مقدمة

كان لجائحة كورونا تداعيات اقتصادية واجتماعية سلبية كثيرة على مختلف بلدان العالم؛ فقد أدّى التراجع الكبير للصادرات والتدفقات المالية بسبب الانغلاق التجاري وانخفاض الطلب الخارجي إلى اختلالات كبيرة في موازين المدفوعات، في حين ساهم انخفاض حجم الاستهلاك والاستثمار الناتج من تطبيق الحظر الكلي أو الجزئي على حركة السلع والأفراد في تراجع كبير للنمو الاقتصادي. كما أدى ارتفاع حجم الإنفاق، بسبب الزيادة الكبيرة في الدعم المخصص للقطاع الصحي وللقطاعات الإنتاجية وللأسر المتضررة، من جهة، وانخفاض الإيرادات المالية نتيجة الركود الاقتصادي والتراجع الكبير للأنشطة التجارية والاستثمارية إضافة إلى الإعفاءات الضريبية لدعم القطاع الخاص، من جهة أخرى، إلى عجوزات كبيرة على مستوى الموازنات العامة.

وقد تنبهت النظرية الاقتصادية إلى أهمية سياسات التعافي كملاذ آمن يجنبها الاختلال الداخلي والخارجي، لكنَّ حالة من الجدل لا تزال سائدة حول الأدوار المسندة إلى المؤسسات المخلتفة، التي تقود هذا التعافي. ناهيك بطبيعة الدور التنموي للدولة ومدى فاعلية سياساتها المالية والنقدية والتجارية.

وقد أصبحت قضية عدم المساواة إحدى القضايا المحورية على أجندة صانعي السياسات على المستويين المحلي والدولي منذ بداية الألفية. ومع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في إثر الأزمة المالية العالمية عام 2008 وما نتج منها من آثار اقتصادية شملت البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، أدرك المجتمع الدولي خطورة هذه القضية على النمو الاقتصادي على المديين المتوسط والبعيد، كما اتضحت أيضًا آثارها الاجتماعية والسياسية لما خلقته من فجوة بين قلة تمتلك الثروة والنفوذ، وكثرة لا تمتلك شيئًا، الأمر الذي حتّم على صانعي السياسات العالمية إدراج مكافحة اللامساواة ضمن أجندة التنمية المستدامة لعام 2030، إذ تضمنت هذه الأهداف أكثر من هدف متعلق على نحو صريح بعدم المساواة كالهدف 5 والهدف 10.

ناهيك بعدد كبير من الغايات التي تؤكد ضرورة مكافحة عدم المساواة بشتى صورها، كعدم المساواة في النوع الاجتماعي، أو في الدخل والثروة بين الأفراد داخل البلدان وفيما بينها. من هذا المنطلق، لم تعد قضية عدم المساواة ذات أبعاد وتداعيات اقتصادية فحسب، بل أضحت من التحديات الكبرى التي يبحث المجتمع الدولي عن سبل مواجهتها[2].

تعاني المنطقة العربية منذ زمن بعيد ضعفًا وهشاشة في النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، جعلا الكثير من مواطنيها يعانون تراجعًا كبيرًا في مستويات المعيشة، تزايدت معه المخاطر الناجمة عن الفقر والبطالة، وتصاعدت في إثرها حالة عدم المساواة. وذلك على الرغم من وجود ثروات طبيعية وبشرية، أهَّلت الكثير من بلدانها لتراكم فوائض كبيرة، إلا أن حالة عدم المساواة هي القاعدة لا الاستثناء. وفي ضوء تفشي جائحة كورونا، مثّلت تداعيات الوباء تحديًا إضافيًا للمنطقة التي لا تزال تعيش حالة من الاضطراب والصراع طويل الأمد.

نتيجة لذلك، تزايدت الحاجة إلى اتباع سياسات للتعافي الاقتصادي، تركز على الأبعاد المختلفة لمكافحة عدم المساواة، مع الأخذ في الحسبان محتويات مؤشر التعافي الاقتصادي من كورونا الصادر عن مؤسسة هوريزون (Horizon) عام 2020، الذي يركز على ثلاث ركائز متساوية الأهمية، هي القدرة الاستيعابية، والرشاقة الاقتصادية، والمرونة الصحية. يقيِّم المؤشر المذكور 122 دولة في مسيرة التعافي، بناءً على الخصائص التي تمتلكها البلدان، التي ستساعدها على تجاوز الأزمة والتعافي من تداعياتها، وكذلك على مرونتها الصحية الشاملة ونقاط القوة والضعف الهيكلية الموجودة مسبقًا في صميم قدرة الدولة على تحقيق التعافي. وقد حُددت هذه العوامل على أساس أبحاث نظرية وتجريبية حول النمو الاقتصادي، ومرونة الدول في التعامل مع الأزمات والاستجابة للأوبئة التي حدثت في حقب زمنية سابقة.

في ضوء ما تقدم، تحاول الدراسة الحالية الإجابة عن الأسئلة التالية:

كيف يمكن سياسات التعافي الاقتصادي أن تحد من عدم المساواة في الوطن العربي؟

ما هو واقع عدم المساواة في الوطن العربي؟

أين تقع البلدان العربية على مؤشر التعافي الاقتصادي؟

تفترض الدراسة أن السياسات المرتكزة على مؤشر التعافي الاقتصادي يمكنها أن تحد من واقع عدم المساواة في الوطن العربي. وهي تعتمد على المنهج الوصفي التحليلي لبيان أوجه عدم المساواة في الاقتصاد العربي وتحليل أهم المرتكزات اللازمة لتحقيق تعافٍ اقتصادي عادل وشامل..

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 532 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 532 حزيران/يونيو 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 532 في حزيران/يونيو 2023.

أحمد محمد صدقي: مدرس مساعد، قسم الاقتصاد، كلية التجارة، جامعة الزقازيق.

حازم حسانين محمد: باحث دكتوراه اقتصاد، كلية التجارة، جامعة بنها.

[1](*)      في الأصل ورقة قدّمت إلى: المؤتمر السنوي الثاني للعلوم الاجتماعية والسياسية للمؤسسات العربية البحثية المستقلة بعنوان: «التغيرات الدولية وتأثيرها على المنطقة العربية» الذي نظّمه مركز دراسات الوحدة العربية مع منتدى البدائل العربي للدراسات و«دار الخبرة» (العراق) و«مجلة قضايا سياسية» (كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين – العراق) و«المرصد التونسي للانتقال الديمقراطي» في تشرين الثاني/نوفمبر 2022.

[2]  إنجي محمد عبد الحميد، «أزمة النيوليبرالية: دوافع الاهتمام بقضية عدم المساواة في العالم،» مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 20 شباط/فبراير 2020، <https://bit.ly/3nx3PBP>.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز