تعتمد هذه الورقة على فرضية أساسية تقول إن الوحدة العربية سيرورة (Process)، أي أنها ليست أسيرة صدور قرار كي تتحقق، ولكنها عملية تراكمية في الوعي أولًا، وفي الواقع العملي ثانيًا، ومن ثم فإن تحقيقها بحاجة حتمًا إلى عمل نضالي شعبي أولًا، وديمقراطي ثانيًا، أخذًا بمنهجية التحدي والاستجابة للتحديات المختلفة التي تستهدف انفراط الرابطة العربية بدعوة تفتيت الدولة الوطنية العربية، بقدر ما تستهدف تشويه الوعي العروبي والنيل من الهوية العربية الجامعة، للحؤول دون بلورة مشروع عربي للنهضة، وانتهاء بفرض استقطاب إقليمي يقوم على أنقاض الهوية القومية العربية أولًا، والهويات الوطنية العربية ثانيًا ويؤسس على هويات فرعية عرقية ودينية وطائفية يسهل السيطرة عليها في نظام يقوده كيان الاحتلال الإسرائيلي تحت الوصاية الأمريكية.

انطلاقًا من هذه الفرضية نستطيع أن نقول إن الوحدة العربية لا يمكن أن تتحقق تلقائيًا، ولا بمجرد عمل دعَوي تبشيري رغم أهميته القصوى، ولكنها تتحقق بتراكم العمل النضالي الشعبي والديمقراطي والمتواصل انطلاقًا من رؤية استراتيجية تعكس جدارة الإبداع العربي والاستراتيجى العربي.

تحتاج هذه العملية النضالية التراكمية إلى مؤشرات لقياس مستوى التطور في الأداء الشعبي والمؤسسي من عام إلى عام لنعرف هل نتقدم في طريقنا الوحدوي ومشروعنا الوحدوي أم نتراجع، وما الأسباب كي نعمل على تطويرها في حالة التقدم وكي نعمل على تجاوزها في حال التراجع.

سوف نحدد في هذه الورقة ثلاثة مؤشرات للقياس هي:

حال الدولة الوطنية العربية هل إلى مزيد من التماسك الوطني أم إلى مزيد من التفتيت والتراجع.

حال العلاقات العربية – العربية، أي العلاقات بين البلدان العربية هل هي علاقات تعاونية أم صراعية، أم تنافسية.

فاعلية النظام العربي من خلال دراسة أداء جامعة الدول العربية، وبالتحديد مؤتمرات القمة العربية وما يصدر عنها من قرارات وتوصيات، وانعكاسات ذلك على العمل العربي المشترك، وعلى الأخص بالنسبة إلى الموقف من قضيتين محوريتين الأولى هي القضية الفلسطينية وفعالية الموقف العربي من هذه القضية، والثانية هي الموقف من الاستقطاب الإقليمي والضغوط الأمريكية للتأسيس لنظام أمن إقليمي جديد تسيطر عليه إسرائيل ويخضع للسيطرة الأمريكية تحت مسمى «الناتو العربي».

أولًا: مؤشر حال الدولة الوطنية العربية

منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 تخضع الدولة الوطنية العربية لمخططات مكثفة لتفكيكها؛ فقد ارتبط هذا الغزو بمفاهيم ورؤى استراتيجية أمريكية كدعوى «الدولة الفاشلة» التي أعقبت تفجيرات نيويورك وواشنطن عام 2001، وركزت على توصيف بلدان عربية بأنها «فاشلة» لسبب مركزي هو أنها «دول غير متجانسة عرقيًا ودينيًا وطائفيًا» وأن الحل يكمن في إعادة تقسيمها إلى دويلات عرقية وطائفية ودينية، ومفهوم «سايكس – بيكو» جديدة تحدد معالم إعادة التفكيك والتقسيم للدول العربية، ثم ظهرت دعوة «الشرق الأوسط الكبير» كغطاء للغزو الأمريكي – البريطاني للعراق وللتأسيس لنظام إقليمي جديد مفرغ من الهوية القومية العربية على أنقاض النظام الحالي الذي تأسس عام 1945، ويضم تلك الدويلات والكيانات الطائفية والعرقية وتقوده إسرائيل. ورغم إفشال المقاومة العراقية لخطة «الشرق الأوسط الكبير» إلا أن ما ترتب على الانتفاضات الثورية عام 2011 وما بعدها أدى إلى إعادة تفعيل هذه المخططات، التي تلاقت مع دعوة «الشرق الأوسط الجديد» التي ولدت من رحم العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 واستهدفت فرض معادلة إقليمية جديدة واستقطاب إقليمي جديد يشعل الصراع السني- الشيعي، ويباعد بين العرب وإيران والدعوة إلى تحويل إيران إلى عدو إقليمي ومصدر للتهديد لدعم خطة التطبيع العربي – الإسرائيلي وتقزيم القضية الفلسطينية من قضية مركزية إلى قضية هامشية في النظام العربي.

هذه الخطة ما زالت مستمرة، ولقد عانت الكثير من الدول الوطنية العربية تدخلات خارجية وحروب داخلية استهدفت إحداث التغيير الذي يتمشى مع مخطط التطبيع العربي – الإسرائيلي ويوجه ضربات قوية لآمال تحقيق الوحدة العربية. ولم يخرج عاما 2021 و2022 عن هذا السياق، حيث إن جوهر التفاعلات التي شهدتها الدولة الوطنية العربية خلال هذين العامين كان أزمات متعثرة وتدخلات خارجية إقليمية ودولية، وعجز النظام العربي عن القيام بدوره كفاعل في حل هذه الأزمات. فقد استمرت التفاعلات في شأن الأزمات الممتدة من السنوات السابقة بأشكال ومستويات مختلفة، تعلق بعضها بأزمات ما يعرف بـ «المرحلة الانتقالية» للأزمة الأساسية في الدول التي شهدت محاولات لحل الأزمات مثل السودان التي كانت تقف في منتصفها، قبل أن تنتكس، بكل أسف مرة أخرى وعلى نحو أسوأ هذا العام وهو يقترب بالأزمة إلى مرحلة «الحرب الأهلية»، ثم ليبيا التي شهدت عامي 2021 و2022 محاولات متعددة للخروج من الأزمة وإجراء الانتخابات التي تعثرت واستمرت التوترات الأمنية بسبب تصادم مصالح القوى الخارجية الإقليمية والعربية والدولية. أما تونس فقد نجحت بدرجة ملحوظة، للخروج من عنق الزجاجة بعد الاستفتاء على الدستور الجديد وإن كانت لا تزال تعمل جاهدة من أجل التأسيس لنموذج سياسي جديد، رغم عنف الأزمة الاقتصادية وشروط القوى الدولية لتقديم المعونات.

كما شهد عاما 2021 – 2022 احتدام صراع الهويات الوطنية تحت ضغوط الهويات الفرعية العرقية والطائفية، جنبًا إلى جنب مع كثافة التدخلات الخارجية، كما هي الحال في الأزمة اللبنانية والحالة العراقية. فعلى الرغم من جهود حكومة الكاظمي ومن بعده السوداني للحدّ من سطوة الطائفية السياسية وانعكاساتها على توازن القرار الوطني، سواء في العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية أو لجهة الخيارات الوطنية السياسية، فإن العراق ما زال محاصرًا بهاتين العقبتين الطائفية السياسية في مواجهة المشروع الوطني والهوية الطائفية في مواجهة الهوية الوطنية الجامعة، والقرار الوطني المستقل في مواجهة الانقسام الداخلي حول العلاقة مع إيران وأمريكا.

الصورة في لبنان أشد فداحة حيث إن هذين المتغيرين: الصراع والانقسام الوطني الطائفي وعمق التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية، وصلت إلى درجة «شلل المؤسسات» والأزمة الاقتصادية غير المسبوقة. وصلت الأزمة الاقتصادية إلى ذروتها عام 2021 مع بلوغ أزمة عجز الدولة عن توفير المحروقات اللازمة للتشغيل، وامتدت إلى عام 2022 وكان الأمل أن تحدث الانتخابات النيابية في أيار/مايو 2022 وصولًا إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية وانفراج الأزمة السياسية، إلا أن أيًا من هذين لم يحدث للأسباب نفسها التي ما زالت تدفع بالدولة الوطنية في لبنان إلى مزيد من الانتكاس.

نأتي إلى النموذج الثالث الذي يجمع بين عنف التدخل العسكري – الأمني الداخلي، وعمق الانقسام، بل انشطار الدولة إلى حكم أو نظام ومعارضة؛ تعكس حالتا سورية واليمن بعمق هذا النموذج. التدخل الخارجي الأمني الدولي والإقليمي الذي تحول إلى تدخل عسكري أضاف إلى المشهد تعقيدات كبيرة. تعبِّر سورية بدقة عن هذا النموذج ومن بعدها اليمن. اللافت للنظر أن النظام العربي انقسم على نفسه في سورية واليمن بين داعم للحكم وداعم للمعارضة، لكن رغم استمرارية التفاعلات نفسها وتعثر محاولات حل الأزمتين، إلا أن عام 2022 تميز عن عام 2021 بدرجة أعلى من أفق الانفراج في الأزمتين وإن كانت سورية شهدت تهدئة في عمق ضغوط العامل الإقليمي والعربي (محاولات للمصالحة السورية – التركية بوساطة روسية وإيرانية) خلاف اليمن، الذي ظل العامل الإقليمي مؤثرًا بدرجة ملحوظة طوال أشهر عام 2021. لكن عام 2022 كان بداية انفراج حقيقي في العامل الإقليمي سواء بتفاهمات تركية مع إيران وروسيا والسعودية والإمارات بخصوص الأزمة السورية، أو بتفاهمات إيرانية- سعودية أخذت تدفع نحو التهدئة في اليمن. لكن عنف الانقسام والصراع الدولي الأمريكي – الروسي، كما هو واضح بخصوص الأزمة الأوكرانية أدى إلى تكثيف المواجهة الأمريكية- الأطلسية ضد تحالف روسيا مع سورية، هذا الاستقطاب أخذ يتفاقم مع ظهور تفاهمات عربية بإعادة دمج سورية عربيًا وعودتها إلى جامعة الدول العربية، على نحو ما حدث هذا العام (2023) الأمر الذي رفضته أمريكا بعنف وأيدتها كذلك دول أوروبية تعرف بأنها «شريكة في التحالف الدولي في سورية».

بهذا المعنى نستطيع أن نقول إن الدولة الوطنية العربية أضحت مأزومة باستثناء عدد محدود، وبخاصة دول مجلس التعاون الخليجي وباقي دول المغرب العربي ومصر، لكن حتى هذه الدول لها أيضًا مشاكلها الخاصة، ومن ثم بات الجميع معزولًا عن النظام العربي وعن قضية فلسطين، وباتت آلام فلسطين تعاني داخل دول عربية أخرى.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 538 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 538 كانون الأول/ديسمبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 538 كانون الأول/ديسمبر 2023.

محمد السعيد إدريس: مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

[1]      في الأصل ورقة قدمت إلى المؤتمر القومي العربي الثاني والثلاثين بتاريخ 30 – 31 تموز/يوليو 2023.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز