ملخص:

يسعى هذ الموضوع إلى البحث في العلاقات المغربية- الأمريكية التي تمتد إلى قرون، حيث خبرت الدولتان فيهما عدة مواقف وتجارب تاريخية، وذلك بفعل التقلبات والتحولات التي يعرفها المشهد الدولي والإقليمي عبر السنين، وتحتاج دائمًا إلى توافقات بين الدول وذلك حسب رؤية ونظرة كل دولة لمصالحها واستراتيجيتها الداخلية والخارجية.

لكن في الغالب كانت المملكة المغربية من أبرز الحلفاء الاستراتيجيين في شمال أفريقيا للولايات المتحدة الأمريكية في تبنّي رؤيتها للأحداث والمواقف الدولية ومتعاونة معها في توجهاتها ضد الإرهاب والتطرف.

في المقابل كانت الولايات المتحدة الأمريكية ليست بالبعيدة عن تأييد المواقف السياسية للمغرب داخل المحافل الدولية ومجلس الأمن، ويمكن وصف الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء هو جوهر قوة ذلك التوافق بين البلدين.

مقدمة:

تمتد جذور العلاقات المغربية – الأمريكية عميقًا في التاريخ الحديث والمعاصر، إذ كان المغرب أول دولة في العالم تعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية عام 1776، ومنذ ذلك التاريخ بدأت خيوط العلاقات السياسية والاقتصادية تنسج بين المغرب والولايات المتحدة، وبذلك تتميز هذه العلاقات بخاصية تاريخية منفردة في القدم، لكن هذا التفرد تأثر أحيانًا بالظروف الداخلية والمتغيرات الدولية لكلا البلدين وفي مختلف المجالات وبخاصة السياسية والاقتصادية منها تداعيات ما سمي “أحداث الربيع العربي” التي عصفت بأنظمة سياسية عربية عريقة ومؤثرة في الساحتين العربية والدولية، فضلًا عن انتشار تنظيم القاعدة في دول المغرب العربي[1]، وما سبقه من تشكيل التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وما ترتب على ذلك من زيادة التنسيق السياسي والأمني بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية في سياق التصدي للإرهاب ومكافحة الهجرة غير الشرعية كأخطار مهمة. ويبقى الهم الأكبر للمغرب في علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية هو اعتراف هذه الأخيرة بسيادة المغرب على الصحراء التي باتت تشكل عنصرًا وتحول أساسيًا في علاقة البلدين.

فقد ظهر الاهتمام الأمريكي بمنطقة المغرب العربي منذ نيل هذه الدول استقلالها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، والتنافس بين موسكو وواشنطن في مرحلة الحرب الباردة لاستمالة العواصم المغاربية إلى أحد المحورين الشرقي الشيوعي أو الغربي الرأسمالي، وتوجت هذه السياسة بنجاح واشنطن في استمالة المملكة المغربية وتونس في مقابل ميل ليبيا والجزائر نحو الاتحاد السوفياتي. ثم تطور هذا الاهتمام بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، عبر المقترح الأمريكي لمشروع الشراكة مع منطقة المغرب العربي والذي أطلق عليه اسم مشروع “أيزنستات” المنافس للمشروع الأوروبي للشراكة.

كانت السياسة الأمريكية واضحة في دعوة الدول المغاربية إلى الانفتاح السياسي والاقتصادي، والانخراط في حركة الاقتصاد العالمي، وركزت واشنطن على ضمان استمرار تطور العلاقات السياسية والاقتصادية مع المملكة المغربية، إلى أن توجت هذه العلاقات بتوقيع اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين.

وكانت تخضع التصورات الأمريكية منذ عقد السبعينيات من القرن الماضي لمنطقة المغرب العربي بشكل مرجعي لرؤية وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر، الذي وضع تقسيمًا إداريًا لمناطق العالم، ألحقَ بموجبه المنطقة المغاربية بمنطقة الشرق الأوسط، وبقيت إثره ذات درجة الاهتمام بمنطقة المغرب العربي إلى عهد الرئيس باراك أوباما[2].

لكن بعد تولي دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وفي آخر ولايته، سوف تتغير نظرة سياسة الخارجية الأمريكية للمغرب العربي، وبخاصة علاقاتها مع المملكة المغربية، والتي أثمرت في آخر أيام ترامب باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء.

لذلك، سوف نحاول إظهار المعالم الإيجابية لهذا التقارب وكيف يمكن أن يكون قاطرة لبناء مستقبل أفضل للمنطقة.

لعل هذه المقدمة المقتضبة تكفي لإبراز درجة الحاجة إلى دراسة العلاقات المغربية- الأمريكية في هذه الظرفية السياسية الحالية وما يعرفه العالم بعد جائحة كوفيد 19، لما لها من إيجابيات لصناع القرار.

– دواعي اختيار الموضوع: يشكل اختيار الموضوع استمرارًا للجهد البحثي الذي انخرط فيه الباحث في إطار مادتي “دراسات المناطق” و”الفكر الاستراتيجي”، اللتين درسهما حينما كان طالبًا في ماستر العلوم السياسية، وهو جهد بحثي ابتدأ سنة 2014 بورقة تحمل عنوان “العلاقات الأمريكية المغربية الواقع والآفاق”.

تم الخلوص من خلال هذه الورقة إلى أن العلاقات بين البلدين كانت تحكمها سيناريوهات متباينة، وذلك راجع إلى رؤية الحزبين المتحكمين في القرار الأمريكي، ومن هنا كان السؤال دائمًا أن النظرة الأمريكية إلى المغرب العربي لم تكن بتلك الحدّة مثل مناطق أخرى، غرب آسيا مثلًا.

لذلك، يفتح موضوع الدراسة لنا باب لإعطاء رؤية جديدة للعلاقات بين البلدين في ظل الظروف السياسية الحالية والمستجدات الدولية التي تصب في مصلحة تقوية العلاقة بين البلدين.

– أهمية الموضوع: ينطوي الموضوع على أهمية نظرية وعملية. تتمثل الأهمية النظرية بما يمكن للبحث أن يقدمه في آفاق التعاون بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وما يمثله من إسهام في فهم العلاقة بين الدولتين وصنع السياسة الخارجية. أما الأهمية العملية فتتمثل بما يمكن لرصد تطور العلاقات بين البلدين أن يمده من جسور تربط بين المعرفة والسلطة والعلاقات السياسية، وسيساهم البحث في هذا الموضوع في كيفية استغلال الظرفية السياسة الحالية بين البلدين والارتقاء بها إلى مستوى الفاعل المؤثر في السياسة الداخلية للمغرب العربي.

– المنهج: أعتمد البحث على المنهج التاريخي والمنهج الوصفي التحليلي في سياق الكشف عن تطور هذه العلاقات وبيان آفاق المستقبل.

إشكالية البحث: تكمن الإشكالية التي نسعى لمعالجتها في هذا البحث في السؤال الرئيسي التالي: ما هي الآفاق المستقبلية للعلاقات المغربية- الأمريكية بعد التطورات السياسية الراهنة؟ وهل يمكن أن يكون ذلك بداية انفراج لعلاقات متينة بين البلدين ومسلسل لبداية مشروع مغاربي واعد أم أن هذا التقارب سيزيد من تكريس واقع التباعد والانقسام بين الأقطار المغاربية؟ ومن هذه الإشكالية تنبع مجموعة من الأسئلة هي:

– ما الخلفية التاريخية والسياسية للعلاقات المغربية- الأمريكية؟

– كيف هو مستقبل العلاقات المغربية- الأمريكية بعد اعتراف هذه الأخيرة بسيادة المغرب على الصحراء؟

– ما هي مرتكزات وعوامل توثيق العلاقات بين البلدين؟

وفي ضوء هذه المنهجية تم تقسيم البحث إلى مقدمة ومحورين وخاتمة وعلى النحو الآتي:

– الفرضية: ينطلق البحث من فرضية مفادها أن نجاح العلاقات الأمريكية- المغربية هي نافذة أساسية لبناء أي تكتل مغاربي قوي في المستقبل القريب، فنظام الحكم بالمغرب يعرف جيدًا دور الولايات المتحدة الأمريكية في العالم وتأثيرها الجيوسياسي، لذلك أتى الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، كبداية نواة صحيحة لتأسيس علاقات ذات طابع استراتيجي.

هناك عامل آخر يجب أن يؤدي دورًا في هذا التقارب الراهن وهو التواصل بين الأكاديمي والفاعل السياسي بين البلدين، ففي الوقت الذي تتشارك فيه مؤسسات البحث العلمي، يشكلان أساسًا وروابط لتمتين العلاقات بين الدول.

أولا: البعد التاريخي والسياسي للعلاقات المغربية- الأمريكية

       العلاقات المغربية – الأمريكية ممتدة في عمق التاريخ، فقد ظلت معاهدة السلام والصداقة الموقعة عام 1786[3]، سارية المفعول، والتي سجلت سبق الاعتراف المغربي باستقلال الولايات المتحدة بعد استقلالها عام 1776، عقب حرب الست سنوات ضد بريطانيا. وبالرجوع إلى الكتب والمصادر التاريخية تلاحظ أن العلاقة بين البلدين كانت منذ أمد بعيد، وظلت قائمة رغم الاضطرابات التي طبعت القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين[4].

وسوف تتطور العلاقات جيدًا، فبعد استقلال المغرب عن فرنسا سنة 1956، بادرت الولايات المتحدة الأمريكية لتكون أول دولة تعترف رسميًا بالمغرب المستقل وكان أيزنهاور أو رئيس دولة يعين سفيرًا لها بالمغرب.

بعد ذلك، أسست الولايات المتحدة لتحالفات داخل العالم الإسلامي والعربي، وكان المغرب أبرز هذه الحلفاء الاستراتيجيين في المنطقة، وقد تعزز هذا التوجه في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، حيث كان يتمتع بصداقة مستمرة مع رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية[5].

وفي الواقع خضعت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والمغرب لعدة مؤثرات عبر المرحلة السابقة عكست من جهة تطور مكانة الدولتين في النظام الدولي حيث تمكنت الولايات المتحدة في ظرف وجيز من الانتقال من كيان استيطاني يريد إثبات وجوده واستقلاله إلى قوة عظمى وقائدة لهذا النظام بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. في حين سعى المغرب بعد استقلاله إلى مواجهة تحديات التنمية وتحسين موقعه، ومن جهة أخرى اختلاف مصالحها بفعل هذه المكانة[6].

لذلك، لم تكن مساهمة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في جنازة الملك الراحل الحسن الثاني مجرد اعتراف بمكانة ودور الملك الراحل على المستوى السياسي والدبلوماسي، وإنما كانت تؤشر أيضًا إلى متانة العلاقات المغربية- الأمريكية التي تكتسي شحنة تاريخية.

وفضلًا عن ذلك البعد التاريخي، فإن هناك جملة من العوامل منحت هذه العلاقة طابعًا متميزًا بالرغم من اختلاف الرؤساء المتعاقبين على الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك بالرغم من بعض التفاوت في إدراك بعض القضايا[7].

وإذا رجعنا إلى موجز تاريخ العلاقات الأمريكية- العربية بصفة عامة فنجد أن الولايات المتحدة الأمريكية، قد قامت في المنطقة العربية منذ لحظة تدخلها الكثيف فيها، على دعامتين هما: احتواء التوسع السوفياتي سابقا، وضمان تدفق النفط الرخيص. فقد أقر الرئيس ترومان بأهمية نفط الخليج في خطابه أمام الكونغرس في 24 أيار/مايو 1951، إذ أعلن أن الشرق الأوسط “يحتوي على نصف احتياطيات النفط في العالم”[8].

وفي الأول من خمسينيات القرن الماضي، راهنت أمريكا على ما يسمى الدول العربية “المعتدلة”. فأوصى ترومان بمستويين من التحالفات العسكرية الإقليمية: قيادة الشرق الأوسط المستوحاة من النموذج البريطاني، ومنظمة الدفاع عن الشرق الأوسط التي عرفت أيضًا بحلف بغداد .وحذا الرئيس أيزنهاور حذو ترومان، ووثق إلى حد كبير العلاقات الأمريكية مع الحلفاء العرب.

وقد تخيلت عقيدة كل من أيزنهاور وترومان دورًا رئيسيًا للحلفاء العرب في حماية المصالح الأمريكية وفي مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق في المنطقة[9]. ويُعَدّ المغرب ركنًا أساسيًا في السياسة الأمريكية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وقد ساهمت مجموعة من العوامل في ترسيخ مكانة المغرب في المقاربة الأمريكية للمنطقة المغاربية.

لذلك، لم يتردد المغرب في الانصهار في الاستراتيجية العالمية التي دشنتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن بعد أحداث أيلول/سبتمبر 2001 التي ضربت الولايات المتحدة ونسبت إلى القاعدة. فقد ساند المغرب الإجراءات التي دفعت إليها الولايات المتحدة الأمريكية الهادفة إلى تجفيف مصادر الإرهاب من خلال قرارات ملزمة لمجلس الأمن[10].

من جانب آخر، إن المغرب بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية يعَدّ كنموذج للإصلاح الديموقراطي. كما أن البيان الصادر عن اللقاء الذي تم في واشنطن بين الملك محمد السادس والرئيس الأمريكي أوباما في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 قد أشاد بتلك الإصلاحات الديمقراطية التي رسخها الملك محمد السادس[11].

فضلًا عن ذلك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تشجع على إقامة الروابط الاقتصادية بين الدول المغاربية، كما أشارت لذلك مباردة (إيزنشطان، نسبة إلى كاتب الدولة في التجارة والمالية والاقتصاد في نهاية التسعينيات. وقد ارتكزت على ثلاثة أفكار محورية وهي: 1- إرساء حوار منتظم مع الدول المغاربية ولا سيما المغرب والجزائر وتونس؛ 2- التعامل معها كمنطقة للتعاون الاقتصادي بشكل يمكنها من الاستفادة من التكنولوجيا، وكذلك من الفرص التي يتيحها السوق الأمريكي؛ 3- التشديد على الدور المحوري للقطاع الخاص كفاعل أساسي في هذه الشراكة لتحقيق التنمية المستدامة في منطقة المغرب الكبير[12].

وفي هذا التعاون والروابط الاقتصادية، قد شهدت العلاقات المغربية – الأمريكية مجموعة من المبادرات إلى ترسيخ العلاقات بين الطرفين. ففي حزيران/يونيو 2004، وقع الطرفان اتفاق للتبادل الحر بعد مفاوضات انطلقت في سنة 2003. وقد دخل حيز التطبيق في 2006 . وهو يشكل خطوة أخرى على درب سياسة الانفتاح التي نهجها المغرب منذ تبنيه لبرنامج التقويم الهيكلي.

لذلك دلالة هذه الاتفاقية ليست بالأساس اقتصادية، بل هي بالدرجة الأولى ذات دلالة سياسة. فهي تأتي في سياق مناخ ما بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001 الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى تبني ما وصفته بالحرب على الإرهاب، وعلى رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في بناء ما سمي بالشرق الأوسط الكبير الذي أثار جدلًا كبيرًا اعتبارًا لاعتقاده الخاطئ بإمكان دمقرطة دول المنطقة بإرادة خارجية[13].

إلى جانب ذلك تعَدّ المقاربة الأمريكية لقضية الصحراء من القضايا التي تشكل خصوصية العلاقة الأمريكية- المغاربية. وبالنسبة إلى المغرب، فإن الموقف الأمريكي يبقى حاسمًا في توجيه الموقف الدولي إزاء تطورات هذا الملف لعدة اعتبارات منها: كون الولايات المتحدة الأمريكية تعَدّ عضوًا دائمًا ومؤثرًا في مجلس الأمن. فضلًا عن ذلك فإنها ترتبط بعلاقات مع المغرب. ولكن في نفس الوقت فهي حريصة على المحافظة على مصالحها وبخاصة الاقتصادية وحتى السياسية مع الجزائر. فالهاجس الأساس للإدارة الأمريكية هو الإبقاء على هذا التوازن[14].

لكن، يبقى التوجه الأمريكي نحو المنطقة، فضلًا عن التوجهات الأخرى في الشرق الأوسط، دخل ضمن الإطار الأشمل للاستراتيجية الأمريكية التي أعادت ترتيب أولوياتها، وفق التطورات التي سوف يشهدها القرن الحادي والعشرون، من دون الأخذ بنظر الحسبان من يجلس على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض. وعليه، إن الشراكة الاقتصادية مع المغرب العربي برزت كتطور طبيعي لاتجاه الولايات المتحدة الأمريكية في التسعينيات، لإحكام سيطرتها على المناطق الحساسة، وذات الموقع الاستراتيجي المهم بالنسبة إلى مصالحها الحيوية، ومن بينها منطقة المغرب العربي التي شكلت مجالًا مهمًا وضروريًا للمهمات المستقبلية التي حددها حلف الناتو، لمواجهة الأزمات القادمة، والتي تقع خارج مجاله الجغرافي المحدد في معاهدة (واشنطن لعام 1949)[15].

يتضح مما سبق، من الجانب التاريخ والسياسي المشترك للولايات المتحدة الأمريكية والمغرب، أن هناك ثقلًا تاريخيًا وسياسيًا بين البلدين. قد أنتج تعاون وتفاهم استراتيجي امتدت إلى عدة قرون بين البلدين رغم التحولات الدولية والتغيرات في النظام الدولي.

لكن، تبقّى إشكال آخر وهو مقاربة الولايات المتحدة الأمريكية لقضية الصحراء، والتي تعَدّ الممر الأساس للمغرب للمرور إلى تعاون جديد مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا سنحاول معالجته في المبحث الثاني من المقال.

ثانيًا: مستقبل العلاقات المغربية – الأمريكية في ظل سياق إقليمي ودولي مضطرب

إن العلاقات المغربية – الأمريكية تفرز تشابهًا في مقاربة الطرفين للقضايا التي يطرحها النظام الدولي تعود إلى تماشي النظام الملكي المغربي مع الخط العام للمصالح السياسية والاقتصادية الأمريكية في المنطقة العربية والأفريقية. وقد ساهم في توثيق العلاقات بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية عدة عوامل شكلت دوافع للبلدين للمضي في هذه العلاقات[16].

ومن أهم هذه العوامل: الأهمية الاستراتيجية للموقع الجغرافي للمملكة المغربية، إذ تأتي مكانة المغرب في الاستراتيجية الأمريكية في سياق تحكمه عدة محددات، تتمثل برغبة أمريكا في استغلال الموقع الاستراتيجي للمغرب بصفته دولة تنتمي إلى عدة وحدات إقليمية ودولية مهمة. فالمغرب دولة عربية، إسلامية، أفريقية ومتوسطة، وكل واحد من هذه الأبعاد يقودنا إلى المصالح الأمريكية في المنطقة واستراتيجيتها لتحقيق هذه الأهداف. فالمغرب في إطاره الإقليمي يكتسي أهمية كبرى بسبب علاقته الحيوية بالأمن في البحر المتوسط والأهمية الاستراتيجية كممر بحري ضروري لاقتصاد الدول الغربية[17].

فالمغرب الذي اتبع أيديولوجيا تتسم بالواقعة والانفتاح والحياد فلم يكن بحكم الجوار الجغرافي الأوروبي وبحكم نوعية الروابط الدولية التي شدته تقليديًا إلى أوروبا، بعيدًا من أجواء الاستقطاب الدولي بين المعسكرين (الاشتراكي والرأسمالي) ذلك لأنه لم يفلت من أحكام التحولات المثيرة التي أجبرت أوروبا نفسها على أن تعيشها. إلا أن المغرب لم يتأرجح طويلًا بين الشرق والغرب إذ كان قد حسم أمره واختار التوجه الغربي فكان النظام الملكي المغربي يمثل التوجه الغربي الليبرالي في الشمال الأفريقي.[18]

ومن الواضح أن المغرب استطاع استغلال بعض المعطيات التي تتوافر له (كالموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي حظي به وامتلاكه لبعض المعادن المهمة وبُعده العربي والإسلامي) للحصول على الاهتمام الأمريكي، فأصبح المغرب واحدًا من أقرب الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة الأمريكية في أفريقيا والعالمين العربي والإسلامي[19].

‏وهذا ما أعطى بطبيعة الحال دفعًا للنظام المغربي للرهان على ضمان التأييد الأمريكي للقضايا المصيرية بالنسبة إلى السياسة الخارجية المغربية (قضية الصحراء، وقضية مدينتي سبتة ومليلية والجزر المجاورة لهما المحتلة من جانب إسبانيا إلى جانب بعض القضايا المتعلقة بالهاجس الأمني والعسكري كالهجرة والإرهاب ومسيرة الإصلاح الديمقراطي في المغرب) لذا لم يرَ المغرب أنه من الحكمة المغامرة بخسارة أهم القضايا التي تهم السياسة الخارجية المغربية، وتأتي في مقدمتها قضية السيادة على الصحراء التي يلتقي على أهميتها كل من القصر الملكي والحكومة والمعارضة[20].

ويظهر للعيان في هذه الظروف السياسية الإقليمية والدولية الراهنة والتي تتسم بالاضطراب أن العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية بدأت تشهد تحولًا وتأييدًا جديدًا في المواقف والأهداف والتوافقات السياسية الإقليمية والدولية، وسوف تبرز هذه التوافقات من خلال اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء، وبعدها استمرت اللقاءات وزيارات بين الطرفين ولا سيما أننا في سياق إقليمي ودولي مضطرب[21]:

1- انعقاد قمة النقب الإقليمية

تشارك المغرب في القمة السداسية التي استضافتها إسرائيل بمشاركة وزراء خارجية دول مصر والإمارات والبحرين وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والمغرب، والذين بحثوا كيفية مواجهة التهديدات الإيرانية للأمن القومي لدول الشرق الأوسط من خلال إقامة منتدى دائم، مثل منتدى النقب لتعزيز العلاقات بين الدول الست والتعاون ضد التهديدات الأمنية التي قد تواجهها، إضافة إلى الرعاية الأمريكية لاتفاقيات تطبيع العلاقات الثنائية مع إسرائيل.

2- مجالات تعاون استراتيجية

ظهرت أيضًا جملة من الأهداف التي تسعى واشنطن لتحقيقها مع المغرب، ومن ذلك ما يلي:

أ- التأييد السياسي

يتجلى في التأييد الأمريكي الواضح لرؤية المغرب الخاصة بمنح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل واقعي لتلبية تطلعات شعب الصحراء، حيث أصدرت الخارجية الأمريكية بيانًا دعمت المقترح المغربي الخاص بالحكم الذاتي. ويعد الدعم الأمريكي للموقف المغربي إزاء قضية الصحراء مكسبًا دبلوماسيًا للرباط.

ب- تعزيز العلاقات الاقتصادية

وفي هذا السياق قدم بلينكن وعودًا للحكومة المغربية خلال زيارته الاخيرة بتوسيع المنطقة الاقتصادية في مدينة بوزنيقة، مع العمل على رفع حجم التبادل التجاري بين واشنطن والرباط والذي يبلغ نحو 3.3 مليار دولار في عام 2021 (يقدر العجز التجاري المغربي بنحو 1.26 مليار دولار)، وكذلك التعاون المشترك بين وزارتي الداخلية والاقتصاد الأمريكيتين مع نظرائهما في المغرب لحل مشكلة الجفاف وتجنّب تداعياتها على الأوضاع الإنسانية داخل البلاد.

وفي هذا الإطار، تم الاتفاق على إطلاق شراكة أمريكية – مغربية بقيمة 3 ملايين دولار مع مؤسسة “باستور”، هذا إلى جانب مواصلة الدعم الأمريكي لمجالات الطاقة والأمن الغذائي في المغرب، مع وعود بتدريب 6 آلاف معلم مغربي ومساعدة الحكومة المغربية على إدماج البيئة الرقمية في المدارس والجامعات المغربية.

ج- التعاون في مكافحة الإرهاب

تشغل التهديدات الأمنية المترتبة على تصاعد أنشطة القاعدة وداعش في منطقة الساحل والصحراء، أهمية كبيرة على جدول أعمال البلدين، وبخاصة أن للرباط وواشنطن تعاونًا كبيرًا في المجال الأمني، وبخاصة في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب، كما تمارس المغرب دورًا مهمًا في مجال مكافحة الفكر المتطرف.

3- التأثير في موقف المغرب من أوكرانيا

جاءت الأزمة الأوكرانية لتمثل تحديًا خاصًا للدبلوماسية الأمريكية، وبخاصة أن الكثير من الدول العربية فضلت تبني موقف الحياد من الأزمة. ولعل تصريحات بلينكن تجاه الأزمة الأوكرانية تحديدًا خلال زيارته الرباط تشير إلى رغبة واشنطن في استمالة الرباط إلى الموقف الأمريكي الأوروبي.

وعلى الرغم من أن المغرب اتخذ موقفًا محايدًا من الأزمة، فإنه مال إلى روسيا. فقد أكد وزير خارجية المغرب رفض بلاده استخدام القوة وكذا انتهاك سيادة الدول، وهو ما يعني رفض الرباط الغزو العسكري الروسي لأوكرانيا، غير أن المغرب غاب عن جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي كانت تصوت على قرار يدين الهجوم العسكري الأوكراني من الأزمة.

وارتبط هذا القرار ببعدين أساسيين، أولهما، الضغط على الدول الأوروبية والتي لم تتبنَّ موقف الرباط من الصحراء، وهو ما تحقق للأخيرة، وذلك عبر إعلان الاتحاد الأوروبي، في 23 آذار/مارس، دعمه قرار حكومة مدريد القاضي بالاعتراف بالحكم الذاتي كأساس واقعي وملموس لأي عملية سياسية في نزاع الصحراء، والثاني، الانتظار لاستشراف ما ستؤول إليه الأزمة، وعن نجاح أي طرف من الطرفين، روسيا، أو الغرب، في فرض مصالحه على الآخر، نظرًا إلى ما سيكون لذلك من تداعيات على شكل النظام الدولي.

4- الولوج إلى الأسواق الأفريقية

يمكن أن يستغل المستثمرون الأمريكيون السوق المغربية، والانطلاق منها إلى الأسواق الأفريقية الأخرى، وذلك بفضل الموقع الاستراتيجي المميز للملكة المغربية، والتي تتوافر فيها فرص استثمارية كبيرة في قطاعات مهمة مثل الطاقة المتجددة والسياحة، وفي الوقت نفسه تحقيق تنمية اقتصادية في الأقاليم المغربية التي تفتقر إلى مشروعات التنمية الاقتصادية، وبخاصة بإقليم الصحراء.

خاتمة

في ختام القول، إن المتتبع للعلاقات المغربية – الأمريكية يجد أنها ليست وليدة وقت قريب، وإنما تعود إلى القرن الثامن عشر، وإن المغرب عُرف بأمريكا قبل أن يعرف هو عنها، لكن لم يبقَ الحال على ما هو عليه، اذ بدأت مكانة المغرب تتراجع تدريجيًا، حتى خضع للاستعمار الفرنسي عام 1912، وعند استقلاله عام 1956، بدأت العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية تأخذ منحى جديدًا.

وفي ضوء التطورات الدولية والإقليمية السالفة الذكر، فإن العلاقات بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية سيتم إقحامها ضمن ترتيب جديد، يأخذ بعين الحسبان التطورات السياسية والاقتصادية والصحية التي يعرفها النظام الدولي. فقد ساهمت المتغيرات الدولية التي أحدثتها جائحة كوفيد-19 وحرب روسيا – أوكرانيا في إعادة تشكيل الفكر الاستراتيجي الأمريكي، فبعد أن هيمنت الاعتبارات الجيوسياسية في العالم ثنائي القطبية، فإن النظام العالمي الجديد المتعدد الأقطاب أفرز أهمية العوامل الجيواقتصادية في السياسة الخارجية الأمريكية، وخصوصًا في شمال أفريقيا كمنطقة يجب التحكم فيها، بحكم أنها الوجهة الاستثمارية للرأسمال الأمريكي في القرن الحالي. إضافة إلى أبعاد المنطقة اللوجيستية نظرًا إلى الحدود البحرية وطرق المواصلات وطرق التجارة، وهكذا يبرز المتوسط الذي يشكل المغرب أحد حلقاته المهمة.[22]

إلى ذلك فإن التقارب السياسي الحاصل بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، سوف يعطي بوابة أخرى للاستثمار الأمريكي في إقليم الصحراء، وهي ممر سيفتح المجال لأن تتجه الاستثمارات والسلع المنتجة أو المصنعة إلى غرب أفريقيا وهذا بُعد استراتيجي بعيد المدى سوف يحد من ظاهرة الهجرة السرية والتطرف والجريمة المنظمة والإرهاب.

ويمكن أن يكون هذا التقارب المغربي- الأمريكي مفتاحًا لحلحلة معوقات بناء “اتحاد المغرب العربي”، وطريق لتقوية هياكله ليكون قادرًا على مواجهة كل العوائق الداخلية والخارجية.

 

قد يهمكم أيضاً  النزول الأمريكي في البلدان المغاربية وانعكاساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلال القرن العشرين

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #المغرب_والولايات_المتحدة #العلاقة_المغربية_الاميركية #المغرب #المملكة_المغربية