أولًا: ما الشعبوية؟

الشعبوية مصطلح جديد في اللغة العربية مشتق من لفظة الشعب. استخدم العرب قديمًا مصطلحًا مشابهًا للشعبوية، وهو الشعبية أو الشعوبية، وكان يستخدم للدلالة على نزوع الفرس لقوميتهم والافتخار بها، وكراهية العرب. ويرى آخرون أن الشعوبية كانت حركة فارسية متحاملة على العنصر العربي ردًا على تحامل العرب على غيرهم[1]. ومن مقولات الشعوبيين آنذاك أن العرب والموالي عندنا واحد، ولا يرون للعرب حقًا، ولا يعرفون لهم فضلًا، ولا يحبونهم بل يبغضونهم ويظهرون لهم الغل والحسد والبغضة في قلوبهم[2]. ثم تطورت الشعوبية من كراهية العرب إلى كراهية الإسلام، وأصبحت مدخلًا للتشكيك فى ثوابت الدين ومطية للزندقة والطعن فيه؛ فالشعوبية هنا تقارب الشعبوية في بعدها المتحيِّز ضد الأجناس الملوَّنة كافة، والتحيُّز الفاضح للجنس القوقازي الآري الأبيض[3].

تُعرّف الشعبوية بوصفها أيديولوجيا أو فلسفة سياسية وثقافية، أو نوعًا من الخطاب السياسي، يطرح ما تريد الجماهير، أو ما تحلم به، لكسب دعمها وتأييدها[4]، ويُعرِفها آخرون بأنها أيديولوجيا الاستياء الموجهة ضد نظام اجتماعي مفروض من جانب طبقة مضى على وجودها في وضع الهيمنة حقبة زمنية طويلة، ويفترض أنها تحتكر السلطة والثروة والامتيازات والثقافة[5]. أما مولـر فيعرِّف الشـعبوية بوصفها نظـرة أخلاقويـة يتخيَّـل مـن خلالهــا الفــردُ العــالمَ الســياسي، كــما أن الشــعبوية تتضمــن بالــضرورة ادعـاءً بحصريـة شرعيـة التمثيـل الأخلاقـي للشـعب[6]، في حين يرى حسن حنفي أن الشعبوية هي السيطرة على الجماعة باسم الأيديولوجيا كما فعلت النازيّة والفاشية، وكما تفعل الصهيونية حاليًا. ويرى حنفي أن هذه الحالة من الشعبوية تقترب من تلك التي تسيطر باسم القومية أو العرقية المطلقة التي تستبعد القوميات الأخرى[7].

الشـعبوية إذًا نــوع مــن الخطــاب الســياسي الــذي يرمــي إلى دغدغــة مشــاعر القواعد الشعبية والبســطاء، وتوظيــف منطــق تسطيحي يقــدم حلــولًا سريعــة وســهلة تقوم على تبسـيط المشـكلات، أو ذلـك الخطـاب الـذي يراهـن عـلى الهامـش بـدلًا من المركز، كما يطلــق مصطلــح الشعبوية على نـوع مـن الخطـاب السـياسي غير المسؤول، الذي تنتشــر فيه كلمات أو شعارات من مثل: الإزالة وكنس الآثار، وتعقب البقايا… إلخ.

يمكن التمييز بين ثلاث مقاربات رئيسية بخصوص تعريف الشعبوية، هي[8]:

1 – المقاربة الأيديولوجية للشعبوية: يُعَدّ كاس موود، من أهمّ روّاد هذه المقاربة، حيث يعرّف الشعبوية بأنّها أيديولوجيا مركزية رقيقة  (Thin-centered Ideology) تحسب المجتمع منقسمًا إلى معسكرين هما «الشعب النقي» مقابل «النخبة الفاسدة»، وترى الشعبوية أن السياسة يجب أن تكون تعبيرًا عن الإرادة العامة للشعب.

2 – مقاربة الاستراتيجية السياسية للشعبوية، وهي التي ترى في الشعبوية استراتيجية سياسية يستخدمها نوع محدد من الزعماء الذين يسعون إلى الحكم على أساس الدعم المباشر من أتباعهم، ومن دون وساطة من أي طرف. ترتبط هذه المقاربة بوجود شخصية قوية كاريزيمية، تركز القوة وتحافظ على اتصال مباشر بالجماهير. انطلاقًا من هذا المنظور، لا يمكن الشعبوية أن تستمر على مر الزمن، إذ إن القائد سيموت عاجلًا أو آجلًا، ولا بد من عملية تعصف بها الصراعات.

3 – مقاربة الشعبوية كخطاب، في هذه المقاربة يرى كارلوس دي لي تور أن الشعبوية هي ذلك الخطاب الذي يبني السياسة بوصفها النضال الأخلاقي والأدبي بين الشعب والأوليغارشية.

من المؤكد أنه لم تخلُ أي من الأمم التي تصدَّرت في تاريخ البشرية من نرجسية ثقافية وتمحور حول الذات. ولم تكن الأمة العربية استثناء من ذلك؛ فقد نشأت قبل الإسلام في اعتزار شديد بالنفس وكبرياء وإباء للضيم، كما كان يقول عمرو بن كلثوم:

ونشرب إن وردنا الماء صفوًا

ويشرب غيرنا كدرًا وطينا

ثم عاشت هذه الأمة بعد ظهور الإسلام قرونًا من الفتوحات والغزو والعزة والسيادة والتصدر، فساهم ذلك في نمو نرجسية الريادة، التي تتجسد في رؤية الذات والآخر، حيث تعبّر عن نفسها أحيانًا في صورة إيجابية، مثل الاعتزاز بالذات والتاريخ، وأحيانًا بصورة سلبية، في صيغة تعالٍ على الأمم الأخرى، وتشكيل صور نمطية عنها، وشكّل ما وفره الإسلام للعرب من فرص التصدر في نشره وفي فتح العالم تحت رايته، وما فتحه لهم ذلك من أبواب القيادة والريادة، هذا التضخم في تمحور الذات العربية حول ذاتها، وتلك مفارقة أخلاقية كبرى، حيث إن الإسلام هو الذي لقَّن العرب بوضوح لا لبس فيه أن لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى[9].

ومع ذلك استمر هذا التعاطي غير الإيجابي مع الآخر غير العربي؛ فقد سمى العرب غيرهم في صدر الإسلام «موالي»، وهي لفظة محمّلة بمعاني الإلحاق الاجتماعي، وتستعمل في العربية أيضًا للأرقّاء السابقين. وكانت النظرة الدونية إلى الموالي سائدة بين النخبة السياسية العربية في العصر العباسي، كما كان العرب يتحفظون عن زواج المولى من المرأة العربية، برغم أنه يلاحظ أن الحدود التي بناها العرب بينهم وبين الأمم الأخرى لم تكن في أغلب الأحوال حدودًا عرقية، بل كانت ثقافية ولغوية في جوهرها، كما أنها لم تكن بالوضوح الذي كانت به لدى أمم أخرى بَنت أسوارًا عالية بينها وبين بقية البشرية، بالحكم على سائر البشر خارج حدودها العرقية بأنهم برابرة. صحيح أن العرب قسموا أمم الأرض قسمين: عربًا وعجمًا، أو عربًا وموالي، لكن ذلك التقسيم لم يكن جامدًا ولا حديًا، بل كانت الذات العربية – بفضل الإسلام – ذاتًا ثقافية مفتوحة، لا ذاتًا عرقية مغلقة[10].

من الواضح أن الإسلام فعل فعله في الذات العربية، وصار فيها الانفتاح على الآخر بديلًا من الانغلاق، بل إن «تلاشي الوعي العرقي بين المسلمين كان من أعظم منجزات الإسلام، ويبدو أن ثمة حاجة ماسة في العالم المعاصر إلى نشر هذه الفضيلة الإسلامية»[11]. وبالرغم من ذلك ظلت دعاوى التعصب للعنصر تلاحق العرب في التاريخ والحاضر، ولعل الخلافة الأموية هي أكثر مراحل الإسلام المتهمة بالتعصب للعنصر العربي؛ لكن يبدو أنه لم يكن في وسع الأمويين آنذاك إلا الاستعانة بالعرب لعدم وجود الحاجز اللغوي، وللكفاءة والمعرفة والقدرة على التعامل مع الأزمات والمواقف الصعبة، وكان موقف الخليفة عبد الملك القاضي بتعريب الدواوين يهدف إلى تحقيق وحدة الدولة وتماسكها، إذ إن اختلاف لغات الدواوين يكرّس اختلاف النظم المالية والإدارية، ويعيق عملية تنظيم إدارة الدولة وتوحيدها، كما أن تعريب الدواوين يعني إنهاء التأثيرات الشعوبية والعنصرية، وهو ما يؤكد سيادة الدولة سياسيًا على البلاد المفتوحة[12].

من هنا نجد أن التلاقي والتداخل بين العرب وعدد من الشعوب، وخصوصًا الأفارقة، يرجع إلى آلاف السنين، ونظرًا إلى عمق الصلات الأفريقية - العربية يطلق علي مزروعي على هذه العلاقات التاريخية والجغرافية المستمرة بين أفريقيا والجزيرة العربية اسم «أفرابيا»، ويرى أن الأوضاع الجيوسياسية المتغيرة في النظام العالمي الجديد سوف تدفع إلى دعم هذه الروابط والهويات المشتركة عبر الصحراء وساحل البحر الأحمر، وسيؤدي ذلك كله إلى صهر كل من العروبة والأفريقانية في بوتقة واحدة هي «أفرابيا»[13]، لتتجاوز أبعاد الصراع بين العرب وأفريقيا المتمثل بتاريخ الـرق وثـورة زنجبار، ويسعى لخلق حالة اندماجية تعبر عن التفاعل الثقافي العربي – الأفريقي، لتكوين إحساس جديد وعميق بالهوية المشتركة التي يمكن أن تجمع بين العرب والأفارقة، وهي محاولة لدفع الطرفين إلى إعادة النظر في الحدود المزعومة التي تفصل بينهما.

من ثمار التلاقي العربي – الأفريقي حدوث تداخل عرقي وثقافي عميق منذ التاريخ السحيق، حوَّله الإسلام إلى أخوّة إيمانية وإنسانية تتجاوز العصبيات والعرقيات، مؤكدًا أن الشعبوية العربية ليست بالحِدّة المدّعاة، وأن في الذات العربية مساحة للآخر ليدخل ويجد مكانه فيها من دون تعصب عرقي أو تعالٍ عنصري.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 528 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 528 شباط/فبراير 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 528 في شباط/فبراير 2023.

محمد خليفة صديق: جامعة أفريقيا العالمية – الخرطوم.

[1]  الخضر هارون، «الشعبوية،» موقع مقامات، 14 أيار/مايو 2017، <https://bit.ly/3IqusQF> (شوهد بتاريخ 1 حزيران/يونيو 2021).

[2]  عبد القادر بن محمد بدران، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق محمد أمين ضناوي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1996)، ص 41.

[3]  هارون، المصدر نفسه.

[4]  سمير قطامي، «الشعبوية.. إلى أين؟،» أفكار (وزارة الثقافة الأردنية)، العدد 339 (نيسان/أبريل 2017)، ص 27.

[5]  سيدي محمد حيماد، «يقظة الشعبوية،» مجلة اتجاهات سياسية (المركز الديمقراطي العربي، برلين)، العدد 3 (آذار/مارس 2018)، ص 147.

[6]           Jan-Werner Müller, What Is Populism? (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2016), p. 68.

[7]  حسن حنفي، «الشعبوية بين السلب والإيجاب،» أفكار، العدد 339 (نيسان/أبريل 2017)، ص 62 -63.

[8]           Carlos de La Torre, Populist Seduction in Latin America, 2nd ed. (Athens, OH: Ohio University Press, 2005), p. 4.

[9]  محمد مختار الشنقيطي، «نرجسـية الريادة ولجام الإسلام: صورتـان متضادتان عن الكْرد والسـودان والأمازيغ في التراث العربي،» مجلة تجسير (مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة قطر)، العدد 2 (2020)، ص 14.

[10]  المصدر نفسه، ص 14.

[11]         Arnold J. Toynbee, Civilization on Trial (London: Oxford University Press, 1957), p. 205.

[12]  علي محمد محمد الصلابي، عمر بن عبد العزيز: معالم التجديد والإصلاح الراشدي على منهاج النبوة (القاهرة: دار التوزيع، 2006)، ص 37.

[13]         Ali A. Mazrui, «Afrabia: Africa and the Arabs in the New World Order,» Ufahamu: Journal of the African Activist Association, vol. 20, no. 3 (1992(, pp. 51-62.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز