مقدمة

يعبّر مفهوم «المواطَنة» في المجتمعات المتقدمة عن علاقة دستورية قانونية عاطفية ثقافية بين الفرد والدولة التي ينتمي إليها ويحظى بجنسيتها، ويتمتع فيها بحقوق وينهض فيها بواجبات. وقد عُرف هذا المفهوم منذ القدم لدى الحضارة الإغريقية التي مثلت الممارسة الديمقراطية لأثينا نموذجًا له[1].  واصل هذا المفهوم تطوره لدى الحضارة الرومانية، ثم خبا في العصور الوسطى منذ انهيار الإمبراطورية الرومانية وحتى القرن الرابع عشر[2]،  حيث بدأت مسيرة استعادة مبادئ مفهوم المواطَنة شيئًا فشيئًا مع ظهور الدولة القومية في أوروبا وتطور الحياة السياسية، حتى نضج واستقر كحق ثابت للمواطن بعد الثورتين الأمريكية والفرنسية في القرن الثامن عشر بوصفه إحدى الركائز الأساسية للعملية الديمقراطية[3]، حيث يكتسب المواطن وفقًا لمبادئ المواطَنة حقوقًا سياسية مثل: حق الانتخاب وحق تولي المناصب العامة[4]، وتترتب عليه واجبات مثل: دفع الضرائب والدفاع عن الوطن[5].

تطورت تفاصيل مفهوم المواطَنة لدى المجتمعات الديمقراطية الغربية في اللحظة التاريخية المعاصرة، ليكون تعبيرًا أو تجسيدًا لنوع من الشعب يتكون من مواطنين يحترم كل فرد منهم الفرد الآخر ويتحلّون بالتسامح تجاه التنوع الذي يزخر به المجتمع، حيث من واجب القانون أن يعامل كل أعضاء المجتمع على قدم المساواة، بصرف النظر عن انتماءاتهم القومية أو طبقتهم أو جنسهم أو عرقهم أو ثقافتهم أو أي وجه من أوجه التنوع بين الأفراد والجماعات. وعلى القانون أن يعزز كرامة الفرد ويحمي استقلاله ويقدم ضمانات لمنع أي اعتداءٍ على حقوقه المدنية والسياسية، كما عليه ضمان قيام الشروط الاجتماعية والاقتصادية لضمان الإنصاف، وأن يمكّن الأفراد من المشاركة بفاعلية في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم في الدول التي ينتسبون إليها. ولا يقتصر التعبير عن مبادئ المواطَنة على الحقوق والواجبات المدنية والقانونية والسياسية فحسب، بل يشمل بصورة أساسية أيضًا الحقوق الاجتماعية والاقتصادية[6]. وتتعذر ممارسة مبدأ المواطَنة على أرض الواقع من دون توافر حد مقبول من هذه الحقوق والضمانات للمواطن حتى يكون للمواطَنة معنى، ويتحقق بموجبها انتماءُ المواطن وولاؤه لوطنه، ويتفاعل إيجابيًا مع مواطنيه[7]. وحين يتحقق انتماء الفرد وولاؤه لوطنه، تنتقل المواطَنة من كونها مجرد علاقة قانونية، لتصبح قيمة اجتماعية وممارسة سلوكية تعبّر عن نضج ثقافي وإدراك حقيقي لفضيلة معاملة جميع المواطنين على قدم المساواة من دون أي تمييز بينهم بسبب الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس[8].

أما في الدولة العربية الإسلامية القديمة، فغالبًا ما غاب مفهوم المواطَنة بسبب غياب الديمقراطية؛ إذ الديمقراطية هي البيئة الحاضنة للمواطَنة[9]. وأما في الدولة العربية الحديثة، فقد حصلت محاولات من جانب السلطة لبناء مفهوم جديد للمواطَنة من خلال محاكاة سطحية للنموذج الغربي المعاصر، فكانت نتيجة هذه المحاولات مفهومًا إما زائفًا وإما غامضًا؛ بفعل عوامل داخلية وخارجية تسعى هذه الورقة البحثية إلى تحليلها.

تتمثل مشكلة البحث بغياب أو غموض مفهوم المواطَنة في الدولة العربية عمومًا (من دون معالجة الفوارق ما بين الدول العربية وفقًا لخصوصية كل تجربة)؛ حيث تسعى هذه الورقة لتلمّس مظاهر هذه المواطَنة الجديدة من خلال الإجابة عن السؤال الأساسي التالي:

هل هناك وجود عملي لمفهوم المواطَنة في الدولة العربية المعاصرة عمومًا؟

ستحاول هذه الورقة البحثية الإجابة عن هذا التساؤل من خلال تتبع وتحليل التجربة العربية تاريخيًا منذ ما قبل الإسلام وحتى اللحظة المعاصرة.

تنبع أهمية هذا البحث من محاولته إلقاء الضوء على قضية حساسة في الواقع الاجتماعي العربي، ومساهمته في محاولة كشف حقيقة أو زيف مفهوم المواطَنة الجديدة الذي تدّعي معظم النظم العربية المعاصرة وجوده كواقع عمليّ مُعاشٍ يحكم العلاقات بين الدولة والمواطن من جهة وبين المواطنين أنفسهم من جهة أخرى، والذي تتم ترجمته في شعارات شهيرة مثل: الأردن أولًا والبحرين أولًا… إلخ.

يقوم هذا البحث على منهجين أساسيين هما: الوصفي التحليلي، والتاريخي. سيتم في هذه الدراسة تحييد أحد جوانب مشكلة البحث، المتمثل بتفاوت مدى حضور أو غياب مظاهر مفهوم المواطَنة بين البلدان العربية سواءٌ على المستوى القانوني، أو على مستوى الممارسة العملية على أرض الواقع، وفقاً لخصوصية كل دولة ومسيرتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ذلك أن هذا الجانب يمثل – في رأي الباحث – مشكلة بحثية أخرى كبيرة تزخر بالتفاصيل النوعية والكمية يمكن دراستها مستقبلًا. ولا تسقط الدراسة مفهوم المواطَنة المعاصر على المجتمع العربي والإسلامي القديم استنادًا إلى فرضيتين: الأولى، أن هذا المفهوم بصيغته المعاصرة حديث في التاريخ العربي والإسلامي؛ والثانية، أن هذا المفهوم غربي المنشأ والتطور.

غير أنها تسعى لتلمس أي ملامح ممكنة في المجتمع العربي والإسلامي القديم لمفهوم المواطَنة، لاكتشاف أي إرهاصات أو جذور أولية لهذا المفهوم تدعم أو تدحض الفرضيتين المذكورتين.

تم الاطلاع على الكثير من الدراسات حول موضوع المواطَنة، حيث اتسمت غالبًا بالتشابه من حيث استعراض نشوء وتطور مفهوم المواطَنة ومكوناتها وشروط تفعيلها، غير أن هناك دراسات تميزت بتناولها الموضوع بطريقة مختلفة بعض الشيء من أهمها الدراسات التالية:

يرى جاد الكريم جباعي في دراسته المطولة بعنوان من الرعوية إلى المواطَنة أن المواطَنة تعني المشاركة في الوطن على أسس الحرية والمساواة والتكافؤ، غير أن مفهوم العصبية اللصيقة بالجماعات الطبيعية التي لا تزال تتوسط العلاقة بين الفرد والدولة يساعد على تفسير آليات تمثل السلطة وأساليب ممارستها، ويعين علاقة العصبية بأفرادها من جهة، وبالعصبيات الأخرى من جهة ثانية، فيساعد على تفسير صراع الهويات الذي يخترق مجتمعنا والمجتمعات المتأخرة بوجه عام، ويحول دون انتقالها إلى مجتمعات مدنية، ويبقيها مجتمعات رعوية عمومًا. ويرى أن الهدف الحضاري لمجتمعاتنا يتمثل بالانتقال من الرعوية إلى المواطَنة التي يكون فيها المواطن حرًا مشاركًا بخياراته الحرة، ويرى أن هذا التحوُّل وإن كان جاريًا على صعيد القلة، إلا أن العلاقات السياسية والاجتماعية والأخلاقية لا تزال رعوية.

وفي دراسة دومينيك شنابر وكريستيان باشولييه، المعنونة ما المواطَنة؟ يخلص الباحثان إلى أن المفهوم الذي استقر عليه الفكر الديمقراطي المعاصر هو أن المواطَنة يوتوبيا خلَّاقة، تحاول جاهدة تجاوز الإثنية والعرقية، وهي بهذا تهدف، من طريق القانون، إلى حلّ الخلافات القائمة بين المجموعات الاجتماعية التي تتعارض مصالحها. كما يذهبان إلى أن المواطَنة هي أيضًا أساس الشرعية السياسية؛ فالمواطن لا يُعدّ فقط فردًا في دولة القانون، بل إنه يتمتع بجزء من السيادة السياسية. والمواطَنة مثل جميع اختراعات الإنسان التي تستدعي الاستعانة بالعقل لا بالوجد؛ فالأحاسيس الإيجابية هشّة ومهددة دومًا، وبحاجة إلى الحماية المستدامة.

ويرى علي خليفة الكواري في دراسته مفهوم المواطَنة في الدولة الديمقراطية أن مبدأ المواطَنة مفهوم تاريخي شامل ومعقد له أبعاد متعددة ومتنوعة، يتأثر بالتطور السياسي والاجتماعي وبعقائد المجتمعات وبقيم الحضارات. كما يرى أن الحد الأدنى لاعتبار دولة ما مراعية لمبدأ المواطَنة من عدمه يتمثل في وجود شرطين، أولهما: زوال مظاهر حكم الفرد أو القلة من الناس، وتحرير الدولة من التبعية لشخص الحاكم. وثانيهما: اعتبار جميع السكان الذين يتمتعون بجنسية الدولة مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات يتمتع كل فرد منهم بحقوق والتزامات مدنية وقانونية متساوية، في ظل توافر ضمانات قانونية وإمكانات اجتماعية تتيح ممارسة كل مواطن حق المشاركة السياسية الفعالة، وتولي المناصب العامة، إلى جانب الحقوق الاجتماعية والاقتصادية؛ ليتحقق بموجب ذلك كله انتماء المواطن وولاؤه لوطنه وتفاعله الإيجابي مع مواطنيه.

ويرى كمال حسين أدهم في دراسته مفهوم المواطَنة وآليات تعزيزها، أن مصدر الوعي بالمواطَنة يتأتى كجزء من منظومة قيم تشكل الثقافة السياسية للمواطن الصالح، عبر اتخاذه جملة من القيم القياسية أو المعيارية، وإلى أي حد يتم تفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وإلى أي درجة يتم تفضيل المصلحة الوطنية على المصلحة المحلية، وكذلك مدى الوعي بأنواع وأسباب وأساليب حل المشكلات الخاصة والمحلية والوطنية. وعند توافق هذه المعايير واستقرارها لدى الفرد، فإنها تتحول إلى وسيلة حقيقية لإزالة كل الرواسب التخلفية والاستعمارية، والتحضير لعملية الحذف لأي شكل من أشكال التمييز في ذهنية المواطنين، من خلال التخلي عن النظرة الدونية إلى أي طائفة أو جماعة. ومن دون ذلك لن يكون هناك ضامن حقيقي لمنع أي مطالب تقسيمية أو انفصالية كوسيلة لتخلص المواطن المقهور من الواقع التمييزي.

وقد تمثَّل هذه الدراسات وغيرها حافزًا للتحقق من مدى واقعية ترجمة مفهوم المواطَنة في الممارسة العملية في البلدان العربية المعاصرة، وهو ما تحاول هذه الدراسة الشروع به.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 534 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 534 آب/أغسطس 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 534 في آب/أغسطس 2023.

ماجد عوض العبلي: دكتوراه في العلوم السياسية (التخطيط الاستراتيجي)، وباحث مستقل.

الصورة من Getty Images.

[1]   David Miller, ed., The Blackwell Encyclopedia of Political Thought (Oxford: Blackwell, 1995), p. 74.

[2]   Norman F. Candor, The Medieval World, 300-1300, 2nd ed. (New York: Macmillan Company, 1968), p. v.

[3]    Robert A. Dahl, Democracy and Its Critics (New Haven, CT; London: Yale University, 1989), pp.  119-131.

[4]    Encyclopedia Britannica Inc.: The New Encyclopedia, Britannica, vol. 20: Knowledge in Depth, 15th ed. (London: University of Chicago, 1992), vol. 3, p. 332.

[5]         World Book International, The World Book Encyclopedia (London: World Book Inc., vol. 4, p. 15.

[6]   Dawn Oliver and Derek Heater, The Foundation of Citizenship (London: Harvertor Wheats Leaf, 1994), p. 8.

[7]    علي خليفة الكواري، «مفهوم المواطَنة في الدولة الديمقراطية،» (ورقة بحثية معدة للاجتماع السنوي العاشر لمشروع دراسات الديمقراطية، أكسفورد – إنكلترا، 2000)، ص 9-10.

[8]   المصدر نفسه، ص 10.

[9]   بشير نافع [وآخرون]، المواطَنة والديمقراطية في البلدان العربية، تحرير علي خليفة الكواري (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص 15.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز