يَتناول هذا النص فرضية أن أزمة المجتمع المعاصر، الناشئ‏‏[1] وما بعد التصنيع‏‏[2]، قِيمية بالدرجة الأولى. وإذا كان الأمر كذلك، فما طبيعة مسألتِه الأخلاقية، وهل المسألة فلسفية أم دينية، أم جمْعٌ بينهما لا فصْلٌ، أو ممارسة من طبع لإنسان‏‏[3] أو «طبيعته»‏‏[4] دونما الحاجة إلى مرجعية ما. وإذا لجأنا إلى المجال المعرفي الأخلاقي التاريخي والمعاصر، تولَّدت عنه أسئلة مفتوحة أيضًا من نوع إن كانت الأخلاق نِتاج هيمنة العقل على الرغبة والغريزة (أفلاطون)‏‏[5]، أو تطبُّعًا‏‏[6] (أرسطو)، أو انعكاس الآخر في الذات‏‏[7] (الغزالي)، أو حجة منطقية بالدرجة الأولى‏‏[8] (كانطْ)، أو إحساسًا عاطفيًّا بحتًا‏‏[9] (هيوم)، أو حدَسًا‏‏[10] أو مسألة حسابات منفعية دقيقة‏‏[11] (مِل). هذه الأخيرة، أي المنفعة، أصبحت المحرك الأساس على ما يبدو في عصر ما سمّاه بال (دانيال) عصر نهاية الأيديولوجيا أو فوكوياما نهاية التاريخ أو ما يمكن تسميته حاليًا عصر رأسمال السحابي.

وقد اتخذتُ من مبدأ «الشكل والمادة» وسيلة منهجية متجددة في معالجة الفضيلة وتمدُّدها أو عدم تمدُّدها في النفس والفعل الاجتماعي. وفي عدم تمدّدها، وهو السائد غالبًا، تصبح أداة معطَّلة‏‏[12] في حركة التاريخ‏‏[13] وتطرحُ تحدِّيًا بالغًا في مكانتها في مجتمع يكاد يكون ماديًا بحْتًا في أيديولوجيته.

في البداية، نجد صعوبات جمَّة في تعريف الفضيلة وعلاقتها بالقيمة وبالمسألة الدينية والارتباط بالفلسفة التي تعدّ الفضيلة مسألة عقلانية (متعالِية أو عمَلية)‏‏[14]، أو ضميرًا فرديًّا أو جمعيًّا بَحتًا. يبدو لي في البداية أن الفضيلة اسم لمسمّى وليست صِفة. فلكونها اسمًا، فلها بِنية ولها ما تشير إليه من مادة. ولو حسبناها صفة، ترتَّب على ذلك أن تكون تابِعة وتحدِّد الجهة التي تصِفها، أي الفاعل الاجتماعي فَرَضًا. وفي هذه الحالة، يأخذ الفاعل الاجتماعي الأولوية وتكون الفضيلة مجرَّدَ صفة وربما لا تكون الصفة الأساسية في وجود صفات أخرى ممكنة، وذلك لا يسهم في فهم الفضيلة إلا من زاوية أنه مسألة مكمِّلة لا كامِلة. وعليه، فمن الناحية المنهجية يتعين حسبان الفضيلة اسمًا سابقًا للفعل الاجتماعي ويتم دراستها بوصفها نظامًا مستقلًا نسبيًا سواء لوجودها، أي الفضيلة، في ذاتها (أرسطو) أو لغيرها (مِل) أو للاثنين (الغزالي).

وكون الفضيلة اسمًا، ينبغي فصلُها مؤقتًا عن النظام التي تتحرَّك فيه، أي القيمة أو النظام الأخلاقي بعدده غير المتناهي من الفضائل. بمعنى آخر، نَدرس الفضيلة في عُزلتها. وعندما نفعل ذلك، يمكن دراسة الفضيلة على نحوٍ مستَهدَف مستقِّل نسبيًا في البنية (الشكل) وتجلِّيها في الواقع (المادة). وهناك مبرر آخر في هذا الطرح أن الحقيقة تتجلى أكثر في فردانية الشيء‏‏[15] (وتفاصيله) لا في السياق الذي يصعب تحديده وقد يُشوِّش على حقيقة الشيء. وعندما حاول الفلاسفة وعلماء الأديان دراسة الفضيلة وجدوا صعوبات في تعريفها وفي حصر الكيف والكم في الفضيلة واكتفوا بالحد الأدنى من الفضائل، أي نحو إحدى عشرة فضيلة عند أرسطو‏‏[16] وخمس فضائل مختارة عند الغزالي‏‏[17]، نظرًا إلى أن كل فضيلة باب لا يمكن حصره إلا نظريًا سواء في الشكل أو في المادة النسبية. ولعل أهم فضيلة شغلت بال هؤلاء، العدل، وقيل فيها أنها أساسُ المُلك، أي المُلك الذي يَضمن استمرارية نسبية. ورأى سميث في حديثه عن ثروة الأمم، أن هناك تمايزًا بين العدل والفضائل الأخرى وذكر أننا «نشعر بأننا ملزمون أكثر بالتصرف وفقًا للعدالة، من التصرف وفقًا للصداقة أو الإحسان أو الكرم؛ … [يبدو أن] ممارسة هذه الفضائل المذكورة الأخيرة متروكة إلى حد ما لاختيارنا الخاص، ولكن … بطريقة أو بأخرى، نشعر بأننا مقيدون وملزمون بطريقة غريبة بمراعاة العدالة»‏‏[18] وقد ارتأينا أن نتخذها مثالًا لا موضوع دراسة في هذه المقاربة التي تقترح منهج الشكل والمادة في دراسة الفضيلة وعلاقة ذلك بالمجتمع المعاصر الناشئ وما بعد التصنيع، أو ما يمكن تسميته مجتمع رأس المال السحابي‏‏[19].

تخص مقاربتنا الفضيلة أنها شكل ومادة. أما الشكل فيخص بِنيتها، أي الخصائص التي تميزها وتُحدِّد ماهيتَها‏‏[20]. وتكون هذه الخصائص مترابطة تُمثِّل نظامًا مؤسَّسًا ومؤسِّسًا أشبه بخلية ذات نواة وعناصر أساسية في حياة النواة. ويمكن استعارة نموذج «التمثال» في إدراك هذه العلاقة الثنائية، فشكل «التمثال» يمثل الرؤية أو الهندسة التي أوجدته بهذا الشكل، أما المادة، فتمثل نفسه (أي الصخور أو المعادن المكونة له ماديًا). فهما يمثلان وجهين لعملة واحدة، وإن كانت الأولية للشَّكل الذي يُمكن أن يُمثِل المادة بصِيغ مختلفة. من جهة أخرى، فمن دون المادة يصبح الشكلُ أمرًا نظريًا فحسب. أما الاستعارة الأخرى فالإنسان نفسه بوصفه موضوعًا نقاربه في العلاقة بين الروح (الشكل) والمادة (الجسد)، أي أن الإنسان في روح وجسد. ولو تصورنا جسدًا بلا روح كان ذلك حالة ميت – حي‏‏[21]، ويمكن أن يكون ذلك حال المجتمع.

تنتمي الفضيلة إلى عالم الفكرة وهي ذات بِنية أو رؤية، ومادتُها في تجلياتها، أي يبرز أثرها في الفعل الاجتماعي. فهي معنىً للحياة فردًا أو جماعة، وهي ترتقي بالإنسان ويَعْرِفها الإنسان إذا ارتفع إلى ما هو أكبر من نفسه ومن رغباته الأنانية، أو إذا اكتشف في نفسه قدرة على فعل شيء لم يكن في الإمكان تصوُّره من ذي قبل.

تطرح خصائص الفضيلة في نظرنا عناصر معرفية تتداخل مع الصعوبات المنهجية في مقاربة الفضيلة على النحو الآتي:

أولًا، أن الفضيلة تحمل التجريد، أي أنها تسمُو عن الواقع ولكنها تتطلَّب التجسيد في الواقع، فهي ليست خيالًا محضًا وليست واقعًا بحتًا، وهذه المنزلة ما يجعلها جزئيًا فضيلة. فهي تُؤطر الواقع فَرَضًا ولكنها لا تُفسَّر بالواقع ضرورة. فالواقِع قد يكون دليلًا عنها ولكنه ليس ممثِّلًا كافيًا لها وإلا انتفت صفتها التجريد وغاب دورها المستمر في حركة المجتمع والتاريخ. فهي مؤسسة في حالة من إمكان الإنجاز ولكنها ليست منجَزَة. وهذه الخاصية تجرُّنا إلى أولوية النص على الواقع والجدل في فلسفة اللغة إن كان السرد اللغوي صانِعًا للواقع أو تعبيرًا عنه أو إن كانت الحقيقة، أيًّا كانَت، في عالم الأفكار (أفلاطون) أو في عالم الحياة (أرسطو وابن الهيثم). وقامت على هذه المفارقة، أي النص والواقع، تيارات معرفية عميقة بين العقلانيين و«الميدانيين» ومال ابن رشد إلى العقلانيين وأتْعَبَ هذا التفرع الغزالي أبو حامد حيث أشار إلى أن الفلسفة «تُوفي بغرضها ولا توفي بغرضي»‏‏[22]. أما علم الأديان فتمسَّك بالنص نقلًا أو تفسيرًا واتخذ منهج التّناص، أي تفسير النص بالنص، وسيلة في التأويل، وحتى القياس كان في أغلب الأحيان يقود إلى النص أيضًا. وقد تحرَّك كل مجال وفق الآليات التي تحكُمُه. فالفضيلة في كل هذا ثنائية المكانة، أو واقعة بين التجريد والتجسيد.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 567 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 567 أيار/مايو 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 567 في أيار/مايو 2026.

عبد الرحمن عزي: أكاديمي إعلامي واجتماعي جزائري،
خريج جامعتي الجزائر ونورث تكساس.

الصورة من غيتي.

[1](*) باحث في مجال الفكر الأخلاقي الإعلامي الإنساني. من مؤلفاته: دراسات في نظرية الاتصال: نحو فكر إعلامي متميز (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993). البريد الإلكتروني: prof.azzi@gmail.com

أي المجتمعات المستقلة حديثًا بدءاً من خمسينيات القرن العشرين في آسيا، وأفريقيا وأمريكا الجنوبية.

[2] المجتمع الغربي المعاصر الذي يسوده قطاع الخدمات والمعلومات وبدأ رأسمالُه يتحول إلى رأسمال سَحابي (Cloud Capital) ، أي أن الثروة الأساسية تكمن في ملكية وسائل الإنتاج الإلكترونية.

[3] أي الفِطرة، أو فِطرة الخالِق التي فطر الناس عليها.

[4] بالنسبة إلى النظرية الفلسفية التي تنسب الأشياء إلى القوانين الطبيعية أي (Naturalism).

[5] نقلًا عن سقراط (كتاب أفلاطون: الجمهورية). انظر في ذلك: Plato, The Republic, translated by Benjamin Jowett (New York: P. F. Collier and Son, 1901).

[6] أي (Habituation) بحيث يرى أرسطو أن الفضيلة تكتسب بالتعوُّد، أي التكرار، وهي حالة تبدأ في الصغر فتترسَّخ إلى أن تُصبغ كيان الفرد لاحقًا، وربما إلى الأبد. ويكون دورُ الأهل والمُعلِّم حاسمًا في هذا التأسيس. انظر في ذلك: Aristotle, The Nicomachean Ethics of Aristotle, translated by F. H. Peters (London: Kegan Paul, Trench, Trubner and Co. Ltd, 1906).

[7] دخل الغزالي أبو حامد في نقاش محدود مع المعتزلة (كتابه: المستصفى) حول أحد الأمثلة الأساسية في الفكر الأخلاقي، أي ما هو سر «الدافع الحقيقي» الذي يجعل الإنسان يتحرك قصد إنقاذ إنسان آخر على وشك الغرق إلى جانب نهر؟ رأى المعتزلة أن الدافع إنساني بالدرجة الأولى ولا علاقة للدين في ذلك، إذ يمكن أن يكون المُنقِذ من أي دِين أو من دون دِين كأن يكون مُلحِدًا. وإذا سلَّمنا بهذه الفرضية، يصبح الدين «غير ضروري» أو يكون حضوره أمرًا زائدًا أو لا حاجة له أو إليه. ومَثَّل هذا الطرح تحدِّيًا للغزالي فأراد أن يقدم حجته ولم يوفَّق كثيرًا في نظري لأنه أراد أن يجادل المعتزلة بمنطقِهم لا بمنطقِه فوقع في منطقِهم إلى حد كبير، أي قوله إن الذي يجعل المُنقِذ يسعى إلى إنقاد الغريق هو ما يمكن تسميته «الانعكاس الشرطي» أي أن المُنقِذ يتصور نفسه في مكان الغريق ويتخذ الموقف الذي يتمناه لو كان في مكان الغريق. انظر في ذلك: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، المستصفى من علم الأصول، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1993).

[8] يرى كانط أن الأخلاق مسألة داخلية (Morality Within)، أي تنبع من داخل الفرد وقائمة على المنطق، وهي مبادئ موضوعية يتبناها الفرد في كل الحالات من دون استثناء. ومثال ذلك أن يكون الإنسان صادقًا في كل الحالات. ومتى دخلت حالة استثنائية، كألّا يكون صادقًا في حالات استثنائية، انتفت صفة الكونية في المبدأ بل لم يَعُد مبدأً أبدًا. انظر في ذلك: Immanuel Kant: The Foundations of the Metaphysics of the Moral, 1785), and The Critique of Pure Reason, 1788.

[9] تيار في الفلسفة الأخلاقية ومنهم الفيلسوف هيوم الذي يرى أن الأخلاق إحساس عاطفي مثلما نتألم عندما نسمع بمرض قريب (من الأقارب) أو بعيد. انظر في ذلك: David Hume, An Enquiry Concerning the Principles of Morals (Chicago, IL: The Open Court Publishing Co., 1912), and Stephen Satris, Ethical Emotivism (Boston, MA: Martin US Nijhoff Publishers, 1987).

[10] انظر في ذلك:G.E. Moore, Principia Ethica (Cambridge, UK.: Cambridge University Press, 1922).

[11] تيار في الفلسفة الأخلاقية ومنهم الفيلسوف مِل الذي يرى أن الفعل الأخلاقي يكون كذلك إذا كان نفعه أكثر من ضرره للأغلبية وفق معادلة رياضية دقيقة. انظر في ذلك: John Stuart Mill: «Utilitarianism,» (The book first appeared in 1861), and «On Liberty,» (The book first appeared in 1859), in: The Collected Works of John Stuart Mill, edited by John M. Robson (Toronto: University of Toronto Press, 1963).

[12] انظر في ذلك: مالك بن نبي، شروط النهضة (دمشق: دار الفكر، 1992).

[13] ذهب توينبي ومالك بن نبي إلى ربط حركة التاريخ بالمحرِّك الديني قي شكل دورات تاريخية صعودًا وانحِدارًا. وفعل ذلك فيبر (ماكس) باعتماد التحليل الاجتماعي عندما ربط السلوك الرأسمالي بالأخلاقيات البروتستانتية.

[14] أي Transcendental و Practical.

[15] مبدأ فلسفي يدرس الحقيقة في فردانياتها (Singularity).

[16] الشجاعة، ضبط النفس، الكرَم، البهاء (الكرَم مع الثروة)، الشهامة (الاعتزاز الصحيح)، الطموح الصحيح، المزاج الجيد، الصداقة، الصدق، الفطنة والعدل

[17] المراقبة، المحاسبة، النية، الإخلاص والصدق، انظر في ذلك: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين (بيروت: دار الكتاب العربي، 2008).

[18] Gordon Graham, Theories of Ethics: An Introduction to Moral Philosophy with a Selection of Classic Readings (New York: Routledge, 2011), p. 14.

[19] يعود مفهوم رأس المال السحابي (Cloud Capital) إلى الكاتب الاقتصادي اليوناني يانيس فاروفاكيس. ويشير رأس المال السحابي إلى عنصرين: أحدهما، أن ملكية وسائل الإنتاج تشمل وسائل الإنتاج الرقمي مثل تويتر، إكس حاليًا، وغيرها من المنصات التي تمتلكها أقلية أوليغارشية، ويصبح سائر البشر يدًا عاملة مجانية أو رخيصة تعمل على مدار الساعة لدى هذه الشركات من طريق التصفح. وثانيهما، أن رأس المال المادي البحت كإنتاج السيارات جزء من هذه الوسائل للتسويق ومضاعفة أرباحه مثلما فعل إيلون ماسك الذي يمتلك صناعة إنتاج السيارات الكهربائية واشترى منصة إكس لتعزيز مكاسبها. انظر في ذلك: Yanis Varoufakis, Techno Feudalism: What Killed Capitalism (New York: Melville House Publishing, 2023).

[20] أي (essence).

[21] أي (mort vivant).

[22] انظر في ذلك: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، المنقذ من الضلال (بيروت: دار الكتب الحديثة، 1988).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز