مقدمة:

أدى توسّع الاتحاد الأوروبي في أيار/مايو 2004، وتشكيل حدود الاتحاد الأوروبي الخارجية الجديدة، إلى ظهور نهج جديد من العلاقات اصطُلح عليه بـ«سياسة الجوار الأوروبي»، يهدف إلى تشجيع علاقات حسن الجوار من خلال تكثيف الحوار السياسي وتعميق الاندماج الاقتصادي، وفقاً لأهداف الاستراتيجية الأمنية الأوروبية.

بناء الأمن في الجوار؛ تشكيل حلقة من الأصدقاء؛ حماية الحدود الأوروبية… دفعت مع غيرها من العوامل بالاتحاد الأوروبي إلى التفكير جدّياً في طرح سياسة جريئة جديدة كمحاولة منه لإحياء الشراكة مع الدول المتوسطية وإعطائها نفَساً جديداً، لكن هذه المرّة بإدراجها ضمن فضاء جيوسياسي أوسع لا يقتصر على الدول المُشاطئة للمتوسط فقط. ولتقوية العلاقات بينه وبين شركائه في الشرق والجنوب، اقترح الاتحاد الأوروبي سنة 2004 مشروع «السياسة الأوروبية للجوار» كخيار استراتيجي جديد، تبنّاه المجلس الأوروبي قبل عام من اقتراحه على الدول المعنية به.

تقترح هذه السياسة تنمية التعاون بين بلدان جنوب المتوسط الغربي في عدد كبير من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويعتبر المجال الأمني المجال ذا الأولوية والأهمّ منها. وهي تقوم على مبادئ: حقوق الإنسان والديمقراطية، وحكم القانون، والأمن والاستقرار بين دول ضفتي المتوسط المجاورة لأوروبا، ضمن إطار مشترك وأكبر حجماً من التعاون المتبادل، يمثّل شراكة حقيقية لرفع التحديات المشتركة .

تسعى هذه الدراسة للبحث والإجابة عن السؤال التالي: إلى أي مدى يمكن اعتبار السياسة الأوروبية للجوار تمثيلاً للإقليمية، وتجسيداً لرغبة أوروبية فعلية في بناء «جماعة أمنية» في حوض المتوسط من خلالها؟

أولاً: مفهوم سياسة الجوار الأوروبية

تتطلّب أجندة الأمن الداخلي للاتحاد الأوروبي ضمن حدوده الخاصة استقراراً في الجوار المُتاخم له مباشرة من الجنوب والشرق، هذه المناطق التي تتضمن عدداً كبيراً من النّزاعات الممتدّة بحدة، وخطر تحريك نزاعات أخرى مستترة، جعلت الاتحاد يفكّر في مشروع «بناء سلام» في الجوار[2]، كمشروع طموح نتج منه نشر المفوضية الأوروبية وثيقة رسمية في آذار/مارس 2003 [3] بعنوان «أوروبا الموسعة والجوار: إطار جديد للعلاقات مع الشرق والجنوب»[4]، وقد سُمّيت فيما بعد «سياسة الجوار الأوروبية الجديدة»، وأُطلقت من طرف رئيس اللجنة «رومانو برودي»[5] (Romano Praudi) في تشرين الثاني/نوفمبر2004، بموافقة المجلس الأوروبي[6].

تقوم سياسة الجوار على تعاون شامل مُستوحى من «فلسفة الجوار» ومُختصر في الصيغة الشهيرة لبرودي «كلّ شيء إلاّ المؤسّسات»[7]، «التي تسمح للاتحاد الأوروبّي بإقامة مخطّط جديد لعلاقاته التفضيليّة مع الدول السابقة، ورسم هرميّة جديدة للمناطق الرئيسة الشريكة للاتحاد. هذا المشروع الأوروبي للتعاون مع بعض الدول التي سُمّيت «جيران» يستمدّ إلهامه من الآليات التي تمّ استخدامها مع البلدان المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي في مرحلة ما قبل الانضمام، بهدف تهيئتها للعضوية النهائية في الاتحاد»[8]، ولكنها ليست عملية تسبق الترشيح.

كما وُضعت هذه السياسة تحت ضغط التغييرات والتحولات العميقة داخل أوروبا وخارجها، فمع التوسيع الكبير للاتحاد الأوروبي إلى عشر دول دفعة واحدة (أيار/مايو 2004)[9]، انجرّ عنه توسّع حدوده الخارجية حتى «أصبح لدينا اليوم جيران جُدد واقتربنا أكثر من القدماء»[10]، وأصبح القلق متصاعداً حول المناطق السياسية «الرمادية»(Grey Areas) [11]. ناهيك بتطورات خارجية أخرى عزّزت أهمية علاقات الجوار للاتحاد الأوروبي وتعقيدها في الوقت نفسه، على خلفية البيئة الأمنية الجديدة لما بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر2001 [12]. استجابةً لهذه التحديات والرهانات الجديدة، ولدعم الجهود المبذولة لتحقيق الأهداف المسطّرة في الاستراتيجية الأوروبية للأمن، جاءت السياسة الأوروبية للجوار.

يهدف الاتحاد الأوروبي من هذه السياسة إلى تطوير علاقات تفضيليّة مع البلدان المُجاورة له في الشرق والجنوب حسب قاعدة التمايز الذاتي (Autodifférenciation)؛ وتقاسم مكاسب توسيع (2004) مع الشركاء بما يحقّق استقرار جميع الشعوب المعنيّة وأمنها، وتأسيس فضاء للرخاء وحسن الجوار قائم على قيم الاتحاد ومعاييره[13]. ويمكن اعتبار إطلاق سياسة الجوار دليل واضحاً على الوعي الأوروبّي بالشرخ الجديد الحاصل بينه وبين تخومه الشرقية والجنوبية، الذي لم يتمكّن مسار برشلونة من منعه بعد مرور حوالى عقد على انطلاقه. لذا أكّدت المفوّضيّة أنّ واحداً من المقاصد الأساسيّة لسياسة الجوار هو تحاشي تصدّعات جديدة بين الاتحاد الأوروبّي الموسّع وجيرانه، ومنحهم إمكان المشاركة في عدة أنشطة للاتحاد في إطار تعاونٍ سياسيٍ وأمنيٍ واقتصاديٍ وثقافيٍ معزّزٍ. وهو ما يؤكّد أنّ البعد المتوسّطيّ حاضرٌ بقوّة في سياسة الجوار.

أمّا المنهج المقترح لتحقيق الأهداف المذكورة فهو التعاون بين الاتحاد الأوروبي وشركائه، الذي يأخذ منحنى ثنائياً، تمهيداً لطريقة العلاقات الثنائية[14]، من أجل تحديد مجموعةٍ من الأولويات التي يؤدي تحقّقها إلى تقريب هذه الدول من الاتحاد، وتدمج هذه الأولويات من طريق خطط عمل تنفيذية خاصة بكل دولة بعينها، يتم التوصل إليها تفاوضياً مع كل دولة منفردة. وإن كانت هذه المخطّطات تُبنى وفق قاعدة مشتركة، فإنّها تأخذ في الحسبان الخصوصيّة الوطنيّة لكلّ بلد جار وتحدّد بتراتبيّة هرميّة الأهداف التي يطمح إلى تحقيقها. وتتناسب وتيرة الدّعم المالي طردياً مع وتيرة إنجاز الأهداف الاستراتيجية المحدّدة من كلّ بلد شريك. ويقوّم التقدّم المحقق في كلّ بلد من طرف لجان الشراكة واللجان التقنيّة الفرعيّة[15].

يكمن الهدف الرئيسي لسياسة الجوار الأوروبية في: ضمان خلق بيئة مزدهرة مستقرة وآمنة في جوار الاتحاد الأوروبي الشرقي والجنوبي، وكذلك في جنوب القوقاز (أرمينيا، أذربيجان، جورجيا)، من دون إدماج هذه الدول المجاورة والمُشكّلة «لحلقة من الأصدقاء كمنطقة حاجزة حول الاتحاد الأوروبي» بالضرورة[16]. وبهذه الطريقة يرقى تعاونها التجاري والاقتصادي والسياسي معه إلى حدّ «الاشتراك معه في كل شيء ما عدا المؤسسات»[17]. بمعنى أنّ السياسة تتضمّن تشكيلاً وتعميقاً طويل الأمد للعلاقات بالدول الجارة من دون أن يكون في ذلك توجهات لانضمام تلك الدول للاتحاد الأوروبي، وتشتمل هذه العلاقات بوجه خاص على: مشاركة موسعة في السوق الداخلي للاتحاد الأوروبي، التعاون في الوقاية من الأزمات، إدارة الأزمات والهجرة، وفي النهاية التمتع بالحريات الأربع (حريات حركة السلع، والأشخاص، والخدمات، ورؤوس الأموال)، في مقابل تنفيذ إصلاحات جدّية سياسية اقتصادية ومؤسسية. فهي بذلك تقوم على «المشروطية».[18]

لقد تمّ التشديد على «المشروطية» في السياسة الأوروبية للجوار وفقاً لقاعدة «نطلب منكم أن تكونوا مثلنا، معنا، ولكن ليس عندنا: تشبّهوا بنا من دون أن تنتموا إلينا»،[19] واعتماداً على أسلوب تحفيزيّ يدعو الأوروبّيون من خلاله شركاءهم إلى الاقتراب من ممارساتهم في مواضيع محدّدة مقابل أن يمنحوهم تعاوناً أكثر وبوسائل ماليّة أكبر[20].

ثانياً: الفضاء المتوسطي والتأسيس للمركب الأمني

لقد كان العالم النرويجي آيفير نومان (Iver B. Nauman) أول من استعمل مصطلح «بناء إقليم» (Region Building)، كنقطة مرجعية جيدة لاعتبار أنّ الإطار الإقليمي بدلاً من الدولة القومية يظهر كصيغة أكثر ملاءمة للتجمع الاجتماعي في فضاء أوروبا السياسي، وللتعامل مع المسائل المطروحة في استراتيجية الجوار الأوروبية[21]. وحسب اعتقاد كارل دويتش (Karl Deutch) فإنّ الدول بإمكانها أن تُطوّر اندماجاً متماسكاً فيما بينها إلى درجة الإحساس بالنزعة الجماعية، أي إحساس المواطن بـ«نحن» التي عبّر عنها «دويتش» بـ «We-feeling». وعليه ينمو إحساس مشترك بإمكان حل الخلافات بينها بوسائل سلمية، والتخلي عن استعمال الخيار العسكري أو العنف[22]، حيث تؤدي التفاعلات المكثفة إلى الاندماج الاجتماعي، الذي يُنتج بدوره المؤسسات المشتركة كنتيجة نهائية لبناء «الجماعة الأمنية»[23].

بالتالي، استناداً إلى مفهوم «الجماعة الأمنية» الذي يُعبّر عن تكتل أو عدد من الدول التي تخلق مستوًى معيناً من التعاون فيما بينها، ما يجعل اللجوء إلى العنف ضد بعضها البعض أمراً مستبعداً ويدفعها إلى خلق آليات تحميها من المخاطر الداخلية والخارجية، وبالتالي يُساعد على أمن الجماعة وتوقّع التغييرات السلمية، من الصعب تصوّر «جماعة أمنية» في أوروبا الأوسع، لأنّ «جماعات الأمن» ليست عبارة عن إنشاءات تلقائية، بل هي نتاج لعلاقات دينامية وإيجابية بين: القوة، الأفكار، التفاعلات المكثفة، والتعلم الاجتماعي، وتنتج من أنشطة الفواعل (نخب سياسية، أفراد، مؤسسات عالمية وإقليمية)، التي تحتاج المصادر الأيديولوجية والمادية إلى تطوير الأسباب السياسية، والرغبة القادرة على بناء هويات جماعية (أقاليم معرفية Cognitive Region)[24]، أي تقاسم القيم والهويات والمعايير، الذي يؤدي إلى إنشاء روابط الثقة والأمان. والمُلاحظ أنه في اتصال أوروبا الأوسع ليس هنالك اهتمام كافٍ وانتباه نحو الفواعل: ممثلين سياسيين ومؤسسات ومجتمع مدني[25]، ثم إنّ إقليمية اتصال آذار/مارس 2003 على سبيل المثال تميّزت بحد أدنى، إن لم يكن بغياب كلّي للمستوى المؤسسي، إذ لم تتوافر بنود للمؤسسات المسؤولة عن تطبيق سياسة الجوار[26]، بمعنى افتقارها إلى هيكلية مؤسسية أو بالأحرى آلية قانونية، لأنّ اتفاقيات الجوار تقوم على التعاون التقليدي بين الحكومات، وتُدار من جانب لجان مشتركة تتخذ القرارات بناءً على التفاهم، وبذلك فسياسة الجوار تعمل في إطار السيادة الوطنية، وليس في إطار سيادي «فوق قومي»[27].

عملياً، إنّ أيّ عملية تكامل إقليمية ترتكز على مُسلّمة تطوير إحساس «الملكية المشتركة» نحو المبادرة بين الأطراف المُشكّلة للإقليم[28]، وفي الحقيقة فإنّ «تطوير تعاون إقليمي فرعي»، وإحساس بـ«الملكية المشتركة» هي قضايا طُرحت مع تشديد خاص عليها في الوثيقة الاستراتيجية للسياسة الأوروبية للجوار[29]، بينما شدّد البرلمان على «اختلافات جغرافية وسياسية بين الجيران الشرقيين والجنوبيين». لذا فإنّ التعاون الإقليمي لا يكاد يبدو محتملاً نظراً إلى هذه الاختلافات[30]، فكان تبنّي الطريقة الثنائية (خطط عمل فردية للدول) بدلاً من التعاون الإقليمي الأصيل[31]. وهذا ما دفع أستاذ الاقتصاد الأوكراني فيتالي دنيزيوك (Vitaly Denysyuk) إلى تشبيه سياسة الجوار بـ«الإقليمية الطرفية» بين البلدان الستة عشر، والمناطق الطرفية الأقل دينامية من الاتحاد الأوروبي الموسع، أي «اتفاق طرفي» يُترجم الاهتمام المركزي للاتحاد الأوروبي بخلق «أطراف آمنة على حدوده المباشرة؛ تُمارس التبادل معه؛ تتلقّى بعض المساعدات؛ وتُؤمّن الانسياب المرن للتجارة الحدودية»، وفي النهاية «حدود جيّدة لا تُصدّر مشكلاتها ولا نزاعاتها»[32]. وهو ما لخّصه ويليام والاس (William Wallace) بقوله: «إنّ الخيار بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي كان أن يعرف إذا كان يُصدّر أمنه واستقراره للجنوب، أم أنه يستورد عدم استقرارهم»، وتمثّلت سياسة الجوار بالإجابة: «مراقبة الحدود دون إغلاقها»[33].

من جهة أخرى، يرى آدلار (Adler)، أنّ الحاجة إلى تطوير إحساس «نحن» لم يُستثنَ ولم يُؤكّد بوضوح في سياسة الجوار، ولكنه ببساطة كان غائباً[34]؛ فقد أظهرت تجربة برشلونة مقدار صعوبة إزالة عدم الفهم الثقافي بين الأطراف المُشكّلة للإقليم، وكم يتطلّب ذلك جهوداً لجعل الشركاء يشعرون بأنهم متساوون[35]. وعلى المدى الطويل، فإنّ قلة الإحساس بالهوية المشتركة والانتماء إلى الإقليم نفسه، وبالملكية المشتركة للمؤسسات، يمكن أن تُقنع الجيران بسلبية علاقاتهم اللامتماثلة مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تقويض أسس مبادرة الجوار بمرور الوقت[36]. بالتالي، يعتمد نجاح المبادرة على الدرجة التي تكون فيها مختلف الهويات/الجماعات تتصدّى للتهديدات المشتركة والمشاكل المتعلقة بعدم الاستقرار الإقليمي واللاأمن على أساس تبنّي مبدأ مشترك[37].

في الواقع إنّ ما تمّ تقديمه على أنه مشروع مشترك هو في الحقيقة مبادرة «أُحادية الجانب» تعكس رؤية ممركزة أوروبياً، ففي كل المجالات- صياغة القواعد والإلزام باتباعها، التصرّف بالقدرة التكتيكية والتنظيمية، إملاء المعايير وتحديد الاتجاه الواجب اتباعه – يحتفظ الاتحاد الأوروبي بالأنماط الكلاسيكية للقيادة[38]، ولا يستطيع الجيران الاشتراك في عملية تأسيس هذه المعايير والتعليمات[39].

عبّرت السياسة الأوروبّية للجوار بوضوح عن الهواجس الأمنيّة الأوروبية التي استحكمت بعد أحداث أيلول/سبتمبر 2001، أو أنّها على غرار الشراكة الأورو-متوسّطية ليست إلاّ طريقةً في بناء «الآخر» «في الجنوب والشرق والتعامل معه كامتدادٍ: لـ«الأنا» الأوروبّية[40]، وكأنّ دول الجنوب – التي تسمّى «الشريكة» – محكوم عليها بتحمّل عواقب جوارها الجغرافيّ مع أوروبا بتبنّي السياسات التي توضع وتُقرّر في بروكسل من دون أن تشارك في إعدادها.

إنّ الاتجاه نحو «أمننة» (Securitization) علاقات الاتحاد الأوروبي بجيرانه، سيؤدي لا محالة مع مرور الوقت إلى تعرية الخطاب السياسي للأهداف المُعلنة لسياسة الجوار من كل صدقية، وبخاصة في ما يتعلق بتدعيم الحوار السياسي بين أوروبا وجيرانها[41]، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية مُضاعفةً فرص اللااستقرار بدلاً من إتاحة الفرصة لبناء «جماعة جهوية للأمن والاستقرار». ثمّ إذا ما اعتُبر الاتحاد الأوروبي وجواره كـ«مركب أمني» (Security Complex)، كما هو معرّف من قبل باري بوزان، أي «مجموعة الدول التي ترتبط مخاوفها الأمنية الأساسية ارتباطاً وثيقاً فيما بينها، مما يجعل من غير الممكن النظر واقعياً إلى أمن دولة بمعزل عن الدول الأخرى»، فعلى الاتحاد الأوروبي – الذي يُقدّم نفسه على أنه «مسؤول»، بوصفه قوة إقليمية، عن الاستقرار في المحيط الداخلي والخارجي – ضمان استقرار الجوار الذي يمثل ضرورةً لأمنه الداخلي، وواجب نشر الأمن والاستقرار في هذه المنطقة[42].

 

ثالثاً: جنوب غرب المتوسط كموضوع لسياسة الجوار الأوروبية (دول المغرب العربي)

لقد مارست بعض دول البحر الأبيض المتوسط الأوروبية (فرنسا، إسبانيا، إيطاليا) الضغط للإقناع بضرورة اتخاذ قرار تضمين بلدان جنوب المتوسط[43] في السياسة الجديدة، حيث تخوّفت هذه الدول في الحقيقة من أنّ توسيعاً شرقياً كبيراً وحاسماً سيحرّك مركز ثقل الاتحاد الأوروبي شرقاً، وهكذا سيتم إهمال البلدان على الحافة الجنوبية للحوض المتوسطي، إضافة إلى أنّ هذه البلدان تُعد ضرورية بدرجة أكبر ضمن سياق ما بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، الذي تميّز بفرضية تهديد الإرهاب الإسلامي القادم من بلدان جنوب المتوسط[44].

لذلك ارتكز المحور السياسي – الأمني للسياسة الأوروبية للجوار على مناقشة التهديدات الأمنية، سواءٌ من ناحية التأثيرات البيئية لانتشار الأسلحة النووية، أو الهجرة غير الشرعية، أو التهريب والجريمة المنظمة والإرهاب، إضافة إلى التشديد على ضرورة انخراط الاتحاد الأوروبي بصورة أكبر في منع الأزمات وإدارتها، وتأدية دور فعّال في حل الصراع العربي – الإسرائيلي وأزمة الصحراء الغربية.

أعربت دولة المغرب عن حماستها الكبيرة للفكرة بمجرد الإعلان عن موضوع الجوار الجديد الموسّع للاتحاد الأوروبي، وإبدائها في آذار/مارس 2000 رغبتها في الاستفادة من «وضع متقدم» تم منحها إياه في تشرين الأول/أكتوبر 2008. وكان موقف تونس من سياسة الجوار في وضع «الشريك المندمج»، وذلك من خلال تتبّع مسار العلاقات المتبادلة بينها وبين الاتحاد الأوروبي. بخلاف ليبيا التي لم تقبل ولم ترفض مفضّلة اعتماد سياسة «ننتظر ثمّ نرى».(Wait and see) في حين اتسم موقف الجزائر من هذه السياسة، على العكس من نظيرتيها تونس والمغرب، بنوع من التردّد والترقّب، ولم تلقَ السياسة الأوروبية للجوار الترحيب من جانبها في بداية الأمر، حيث تخوّفت من المشاركة في برنامج طموح وواسع، كبرنامج سياسة الجوار، لم تشارك في إعداده، ووُضِعَ على مقاس الدول الأوروبية، وبما يتوافق ومصالحها، ولم يراعِ وجهة نظر الدول المتلقّية[45]. إلا أنّ الجزائر غيّرت موقفها من التحفظ إلى القبول بهذه السياسة سنة 2008.

ورغم أنّ المشروطية النابعة من التخوّف الأوروبي من توسّع مجال التهديدات الأمنية الجديدة أدّت إلى عدم إسقاط السياسات الأوروبية على الوضع السياسي لدى بلدان الضفة الجنوبية من المتوسط؛ فهؤلاء التحقوا بسياسة الجوار الأوروبية من دون الاستجابة، ولو من بعد، لتقرير الالتزام بخطط العمل التي وقّعوها، حيث إنّ صيغة المشروطية الأوروبية التي تحملها هذه السياسة، خلقت جوّا من انعدام الثقة والتخوف من الدول الجنوبية (بخاصة الجزائر)، وأصبحت كعائق أساسي بالنسبة إلى دول جنوب المتوسط الغربي للاندماج في هذه السياسة .

منذ إطلاق السياسة الأوروبية للجوار أصبحت مؤسسات الاتحاد الأوروبي تدفع دول المغرب العربي للقيام بدور «حارس حدود الاتحاد الأوروبي». إنّ تفعيل هذه الوساطة الأمنية الخارجية يبدو الحل الأنسب لتفادي ارتفاع حدة الانتقادات حول زيادة اللجوء إلى وسائل الضبط العنيف للعناصر المتسللة على حدود أوروبا، ما يُمكّن هذه الأخيرة من تحميل دول الضفة الجنوبية للمتوسط أعباء الانزلاقات المحتملة في عملية الضبط والرقابة[46].

وبما أنّ العلاقات بين ضفتي غرب المتوسط تتّسم بعدم التوازن وعدم التكافؤ، حيث يتحصل الطرف القوي في العلاقة على المصلحة الأكبر، بينما الطرف الضعيف (دول جنوب غرب المتوسط) لم يتمكن حتى من إدراج انشغالاته وطموحاته في سياسة الجوار الأوروبي، ولم يتحصل إلا على ما يكفي لدرء المخاطر التي تشكل مصدراً أو معبراً له عن حدود أوروبا، ولا تتعدّى وظيفته في هذه السياسة الحزام الأمني لحدود أوروبا.

رابعاً: سياسة الجوار الأوروبية وقضية الهجرة غير الشرعية

لقد أصبحت الهجرة مؤخراً واحدة من مظاهر العلاقات الأوروبية بالعالم الخارجي، واعتبرت «إدارة الهجرة» كمسألة أمنية تحتاج إلى عمليات تعاون وتنسيق على أكثر المستويات ومع أكثر الفواعل[47]، نظراً إلى أنه يمكن التخفيف من تداعياتها فقط من خلال العمل المشترك. وقد تمّ «أمننة» الهجرة بوصفها رهاناً أمنياً خلال الثمانينيات عبر خطاب اجتماعي وسياسي، حيث أصبح يُنظر إلى المهاجرين كتهديد للهوية الوطنية المحدّدة ثقافياً، في حين أنها كانت في السابق تخضع لمعالجة اقتصادية، وكان ينظر إلى المهاجرين كـ«عمال مغتربين»[48]. وبحسب ديدي بيغو (Didier Bigot)، فإنّ قوة صيغة مضمون الكلام تُغيّر المدلول الاجتماعي لمفهوم الهجرة في مقولة: «الهجرة مُشكلة أمن كبرى بالنسبة إلى أوروبا»، فتحوّلها بفضل قوة المفردات إلى مسألة أمنية تُحل بوسائل خاصة، وعليه يصبح مفهوم الأمن ليس موضوعيّاً بقدر ما هو عبارة عن صورة لواقع مهدّد بحدّ ذاته[49].

أشارت بعض التقارير إلى أنّ حجم الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا قد تعدى الملايين، وبخاصة بعد الأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط، في سورية وليبيا واليمن؛ حيث إنّ ثلاثة أرباع الهجرة السرية القادمة من جنوب المتوسط تمرّ عبر ليبيا في طريقها إلى أوروبا، بسبب الانفلات والفراغ الأمني في المنطقة من جهة، وقرب ليبيا من منافذ أوروبا الجنوبية من جهة أخرى[50]. ففي سنة 2014 قدّرت المفوضية الأوروبية للاجئين عدد المهاجرين غير الشرعيين بحوالى 207.000 مهاجر عبر معظمهم من خلال الساحل الليبي إلى أوروبا، وهو الرقم الذي فاق بنحو ثلاثة أضعاف الرقم الذي سجل سنة 2011. وفي نهاية 2015 استقبلت ألمانيا ما يقارب 800.000 مهاجر معظمهم من سورية والعراق وأفغانستان، وبلغ عددهم في بداية 2016 حوالى 100.000 مهاجر وصلوا إلى اليونان وإيطاليا[51].

وفي إطار التصدي للهجرة غير الشرعية بوصفها تهديداً جديداً للأمن الأوروبي، وفي مجال إدارتها على أراضي الحدود الخارجية للدول المجاورة، يتبنّى الاتحاد الأوروبي فكرة إقامة «حزام واقٍ» على أراضي دوله المجاورة، يتمّ ترجمته فعلياً بأن تقوم هذه الدول المجاورة بأداء دور «مناطق العزل»، حيث يتم تصفية الوافدين إلى أوروبا بمنع دخول العناصر التي تعتبرها دول الاتحاد الأوروبي غير مرغوب فيها وغير قابلة للاستيعاب (وهو ما يتنافى مع مبدأ حرية تنقل الأشخاص)، فالتصدي لهذه الظاهرة بهذه الطريقة – من وجهة نظر الأوروبيين – لا يمكن أن ينجح بدرجة عالية إلا باللجوء إلى صيغة من «المعالجة الأمنية المحوّلة» إلى أطراف خارجية عبر «آلية الدّفع نحو الخارج»[52] لآثار الجوار السلبية في أمن الاتحاد الأوروبي. فمن مقاربة أوروبية، ترتكز هذه الآلية على فرضية أنّ الظروف الخارجية يتقلص التحكّم فيها تدريجاً من الخارج إذا ما تمّ تبنّي استراتيجيات اندماجية بشكل مشترك[53]. إذاً، ترتبط سياسة الجوار الأوروبية بمصلحة الاتحاد الأوروبي الخاصة بتدعيم ازدهاره وأمنه من خلال تحويل الجيران إلى حلفاء، عبر طرح المشاكل على أنها جماعية وبالتالي تستدعي حلولاً جماعية[54].

هكذا، شكّلت قضية الهجرة أهم جداول أعمال الحوار مع بلدان الضفة الجنوبية، إذ يعتبر الجيران (دول المغرب العربي بالخصوص) مصدراً رئيسياً للهجرة كونها تشكّل دول انطلاق وعبور في الوقت نفسه. ولمواجهة هذا التحدي المتنامي كثّف الاتحاد الأوروبي الحوار مع الشركاء، ولا سيَّما الدول الجنوبية، والدعوة إلى تعزيز الهجرة القانونية والنقل وبخاصة لفئات معينة من الأشخاص مثل الطلاب وذوي المهارات، وقمع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر. من جهة أخرى، تعمل الدول الأوروبية – على نحوٍ غير معلن – على تحويل دول المغرب العربي إلى مناطق لاحتجاز المهاجرين غير الشرعيين، أو ما يُعرف بـ«الدول المعسكر» (des pays-camps)، كما هو عليه حال المغرب[55]. وهو ما أدى إلى تفريغ وتجريد مفهوم الشراكة – بخاصة في المحتوى الأمني الإنساني – من معناه المقصود والمعمول على الوصول إليه.

خامساً: سياسة الجوار الأوروبية المراجعة كاستجابة للجوار المتغيِّر

هناك مجموعة من التطورات الحاصلة في الجوار الذي أصبح أقلّ استقراراً بسبب الأزمة في جورجيا عام 2008، والنزاع في أوكرانيا بسبب السياسة الخارجية الروسية في الشرق، والأحداث في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بدءاً من موجة «الربيع العربي» 2011، والحرب الأهلية في سورية، وكذا النزاع والانفلات الأمني في ليبيا، ومصر التي شهدت تغييرات سياسية معقدة، إلى الأعمال العدائية في غزة 2014، وتصاعد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسورية، وآخرها الهجمات الإرهابية في باريس في 13 تشرين الثاني/نوفمبر2015… هي كلّها عوامل خلّفت تداعياتها في مختلف أنحاء المنطقة، وأسهمت في زيادة التحدّيات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي وجيرانه على السّواء، الأمر الذي فاقم أيضاً حركات الهجرة غير الشرعية، وتدفق اللاجئين والتهديدات الأمنية.

على خلفية هذه الأحداث تمّت مراجعة السياسة الأوروبية للجوار في عام 2011 [56]، لتصميم استجابة لأحداث الربيع العربي الذي أدّت انتفاضاته الشعبية وما ترتّب عليها من نتائج إلى مزيد من عدم الاستقرار والاضطرابات السياسية، تهدف إلى ضمان تمكّن السياسة الأوروبية للجوار في المستقبل من أن تدعم بفاعلية أكبر إقامة منطقة من الاستقرار والأمن والازدهار المشترك مع الشركاء.

وبغرض تحديد إطار لتعريف الأمن تمّ التشديد على ثلاثة أسئلة رئيسية مُساعدة لتحليل البعد الأمني في السياسة الأوروبية للجوار المُراجعة بعد 2011، وهي: الأمن لمن؛ أمن ماذا؛ الأمن بأي وسائل؟ (Security for whom?, from what?, for what?).

يشير السؤال الأوّل «الأمن لمن؟» إلى الموضوعات التي يخاطبها الأمن في النسخة القديمة للسياسة الأوروبية للجوار 2003 «أوروبا أوسع»، حيث تُصرّح بأنّها: «قدرة الاتحاد على توفير الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة لمواطنيه، التي لن يتم تمييزها عن اهتمامه في التعاون الوثيق مع جيرانه». لذا عُرّف الأمن بوضوح كمصلحة عامة مُتقاسمة لمواطني الاتحاد الأوروبي في المسؤولية المشتركة بالجوار. في حين أنه في سياسة الجوار المُراجَعة تعلّق بند الأمن ضمنياً بتبنّي مقاربة جديدة على أساس فكرة «العمل المعتاد لم يعد خياراً، إذ نريد جعل جوارنا مكاناً أكثر أماناً ونحمي مصالحنا». على اعتبار أنّ الاستقرار المستمر للجوار بعد 2011 يمكن أن يؤثّر مباشرة على المصالح الاقتصادية والجيوسياسية والأمنية للاتحاد الأوروبي[57].

ففي كلتا نسختي السياسة الأوروبية للجوار سؤال «الأمن لمن؟» متجذر في قضية التهديد والاعتماد المتبادل، من منطلق أنّ العالم مقسم إلى فضاءات للأمن واللاأمن، وفي مثل هذا السياق يعيّن الاتحاد الأوروبي نفسه في قلب هذا الفضاء لتغذية استقراره بفكرة «الأنا»، والكفاح حتى لا يستورد اللاّاستقرار من «الآخرين»[58]. ثمّ في نسخة سياسة الجوار الأوروبية قبل 2011 الأمن لا يظهر كأداة لحماية القيم الرئيسية الأوروبية، ولكنه يبرز كقيمة ونهاية في حد ذاته، بخلق منطقة للاستقرار السياسي تكون الهدف الرئيسي لضمانه. فالموضوع المُناقش إذن هو علاقة «الأمن مقابل القيم المعيارية».

يشير السؤال الثاني إلى المخاطر التي يجب أن تُعالج، لذلك تسأل «أمن أي تهديدات؟». التهديدات المتبادلة/المشتركة/العابرة للحدود كانت دائماً حجر الزاوية لسياسة الجوار، على أساس أنّ الاتحاد يتعرض لأخطار متعددة الأبعاد وتتجاوز الحدود، ما يدلّ على التفاعل بين الشؤون الأمنية الداخلية والخارجية، هذا التفاعل أصبح أقوى بعد 2011.

كما توضّح السياسة المراجعة في قضية الاتصال الواضح بين المشاكل الداخلية للجوار والتهديدات الأمنية لحدود الاتحاد الأوروبي[59]، فقد اعتُرف بمشاكل كالأنظمة القمعية الطويلة المدى المُسقطة، والنزاعات العسكرية المُطوّلة، والعنف في سورية… بأنها تحديات أمنية مباشرة للاتحاد الأوروبي، ما دامت باعثة لتهديدات أمنية عبر حدودية أخرى كالهجرة غير الشرعية والإرهاب والجريمة المنظمة، التي هي أعراض المشاكل الداخلية للجيران. علاوة على ذلك، بينما ذكرت النسخة الأصلية لسياسة الجوار والإرهاب، وأسلحة الدمار الشامل، والجريمة العالمية، والاحتيال، والتلوث، والهجرة غير الشرعية، كتهديدات مهمة على حد سواء، ففي النسخة المُراجعة تبدو الهجرة غير الشرعية القلق الأعظم، واعتُبر التنقل الآمن والقانوني، ومعالجة مسائل الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر وتهريبهم من الأولويات، فقد عُرّفت الحركة النظامية وغير النظامية للأشخاص نحو أوروبا بصورة واضحة كمصدر لانعدام الأمن للاتحاد الأوروبي، وكأساس للمشاكل الأخرى كالتهريب. عموماً السياسة المراجعة بُلّغت عبر منطق «الأمننة» حيث تمّ الاستعانة بخطاب/ أطروحة التهديد لتكون وسائل رئيسية لتبرير أنّ الاتحاد الأوروبي يجب أن يعزّز ارتباطه بالجوار المتوسطي[60].

السؤال الثالث يتعامل مع «الأمن بأي وسائل؟ أو طرق؟». كل الوثائق الرئيسية لسياسة الجوار بُنيت على أساس خطابات حول «العبء المشترك»؛ «المسؤولية المشتركة»؛ «المصلحة المشتركة»؛ و«التعاون الوثيق»، إنّ المنطق الأساسي الذي اعتمدته هو أنّ «الاعتماد المتبادل» هو السبب والحل للتهديدات الأمنية المشتركة عبر الحدودية، والعمل الوثيق مع الجيران فقط يُمكّن الاتحاد الأوروبي من إدارة القضايا التي تظهر في حدودهم الخارجية[61].

تتضمّن السياسة الجديدة مقاربة «المزيد مقابل المزيد/ قدّم ما هو أكثر للحصول على ما هو أكثر»[62] استناداً إلى «مشروطية إيجابية»[63]، وهذا يعني أنه إذا أدخل الشركاء مزيداً من الإصلاحات الديمقراطية فهم سيتلقون مزيداً من التقديمات المالية والتكاملية، كإشارة إلى أنّ معايير التخصيصات المالية يجب أن تعكس مبدأ تمايز وتفاضل متكافئ بين الجيران، قائم على أدائهم وليس على مصالح الاتحاد الأوروبي الجيوسياسية.

لكن المقاربة المرتكزة على الحوافز «المزيد مقابل المزيد» أثبتت أن الحوافز لم تكن كافية لإيجاد التزام بالإصلاح في غياب إرادة سياسية حقيقية .

لن تكون سياسة الجوار الأوروبية الجديدة مُجدية إلا إذا كانت حقاً حريصة على حقوق الإنسان. لقد فضّل الاتحاد الأوروبي في الماضي الاستقرار القصير الأجل للدول الاستبدادية على حساب حقوق الشعوب وتطلعاتها المشروعة، ما قوّض صدقية الاتحاد الأوروبي[64] ودوله، لذا العودة إلى الأسلوب السابق، أي التواطؤ الأوروبي الصامت مع أنظمة الحكم الاستبدادية، في مقابل تعاون هذه الأنظمة في ضبط سكان هذه البلدان والنزعة الدينية المثيرة لقلقه، سوف يلطّخ مفهوم الديمقراطية في دول جنوب المتوسط، وسيُعرّض التقدم الديمقراطي للخطر في السنوات المقبلة. ويبقى التحدي مجسداً في مواءمة المبادئ المعلَنة للاتحاد الأوروبي مع مصالحه القصيرة الأجل وأفعاله، وعليه دعم خيارات الشعوب التي تفضل حقوق الإنسان والديمقراطية.

خاتمـة

يسعى الاتحاد الأوروبي عبر سياسة الجوار إلى ضبط الآثار السلبية للجوار في أمنه نتيجة التوسع الذي شهده، ومن ثمّ ضرورة توزيع المسؤوليات على طرفي خطوط الفصل (الاتحاد الأوروبي والدول المجاورة)، من طريق مأسسة الحدود، وذلك من خلال إعادة صياغتها وإدارتها بكيفية تُقحم الآخرين وتُشركهم وفقاً لمعايير تمييزية خاصة، وجعل «الجوار القريب» إليه مسيّراً للتهديدات التي تواجه المنطقة. وحصيلة ذلك أن أصبحت دول المغرب العربي بصفة خاصة تؤدي دور حارس حدود الاتحاد الأوروبي. لكن الاشتراك في هذا العبء لن يتحقق من دون تحقيق «الملكية المشتركة»، والتدخل الحقيقي للشركاء المتوسطيين في تحديد أجندة الأمن القانوني والقضائي المشترك الخاص بالمتوسط.

إنّ المقاربة الأوروبية التي تتناول ملف الهجرة من الزاوية الأمنية تتعارض مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان الأساسية؛ وبإقصاء الحرية المتعلقة بتنقل الأشخاص في علاقاته مع الضفة الجنوبية، فإن الحريات الأخرى (حرية تنقل السلع، حرية تنقل الخدمات، حرية تنقل رؤوس الأموال) تبقى مبتورة. ومع حرمان الشعوب من الحركية التي هي بحاجة إليها، يبقى الاندماج الإقليمي مجرد سراب. وهو ما يطرح التساؤل: كيف يمكن إقامة منطقة للتبادل الحر بفتح الحدود أمام السلع والخدمات والأفكار وإغلاقها أمام حركة تنقل الاشخاص؟

ما يسعنا قوله هو أنّ سياسة الجوار الأوروبية يمكن وصفها بـ«إمبريالية ناعمة»، أو «رسالة تمدينية»، وتظهر كجزء من رغبة الغرب في تصدير نموذجه المؤسسي والثقافي، الديمقراطية، حقوق الإنسان، قواعد القانون والسوق، بمعنى آخر «أوربة» البلدان الجارة من خلال جعلها تمتثل معايير الاتحاد الأوروبي وقواعده وقيمه، وهذا يعني تصدير التجربة الأوروبية، من طريق أدوات القوة الناعمة  (كالحوافز المالية مثلاً «آلية الجوار الأوروبية»). فسياسة الجوار في جوهرها إذاً عبارة عن «خطاب أمني».

وتبقى المزايا التي تتميّز بها السياسة الأوروبية المجدّدة للجوار محدودة ومرهونة بوجود عراقيل مهمة تقف في طريق إيجاد صيغة فعّالة للشراكة والتعاون تساعد على تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، لذا يقع على عاتق الاتحاد الأوروبي أن يأخذ دوراً أكثر نشاطاً وفاعلية في البحث عن حلول دائمة للنزاعات التي تُكبّل الجوار المباشر، وتسمّم الجو الإقليمي، وتُشكّل مستنبتاً لعدم استقرار مزمن، ويتعلق الأمر بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وقضية الصحراء الغربية، ونزاعات أخرى مقنّعة يمكن أن تعرقل سياسة الجوار، لا بل قد تؤدي إلى إخفاقها. وذلك بالاعتماد على دبلوماسية أوروبية نشطة قادرة على المساهمة في إفراغ منطقة الجوار من بؤر التوتر والنزاع، ووضع حدّ للااستقرار فيها.

 

اضغطوا على الرابط لقراءة  الاتحاد الأوروبي وقضايا الهجرة: الاشكاليات الكبرى والاستراتيجيات والمستجدات

قد يهمكم أيضاً  سياسة روسيا الخارجية اليوم : البحث عن دور عالمي مؤثر

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #الاتحاد_الأوروبي #الهجرة_غير_الشرعية #سياسة_الجوار_الأوروبية