مقدمة
يعَدُّ السكان ركيزة أساسية في تكوين قوة الدولة وتحديد مقدراتها، لأن السكان هم القيادات السياسية والموظفون، والطلاب، والعلماء، والجنود. وبطبيعة الحال يعَدُّ السكان أحد العناصر الرئيسية المكونة للدولة في الأدبيات السياسية، فلا وجود للدولة من دون السكان، وإذا كان الاقتصاد هو عصب الحياة، فإن السكان هم عصب الاقتصاد، فلا يوجد اقتصاد من دون إنسان ينميه.
ينطلق هذا البحث من سؤال محوري: ما طبيعة العلاقة بين العامل البشري والأمن الوطني الليبي؟ ويتفرع منه التساؤلات التالية: ما المقصود بالأمن الوطني الليبي وعلاقته بالمفاهيم الأخرى؟ ما المقصود بالعامل البشري؟ وما طبيعة تأثيره؟ وما هو تأثير العامل البشري في الأمن الوطني الليبي؟
يفترض هذا البحث أن العامل البشري أثّر بصورة سلبية في الأمن الوطني الليبي من خلال الكمّ السكاني والإخلال بالتوزيع الجغرافي.
تكمن أهمية البحث في أن العامل السكاني يعد من العوامل الأساسية في بناء قوة الدولة ومركزها السياسي والاقتصادي والعسكري. فمثلًا الدولة التي يكون عدد سكانها قليلًا لن تكون قادرة في الأغلب على بناء قوتها السياسية أو الاقتصادية أو الصناعية أو العسكرية، كما أنها سوف تعاني مشكلة حماية حدودها من أي خطر خارجي. كما أن عدد السكان يمنح الدولة مركزًا للتأثير في البيئة الدولية، ومن شأن ذلك أن يؤثر في الأمن الوطني للدولة؛ والأمر الذي يحدد أوجه تأثير العامل البشري في الأمن الوطني هو كمّه ونوعه؛ على سبيل المثال الكثافة السكانية، والتوزّع الجغرافي للسكان، والتجانس العرقي والمذهبي، والمستوى التعليمي؛ جميعها عناصر حاكمة في التأثير في الأمن الوطني. وبناء على هذه الأهمية للسكان سنقوم بدراسة تأثيرها في الأمن الوطني الليبي من خلال العنصرين التاليين: أولًا، الكمّ السكاني والنمو السكاني؛ ثانيًا، التوزّع الجغرافي للسكان.
يهدف البحث إلى معرفة دلالة الأمن الوطني الليبي وعلاقته بالمفاهيم الأخرى؛ وبيان طبيعة تأثير العامل البشري في الأمن الوطني الليبي؛ وفهم آلية تأثير العامل البشري في الأمن الوطني الليبي.
الحدود الزمنية للبحث تمتد من عام 2011 إلى 2021. والحدود المكانية تركِّز على السكان الليبيين من خلال الكمّ السكاني، والتوزّع الجغرافي.
تعتمد هذه الدراسة على المنهج الوصفي – التحليلي وذلك من خلال وصف المتغيرات محل الدراسة (الأمن الوطني والعامل البشري)، وبعد ذلك تحليل هذه المتغيرات من خلال بيان آلية وكيفية تأثير العامل البشري في الأمن الوطني الليبي. كما سوف يتم استخدام المدخل (المقترب) التاريخي لإلقاء نظرة تاريخية على الظاهرة محل الدراسة والبحث وبالتالي الإلمام بمختلف جوانبها.
أولًا: الأمن الوطني
استخدم مصطلح الأمن الوطني بعد الحرب العالمية الثانية، وتجسد ذلك بالتشكيل التنظيمي المؤسسي أو العملي لمصطلح الأمن القومي بصدور قانون الأمن القومي لعام 1947 عن الكونغرس الأمريكي. أما بقية دول العالم فقد وضعت عنوانًا آخر هو «الدراسات الاستراتيجية» على الأدبيات التي عالجت موضوع الأمن القومي أو الوطني[2]. والجدير بالذكر أن جذور مصطلح الأمن الوطني أو القومي تعود إلى معاهدة وستفاليا عام 1648 التي أسست لولادة الدولة الوطنية أو القومية[3].
يحصر كثيرون الأمن الوطني في محور واحد يرتبط بالمجالات العسكرية، مثل، تعزيز ميزانية الدفاع، وإجراءات الأمن الداخلي، وكفاءة العمليات الاستخباراتية، ومحاربة الإرهاب. وهذه البرامج أو الاهتمامات نابعة من الاهتمام المتزايد بالمفهوم الضيق للأمن الوطني. نتيجة لذلك جاء الكثير من التعريفات لتعكس هذه النظرة الضيقة، مثل تعريف: «وهو الحماية من الهجوم الخارجي وبالتالي ينظر إليه على أنه دفاعات عسكرية في مواجهة تهديدات عسكرية»[4]. كذلك نجد أن تعريف هنري كيسنجر أكثر شمولًا ومفاده أن «الأمن الوطني هو التصرفات التي يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء»[5]، ولم يوضح التعريف ماهية هذه التصرفات وبالتالي يظل الباب مفتوحًا لاستنتاج هذه التصرفات التي غالبًا ما تتضمن عناصر القوة بمختلف أشكالها وليس العسكرية فقط.
تعرضت الدراسات الأمنية لتحليلات كبيرة وجذرية عقب تحول النظام الدولي من الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، تبعًا لذلك تحول الاهتمام من تناول القضايا التقليدية مثل الصراع العسكري وسباق التسلح إلى دراسة طبيعة الأمن ومكوناته وعناصره وأطره وسلوكه[6]. نتيجة لذلك تطور مفهوم الأمن القومي من الناحية الأكاديمية من مدلوله العسكري إلى مدلول تنموي شامل، حيث أثار وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت مكنمارا الاهتمام بالمفهوم الأوسع للأمن القومي. على النقيض نجد آراء نقدية تعمل وتدعو إلى النظر في مفاهيم ومدلولات وموضع المرجعية للأمن، وتطرح مفهوم الأمن الإنساني كمفهوم بديل عن الأمن الوطني[7].
وبالتالي نستنتج أن أغلب البرامج التي تهدف إلى تعزيز الأمن الوطني في كثير من الدول اليوم تتركز على جانب واحد من الأمن الوطني وتتغافل عن سائر الجوانب الجوهرية التي إغفالها سيتمخض عن تأثير سلبي للقضية الرئيسية (الأمن الوطني). لذلك فإن الحل يكمن في تبني تصور أو مفهوم شامل يؤكد ضرورة العناية بعدد من العوامل الداخلية والخارجية التي ترتبط بمجالات اهتمام الإنسان التي ستؤثر حتمًا في صياغة الحالة الأمنية للدولة.
في الحصيلة النهائية نجد مقاربتين[8] في هذا الصدد: تدعو الأولى إلى ضرورة توسيع مفهوم الأمن وبالتالي تطور حقل الدراسات الأمنية ليشمل مسائل تتعلق بالجوانب الاقتصادية والديمغرافية والبيئية، سواء باعتماد المجتمع كموضوع مرجعي (الأمن المجتمعي) أو بالنزول إلى المواطن كموضوع للأمن في إطار عالمي شامل (الأمن الإنساني). أما المقاربة الثانية فتختزل مفهوم الأمن في المجال العسكري وتعتبر من صميم اهتمامات واختصاصات الدولة وحدها.
يربط روبرت ماكنمارا في تعريفه للأمن الوطني بين الأمن والتنمية؛ ويبيّن أن الأخيرة هذه لا تعني البعد الاقتصادي فقط بل يجب أن تشمل جميع الأبعاد. فيرى ما كنمارا «أن الأمن الوطني يشمل أبعادًا كثيرة، فهي تنمية عسكرية واقتصادية واجتماعية، وتنمية للموارد والقوى المختلفة، وتنمية للمجتمع والدولة، وتنمية للعلاقات الخارجية والسياسة الداخلية»[9]. جدير بالذكر أن تنظيم الدولة لمواردها وتنمية قدراتها يجعلها قادرة على الحصول على حاجاتها الذاتية، وهو ما يساعدها على مقاومة الإخلال بالأمن أو اللجوء إلى العنف. الدول القادرة على سد حاجاتها تكون قادرة على غلق باب التبعية الخارجية وبالتالي صيانة أمنها الوطني. في الحصيلة النهائية «الأمن هو التنمية ومن دون التنمية لا يمكن أن يوجد أمن، والدول التي لا تنمو لا يمكن أن تظل آمنة» وهذا هو المفهوم الذي تتبناه هذه الورقة البحثية. لفهم العلاقة بين الأمن والتنمية انظر الشكل الرقم (1).
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 528 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 528 في شباط/فبراير 2023.
[1]المهدي إبراهيم: باحث من ليبيا.
[2] علاء عبد الحفيظ، «الأمن القومي.. المفهوم والأبعاد،» دراسات سياسية، المعهد المصري للدراسات، 11 آذار/مارس 2020، ص 1، <https://bit.ly/3jTaiVm>.
[3] ميلاد مفتاح الحراثي، تحديات الأمن القومي في غرب المتوسط: دراسة نقدية للأمننة وتحديات البيئة الأمنية وديناميكياتها في إقليم غرب المتوسط (السليمانية: مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، 2013)، ص 16.
[4] عبد الحفيظ، المصدر نفسه، ص 5.
[5] الحراثي، المصدر نفسه، ص 23.
[6] المصدر نفسه، ص 14.
[7] المصدر نفسه، ص 14-15.
[8] المصدر نفسه، ص 14.
[9] المصدر نفسه، ص 24.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



