مقدمة

إن السمة المميزة للعصور الوسطى هي سيادة النقل على العقل، حيث كان النص الديني بمنزلة البراديغم الذي يشتغل الكل تحت مظلته، سواء الفلاسفة أو علماء الكلام، فالكل يعمل على تكييف مقتضيات العقل مع ما جاء به الوحي، لا القضايا الدينية فحسب وإنما حتى القضايا الفلسفية والعلمية، حيث مثّل النص الديني المعيار أو المقياس الذي يلجأ إليه الفيلسوف للتأكد من صحة المعارف التي توصّل إليها. ففي هذا السياق عاش الفيلسوف الأندلسي ابن رشد الذي رغم كونه ابن العصور الوسطى ورغم كونه فقيهًا لكنه تمكن من أن يشيد لنفسه منهجًا أحدث به قطيعة مع المنهج النقلي السائد، سواء في المشرق أو في المغرب، منهجًا عمل من خلاله على تكييف معطيات النقل مع مقتضيات العقل، إنه المنهج العقلاني في مقاربة القضايا الدينية والعلمية، الميتافيزيقية والفيزيقية، حيث تبنى نزعة عقلانية واضحة، وكأننا أمام فيلسوف ينتمي إلى القرن الثامن عشر.

سوف نحاول في هذه المقالة إبراز معالم النزعة العقلانية عند ابن رشد وذلك من خلال الاشتغال على بعض القضايا التي شكلت محور اهتمام الفلاسفة وعلماء الكلام في العصور الوسطى، قضايا خصها فيلسوف قرطبة ومراكش بالعناية وبالاهتمام، قضايا تنتمي إلى مجالين مختلفين، مجال الإلهيات ومجال الطبيعيات. في المجال الأول سنعرض لقضية قِدم العالم، وهي من القضايا التي كفّر فيها الغزالي الفلاسفة، وقام ابن رشد بالرد عليه، مبرزًا أوجه الضعف في موقف الغزالي، وقضية المعجزة، التي عالجها ابن رشد بصورة مختلفة عن طرق علماء الكلام وتعاطي الفلاسفة السابقين. أما في المجال الثاني (الطبيعيات) فسنعرض لقضية السببية وهي من بين القضايا التي بدع فيها الغزالي الفلاسفة، ورد عليه ابن رشد مدافعًا عن السببية والترابط الضروري بين الظواهر، ثم سنبرز النزعة العقلانية عند ابن رشد في مسألة البعث أو المعاد، التي طرح في صددها إشكال من سيبعث يوم القيامة: هل النفس أم الجسد أم هما معًا؟ وقد أبان ابن رشد عن توجه عقلاني صريح بعيد من الأساليب الجدلية والسفسطائية التي اعتمدها علماء الكلام. هذه القضايا ستبين بما لا يدع مجالًا للشك أن ابن رشد تبنى منهجًا للتفكير يختلف، بل ويتعارض مع منهج المتكلمين وفلاسفة المشرق، وهو ما سميناه النزعة العقلانية لدى فيلسوف قرطبة ومراكش.

أولًا: قضية قِدم العالم

تنتمي قضية قِدم العالم إلى القضايا الإلهية التي وقع فيها خلاف كبير بين الفلاسفة والمتكلمين. فقد دافع كل من الفارابي وابن سينا عن فكرة قِدم العالم، وكفّرهما الغزالي في كتابه الشهير تهافت الفلاسفة، وجاء ابن رشد بعد ذلك محاولًا الدفاع عن قضية قِدم العالم ضد الغزالي، وبصورة مختلفة عن المنهج الذي اعتمده فلاسفة المشرق.

لقد رأى ابن رشد أن الخلاف بين الفلاسفة والمتكلمين يعود إلى اللفظ أو التسمية، فكل منهما يتفق على أن الله قديم وأنه مُوجِد كل شيء وحافظُه، وأن الأجسام التي ندركها بالحواس حادثة، والصنف الموجود بين هذين الطرفين فهو العالم، الذي أوجده الله من لاشيء. أما نقطة الخلاف بين الطرفين فتكمن في ما يتوسط بين العالم والله أي الزمان، فالفلاسفة يعدّونه قديمًا مع الله الذي أوجده، مساوقًا له مساوقة العلة للمعلول. في المقابل عدّه المتكلمون حادثًا أي مخلوقًا. يقول ابن رشد في كتابه فصل المقال: «وأما مسألة قِدم العالم أو حدوثه فإن الاختلاف فيها عندي بين المتكلمين من الأشعرية وبين الحكماء المتقدمين يكاد أن يكون راجعًا للاختلاف في التسمية، وبخاصة عند بعض القدماء.

وذلك أنهم اتفقوا على أن هاهنا أصناف من الموجودات: طرفان وواسطة بين الطرفين. فاتفقوا في تسمية الطرفين واختلفوا في الواسطة…» [2].

أبدى ابن رشد بعد عرضه الموقفين وتوضيح نقطة الخلاف بينهما، رأيه في موضوع قِدم العالم، وقد اتبع في ذلك مسلكين: المسلك الشرعي حيث دعم موقفه بآيات من القرآن الكريم، والمسلك العقلي القائم على المحاججة العقلية والبرهان. بالنسبة إلى المسلك الأول رأى ابن رشد أن تصفح ظاهر الشرع يبين لنا أن العالم قديم، يقول: «… وأن نفس الوجود والزمان مستمر من الطرفين. أعني غير منقطع. وذلك أن قوله تبارك وتعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ…﴾ [هود: 7] يقتضي بظاهره أن وجودًا قبل هذا الوجود وهو العرش والماء، وزمانًا قبل هذا الزمان أعني المقترن بصورة هذا الوجود الذي هو عدد حركة الفلك. وقوله تعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ…﴾ [إبراهيم: 48] يقتضي أيضًا بظاهره أن وجودًا ظاهرًا بعد هذا الوجود. وقوله تعالى «﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ…﴾ [فصلت: 11] يقتضي بظاهره أن السماوات خلقت من شيء»[3]. هكذا إذن يرى ابن رشد أن القول بقِدم العالم لا يتعارض مع الشرع، بل يتفق مع ظاهره، إذ لا يوجد في النصوص الدينية ما يفيد الخلق من عدم، بل هناك ما يفيد وجود مادة قبل الخلق، ويؤكد عدم تأويل هذه الآيات للجمهور، وضرورة التمسك بظاهرها في تعليم الجمهور، ومردّ ذلك هو أن الجمهور يستوعب بالاعتماد على الأمثلة فقط ولا يحتاج إلى التأويل الذي لا يرتقي إلى فهمه.

بعد ذلك ينتقل ابن رشد إلى الاستدلال العقلي البرهاني على قِدم العالم، حيث أثبت ذلك من خلال أزلية الحركة، وأزلية الزمان، والمادة أو الهيولى. ينطلق دليل الحركة عند ابن رشد من المقدمة التالية: كل شيء متحرك لا بد له من محرك، وتستحيل الحركة من دون محرك، يقول ابن رشد «فلا يمكن أن تكون الموجودات بأعيانها محركة لذواتها، أي يكون تحرك الأشياء من غير محرك. فالمادة الموضوعة للنجار وهي الخشب لا يمكن أن تحرك نفسها إن لم يحركها النجار. ولا الأرض يمكن أن يكون منها نبات إن لم يحركها البذر»[4]. وما دام أن العالم متحرك؛ تخترقه الحركة والتغير؛ فهذا يعني بالضرورة أن له محركًا، الذي قد يكون محركًا متحركًا أو محركًا ثابتًا؛ فإذا كان محركًا متحركًا سيحتاج بدوره إلى محرك يحركه وهذا يستلزم التسلسل إلى ما لا نهاية وهذا شيء مستحيل، أما إذا كان محركًا ثابتًا (يحركه شيء ثابت)، فذلك هو المحرك الذي لا يتحرك أي الله تعالى، ويرى ابن رشد أن العلة والمعلول يجب أن يكونا متساوقين (لا يسبق أحدهما الآخر)، وبما أن وجود الله قديم منذ الأزل فالحركة قديمة وموجودة منذ الأزل. أما لا تناهي الزمان فيرى ابن رشد أن الزمان مرتبط بوجود الحركة، لأن الحركة لا تحدث إلا في زمان، وما دامت الحركة قديمة وموجودة منذ الأزل فالزمان قديم وأزلي، يقول: «أما مساق القول الذي حكاه عنهم فليس ببرهان. وذلك أن حاصله هو أن البارئ سبحانه إن كان متقدمًا على العالم، فإما أن يكون متقدمًا بالسببية لا بالزمان مثل ما تقدم الشخص ظله، وإما أن يكون متقدمًا بالزمان مثل تقدم البناء على الحائط. فإن كان متقدمًا تقدم الشخص ظله، والبارئ قديم فالعالم قديم. وإن كان متقدمًا بالزمان وجب أن يكون متقدمًا على العالم بزمان لا أول له فيكون الزمان قديمًا، لأنه إذا كان قبل الزمان زمان فلا يتصور حدوثه. وإذا كان الزمان قديمًا فالحركة قديمة لأن الزمان لا يفهم إلا مع الحركة»[5]. أما الدليل العقلي الثالث الذي اعتمده ابن رشد فهو دليل قِدم الهيولى، ومفاده أن المادة والزمان والحركة يرتبط بعضها مع بعض في الوجود، ولا أسبقية لأحدها على الآخر، فالحركة رهينة بالجسم المتحرك، الذي يتحرك في زمان، وما دام أن الحركة قديمة فالمادة قديمة والزمان قديم. يقول: «وذلك أنه يظهر أن كون كل واحد من المتكونات هو فساد للآخر، وفساده هو كون لغيره، وإلا يتكون شيء من غير شيء. فإن معنى التكون هو انقلاب الشيء وتغيره مما بالقوة إلى الفعل. ولذلك فليس يمكن أن يكون عدم الشيء هو الذي يتحول وجودًا، ولا هو الشيء الذي يوصف بالكون، أعني: الذي نقول فيه إنه يتكون. فبقي أن يكون ههنا شيء (= مادة) حامل للصور المضادة، وهي (المادة) التي تتعاقب الصور عليها»[6].

نستخلص من خلال تناولنا لقضية قِدم العالم أن ابن رشد التزم الطريق البرهاني في تدليله على قِدم العالم من خلال الربط السببي بين الحركة والمحرك وبين الحركة والزمان، واستبعاد الطريق الجدلي، كما أنه ظل وفيًا لنزعته العقلانية عندما ربط بين العلة والمعلول بصورة ضرورية وبين العالم وصانعه، إذ إن القول بقِدم العالم لا يؤدي إلى إنكار صانع العالم، وذلك ضد فكرة الإمكان والجواز التي دافع عنها الغزالي والمتكلمون، فتبني منطق الجواز سينتج منه إسقاط المعقولية والسنن التي وضعها الله تعالى في الكون وفتح المجال للعشوائية واللامعقول.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 535 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 535 أيلول/سبتمبر 2023

كتب ذات صلة:

فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال أو وجوب النظر العقلي وحدود التأويل (الدين والمجتمع)

ابن رشد: سيرة وفكر، دراسة ونصوص

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 535 في أيلول/سبتمبر 2023.

[1]رضوان السعدي: أستاذ في الفلسفة – المغرب.

[2]   أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، أو، وجوب النظر العقلي وحدود التأويل (الدين والمجتمع)، مع مدخل ومقدمة تحليلية للمشرف على المشروع محمد عابد الجابري، سلسلة التراث الفلسفي العربي. مؤلفات ابن رشد؛ 1 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997)، ص 104.

[3]   المصدر نفسه، ص 106.

[4]   عاطف العراقي، النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد، ط 4 (القاهرة: دار المعارف، 1984)، ص 284-283.

[5]   أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، تهافت التهافت: انتصارًا للروح العلمية وتأسيسًا لأخلاقيات الحوار، مع مدخل ومقدمة تحليلية وشروح للمشرف على المشروع محمد عابد الجابري، سلسلة التراث الفلسفي العربي. مؤلفات ابن رشد؛ 3، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص 159.

[6]   المصدر نفسه، ص 184.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز