– 1 –

[1]يفرض عنوان الدراسة توافر معلومات مُتقاطعة تنتمي إلـى حقول معرفية متنوعة ومتداخلة؛ لذا يستلزم الأمر الاستفادة من الرؤى المعرفية العميقة، إذ قد يكون الرّابط بين هذه الحُقول هو البحث عن العلاقات والتّقاطعات والتّباينات والتّفاعلات بين المفاهيم والبراديغمات من أجل بناء تصورات نظرية وعملية عن التّطبيقات المختلفة للرأسمالية. وتتجلى أهمية الدراسة في دراسة الأبعاد الفــلسفيـة والسياسية والقانونية، والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والأمنية والثقافية كأبعاد أساسية متداخلة من أجل فهم مسارات نقد الرأسمالية (من خلال مرحلة التفكير البدائي، والديني والوضعي… إلخ) وسبل تدمير المشترك الإنساني البيئي.

ومن أجل تعزيز فهم نقد هذه المسارات المختلفة، اعتمدت الدراسة على المقاربة التاريخية مع الأخذ في الحسبان تباين السياقات الاجتماعية والثقافية، وتمّ تدعيم هذا الفهم بالأداة التحليلية للموضوع. ومُجمل الدراسة يحركها التّساؤل التالي: محدودية الرأسمالية وفشلها في حماية المشترك الإنساني، بمعنى أن الرأسمالية عجزت عن تجاوز الأزمات المتتالية ولم تكن مستدامة في تدبير المشترك الإنساني. وتتمثل المفارقة بأن الليبرالية قد تكون جذّابة اقتصاديًا لكنّها تمثل في الوقت نفسه صدمة على المستويين الاجتماعي والبيئي.

تنظر الدراسة في تاريخ التّنظير للنّفعية (المنفعة، اللذة، السّعادة، أو اقتصاد الرفاهية) التي تجسدها المدرسة الإنكليزية ولا سيما مع جيريمي بنثـام (Jeremy Bentham)، وجيمس ميل (James Mill) الأب، وجون ستيوارت ميل (John Stuart Mill) الابن، ولا ننسى شكليات الفيلسوف الألماني إيمانــويل كـانـت (Immanuel Kant’s formalism)، وعدالـة الفيلسوف الأمريكي جون راولـز (John Rawls)، ومنظور الاقتصادي الهندي أمارتيا صن (Amartya Sen).

وظلّت قصّة النّشاط البشري بصورة لا يمكن تَفاديها بوجود التقنيات الحديثة، قصة لتدمير الطبيعة ومواردها، وتدمير المشترك الإنساني. لم تقتصر الثّورة الصناعية طبعًا على التّشيؤ الطبيعي للعامل، بل أكملت تطوره الطويل بمعنى تصور كل المخلوقات الطّبيعية شيئًا، بما في ذلك كل الكائنات التي تعَدّ في الحقيقة أُممًا مثل البشر تتمتع بالحقوق ولها أدوار في الطّبيعة تساهم في تَوَازنها. كما أن الأخذ في نظام حرية التجارة على أوضاع الاقتصاد العالمي كانت مُبررات استعمار شُعوب (العالم الثالث) بحجة إنقاذها من التخلف ولا تزال هذه التّمثلات حاضرة لدى «الرجل الأبيض المنقذ للبشرية والحامل لمشعل الحضارة».

اتبعت الثورة الصناعية في أواخر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر السّبيل نفسه تقريبًا في إنكلترا وفي الولايات المتحدة الأمريكية. وفي كلا البلدين سَبّبت قدرًا كبيرًا من الشّقاء الإنساني (16 ساعة يوميًا من الكدح الطّاحن، والقذارة، والفقر للعمال)، وتسوُّد السّماء بالدخان المنبعث من الآلات (تشارلز ديكنز، كارل ماركس) التي تُدار بالفحم (الطاقات الأحفورية)، إضافة إلى ضوضاء المصانع وسخامها.

 – 2 –

إن حقبة الوجود البشري، منذ الثورة الصناعية الأولى، تُجسد إفساد البيئة الطبيعية الذي هو أشد خطورة، ذلك بأن التجارة والبيئة عُدّتا أنهما في عداء بالضّرورة، فالتّجارة تبحث عن توفير النمو الاقتصادي وازدهار الأعمال الاستثمارية لفئة محدودة من البشر (الأنتروبوسين الغربي والكابيتالوسين)؛ وفي مقابل ذلك فالمُحافظة على البيئة الطبيعية سيضع نهاية لهذا النمو الاقتصادي اللامتناهي وتقليص دور المؤسّسة الاقتصادية (عنجهية السوق، واليد الخفية)، وبالتالي فقدان الوظائف والاستثمارات وتدنّي مستوى المعيشة.

ساهمت سياقات العولمة في إضعاف الدولة والثقافات والهويات المحلية في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية تاركة السّاحة فارغة للسّوق الحرة وقِوَاها الذاتية (العرض والطلب) التي «تضمن التوازن والاستمرارية والرّفاهية»، حيث كانت الحكومات والدول تطبق تعليمات ونصائح الاقتصاديين الليبراليين الذين كانوا ينثرون من حولهم وُعُودًا برّاقة تروم حول فكرة أن تحريـر السّـوق مـن القوانـين المنظمـة لـه (الدولة التّنظيمية كتعبير عن المذهب النيوليبرالي) سيحقـق المزيـد مـن الرفـاهيــة للشّعـــوب والأمم.

إن اقتصاد السوق المحرّر من القيود لم ينشأ على نحو عفوي وتلقائي، كما أنه لم يتبلور ويتكوّن بفعل مُؤامرة حَاكَتها، سِرًا، الشّركات العملاقة والمَصَارِف؛ إنه في المقام الأول الحصيلة التي أفرزتها قرارات سياسية كثيرة، قرارات لم يستطع كثير من المواطنين إدراك مغزاها والإحاطة بالأبعاد والتّداعيات التي تترتّب عليها.

انطلقت شرارة ووهج فتح الأسواق وتحريرها من الولايات المتحدة الأمريكية قلعة الليبرالية العالمية إلى بريطانيا العظمى ثُم إلى باقي بُلدان القارة الأوروبية، وشملت الدول الديمقراطية وبلدان الدول الناشئة. وقد تم تحويل العالـم إلى قريـة كونيـة واحدة تحت راية الاعتماد المتبادل الاقتصادي المكثف وتجاوز التّمايزات الثقافية والهوياتية المحلية. فقد باتت الحياة الإنسانية تنحو نحو «الكونية» بتأثير الثّورتين العلمية والتّقنية ومُستجداتها التكنولوجية، كالقنوات الفضائية والحواسيب والإنترنيت وسائر وسائل الاتصال (الحديثة) والشبكات الموجهة نحو دعم آليات السّوق. وقد فجّرت هذه العولمة صراعات عنيفة بين الثقافات والهويات في العالم التي تشقها اختلافات عميقة في مستوى أصولها التاريخية وتعبيراتها الثّقافية.

 – 3 –

لا يبدو أننا قادرون على التّوصل إلى فهم حقيقي لمشكلات الثورتين معًا، فهي تبدو واقعية وموضوعية بما فيه الكفاية، بصرف النّظر عن كونها ستثبت خطورتها (مجتمع المخاطر)، فلا بد من مُواجهتها والسيطرة عليها، فكل بيان للمشكلات ناهيك بكل الحلول المطروحة، يَبدو مصبوغًا بمسحة سياسية، أي جُزء من ثمة برنامج سياسي ليبرالي.

وفي هذه الحلقة المُفرغة (من الحُلول)، يَرى الاتجاه النيوليبرالي أن السوق تُدير نفسها بنفسها. لكن هذه «القاعدة» لا تأخذ في الحسبان الصّراع بين حاجات الطبقات والحرية في الاختيار لأن الاحتكار يُولد استبداد السّوق و«قوانينه»، فالكل قابل للتّسعير والبيع لأن الهدف هو تكديس المال وتعزيز الاستثمار.

إن الصّراع، لا التّعاون، هو ما يحكم العلاقات بين الأفراد والمجموعات، كحرب الكل ضد الكل (توماس هوبز)، وهو بمنزلة عماد العلاقات الاجتماعية؛ فاختيار الإنسان لرغبة ما أو رفضها يسير تبعًا لما تبثّه الرغبات من لذّة أو ألم (جون لوك)، ومن ثم كانت اللذة والألم عند لوك الدّافع والمحرك الأساسي للسّلوك الإنساني. وإن كان ما يحسب للوك إثارته الأخلاق قانون الله، وليس من وضع البشر. لكن يطرح سؤال: هل الكفاءة العالمية ترتبط بضرورة استفادة الجميع من مُخرجات العمليات الإنتاجية والتّسويقية، فالنّظام الليبرالـي لا يسمح إلّا بالتّنافس والمُزاحمة بين الأقلية الأوليغارشية (أي حُكم الأقلية) صاحبة الامتيازات المالية في التّجارة والفلاحة والصناعة والعقارات والملكيات؟

حين تغيب الرؤية والشفافية في الإدارة لا يمكن أن تستفيد إلّا الأوليغارشية، في المجال الفلاحي مثلًا: «التحسن في الإنتاجية لا يكمن في نمط الملكية ولإدارة مشاريع القطاع العام أو الخاص، إنما يكمن في إطار المنافسة وتحقيق مزاياه الاقتصادية أو أنه يشكّل حالة مشوَّهة تبتعد عن الحالة التّنافسية»[2].

 – 4 –

ظل ميلتون فريدمان (Milton Friedman) يُجادل طوال عقود بأن «المسؤولية الاجتماعية» الوحيدة لمؤسسات الأعمال هي أن تحقق أرباحًا. وإذا لم يُوافق المجتمع على ذلك ففي وسع المجتمع أن يَسُنّ القوانين التي تحدّ أنشطة مؤسّسات الأعمال، وسيضمن المدير المطيع في كل وقت أن هذه القوانين مطاعة.

وخلافًا لفريدمان وهايك (Hayek)، يُؤمن كينز (Keynes) إيمانًا أكيدًا بأهمية الدولة القوية القادرة على توجيه الاقتصاد الوطني؛ إنه من أنصار الدولة التي تتدخل لوضع حَدّ للكساد وإنعاش النّشاط الاقتصادي. ويرفض كينز الدولة المثالية المتسقة مع تصورات الليبراليين، إنه يرفض فكرة أن لا تتدخل الدولة في الشأن الاقتصادي، فهي بحسب رأيه مطالبة بأن تزيد من إنفاقها في عصور الكساد وأن تقلص هذا الإنفاق في حقب الازدهار. بهذا المعنى فالحكومة مُطالبة بأن تتعاون يدها مع اليد الخفية المنظمة لأنشطة الأسواق؛ مع وجوب التشديد على أن كينز اقترح سياسات الإنفاق العام على أن تُوازيها سياسات نقدية توسعية.

ومنذ وفاة فريدمان في عام 2006، تعالت الانتقادات الموجهة إلى نظرياته المتحيزة وبخاصة من طرف بول كريغمان (Paul Krugman) الاقتصادي الأمريكي الحائز جائزة نوبل في عام 2007، الذي يقول، إن فريدمان قد تسبب في خلق أخطاء سياسية عظيمة الخطر.

عمومًا، يعرف عن النظام الليبرالي أنه نظام توسعي إمبريالي بامتياز، لذلك يحاول أن يستوعب كل أزمة والاستفادة منها؛ فهو نظام أزمات يُحاول أن يتكيف بسرعة فائقة فيستدعي الدولة للتدخل عاجلًا أما في حالة (الرفاهية إن وُجدت) فيسارع في المطالبة بأقل من الدولة (Less State).

 – 5 –

إن النظرية الليبرالية التي تُعلي من دور السّوق قد قادت، في عقود الأزمنة المُنصرمة الفائتة، إلى كارثة عظيمة فعلًا؛ فالدولة الضّعيفة ما كانت لتتوافر لها الوسائل الضرورية والأساسية من أجل مواجهة القوة العظيمة التي باتت الشركات والصناعات تتمتع بها، وتحوّلت السياسة إلى فريسة تتلقفها أيادي مجموعات تُدافع عن مصالحها الخاصة بما تمتلك من نفوذ وجبروت عظيمين، كانت قد تحوّلت إلى دُمية تحركها السّوق على النحو الذي يروق لها.

ربما لا نُبالغ في رسم صورة قاتمة للوضع الاقتصادي الذي ما فتئ يتنكر للمساواة وتوزيع الفُرص والثّروات والإمكانيات من أجل بناء القُدرة Capability)) (أمارتيا صن) بل عمّق الوضع الاقتصادي من تكلفة اللامساواة (جوزيف ستيغليتز( وأصبحت فئة قليلة تتحكم في دواليب السيطرة على الموارد الطبيعية بينما أضحى (البقية) يعيشون على هامش مُعادلة الربح وتراكم رأس المال.

آمنت مارغريت تاتشر بوجود الفرد وعدم وجود المجتمع كإشارة إلى الدور الحاسم لإشباع نزوات الفرد الجامح والباحث عن المصلحة الفردية بامتياز. لذلك عمدت إلى خصخصة كبرى الشركات البريطانية (سكك الحديد البريطانية، والبريد الملكي، وشبكة الهاتف والشركات العاملة في مجال الفحم) وبيعها لمستثمرين أجانب، كما باعت عدة شركات وطنية كبرى مثل اتصالات بريطانيا وشركة رولز رويس لصناعة السيارات الفاخرة، والخطوط الجوية البريطانية.

رأى رونالد ريغان من جهته، وهو الذي أنشأ تحالفًا استراتيجيًا مع تاتشر في بريطانيا، في خطاب تنصيبه الشّهير لسنة 1981، أن الحكومة ليست هي الحل للمشكلات[3]، بل هي نفسها أصل المشكلة. إن سياسة الخصخصة التي نفّذها هلموت كول، قلبت رأسًا على عقب، التطور الذي ضربت جذوره في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي احتفظت خلاله الدولة لنفسها بملكية الكثير من الشركات وضربت عرض الحائط ما كانت تُقره أحزاب الدولة من أن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج يجب أن تحظى بحماية الدولة ورعايتها، ما دامت لا تعيق خلق نظام اجتماعي عادل. وقد اتخذت النقابات العمالية والجناح اليساري في الحزب الاشتراكي موقفًا مناوئًا لشرودر لم يفلح في السيطرة عليه إلّا بعد جُهد جهيد.

 – 6 –

لجأت «الليبرالية المعاصرة على نحو متزايد إلى فرض النظام الليبرالي من خلال مرسوم سياسي، وبصفة خاصة في شكل الدولة الإدارية التي تُديرها أقلية صغيرة يمقتون الديمقراطية بقدر متزايد».

وفي المجال الثقافي تمكّنت العولمة المدعومة بتكنولوجيا الاقتصاد والمعلومات من إزالة الحدود التي تتحصّن خلفها الشّعوب والأمم، مُستبيحة المجال الثقافي الذي يَتّسِم بالخُصُوصية والتفرّد، ودفعت بالسكان المحليين إلى الانخراط في الفعل الثّقافي المعولم وتبنّي الثقافة السائدة.

لم تعد الطّبيعة تلك الأسطورة القوية التي قهرت الإنسان وبرهنت له دائمًا على حدود سلطته، بل صارت شيئًا هشًّا ومهددًا من جانب الإنسان والتكنولوجيا، وهي لا تستطيع الدّفاع عن نفسها مثل أي كائن بشري، لذلك فهي موضوع مسؤولية الإنسان، عليه أن يحميها من الخطر ويُحافظ عليها لمصلحة الأجيال المقبلة وحاجاتها المستدامة. لقد ظلت البيئة الطبيعية دومًا موطنًا لنا، ومصدرًا لكل حاجياتنا ومصالحنا الآنية والبشعة. ولم يتضح سوى الآن، أن بعض الأنشطة البشرية لها تأثير مُدمر على البيئة، وهو ما قلب معادلة تعامل الإنسان مع البيئة ليس من موقع التّفوق ولكن من موقع الخوف على مصير الإنسان ذاته.

دهمت الأزمة المالية مجتمعًا مُتداعي الأسس، فالأواصر التي توحد فئاته المختلفة أمست قاب قوسين من التّفتت؛ لقد ضاعت القوة التي تَشُدّ هذه الفئات بعضها إلى بعض. فالتّباين بين الواقفين في أعلى السلم الاجتماعي، والواقفين في أدناه في تزايد مُتواصل. ففي حين يَفِرّ الأغنياء بأموالهم بلا انقطاع، تضمُر الطبقة الوسطى على نحو متواصل، ويعجز الفقراء عن اللحاق بركب المجتمع. فأولئك الأفراد، على وجه الخصوص، الذين يمتلكون المال والثروة أصلًا، انتهزوا جنون أسواق المال وازدادوا غنى، أكثر فأكثر، فهم كانوا قد دأبوا على استثمار أموالهم في أسهم الشركات وما سوى ذلك من الأوراق المالية. وكانوا قد كسبوا الربح الوفير من ارتفاع أسعار العقارات ارتفاعًا عظيمًا؛ وبعبارة واحدة: بينما دأب هؤلاء الأفراد على تنمية أرباحهم ومكاسبهم، دأبت حصة الأجور من الدخل القومي، على مُواصلة انخفاضها في كل دول الاتحاد الأوربي تقريبًا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا.

 – 7 –

إن الدّرس الأساسي الذي تُعلّمنا إياه جائحة كورونا، مرة أخرى، هو أن النيوليبرالية لا تجدي نفعًا في أوقات الأزمات، وعلى الرغم من أنها هي نفسُها قد تقود دومًا إلى أزمات، فإنها سُرعان ما تستفيد منها في نهاية المطاف، وتستعيد عافيتها، إلى أن تأتي أزمة جديدة، وهكذا دواليك. وعلى مدار أكثر من 30 سنة أو أكثر وُجد المناصرون والرافضون للعولمة. وفي ظل جائحة كوفيد 19 تحدثت بعض الأصوات عن نهاية الاعتماد المتبادل الاقتصادي بين الدول وبالتالي تراجع تدفقات العولمة والبحث عن التقوقع لكن لمواجهة المشاكل ذات الطبيعة الكونية.

بوجود رفض عارم من مناهضي العولمة لمؤسّسات العولمة ولا سيما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظمة العالمية للتجارة، إضافة إلى محاولة تجاوز فخّ العولمة؛ ظهرت مبادرات جوهرية من أجل النظر في الحاجة إلى تفكيك العولمة وتحريرها[4] وإيجاد بدائل لها. وقامت المنظمة العالمية للشغل من جهتها بإحداث لجنة أطلق عليها «اللجنة العالمية في شأن البعد الاجتماعي للعولمة» في عام 2002، وهي لجنة مستقلة مهمتها الأساسية الكشف عن مختلف أوجه العولمة والتصوّرات في شأن ذلك، والنظر في تداعيات العولمة على التطورين الاقتصادي والاجتماعي.

لا شك في أن الليبرالية الجديدة تهدف إلى عولمة التّبادل وتفتيت الدول واستغلال ثرواتها الطبيعية من أجل خدمة أغراض النمو الاقتصاد اللامتناهي. إنه منطق الشركات المتعدّدة الجنسيات التي تلتهم الأخضر واليابس من أجل الإبقاء على المزاحمة الشّرسة. وبدا كأن الليبرالية الجديدة هي والعولمة توأمان من حيث السّعي المتوافق لتكريس هيمنة السّوق العالمية، حيث غَابَ عن دُعاتها أنهم بهذه القناعة المضللة قد حقنوا «العولمة الجيدة» بجرثومة سوداوية حولتها إلى «عولمة سيئة»، كما هي طبيعة الليبرالية الجديدة المهيمنة حاليًا.

وبدا أيضًا أن الليبرالية الجديدة قد بلغت ذروتها وأوجها، وأن منافعها ومصالحها الضيقة المزعومة أصبحت أكثر عرضة للتساؤل والتشكيك والتفكيك، وأن عقيدتها الأيديولوجية تتزعزع وتتعرّض للتّحديات من مصادر مختلفة ومن كل حقول المعرفة (الفلسفة، علم الاجتماع… إلخ). فالدليل العملي الداعم للنيوليبرالية مآله الفشل في الدول الغنية، والدول النامية على حدّ سواء.

كما أن صيحات العدالة الاجتماعية والعدالة البيئية هي صيحات ضد الظلم وتحرير التجارة اللامكتافئ وتوسيع منطق رأس المال ونفوذ الشركات المتعددة الجنسيات وردّ الاعتبار لإشكاليات الديون والأزمة المناخية والمعضلة البيئية وخُدعة الاتجار في الكربون وسوق الكربون وما شابه ذلك. وبالعودة إلى ملف المفاوضات المناخية، كان من واجب مفاوضي المناخ أن يعرفوا أن تجارة الكربون هي بمنزلة مهزلة ليس من شأنها أن تفعل شيئًا للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري. ما كان حافزًا يهدف إلى توفير الاستقرار والأمن للمستثمرين في الطاقة النظيفة أصبح على عكس ذلك. ورغم أن انخفاض سعر الكربون وانهياره كان عديم الفائدة لتحفيز الاستثمار في البدائل الممكنة.

إن التغيرات المناخية قضايا ترتبط بمصير الجنس البشري وبقائه في قيد الحياة والمشترك الإنساني. مع ضرورة الأخذ في الحسبان اختلاف وتمايز الأنساق الثقافية والسياسية ومسلسل التصنيع (التاريخي) بين الدول الصناعية والدول غير الصناعية.

السؤال المطروح، إذًا، هل نقوم بتكديس التّراكم الرأسمالي أم من واجبنا احتواء التدمير البيئي؟ مع العلم أن المخاطر العالمية البيئية بطبيعتها تتحدى القوميات وتقفز على الحدود الوطنية والسياجات. فهل هو إفلاس في نقد مسارات الحداثة ووضع الإنسانية في مواجهة النيوليبرالية؟ قد يكون الحل هو اقتصاد الشأن الإنساني لحماية المشترك بين الأمم والشعوب، والتوزيع العادل للثروة واستدامتها للأجيال المقبلة.

للحصول على الكتاب موضوع الدراسة تفضلوا بالضغط على الرابط:

تفكيك الرأسمالية: بحث في تقويض المشترك البيئي الإنساني

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 529 في آذار/مارس 2023.

الحسين شكراني : أستاذ القانون الدولي، جامعة القاضي عياض،

وعضو في الجمعية الروسية للقانون الدولي البحري.

عبد الرزاق بلمير: إطار سابق في عدّة وزارات بالمغرب.

[1](*)      في الأصل تمثّل هذه الدراسة خلاصة الكتاب الذي صدر للمؤلفين حديثًا عن مركز دراسات الوحدة العربية تحت العنوان نفسه.

[2]  سالم توفيق النجفي، «سياسات الأمن الغذائي العربي: الركود في اقتصاد عالمي متغيّر،» المستقبل العربي، السنة 36، العدد 416 (تشرين الأول/أكتوبر 2013)، ص 12.

[3]         «Inaugural Address,» <https://bit.ly/2UKWUoF> (accessed 8 April 2020).

[4]           Mahdi Elmandjra, «The Need for Deglobalization of Globalization,» in: Chris Pierson and Simon Tormey, eds., Politics at the Edge: The PSA Yearbook 1999 (London: Palgrave Macmillan, 2000), pp. 29 – 39, and Jacques Sapir, La Démondialisation (Paris: Seuil, 2011).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز