مقدمة

لطالما كان يُنظر إلى السيادة، كما اقترحها الفيلسوف الفرنسي جان بودان، «كسلطة الحاكم المطلقة في اتخاذ القرارات النهائية»، وبوصفها مفهومًا مركزيًا لفهم السياسة، وتعني أيضًا «السلطة التي تتمتع بها هيئة حاكمة لحكم نفسها بنفسها، متحررة من أي تدخل من مصادر أو هيئات خارجية»‏[1]. وقد أعاد جان جاك روسو صوغ المفهوم مركّزًا على السيادة الشعبية بدلًا من السيادة الملكية‏[2]، ومع مرور الوقت، أصبح المفهوم مرتبطًا بالديمقراطية وسيادة القانون والإقليمية (الأرض أو الحيز الجغرافي). اليوم تعني السيادة دائمًا في المقام الأول استقلال الدولة في مواجهة الدول الأخرى (السيادة الخارجية)، وممارسة سلطاتها العليا في السيطرة على جميع السلطات داخل إقليم الدولة (السيادة الداخلية)‏[3].

من الأمور الجوهرية في كل هذه المعاني التحديد الجغرافي، أي حصر السيادة في إقليم محدد، وهو ما يعَدّ شرطًا وظيفيًا أساسيًا لممارسة السلطة بفعالية. والسيادة بهذا المعنى هي الميزة التي تُميز الدولة من غيرها من الكيانات السياسية وغير السياسية، فهي المعيار القانوني والسمة التي يُعترف من خلالها بوجود الدولة، لذلك فالتأكد من وجود المعيار القانوني مسألة شديدة الأهمية قبل النظر في المظاهر الأخرى التي تنبع منها‏[4].

مع ذلك، فإن مبدأ السيادة، الذي ترسخ تاريخيًّا بوصفه ركيزة أساسية لمفهوم الدولة الحديثة وأداة تمكنها من ممارسة سلطتها حصريًا داخل حدودها الجغرافية، أخذ يتآكل تدريجًا نتيجة تحولات عميقة طرأت على النظام الدولي، وبسبب تزايد دور الجهات الفاعلة غير الحكومية ومكانها وتعقيد الترابط عبر الحدود، وهو ما أدى إلى تحوُّل السيادة من إطارها المطلق إلى فضاء نسبي، بحيث تُقاس القدرة السيادية بمدى فعالية الدولة في التكيف مع هذه التغيرات. من أهم العوامل التي ساهمت في تفاقم هذا التحدي للسيادة التقليدية هو التحول الرقمي الهائل، الذي لم يعد مجرد تطور تقني بل أصبح قوة لإعادة تكوين السلطة وحدودها وممارساتها.

رغم محاولات الجهات الحكومية السيطرة على مجالها الرقمي وتأكيد سيادتها، فإن مبادئ الإقليمية، والبنية الهرمية للسلطة داخل الدولة، تبدو متعارضة مع طبيعة عمل الشبكات الرقمية العالمية المرنة والمتغيرة باستمرار. علاوةً على ذلك، خلقت التطبيقات الرقمية وممارسات الاتصال زخمًا بدا أنه يتحدى الحوكمة والسيطرة القانونية. لذلك، فإن نمو الشبكات الرقمية في التسعينيات جعل من اختفاء الدولة سيناريو مطروحًا‏[5]. وقد تم تجسيد ذلك بصورة واضحة في إعلان جون بيري بارلو (John Perry Barlow) الجريء لاستقلال الفضاء الإلكتروني‏[6].

لا تقتصر سلطة الشركات الرقمية على إخضاع مجتمع المستخدمين لقوانينها، بل هي اقتحمت مجالات جديدة كانت حتى الأمس القريب حكرًا على الدولة؛ فقد أصبح في إمكان هذه الشركات الحصول على بيانات الأفراد والشركات في مختلف بلدان العالم، واستغلالها لتوليد قرارات اقتصادية وتجارية، بل واستخدمها لأهداف سياسية وانتخابية. كما تحاول هذه الشركات مزاحمة الدولة في وظائفها التقليدية مثل سك العملة وفرض الضريبة التي تعدُّ من السمات السيادية للدولة، وهو ما يثير التساؤل حول المقاربة الويستفالية للعلاقات الدولية.

يطرح هذا الموضوع إشكالية أساسية تتعلق بمدى قدرة الدولة القومية على حماية سيادتها ووظائفها الأساسية في مواجهة القوة الاقتصادية والسياسية المتزايدة للشركات الرقمية العالمية، التي لم تعد مجرد جهات فاعلة اقتصادية، بل أصبحت أدوات نفوذ جيوسياسي للقوى العظمى في المجال الرقمي.

تنبثق أهمية الدراسة من الحجم الهائل للبيانات المخَزّنة داخل خوادم (Servers) متموضعة في الدول ذات النفوذ العالمي، الذي يمكن استخدامه لأغراض تجارية واقتصادية مشروعة، كما يمكن توظيفه لأهداف سياسية ودعائية مُضِّرة بأمن الدولة الداخلي والخارجي، وبمشاريعها الاقتصادية.

يتحدد الإطار النظري للموضوع من خلال دراسة العلاقة بين مفهومين أساسيين، وهما: «السيادة» و«القوة»؛ فلا يمكن أن نفهم المتغيرات الطارئة على مفهوم «السيادة» من دون ربطها بمفهوم «القوة». فإذا كان مفهوم السيادة قد انتقل من المعنى التقليدي الذي يعني سلطة الحاكم المطلقة في اتخاذ القرارات النهائية داخل حيز جغرافي محدد إلى معنى آخر يربط ممارسة الدولة لسيادتها بسيطرتها على مجالها الإلكتروني، فإن هذا التغيير هو نتيجة طبيعية لتغّير مفهوم «القوة». فالقوة كما عرَّفها جوزيف ناي تنقسم إلى قوة صلبة، وقوة ناعمة، وعرّف هذه الأخيرة بوصفها «القدرة على الحصول على ما تريد من طريق الجاذبية بدلًا من الإرغام أو دفع الأموال»‏[7]، ويقدم في الكتاب نفسه تعريفًا للقوة بوصفها مفهومًا متغيِّرًا، ويعدّها «القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج التي يتوخاها المرء»‏[8].

يرى ناي أن مفهوم القوة هو بالتالي موضوع «مكوِّن إلكتروني» يُعرَّف بأنه «قدرة الجهة الفاعلة على استخدام الفضاء الإلكتروني لخلق استراتيجية المزايا والتأثير في البيئات التشغيلية الأخرى، عبر مجموعة كاملة من أدوات الطاقة»‏[9]. لذلك فإن بناء الفضاء الإلكتروني وتوسُّعِهِ المتزايد أدى إلى خلق ناقل جديد للقوة يمكن الدول من خلاله التعبير عن قوتها وإبرازها.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية، وهي أنّ استخدام التكنولوجيا الرقمية، بوصفها ناقلًا جديدًا للقوة في العلاقات الدولية، يهدِّد سيادة الدول الأقل قوة في المجال الرقمي، كما يخدم الأهداف الجيوسياسية والاقتصادية للقوى الدولية الكبرى في المجال الرقمي.

تعتمد هذه الدراسة المنهج الكيفي/النوعي لدراسة سلوك الشركات الرقمية من خلال تصريحات مالكيها والتقارير الدولية والاستخبارية المنشورة، وكذلك من خلال الدراسات السابقة والملاحظة. كما سترصد مواقف الدول وردود أفعالها تجاه مخططات هذه الشركات، لمحاولة تقديم تفسيرات شارحة لمدى قدرتها على تهديد سيادة الدول الداخلية وتوجيه سلوكها الخارجي.

تحاول هذه الورقة البحث في كيفية تأثير شركات التكنولوجيا الرقمية في سيادة الدول، سواء من خلال وضع ضوابط على حرية التعبير؛ أو من خلال رصد تداعيات امتداد نفوذ هذه الشركات إلى مجالات كانت تدخل إلى عهد قريب في نطاق السلطان الداخلي الحصري للدولة، بل وتعدّها من أهم أدواتها السيادية، ومن هذه المجالات: السيادة على البيانات؛ أو من خلال صك العملات النقدية الوطنية؛ أو من خلال إدارة الانتخابات. كما تسعى هذه الدراسة إلى استشراف الأدوار المستقبلية لهذه الشركات الرقمية كفاعل جديد في العلاقات الدولية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 568 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 568 حزيران/يونيو 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 568 في حزيران/يونيو 2026.

محمد الوادراسي:

أستاذ مساعد، جامعة ابن زهر – أكادير في المغرب.

الصورة من “غيتي”.

[1] Pierard Denis, «Souveraineté,» Quaderni, no. 63 (Nouveaux mots du pouvoir: fragments d’un abécédaire) (printemps 2007), pp. 87-88, <https://bit.ly/4dMcLIi> (accessed on 1 juin 2024).

[2] Jean-Jacques Rousseau, Du contrat social:Discours sur l’origine de l’inégalité (Paris: Booking International, 1996), livre I, chapitre IX, pp. 33-36.

[3] Julia Pohle and Thorsten Thiel, «Digital Sovereignty,» Internet Policy Review (17 December 2020), <https://bit.ly/3Z8G4jx> (accessed on 1 juin 2024).

[4] Emma Ollivier, «Les Réseaux sociaux sont-ils en passe de devenir des États?,» Les Cahiers Portalis, vol. 1, no. (2022), p. 216.

[5]         Pohle and Thiel, Ibid.

[6] John Perry Barlow, «A Declaration of the Independence of Cyberspace,» Electronic Frontier Foundation, <https://www.eff.org/fr/cyberspace-independence> (accessed on 12 May 2024).

[7] جوزيف س. ناي، القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية، ترجمة محمد توفيق البجيرمي (الرياض: دار النشر العبيكان، 2007)، ص 12.

[8] المصدر نفسه، ص 20.

[9] ورد في:        Vincent Joubert, «La Géopolitique des GAFA,» A.F.R.I, vol. 18 (2017), p. 960.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز