مقدمة

مع تعقّد ظروف الحياة البشرية بما تداخل فيها، في إطار العلاقات الدولية، من تشابك للمصالح والمنافع بين المجتمعات والدول، بات لزامًا على النخب في دولها أن تعدّ التصورات للسياسات العامة، وتضع الخطط والبرامج بمنهجية واحترافية عالية لمواجهة هذه التعقيدات والتحديات. ما لا شك فيه، إن هذا الواقع مع نشأة الدول القومية قد أضاف إلى السياسات العامة بعدًا جديدًا وأهمية أكثر من أجل حماية مصالح المجتمع والأفراد ولا سيما في البلدان المتقدمة.

تطورت دراسات السياسات العامة كحقل بحثي في الجامعات الغربية، وقد أصبحت مؤشرًا لحقل دراسي محدد يشمل كل الأنشطة المرتبطة بالحكم وعلاقة الحكومة بالقطاع الخاص وبالمجتمع المدني. إن ذلك جعل مجال دراسات السياسات العامة والحوكمة بمنزلة مركز قطب الرحى للإدارة العامة والعلوم السياسية. بالرغم من ذلك (أو إضافة إليه) يقول البعض إن السياسة العامة ونظرياتها وتطبيقاتها لم يتم إنشاؤها في الغرب وحسب، بل لا ترتبط به لوحده؛ فمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وغيرها من المناطق الأخرى في العالم مثل اليابان، لها تقاليدها المعرفية الراسخة في علم الإدارة ودراسة السياسات العامة، ومنها بالطبع السودان وقطر – كإحدى الدول العربية – اللتين نرمي إلى دراسة ملامح من تجربتيهما في التدريس الأكاديمي للسياسات العامة ودرجة الممارسات المتطورة.

من ناحية أخرى فإن الأفكار الدائمة التطور بفضل قوة وتأثير السياسات العامة سواء داخل الدول العربية أم في الدولتين المعنيتين بالدراسة في هذا المقال (السودان وقطر)، وعبرهما في إطار تفاعل المفاهيم والنظريات والأفكار المشتركة بين مناطق العالم المختلفة سواء الدول المتقدمة أم النامية. إذن يطرح هذا المقال أسئلة محددة ليجيب عنها بالبحث والتقصي والتحليل المتعمق. وتنحصر هذه الأسئلة في التالي: ماذا عن واقع الإصلاح الأكاديمي ودراسة السياسات العامة، ولماذا تأخر تدريسها وإصلاحها في الجامعات العربية؟ كيف وضع تدريس السياسات العامة في الجامعات السودانية؟ هل واقع تدريس السياسات العامة في الجامعات والمعاهد القطرية أفضل من جامعات السودان ومعاهده، وإن كانت الإجابة بنعم، لماذا؟ وهل في الإمكان تطوير نظريات ومناهج السياسات من خلال إعادة صوغ المفاهيم مع المزاوجة بين الموروثات المحلية في هذين البلدين والتراث العالمي؟

أولًا: ماهية السياسات العامة

ترجع نشأة علم السياسات العامة إلى هارولد لاسويل في نهاية خمسينيات القرن المنصرم ومساهمته القيمة مع دانيال ليرنر تحت عنوان «علوم السياسات: التطورات المعاصرة في الهدف والأسلوب» الذي تطرق فيها إلى الإطار التحليلي للسياسات العامة. وفي السياق نفسه يعرّف لاسويل السياسات العامة بأنها تشبه السياسة، فهي كما يقول «معرفة من يأخذ، وماذا يأخذ، وكيف يأخذ، ومتى يأخذ، ولماذا يأخذ»[2]. كذلك يعرف توماس داي  (Thomas Dye) السياسات العامة قائلًا إن «السياسات العامة هي كل ما تقرر الحكومة عمله أو عدم عمله»[3]. وفي السياق نفسه يقدم عالما السياسة هينز وكينث تعريفًا للسياسات العامة على أساس أنها قرار مستمر يمتاز بالتماسك السلوكي والتكرارية، من جانب الذين يتخذونه وأولئك الذين يلتزمون به[4].

يتداول البعض المصطلح بوصفه يشير إلى تصرفات بعض المشاركين، في نظام صنع السياسات العامة[5]. ويؤكد ما قاله توماس داي أحد الكتّاب المختصين في تحليل السياسات العامة ريجان لاندريRejean Landry) ) من أن السياسات العامة تتعلق بما تقرر الحكومة فعله أو عدم فعله، ويضيف أيضًا أن الحكومات تتدخل في أمور كثيرة، فهي تدير النزاعات الاجتماعية، وتنتج الخبرات، وتوزع الخدمات المادية والمكافآت الرمزية[6]. ويُشّبه غاي بيترز (Guy Peter) دراسة السياسات العامة قائلًا: «تشبه دراسة السياسات العامة فروع الهندسة المعمارية أو المدنية، قاعدة أكاديمية متينة، لكنها تتمتع أيضًا بإمكانات كبرى في حل المشكلات العملية»[7]. فالسياسات العامة عند غاي هي «مجموعة النشاطات الحكومية المباشرة أو التي يقوم بها وكلاء وتمس حياة المواطنين»[8]. مهما اختلف الجدل الأكاديمي حول السياسات العامة وتعريفاتها، بإيجاز فإن دراسة السياسات العامة هي دراسة لما يفعله النظام السياسي وللأداء الحكومي (الخدمي) والإداري، والتخصيص السلطوي للقيم في المجتمع بأكمله، أي هي تعني كل أنشطة الحكومة في مستوياتها المختلفة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 533 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 533 تموز/يوليو 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 533 في تموز/يوليو 2023.

[1]حسن حامد مشيكة: أستاذ الإدارة العامة والسياسات العامة، قسم العلوم السياسية – جامعة الخرطوم.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز