مقدمة

الهند من أبرز القوى الدولية الصاعدة، وهي تطمح، مثل شركائها في مجموعة البريكس، إلى تطوير النظام الدولي القائم بحيث يعترف بمصالح وموقع القوى الجديدة الناشئة. ويتطلّع رئيس الوزراء الهندي الحالي إلى أن تصل الهند في عام 2047 (الذكرى المئة للاستقلال) إلى مرتبة قوة عالمية معترف بها على نطاق واسع. في السنوات الأخيرة تسارعت علامات تصاعد دور الهند في الشرق الأوسط ولا سيّما في منطقة الخليج. وكانت أكثر الإشارات بروزًا هي انضمام الهند عام 2021 إلى تحالف رباعي، بمظهر اقتصادي، يجمعها مع الولايات المتحدة والإمارات وكيان العدوّ الإسرائيلي. وكان سبق هذا التحالف انطلاق مسار للتطبيع العربي مع كيان العدوّ الإسرائيلي يُعرف بـ «اتفاقات أبراهام» وهذا ما دفع البعض إلى إطلاق تسمية «الكتلة الإندو أبراهامية» على التحالف الرباعي.

يتزامن هذا التحوّل ويترابط مع تحوّلات في البيئتين الدولية والإقليمية، إضافة إلى مستجدّات الداخل الهندي. إن وزن الهند الآسيوي وفي النظام الدولي كبير ويتصاعد اقتصاديًا وتكنولوجيًا وديمغرافيًا (أصبحت مؤخّرًا الدولة الأولى في عدد السكان)، وبالتالي لا بد أن يترك انغماسها المتزايد في شؤون المنطقة تأثيرات لا ينبغي الاستهانة بها. ورغم الحرص الهندي التاريخي على عدم الانحياز وتجنّب سياسة الأحلاف نجدها تغادر مؤخرًا هذا التقليد على مستوى منطقة الشرق الأوسط وتصبح أكثر التصاقًا بالسياسة الأمريكية والإسرائيلية ولو بحذر لئلا يورّطها ذلك بأي شكل من المواجهة مع إيران.

تتمركز المصالح الهندية داخل المنطقة في بلدان الخليج (البلدان العربية وإيران) في مجالات الطاقة وجذب الاستثمارات والعمالة، ثم مع كيان العدوّ الإسرائيلي لناحية التسلّح والتكنولوجيا. ويتزايد الاهتمام الهندي في السنوات الأخيرة بمسألة صعود المنظمات «الإسلامية» المتطرّفة حيث تضمّ الهند ما يقارب 200 مليون مسلم (14 بالمئة من السكان) إضافة إلى النزاع الواقع في إقليم كشمير وعلاقتها المتوتّرة بباكستان. ثم هناك المسألة الأكثر حداثة وهي تصاعد التنافس مع الصين ولا سيّما في ظل تراجع النفوذ الأمريكي كما ظهر في الانسحاب من أفغانستان، الذي يجعل نيودلهي قلقة من أن تحلّ بكين مكان واشنطن في هذه المنطقة الحيوية للاقتصاد والأمن الهنديين.

عمل الولايات المتحدة والغرب على تعزيز مكانة الهند في وجه الصين، وتحويل الشركات الغربية استثماراتها إلى الهند بدلًا من الصين.

إن البحث في السياسة الخارجية الهندية تجاه المنطقة يستوجب فهم المنظار الهندي للأمن القومي. وتفيد دراسة حديثة[2] بأن لهذا الأمن ثلاثة مصادر أساسية: الجغرافيا والتاريخ والإرث الثقافي.

الجغرافيا: (1) الخصوصية الجغرافية لشبه القارّة الهندية المحاطة بالجبال والمياه التي تجعلها متمايزة عن أوراسيا وتمنح من يسيطر عليها الشعور بأنه في مركز العالم والطموح إلى بلوغ مرتبة القوة العظمى؛ (2) السيطرة الاستراتيجية على البحار المجاورة التي تمنحها التأثير في مضائق ملقا وهرمز وباب المندب؛ (3) السيطرة الجيوسياسية على جوارها من موقعها في مركز شبه القارّة الهندية.

التاريخ: هنا تظهر بالتحديد (1) الواقعية المرتبطة بالفيلسوف الهندي كوتيليا الذي يرى أنه في العالم الواقعي السمك الكبير يأكل السمك الصغير، لذا لا ينجو الملك إلا بأن يكون غازيًا ذا قوة كبيرة من دون أي يكون مقيدًا بالأخلاق[3]. (2) الفيلسوف الثاني هو أشوكا الذي يؤكد أن النشاط السلمي أولوّية للدولة بينما الخيار العسكري هو خيار الضرورة فقط، فالحرب يمكن تجنّبها والعنف ليس الوسيلة الفضلى لمواجهة التحدّيات. (3) ثم هناك الممارسات والمفاهيم الأمنية للاستعمار البريطاني في الهند التي أصبحت جزءًا من الثقافة السياسية الهندية وفيها تظهر مفاهيم «المنطقة العازلة» وخطوط الحلقات الداخلية والخارجية أو «الجبهة العلمية»، و«محورية الهند».

الثقافة: (1) النظرة الهندوسية إلى النظام الهرمي ومن خلالها ترفض النخبة الهندية إلا أن تكون بلادها من ضمن بلدان المرتبة الأولى في النظام العالمي، وأما في النظام الإقليمي لمنطقة جنوب آسيا فيجب على دول المنطقة مراعاة مصالح الهند أولًا وأن تمتنع القوى الدولية الكبرى عن التدخل في شؤون هذه المنطقة. (2) إن قدر الهند كقوة عالمية هو هبة من السماء وليس أمرًا يعطى لها من أحد (ربطًا بالاعتقاد أن الحياة الأرضية للبشر هي انعكاس لما هو مقرّر في الحياة السابقة). (3) نظرية المسؤولية المرتبطة بنظام الطبقة الاجتماعية والوظيفة؛ وعليه فإن الاستقرار الإقليمي في جنوب آسيا هو مسؤولية الهند. (4) مفهوم الاستقلال/الاكتفاء المرتبط بثقافة مجتمع القرى في الهند حيث القرية هي الوحدة السياسية الأساسية المكتفية بذاتها والمدارة بذاتها.

ومثل كل القوى الصاعدة، تجد الهند نفسها أمام فرصة تاريخية لاستعادة مكانتها العالمية وهيبتها ونفوذها الدبلوماسي، ولتأكيد التعدّدية الدولية (تترأس الهند الآن مجموعة العشرين وتسعى لأن لتكون بمنزلة جسر بين الاقتصادات الغنية والبلدان النامية)[4]، وهذا كله يوجب نموّ النفوذ الهندي في غرب آسيا كما كان تاريخيًا. وعلى هذا الأساس أعاد ناريندرا مودي (حزب بهاراتيا جاناتا القومي)، رئيس الحكومة الهندي منذ عام 2015، إحياء مفهوم «الوصل غربًا» (West Link) أي غرب آسيا[5]. وخلال ولاية مودي الأولى 2009 – 2014 زار مسؤولون من إدارته كل بلدان المنطقة بما فيها سورية واليمن، باستثناء ليبيا.

تناقش هذه الدراسة الأهداف الأمريكية من الدفع نحو تطوير الحضور الهندي في المنطقة في ظل إدارة بايدن؟ وبناءً عليه أين يتقاطع ذلك مع أجندة المصالح الهندية وأين يتباين معها؟ وما الأسئلة والتحدّيات التي يمكن أن تولّدها السياسة الهندية في المنطقة على مشروع المقاومة؟

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 536 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

[1]حسام مطر: محاضر جامعي ومدير الدراسات الاستراتيجية في المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق – لبنان.

[2]   Hu Shisheng and Wang Jun, «India’s National Security Strategy: Pursuits, Origins, and Practice,» CIR, vol. 32, no. 6 (2022), pp. 120-130.

[3]   يطبّق كوتيليا مفهوم «المندالا» (رسم من دوائر متعددة) على بنية الجغرافيا السياسية، حيث الملك الغازي في المركز، والملوك المحيطون به هم أعداء طبيعيون. في نظام الماندالا خمس فئات: الغازي والعدوّ والحليف والوسيط (لديه حدود مع الغازي وعدوّه الأقوى ولديه القدرة على مساعدة أو مقاومة كليهما) والمحايد (طرف أبعد جغرافيًا ولديه قوة كبيرة).

[4]   كان رئيس الوزراء الهندي السابق مانموهان سينغ (2004 – 2014) يقول: «التطوّر الأكثر أهمّية في القرن الحادي والعشرين سيكون صعود آسيا. إلا أنه من المفيد الإشارة إلى فارق بين الصعود الأمريكي والصعود الآسيوي وهو أنه في الثاني لن تكون هناك قوة عسكرية سوسيوثقافية واحدة مهيمنة»، كما يشير الصحافي الهندي رانابار راي خودري.

[5]   Guy Burton, «India’s «Look West» Policy in the Middle East under Modi,» Middle East Institute, 6 August  2019, <https://www.mei.edu/publications/indias-look-west-policy-middle-east-under-modi>.


حسام مطر

أكاديمي وباحث متخصص في العلاقات الدولية، ومحاضر في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية في موضوعات علم اجتماع النزاعات والحروب وعلم الاجتماع السياسي ومنهج تداخل التخصصات.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز