خريطة السينما العالمية.

نجوى نجار: أرض ورقص وحرية

مثلها فعلت نجوى نجار، بعد شهور قليلة، حين قدمت هي الأخرى فيلماً عنوانه «المر والرمان»، سرعان ما احتل مكانه بقوة على خارطة السينما.. الفلسطينية، قبل أن ينطلق عربياً ثم عالمياً. وإذا كانت آن ماري جاسر قد اختارت في فيلمها حكاية عودة امرأة فلسطينية من أمريكا، واختارت شيرين دعيبس حكاية هجرة امرأة فلسطينية أخرى إلى أمريكا، بصرف النظر عن الفوارق في السن والأسباب أو الديانة، فإن نجوى نجار اختارت لبطلتها رحلة أخرى: رحلة إلى داخل ذاتها، هرباً من مأساتها الخاصة، والتي هي، على أية حال، مأساة عامة.. مأساة الفلسطيني، إنما – هذه المرة – منظوراً إليها من وجهة أخرى تماماً. هذه المرة لم تجعل نجوى نجار من العرس الفلسطيني انتظاراً دونه الحواجز والمعوقات (الإسرائيلية خاصة)، بل جعلته مفتتح الفيلم، على إيقاع تحضيراته واحتفالاته بدأت أحداث فيلمها. لكنها سرعان ما حولت الأحداث بشكل جذري، إنما متوقع: تأتي الشرطة الإسرائيلية لتعتقل الزوج وتصادر أرضه، فتجد المرأة نفسها وحيدة.

وما الفيلم كله سوى سرد لحكاية الوحدة هذه، لمحاولة المرأة تجاوز وحدتها ومأساتها. ولكن ليس في النضال السياسي، وطبعاً ليس عبر بوابة النضال العسكري.. بل عبر بوابة «لا يمكن توقعها» في فيلم فلسطيني: عبر بوابة الرقص. هذا الرقص وقد تحول هنا رمزاً للحرية وطريقاً إليها. غير أن الطريق إلى هذه الحرية «الراقصة» طويل. وهو في الوقت نفسه طريق نحو الوعي، ذلك أن ما يقود خطى «قمر» – المرأة في الفيلم – إلى تلك الحرية التي على إيقاعها الراقص تختتم الفيلم، إنما هو الوعي الذي تكتسبه بالتدريج. فهي بعدما تقدم إلينا أول الأمر امرأة عادية لا تعرف حتى قيمة الأرض (وهي القيمة المثلى في العرف الفلسطيني على مدى الأزمان والعقود.. أي على مدى تاريخ النكبة، الذي هو تاريخ فلسطين الحديث وتاريخ شعبها)، سنجدها في النهاية امرأة متمسكة بالأرض راغبة في الغوص فيها، وتحديداً من خلال رقصها حافية القدمين في بستان الزيتون، وكأن التصاق القدمين العاريتين هنا بتربة الأرض يأتي صدى لالتصاق كفيّ محمد أبو سويلم في اللقطة الأخيرة من فيلم الراحل يوسف شاهين «الأرض» (1970)، حين يهزم ويسحل حتى الموت، فيما تتمسك الكفّان بالأرض حتى النهاية.

غير أن تلك الرقصة في فيلم نجوى نجار، ستتخذ بعدين في آن معاً: فمن ناحية هي رقصة تمسك وانغراز في الأرض (في عودة ذات دلالة قصوى إليها)، ومن ناحية ثانية هي رقصة تعبر في عنفها واهتزازها، عن توق قمر إلى التخلص من كامل خيانتها المزدوجة، خيانتها للأرض عبر محاولة إقناع زوجها في داخل سجنه ببيع هذه الأرض وتوقيع صك بذلك، ما يرفضه هو بقوة، رافضاً التنازل عن الأرض لجيش الاحتلال مقابل إخلاء سبيله؛ وخيانتها لهذا الزوج.

إن حكاية قمر هذه، يمكن أن تحدث في أي مكان وزمان: امرأة يسجن زوجها فتحاول إنقاذه مهما كان الثمن، لكنه إذ يرفض ذلك، يكون في رفضه دافعاً لها إلى الخيانة. غير أن نجوى نجار عرفت هنا كيف تعطي الحكاية كلها ثقلاً فلسطينياً، من خلال العلاقة مع الأرض. من أرض تكون في البداية مكاناً للاحتفال، محايداً إلى حد ما، لتصبح في النهاية رمزاً لانغراز الجسد وغوصه في عروق هذه الأرض. غير أن المخرجة، كي تصل تلك البداية بتلك النهاية، آثرت أن يركز فيلمها على حكاية قمر، من الداخل، أكثر مما على حكاية فلسطين من الخارج. وفي ذهنها ربما أن يكون التوحد بين قمر – أو ما ستصبح عليه لاحقاً – وفلسطين ترميزاً لتوحد الإنسان الفلسطيني بأرضه. ولعل في إمكاننا هنا أن نقول إن هذا البعد التوحيدي لم ينجل إلا بالقوة، بحيث ظل الطاغي حكاية قمر والرقص والتوق إلى الحياة… مهما كان الثمن .. وربما انطلاقاً من هنا، التوق إلى الحرية، إنما مصوّرة بشكل عام، من دون أن تبدو حرية مرتبطة بالوعي الفلسطيني لمفهوم الحرية. ولعل هذا عيب في السيناريو، الذي قصر في بعض الأحيان عن إيصال الرابط العميق، ما خلق من حول الفيلم سوء تفاهم، يمكننا أن نفهمه أخيراً… وفي نهاية المطاف أن نقول إنه سوء تفاهم صحي…

عندما شوهد فيلم نجوى نجار الطويل الأول، في مهرجان دبي السينمائي للمرة الأولى، كان السؤال الذي طرح على الفور فصيحاً، ويكاد يقول كل شيء: «هل يحق لشعب تحت الحصار أن يرقص ويفرح ويحب؟». فالحال أن فيلم «المر والرمان» أتى فيلماً غريباً، كأنه آتٍ من مكان آخر غير فلسطين، بل إن البعض رأى فيه «تشويهاً لصورة فلسطين»، لا يضاهيه سوى تلك المشاهد التي التقطتها إحدى الشاشات العربية الفضائية ذات يوم لتلميذات مراهقات يتحدثن عن برنامج «ستار أكاديمي»، بالطريقة نفسها التي تتحدث بها عن البرنامج الغنائي المعروف، كل المراهقات العربيات! بدا وكأنه كثير على الشعب الفلسطيني «أن يعيش خارج الصورة النمطية التي ملّت منها الشاشات»، بحسب تعبير الكاتبة اللبنانية فيكي حبيب التي إذ تحدثت إلى نجار عن هذا الأمر، أجابتها هذه الأخيرة «أن أقدّم توق الفلسطيني إلى الحب والحرية ليس تشويهاً لصورة فلسطين، إنما التشويه يأتي حين أقدم فكراً سياسياً مناهضاً للقضية الفلسطينية».

وفي السياق نفسه، أكدت نجار أن «قصتي أتت من الواقع. فأنا أعيش داخل الأرض الفلسطينية. وشخصيات فيلمي رسمتها في شكل متطابق مع شخصيات أصادفها في الحياة اليومية. كل ما في الأمر أن المشاهد لم يعتد إلا صورة أحادية تأتيه عبر الفضائيات. من هنا، فإن أي كسر لهذه الصورة لن يكون مرحباً به بالكامل». وتسأل: «أما آن الأوان لنقدم صورة أخرى عن فلسطين بعد أن أرهقتنا مشاهد القتل والدماء والدمار؟ ثم أليس تقديم صورة من واقع حياة أناس يحاولون العيش كل يوم في ظل الاحتلال، فعل مقاومة في حد ذاته؟».

وفي حديثها نفسه مع فيكي حبيب، تختم نجوى نجار قائلة إن رحلتها مع «المرّ والرمان» لم تكن سهلة، حتى إنها كادت أن تتوقف في منتصف الطريق بعدما ساءت الأحوال في الأراضي الفلسطينية. والحال، «أجّلت ظروف البلد المتدهورة كل شيء بعدما كنا حصلنا على إنتاج أوروبي مشترك كبير. وإزاء هذا الوضع، وقعت شركتنا «أسطورة» في خسارة كبيرة، وشعرت أن المشروع لن يتحقق إلى أن قُبل السيناريو في «ساندنس» عام 2005، وعندها عادت إليّ الروح». وتضيف: «هذا من دون أن أتحدث عن الصعوبات اليومية التي واجهتنا أثناء التصوير، خصوصاً أن طاقم الفيلم آتٍ من كل فلسطين، وقد صورنا في القدس ورام الله وضواحيها، ووقفنا كثيراً على الحواجز على رغم أن الإمكانات تفرض علينا أن نصور 48 موقعاً في 5 أسابيع… على رغم هذا كله، لا أنكر أن التصوير كان متعة، خصوصاً مع فريق عمل متميز يضم هيام عباس وياسمين المصري وعلي سليمان ويوسف أبو وردة وأشرف فرح».

وتروي نجار كيف ولدت فكرة الفيلم، قائلة: «ولد «المرّ والرمان» كفكرة أولى إبان الانتفاضة الثانية حين شعرت بوحدة كبيرة كوني مسجونة بين أربعة جدران. وهو شعور قاد كثراً على رغم الحصار والأوضاع المزرية، إلى الانتفاضة على واقعهم، ولو من طريق خطوات رمزية… فالشعب الفلسطيني شعب حيّ وإلا لما ظل صامداً كل هذه السنوات على رغم الصفعات التي يتلقاها من كل صوب».

… وأخيراً

لقد كان من المتوقع طبعاً أن تؤدي النجاحات التي حققتها، على الصعيد الروائي على الأقل، أفلام آن – ماري جاسر وشيرين دعيبس ونجوى نجار، إلى تسارع هذه الوتيرة، من ناحية تحقق أفلام تضعها نساء فلسطينيات، ومن ناحية ثانية تحقق أفلام روائية فلسطينية، كان من حظها، كما حال السينما الجديدة المحققة في لبنان من قبل سينمائيين ينتمون إلى الأجيال نفسها، وربما أيضاً إلى المكونات الفكرية نفسها (في إطلالة السينما على الحياة والتعامل معها كما هي)، بشكل عام.. غير أن الحركة سرعان ما تباطأت، إذ إن كل واحدة من المخرجات الثلاث لم تحقق سوى شريط طويل واحد بعد ذلك: «لما شفتك» في العام 2013 لآن – ماري جاسر، و«مي في الصيف» لشيرين دعيبس، وأخيراً «عيون الحرامية لنجوى نجار. ومن الواضح أن هذا البطء يعود في أسبابه إلى الأزمات الفلسطينية الداخلية، وربما إلى الأزمات المالية العالمية. غير أن هذا لا يعني أنها حركة توقفت، بل إن في وسعنا أن نشير هنا إلى أن ثمة ما لا يقل عن خمسة أو ستة مشاريع سينمائية جديدة قد يرى بعضها النور قريباً (ورأى بعضها النور بالفعل، ومنها بالطبع فيلم مي المصري المنتظر «3000 ليلة»، وفيلم «الميراث»، لهيام عباس)، وقد يتأخر بعضها الآخر، بحسب الظروف.

غير أن الأهم من هذا، هو أن عدداً لا بأس به من المشاريع الجديدة، هو لأفلام تحققها النساء، وليس فقط النساء الفلسطينيات اللواتي تحدثنا عنهن هنا، وخاصة من بينهن مي المصري، بل إن ثمة في الأفق مشاريع سينمائية روائية أخرى، تحمل تواقيع معروفة، وإن في عالم التمثيل، حيث يبدو أن شهية ممثلات معروفات من طينة عرين العمري وهيام عباس قد تفتحت على إمكانية الوقوف بقوة وراء الكاميرا، كما وقفن بقوة أمامها. فعرين العمري، ابنة الداخل الفلسطيني التي عملت وساهمت كثيراً في أفلام زوجها رشيد مشهراوي، لديها مشروع تودّ تحقيقه، ربما تعوض فيه ما لاحظه البعض من ثانوية دور المرأة في أفلام مشهراوي. أما هيام عباس التي وقفت أمام كاميرات عديدة، فلسطينية وعالمية وفرنسية وتونسية، وحتى إسرائيلية (على الأقل في «العروس السورية» و«بستان الليمون»)، رأت بدورها أن الوقت قد حان لها حتى تنتقل إلى الجانب الآخر من الكاميرا…

منذ الآن، لا يمكننا طبعاً توقع النتائج، غير أننا إذا ما حكمنا على الأمور من خلال ليس فقط النتائج التي تمخّض عنها، حتى الآن، المتن السينمائي النسائي الفلسطيني، من تسجيليات ليانة بدر وعلياء آرصغلي ومي المصري، إلى روائيات شيرين دعيبس وآن – ماري جاسر ونجوى نجار وهيام عباس (سواء أكان ذلك في أفلام قصيرة أو طويلة) يمكننا القول إن النتائج قد لا تكون مخيبة للآمال… ناهيك بأن المواضيع كثيرة. ومن يعرف طريقه إلى هذه المواضيع وكثافتها وقوتها، مرة، سوف يعرف هذه الطريق مرات مقبلة ومرات.

وكما سبق أن أشرنا في أول هذا الكلام، لا بأس أخيراً من إشارة، منصفة، إلى ذلك البعد الذي بات يحمله وجود المرأة الفلسطينية في السينما الإسرائيلية المنشقة نفسها: شخصيات قوية، عنيدة، متماسكة، وهي تعرف، كما حال المرأة في السينما الفلسطينية الجديدة نفسها، كيف تقبض على مصيرها، من دون أن تفترض سلفاً أن في الأمر صراعاً بين الرجل والمرأة. وحسبنا للتيقن من هذا، مرة أخرى، أن نتوقف عند الدورين اللذين لعبتهما هيام عباس نفسها في «العروس السورية»، كما في «شجرة الليمون»، ثم خاصة الأدوار النسائية، فلسطينية أو شبه فلسطينية، في سينما كارين يدايا، ولا سيما آخرها «حيفا».

غير أننا، أخيراً، لا يسعنا أن نختم هذا الكلام كله من دون وقفة عند المخرجة الإسرائيلية المنشقة، والفرنسية الجنسية الآن بعد أن كانت مغربية الأصل: سيمون بيتون. فهذه المخرجة والمناضلة من أجل القضايا العربية، ولا سيَّما القضية الفلسطينية، تفضل دائماً أن تعتبر فنها منتمياً إلى السينما الفلسطينية، والنسائية منها تحديداً.

والحال أن في متنها الفني السينمائي، ما يشجع على هذا.. بل ينحاز إليه تماماً. فهذه السينمائية التي كانت من أفضل من حقق شرائط سينمائية – تلفزيونية عن فنانين عرب من أمثال فريد الأطرش وأم كلثوم وليلى مراد، كانت هي صاحبة الفيلم الذي أتى إبان الانتفاضة الأولى ليفضح عنف الجيش الإسرائيلي في تحطيمه أذرع المناضلين الشبان، كما كانت هي من حقق أفضل فيلم عن محمود درويش حتى الآن (وهو الفيلم الذي أنتجته وعرضته القناة الثالثة الفرنسية).. ثم كانت من حقق فيلم «راشيل» عن المناضلة الأمريكية التي طحنتها جرافات الجيش الإسرائيلي حين حاولت التصدّي للجدار وبنائه.

إن هذا كله يجعل من سينما سيمون بيتون جزءاً من متن السينما الفلسطينية. وبهذا يمكننا أن نجعلها، بدورها، جزءاً من هذا التاريخ السينمائي الحافل، الذي بدأ يتكون منذ سنوات ليجعل من فلسطين واحداً من أوطان السينما الأكثر تميزاً وفرادة على خارطة السينما العالمية.