يبدو أنه من الملائم والمفيد توظيف المدخل الثقافي في دراسة السياسة الخارجية الأمريكية، خلال هذه الفترة، التي أخذ فيها منظّرو هذه السياسة وصانعو قراراتها يعوّلون كثيراً على نجاعة الدور المهم الذي يمكن أن تؤديه الوسائل الثقافية في إنجاز المقاصد والأهداف الخارجية للسياسة الأمريكية. فقد حظِيَ موضوع الدّبلوماسيّة الثّقافيّة باهتمام متزايد في خطاب العقل الإرشادي الأمريكيّ منذ مطلع القرن الحالي، خاصّة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001. فثمّة فيض من الدّراسات التي زخرت بها أدبيّات السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة تناولت الدّبلوماسيّة الثّقافيّة في جوانب تنظيريّة، ومعالجات تحليليّة تهدف في مجملها إلى تقديم وصفات إرشادية لدوائر صنع السياسة الخارجيّة الأمريكيّة[1].

وكان الاهتمام بالمنطقة العربيّة محوراً مشتركاً لمعظم ـ إن لم يكن جميع ـ تلك الدّراسات. لهذا يتناول هذا البحث بالدّراسة والتّحليل (السّياسة الثّقافيّة الأمريكيّة تجاه الوطن العربي) معتمداً في منطلقاته الفقهيّة على أدبيّات العلاقات الدّوليّة والنّظريّة السياسية، في ما يخصّ تحديد مفهوم الدّبلوماسيّة الثّقافيّة (Cultural Diplomacy)، والتّمييز بينه وبين مفهوم سياسة الهيمنة والتّوسّع الثّقافي، أو الإمبرياليّة الثّقافيّة (Cultural Imperialism) بشيء من العمق المعرفي، نظراً إلى وجود نوع من القصور الملحوظ، في هذا الشأن، لدى عدد من الكتابات الأمريكية عند تناولها للبعد الثقافي للسياسة الخارجية الأمريكية، حيث يظهر فيها نوع من اللبس بين مفهوم العمل الثقافي في بعده السياسي، ومفهوم الاتّصال الثّقافيّ البيني في بعده الدّبلوماسي.

إن هذا القصور الذي لاحظته من خلال مطالعة الأدبيات الأمريكية قد شحذ في نفسي دوافع التّساؤل عن حقيقة أو مجازيّة عبارة «الدّبلوماسيّة الثّقافيّة الأمريكيّة» في توصيف معطيات السّياسة الثّقافيّة الأمريكيّة تجاه المنطقة العربيّة. وينطلق هذا البحث من فرضيّة مفادها أنّ هناك تعمّداً في التّلبيس بين المفهومين لمقاصد تحريضيّة سياسيّة تبرر الهيمنة وميول التّوسّع الثّقافي في دوائر صنع السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة. فهذه العبارة ـ أيّ «الدّبلوماسيّة الثّقافيّة الأمريكيّة» ـ الرّائجة في الكتابات الأمريكيّة، عموماً، تعدّ نوعاً من التّهذيب أو التّبرئة للإمبرياليّة الثّقافيّة. وبالتّالي، فإنّ مضمون هذه الفرضيّة، بهذا المعنى، يجعل من الأهميّة بمكان الاستدلال بما ورد في إحدى دراسات أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة برونل (Brunel)، آدم كوبر (Adam Cooper)، حيث يقول: «الأكاديميون الأمريكيّون يشنّون حروباً ثقافيّة (لكنّ عدد القتلى قليل)»[2].

انطلاقاً من المعطيات السّالفة، فإنّ المعالجة التّحليليّة للإشكاليّة المطروحة في هذا البحث تقتضي، في المقام الأوّل، تحديد مفهوميّ «الدّبلوماسيّة الثّقافيّة» و«الإمبرياليّة الثّقافيّة»، وأوجه الفرق أو الاختلاف بينهما. كما تتطلّب، أيضاً، عرض أسباب ودلائل تزايد الاهتمام الثقافي الأمريكي بالوطن العربي، إضافةً إلى تحليل استراتيجيّة السّياسة الثّقافيّة الأمريكيّة تجاه المنطقة العربيّة على مستوى الأهداف ومستوى الأساليب وما ينجم عن هذه الاستراتيجيّة من مخاطر مختلفة على المستويات كافّة.

تأسيساً على ذلك، تتحدّد تقسيمات هذا البحث في ثلاثة مباحث أساسيّة؛ المبحث الأوّل منها يختصّ بالمناقشة الأدبيّة للإطار المفاهيميّ. ويهتمّ المبحث الثاني بدراسة أسباب ودلائل تزايد الاهتمام الثّقافيّ الأمريكي بالوطن العربي. أمّا المبحث الثّالث، فيعالج بالتّحليل استراتيجيّة السياسة الثّقافيّة الأمريكيّة تجاه الوطن العربيّ.

أولاً: المناقشة الأدبية للإطار المفاهيمي

إنّ معطيات الإشكاليّة المطروحة في هذا البحث، كما أوضحت في المقدّمة، تقتضي، بالضّرورة تحديد مفهوم «الدّبلوماسيّة الثّقافيّة»، وتوضيح الفرق أو مكامن الاختلاف بينه وبين مفهوم «الإمبريالية الثقافية»، إذ إن ضبط المحدد الرئيسي أو الخط الفاصل بينهما يرسم ويحدّد ملامح هويّة كلّ منهما، ويجعل صورة الإدراك الذهني لدى القارئ أكثر شفافية ووضوحاً. وبالتّالي يكون من السهل التعرّف إلى حقيقة السياسة الثقافية الأمريكية تجاه الوطن العربي، في ما يخصّ نعتها بسمات أو هويّة أحد هذَين المفهومين.

عليه، فإن السؤال الذي يمكن طرحه للمناقشة والإجابة، الآن، هو: ما هي الدبلوماسية الثقافية؟ وما الفرق بينها وبين الإمبريالية الثقافية؟

عند التحدّث عن الدبلوماسية الثقافية، فإنّ الحديث يكون متعلّقاً بدور العامل الثقافي في العلاقات الدولية. وإذا كان ذلك يختصّ بالسياسة الخارجية لدولة ما، فإنه يعني محاولة تلك الدّولة ممارسة النفوذ والتأثير في البيئة الدولية من خلال توظيف الركن الثقافي، أو ما يعرف بـ «البعد الرابع للسياسة الخارجية»[3] بوصفه بعداً مضافاً إلى أبعاد النفوذ التقليديّة الثلاثة: الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية.

وقد تزايدت أهمية الوسائل الثقافية في العلاقات الدولية بحكم التطوّر التقاني الذي شهده العالم، وما صاحب ذلك من تقدم في حركة الاتصالات الدولية على المستويات كافّة، إضافةً إلى سِمة المرونة والإقناع النابعة من القيم الإنسانية التي تتضمّنها الثقافة، وتساعد على فتح قنوات التواصل والحوار، وإزالة حواجز التواصل ونقاط التأزّم، وتحفظ الأبواب مفتوحة في الأوقات والظروف الصعبة[4]. كما أنّ نتائج التأثيرات المترتّبة على الوسائل الثقافية «تكون أكثر استقراراً واستمراراً من تلك التي يقود إليها استخدام الوسائل العسكريّة والاقتصاديّة»[5].

ولكون الدبلوماسية هي «فنّ أو ممارسة لإدارة العلاقات الدولية»[6]، فإنّ الثقافة تبعاً لذلك تؤدي دوراً مهماً في فعالية النشاط الدبلوماسي بين الدول، من خلال تعزيز سبل التفاهم المتبادل، عن طريق الجاذبيّة والإقناع بدلاً من الإرغام[7]. فهذه المفاهيم الثلاثة: الدبلوماسية، والثقافة، والتفاهم المتبادل، تشكّل في مُجْملها عناصر التفسير الأدبي للدبلوماسية الثقافية. وفي هذا الصدد، يعرّف ميلتون كامينز، الابن (Milton Cummings, Jr.)، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هوبكنز، الدبلوماسية الثقافية بأنها «تبادل الأفكار والمعلومات والفن وغيرها من جوانب الثقافة بين الأمم وشعوبها من أجل تعزيز التفاهم المتبادل»[8].

ويتحدث الناقد فرانك نينكوفيتش (Frank Ninkovich) عن الدبلوماسية الثقافية، ويرى أنها «تعزيز فهم الثقافة الأمريكية في الخارج»[9]. كما ترى هيلانا فين (Helana K. Finn)، الدبلوماسية الأمريكية ومن كبار الممارسين للشؤون الثقافية في وزارة الخارجية الأمريكية، أن الدبلوماسية الثقافية تتكوّن من جهود لتحسين الفهم الثقافي، وكسب ولاء الأجانب للمشروع الأمريكي طوعياً[10].

بهذا المعنى، يمكن فهم «الدبلوماسية الثقافية»، على مستوى النشاط، بأنها نوع من المزج أو التفاعل التكاملي بين ما يسمّيه جوزيف س. ناي (Joseph S. Nye) القوّة الناعمة (Soft Power) التي تعني القدرة على تحقيق الأهداف عن طريق جاذبية الثقافة بدلاً من الإرغام أو دفع الأموال[11]، وبين الدبلوماسية العامّة (Public Diplomacy) التي ترعاها الحكومة، وتهدف إلى إعلام الجماهير أو التأثير في الرأي العام في بلدان أخرى[12].

يتجلّى مما سبق، أن الدبلوماسية الثقافية تعدّ من ضمن الوسائل الفاعلة في تحقيق أهداف السياسة الخارجيّة، من خلال تسخير موارد القوّة الناعمة المتمثّلة بمقوّمات الثقافة عن طريق الجاذبيّة والإقناع وتطبيق القيم السياسية بإخلاص في الدّاخل والخارج على النحو الذي يجعلها مشروعة وذات سلطة معنوية أخلاقية لدى الآخرين في الخارج[13].

إنّ هذا المفهوم المتكامل نظرياً، قد يظلّ مثالياً بالنّظر إلى واقع الممارسة الدولية، وبخاصّة في السياسات الثقافية للدول الكبرى التي تسعى جاهدة إلى كسب النفوذ والهيمنة في معترك السياسة الدولية.

فالواقع الدولي يعكس البعد الصراعي على القيم المادية والمعنوية بين الدول. وفي هذا الصدد يقول الباحث الشهير لويس دوللو (Louis Dollot): «… ذلك لأن الأمر يتعلّق بالتنافس، حتى في قلب منظمة الأونسكو والمنظمات الإقليمية، حيث يجب ألّا تخدعنا عبارة «التعاون» الرنّانة، وسواء أتعلّق الأمر بنشر اللّغة والتظاهرات الأدبية أو الفنّية، وإعطاء المنح أو توزيع المساعدة التقنية، فإنّ كل دولة تسعى إلى توطيد تغلغلها الثقافي، وإذا حصلت على منافع فإنّ هذا يكون عامّة على حساب الآخرين…»[14].

ومن هذا المنطلق، يمكن تحديد الخيط أو الخطّ الفاصل بين مفهوم «الدبلوماسية الثقافية» ومفهوم «الهيمنة» أو «الإمبريالية الثقافية»؛ فالأول يتصف بالأخلاقية التي تمنحه قيمة معنوية رفيعة تجعله مشروعاً ومقبولاً، بينما يفتقر المفهوم الأخير إلى هذه السمة، إذ إنّه يهدف إلى التخلص من القيم السياسية العامة أو الحضارية؛ الأمر الذي يجعله في إطار سياسة التوسع الثقافي أو ما يعبّر عنه بخطر تشويه العلاقات الثقافية[15].

وإذا كانت السياسة الإمبريالية «تستهدف قلب الوضع القائم والقيام بمراجعة علاقات القوى بين دولتين أو أكثر»[16]، فإنّ الإمبريالية الثقافية هي «محاولة للغزو والسيطرة على عقول الناس كأداة لتغيير علاقات القوى بين دولتين»[17].

والواقع أن محاولة السيطرة على العقول تعكس الميول البراغماتية والأساليب اللاأخلاقية المبنية على المكر والخبث، بمعنى أنّها نفعيّـة تنطلق من النهج المكيافللي ـ الغاية تبرر الوسيلة. وهذا ما عبّر عنه أبرز أقطاب المدرسة الواقعية هانز مورغنتاو (Hans Morganthau)، في تحليله للسياسات الإمبريالية، بالقول: «.. لعلّ ما نسمّيه بالإمبريالية الثقافية، هو أكثر طرائقها مكراً ودهاء، ولو قدّر لها أنْ تنجح بمفردها، فستكون أكثر السياسات الإمبريالية نجاحاً. فهي تهدف إلى الغزو الإقليمي أو السيطرة على الحياة الاقتصادية، مستخدمة من احتلال عقول الناس والسيطرة عليها الوسيلة لتغيير علاقات القوى بين أيّ بلدين»[18].

ثمة، إذن، فرق كبير بين الدبلوماسية الثقافية، بوصفها وسيلة معيارية تشترط مبدأ التفاهم المتبادل[19]، وتستند إلى أسس سياسية أخلاقية ـ معنوية، وتمارس التأثير بطرق تبدو مشروعة من جهة[20]، وبين الإمبريالية الثقافية بوصفها أداة خارجية ذات قوّة ثقافية خفية مسخّرة للتوظيف السياسي خدمة للمصلحة الوطنية المطلقة على حساب الآخرين، في إطار من النزعة الاحتكارية والرغبة في فرض الهيمنة على الثقـافات الأخـرى، وضمن أساليب مبنـية على الإكراه والإقـناع الخداعي (Deceitful Persuasion)، وممارسة التأثـير بشكل أحـادي بعيداً عن التلـقائية ومبدأ التبادل في معطيات التفاهم والمنافع بشكل مشترك.

ثانياً: أسباب ودلائِل تزايد الاهتمام
الثقافي الأمريكي بالوطن العربي

تشير أدبيات العلاقات الثقافية[21] إلى أن بداية اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بالثقافة، كعنصر ملازم لسياستها الخارجية، ترجع إلى الثلاثينيات من القرن العشرين، ففي عام 1938 أنشأت وزارة الخارجية الأمريكية قسم العلاقات الثقافية الذي انحصر عمله الرسمي، بداية، في أمريكا اللاتينية، ثم امـتـد إلى منطقة الشرق الأوسط، وإلى الصين. وبعد أن خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب العالمية الثانية منتصرة، كقـوة دولية بارزة، بدأت تتكيف مع معطيات الواقع الدولي، فتـبنّــت الدبلوماسية الثقافية كمنهج أساسي في سياستها الخارجية بشكل متداخل ومدعوم في نشاط وكالة الاستخبارات المركزيّة (CIA)‏[22]. وكانت البادرة الأولى في أول آب/أغسطس عام 1946 متمـثلة بمشروع فولبرايت لتشجيع المبادلات الثقافية بين الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان أخرى، ثم تلاه مشروع سميث ـ موند في كانون الثاني/يناير 1948 الذي تم بموجبه استحداث دائرة ثقافية في وزارة الخارجية الأمريكية تحمل اسم «الدائرة الدولية للتبادل الثقافي»[23].

ومنذ عام 1953، برز دور وكالة الاستعلامات الأمريكية كمؤسسة مركزية للدبلوماسية العامة، وقد أنيطت بها مسؤوليات ثقافية مهـمة، وضُـمّـت إليها محطّة صوت أمريكا في عام 1978. وفي عام 1959، أُبدلـت الدائرة الدولية للتبادل الثقافي في وزارة الخارجية بمكتب الشؤون التربوية والثقافية، الأمر الذي شكّل نقطة البداية لدمج العلاقات الثقافية بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية[24].

وفي الثمانينيات من القرن الماضي، في ظل رئاسة رونالد ريغان، تزايد الاهتمام الأمريكي بالدبلوماسية العامة، كعنصر حيوي للاستراتيجية الوطنية، حيث تم توظيفها لمناهضة الاتحاد السوفياتي والتغلّب عليه[25].

وعلى الرغم من أن اهتمام السياسة الثقافية الأمريكية بالمنطقة العربية قد ظهر منذ بداية الخمسينيات مع بروز أهداف المشروع الإمبريالي الأمريكي ـ الصهيوني في هذه المنطقة، فإن هذا الاهتمام زادت حدّته بشكل ملحوظ في السياسة الثقافية الأمريكية مع العقد الأخير من القرن الماضي، وعلى نحو متعاظم مع مطلع العقد الأول من القرن الحالي، وذلك لسببين رئيسيين متتاليين ومتكاملين؛ السبب الأول يتمثل بأثر مفعول جرعات التحريض الفكرية، الناجمة عن مقال وكتاب الباحث الأمريكي الشهير صموئيل هنتنغتون (1993، و1996)[26]، في أذهان صنّاع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية. فـهنتنغتون يركّـز على أهمية ومحورية العامل الثقافي في الصراعات الدولية بعد نهاية الحرب الباردة، ويرى أن الصراعات الدولية ستكون صدامات حضارية بين الأمم ومجموعات الانتماءات الثقافية والحضارية المختلفة أكثر مما بين الدول، كما يتنبأ بأسبقية وحتمية الصدام الحضاري بين الثقافة الغربية وثقافة الشرق الإسلامي. أما السبب الثاني، فهو وقوع أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 المتمثلة بالهجمات التي تعرّضت لها مواقع في مدينتي نيويورك وواشنطن وما تلاها من توجيه اتّـهام إلى عناصر ومصادر عربية بشأن الضلوع فيها. عقب هذين العاملين، وما يرتبط بهما من أسباب تاريخية وسياسية واقتصادية عديدة، وفي ظـل معطيات النظام العالمي الجديد ـ بعد الحرب الباردة ـ أخذت السياسة الأمريكية توجس خيفة من الثقافة العربية الإسلامية، ومن ثم التحدّي لها تحدياً سافراً ومباشراً تحت ذرائع مختلفة[27].

ومن هذه المنطلقات، ارتسمت معالم الاهتمام الثقافي الأمريكي بالوطن العربي في استراتيجية جديدة قوامها الترافـد بين مسارين أو نهجين: الأول إرشادي ـ تحريضي يتمثل بالكتابات والأبحاث الأكاديمية المتعلقة بهذا الشأن، والثاني تنفيذي يظهر في مساعي وجهود الحكومة الأمريكية المعلن منها والخفي في إطار من التكامل بين أدوات الدبلوماسية التقليدية وأدوات الدبلوماسية العامة. فعلى المستوى الإرشادي ـ التحريضي انكـبّ الباحثون الأمريكيون على دراسة إشكالية التعامل مع الثقافة العربية من خلال تفكيك هذه الإشكالية إلى إشكاليتين مترابطتين؛ إشكالية التشخيص، أي معرفة السبب، إلى جانب إشكالية التعامل. ففي ما يتعلّق بمعرفة السبب أظهرت الكتابات الأمريكية تساؤلات عن سبب كراهية العرب لمواقف السياسة الأمريكية تجاه القضايا العربية: «لماذا يكرهوننا»[28].

أما في ما يخصّ كيفية التعامل مع هذه الإشكالية، فقد ركّـزت الكتابات الأمريكية على أهمـية توظيف الجوانب الثقافية بكل أبعادها ومستوياتها من خلال الاستثمار في أدوات القوة الناعمة والحاجة إلى الدبلوماسية العامة للسيطرة على المدارك العقلية عبر الوسائل الإعلامية والمبادلات الثقافية، وحتى المناهج التعليمية، تحت ذرائع الإصلاح الثقافي والسياسي. وفي هذا الصدد، نُشرت أبحاث عديدة تحمل عناوين بارزةً في السياق ذاته، مثل: «إدارة حرب الأفكار بالدبلوماسية العامة»[29]، و«الدبلوماسية العامـة والقـوة النـاعمة»[30]، و«القـلوب والعـقول على الإنترنت»[31]، وغيرها من الأبحاث التي تحرّض على ضرورة توظيف العنصر الثقافي كوسيلة أساسية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية في الوطن العربي من خلال غزو العقول والسيطرة عليها، واتخاذها منطلقاً للتغلغل وممارسة النفوذ في المنطقة لصالح الاستراتيجية الأمريكية على المستويات كافة.

وقد تركت هذه الكتابات التحريضية أثرها الواضح في صنّاع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قامت الحكومة الأمريكية، على المستوى التنفيذي، بجملة من الجهود والمساعي الملموسة، في إطار المزج بين الدبلوماسية العامة والدبلوماسية التقليدية بقصد إنجاز أهداف السياسة الثقافية الأمريكية في المحيط العربي. فبعد إلغاء وكالة الاستعلامات الأمريكية في عام 1999، عندما قامت وزارة الخارجية باستيعاب وظائفها وصارت قريبة من مراكز السياسة[32]، أنشأ البيت الأبيض مكتباً جديداً للاتصالات العالمية (Office of Global Communications) يعمل على تقديم قياسات لمستوى التحسـن في مدى استجابة الحكومة الأمريكية للتغطية الإعلامية في ما يخص الحرب على الإرهاب[33].

كما تم إنشاء دعامتين أساسيتين من دعائم وموارد الدبلوماسية العامة، هما: إذاعة راديو سوا بتاريخ 21 آذار/مارس 2002، وقناة الحرّة الفضائية بتاريخ 14 شباط/فبراير 2004، إذ إنّ الهدف الأساسي من إنشائهما هو البـثّ باللغة العـربية، للترويج للدبلوماسية الأمريكية في الوطن العربي[34].

وفي خطوة أخرى، تهدف إلى ممارسة التأثير الثقافي من خلال التأثير السياسي تحت عباءة الإصلاح، كما سيتّـضح في المبحث الثالـث من هذا المقال، تبنّـت الولايات المتحدة الأمريكية مبادرة متعددة الأطراف انطلقت في كانون الأول/ديسمبر 2002 تحت اسم «مبادرة شراكة الشرق الأوسط» (Middle East Partnership Initiative) تهدف إلى دعم جهود حكومات دول الشرق الأوسط لتعزيز الإصلاح في أربع مجالات، هي: السياسة، والاقتصاد، والتـعليم، والنهوض بالمرأة[35]. ففي 19 نيسان/أبريل 2005 أكّـدت أليزابيت ليز تشيني (Elizabeth L. Cheney)، النائب الأول لمساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ورئيس مبادرة الشراكة، آنذاك، في جلسة استماع أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، ضرورة العمل على إحداث تغيير في برامج التعليم في البلدان العربية، خاصّـة مناهج التنشئة الدينية والثقافية التي تعتبر في رأي الأمريكيين مصدراً أساسياً لانتشار التطرّف والإرهاب في الوطن العربي. وقد عبّـرت عن ذلك بقولها: «مكافحة الإرهاب من خلال التعليم…»‏[36]. وفي هذا الصدد طلبت إدارة الرئيس السابق جورش بوش (الابن) 30 مليون دولار لتمويل مبادرة شراكة الشرق الأوسط في ما يخصّ البرامج التعليمية للسنة المالية 2006‏[37].

هكذا، يتّـضح أنّ الاهتمام الثقافي الأمريكي بالوطن العربي ظهر وتعاظم كنتيجة أو استجابة سياسية لمضمون الخطاب الإرشادي الأمريكي الذي يركّـز على أهمية وحيوية الجانب الثقافي في التوجيه السياسي، لأنه يعمل في الخفـاء، ويسعى إلى محاولة تغيير الأفكار والاتجاهات والمدارك الذهنية، ومن ثم تأمين المصالح الأمريكية بشكل دائم، وضمان تدفّـق الموارد العربية إليها، مع تفادي الخسائر التي كثيراً ما تنجم عن أسلوب الغزو العسكري المباشر. وهذا ما يمكن وصفه بــ «سياسة إخماد المـدافع واستمرار المنـافع».

إنّ السؤال المهـمّ والجدير بالطّـرح والمناقشة الآن هو: كيف يمكن فهم السياسة الثقافية الأمريكية تجاه الوطن العربي في ضوء المعطيات والمفاهيم السالف ذكرها؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب، بالضرورة، تحليل استراتيجية هذه السياسة بقصد توضيح أهدافها والأساليب المتّبعة في تحقيقها. وهذا ما يتناوله المبحث الثالث.

ثالثاً: استراتيجية السياسة الثقافية الأمريكية تجاه الوطن العربي: المثالب والمخاطر

المقصود بالاستراتيجية، هنا، الأهداف المحددة في السياسة الخارجية الأمريكية، بشكل علني أو ضمني، بشأن التعامل الثقافي مع البلدان العربية والأساليب المتّبعة في تحقيقها على المستويات كافة. وعليه، فإنّ الأمر يتطلّـب، في هذا الخصوص، تحليل هذه الاستراتيجية على مستويين رئيسيين؛ مستوى الأهداف، ومستوى الأساليب.

1 ـ التحليل على مستوى الأهداف

بداية، أودّ الإشارة إلى أنّ الدول كافّـة، الكبرى منها والصغرى، لا تعبّر عن نواياها ومقاصدها في صيغة قد تتعارض مع القانون الدولي، أو تتنافي مع مثل وقيم الأخلاقيات الدولية، وإنما تسعى إلى إعلان أهدافها في إطار من التبريرات والبواعث المقبولة دولياً. بيـد أنّ ذلك لا يحول، من الناحية التحليلية، دون التعرّف إلى حقيقة وخفايا هذه الأهداف. وهذا ما يمكن اتّباعه في تحليل أهداف السياسة الثقافية الأمريكية تجاه الوطن العربي التي كثيراً ما يتم التعبير عنها في الخطاب الأمريكي، سواء على المستوى الرسمي، أو على المستوى التنظيري الإرشادي، بأنّها تتمثلُ بالإصلاح السياسي ومحاربة الإرهاب. وهذا ما يجعل من الأهمية بمكان التساؤل عن حقيقة وخفايا هذه الأهداف.

من الناحية التحليلية، يمكن القول إنّ غايات ومقاصد السياسة الثقافية الأمريكية تجاه المنطقة العربية تتحدد في الأهداف الرئيسية التالية:

أ ـ تأمين الوجود الثقافي الأمريكي على النحو الذي يضمن عملية التأثير المستمر والفاعل في اتجاهات الرأي العام العربي وتطويعها للتكيف مع تطلعات ومصالح السياسة الأمريكية في المنطقة. وهذا ما يمكن فهمه من فحوى التقارير الاستشارية الأمريكية التي كثيراً ما توصي بضرورة الاعتماد على الدبلوماسية الثقافية، لأهمية الدور الذي تؤديه في تحقيق أهداف الأمن القومي الأمريكي[38].

ب ـ غرس قيم وأنماط الثقافة الأمريكية في الوطن العربي، وتعزيز دورها على المستوى الذي يكفل فتح أبواب القبول العربي أمام السياسة الأمريكية، ومن ثم تأمين مستقبل المصالح الأمريكية وديمومة حصادها النفعي من الموارد العربية. وتتم عملية زرع القيم الأمريكية في الوطن العربي من خلال جملة من الأساليب لعلّ أهمها: الجهود المتنوعة التي تبذلها أجهزة الدبلوماسية العامة الأمريكية التي ترتكز، في الأساس، على حرب الأفكار وفق فرضية المقاربة الأمريكية التي ترى «أنّ النصر النهائي لا يحدث على أرض المعركة وإنما في العقل البشري»[39].

وتكمن خطورة هذه الجهود في كونها تستهدف قيم الوجود والأصالة وإضعاف الولاء والانتماء وتذويب الثقافة العربية، واغتيالها من حيث الغاية[40]. وهذا ما يمكن وصفه بأنه مخطط أو عملية اقتلاع للحضارة العربية، أي الانفصال عن الجذور الثقافية والحضارية للأمة العربية أو ما يعرف بـ «التغريب» (Westernization) الذي يهدف إلى طبع العرب والمسلمين والشرقيين عامة بطابع الحضارة الغربية والثقافة الغربية[41].

هكذا، فإنّ عملية زرع القيم الأمريكية بكل أنماطها ومضامينها وتوجهاتها تؤدي إلى خلق ظروف ومعطيات ثقافية تتمكن من خلالها الولايات المتحدة من تحقيق غاياتها ومصالحها في الوطن العربي؛ ذلك لأنّ هذه العملية ترتكز على أساس صياغة العقول وتكييف مزاجيتها بما يتلاءم مع معطيات الثقافة الأمريكية. وفي هذا الصدد، تشير الدراسات المهتمة إلى أنّ الواقع العربي تسوده مظاهر التبعية للإمبريالية الثقافية أو الاستتباع الثقافي المتمثل بالاغتراب اللغوي والثقافي وطمس معالم الشخصية العربية، وتشويه صورة الإنسان العربي، وتحويل الثقافة الوطنية إلى مادة استهلاكية، وما صاحب ذلك من تزايد هجرة كثير من العقول العربية إلى الخارج، إضافة إلى فرض بُنـى ثقافية في الوطن العربي ترتبط تبعياً بمراكز الإمبريالية الثقافية العالمية[42]، الأمر الذي جـرّ العرب إلى «دائرة الخطر الشديد الذي بات يهدد، ليس ثقافتهم وتراثهم وحضارتهم ولغتهم فحسب، بل أيضاً سيادتهم الوطنية، واستقلالهم السياسي، ووحدتهم القومية»[43]. هذا إلى جانب الرسوخ القوي والمتزايد للغة الإنكليزية في مراحل التعليم عموماً، والتعليم الجامعي خصوصاً؛ كنتيجة للعولمة والريادة الأمريكية في مجال تقانة المعلومات والاتصالات، الأمر الذي أدى إلى تدني وتراجع مكانة اللغة العربية[44]. ولا شك في أنّ ذلك يشكل خطراً على المستقبل العربي باعتبار أن اللغة العربية هي دليل الهوية العربية الفردية والجماعية ووسيلة الارتقاء والنهوض بالثقافة العربية.

وتكمن مخاطر زرع الثقافة الأمريكية في الوطن العربي، أيضاً، في كونها تعمل على ترسيخ أنماط وقيم الليبرالية، وهذا أسهم في ظهور ثنائية هائلة بين فكر ليبرالي وفكر سلفي[45]، إذ إنّ هذه القيم الثقافية الوافدة والغازية أدت إلى ردود أفعال ثقافية في الواقع العربي تمثلت بظواهر التفكير السلفي الذي ترسخ من الناحية الذاتية بمقدار الشعور بالعجز عن مواجهة التحديات الناجمة عن هذه الثقافة الغازية، ومن ثم التمسك بالتقاليد والأعراف، والرجوع إلى أمجاد الماضي، بدل التصدي للحاضر والتطلّع إلى المستقبل[46]. وكنتيجة لذلك، حدثت هذه الثنائية. ولعلّ هذا ما يفسر، ولو جزئياً، ما يحدث من صراعاتٍ مذهبية وحزبية وطائفية حادة في الوطن العربي تعمل على تمزيق الأمة العربية وشلّ حركة تطورها، وهذا ما يخدم أهداف أعدائها المتربصين بها وفق سياسة «فـرّق تـسُـد».

ج ـ تذويب عنصري الانتماء والولاء في الثقافة العربية، بقصد طمس الهويّة العربية، وإحلال هـوية جـديدة محلّها، مبنية على فلسفة استعمارية ترتكز على أساس إقليمي (هويّة شرق أوسطية)، وغايتها القبول بالآخر الغريب والمفروض استعمارياً (إسرائيل)، وذلك بحكم طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين المصالح الأمريكية وإسرائيل في المنطقة العربية. ولهذا نلاحظ أن كلّ المبادرات والمشاريع الأمريكية بشأن القضايا العربية ترد في إطار تسمية «شرق أوسطية» بقصد القضاء على الهويّة العربية عموماً.

إنّ هذه الأهداف الأساسية، وما يرتبط بها من أهداف فرعية على المدى القصير، والمتوسط، والبعيد، يتم إنجازها بأساليب ووسائل متعددة ومتنوعة، كما سيتّضح في ما يلي.

2 ـ التحليل على مستوى الأساليب

تتعدد وتتنوّع أساليب إنجاز أهداف السياسة الثقافية الأمريكية في الوطن العربي وفقاً للمعطيات والظروف السائدة في أيّ من الأوقات. ويمكن إبراز أهـمّ هذه الأساليب في الآتي:

1 ـ أسلوب التسلل الثقافي من خلال النفوذ السياسي. ويرتكز هذا الأسلوب على أساس جعل النفوذ الثقافي يتبع النفوذ السياسي أكثر مما يسبقه، وذلك باعتبار أن الغرس الثقافي للولايات المتحدة الأمريكية «يظهر نتيجة لأوضاعها الدبلوماسية أكثر مما يبدو ربحاً لتوظيفات ثقافية بحتة»[47]. فالولايات المتحدة الأمريكية تختلف، في ارتباطها الثقافي بالوطن العربي، عما هو عليه الحال بالنسبة إلى الدول الأوروبية، كفرنسا التي لها تغلغل ثقافي في بعض البلدان العربية بحكم النفوذ الذي مارسته فيها إبّـان المرحلة الاستعمارية. ولهذا أخذت الولايات المتحدة تعمل على تكريس جهودها لتهيئة الظروف السياسية المناسبة التي تفسح المجال أمام تطلعاتها الثقافية في المنطقة العربية، وبخاصة بعد أحداث أيلول/سبتمبر 2001، وذلك وفق مقاربة ترتكز على أساس «تغيير الثقافة باستخدام السياسة»[48] من خلال ممارسة أساليب الإغراء والضغوط على الحكومات العربية بهدف تغيير مناهج التعليم في الوطن العربي بما يتلاءم مع أهداف السياسة الأمريكية، وذلك، كما أسلفت الإشارة، تحت غطاء «إصلاح النظام التعليمي». فهل نجحت هذه المقاربة في تحقيق مآربها؟

إنّ الإجابة بـ «نعم» قد نجد ما يدعمها من وقائع ودلائل؛ ففي عام 2004 انطلقت مؤتمرات ومبادرات عديدة تبنّت موضوع الإصلاح والتعليم، من ذلك «مؤتمر قمة الجمعيات الأهلية» المعروفة باسم «المنتدى المدني العربي»، وإعلان الدوحة من أجل الديمقراطية والإصلاح، ووثيقة الإسكندرية، وإعلان صنعاء، والبيان الختامي للقمة العربية في تونس[49].

وإلى جانب ذلك، ظهرت بوادر ومؤشرات على تغيير مناهج التعليم في البلدان العربية، حيث «أعلن في اليمن عن إلغاء المعاهد الدينية»[50]، كما أعلن في السعودية عن «أنّ اجتماعات قد عقدت بين مسؤولين سعوديين من وزارة المعارف، ومسؤولين أمريكيين، لتوضيح سلامة المنهج التعليمي وعدم حضّـه أو تشجيعه على الإرهاب ومعاداة الآخر…»[51].

وفي مصر، تم الإعلان، في شهر نيسان/أبريل 2010، عن «إجراء تعديلات بمناهج التربية الدينية في جميع مراحل التعليم قبل الجامعي من الصف الأول الابتدائي وحتى الصف الثالث الثانوي»[52]، حيث أشار وزير التعليم المصري في مؤتمر عقد يوم 26 نيسان/أبريل 2010 بحضور مفتي الديار المصرية «إلى أنّ بعض هذه المناهج يحتوي على عبارات التطرف والعنف»[53].

هكذا، يتضح أن أسلوب التغلغل الثقافي من خلال النفوذ السياسي يعتبر من جهة ترجمة لمضامين الكتابات الأمريكية التي تحضّ على العمل بأسلوب المزج أو التكامل بين الدبلوماسية العامة والدبلوماسية التقليدية[54]، ومن جهة أخرى هو أسلوب مجدٍ وناجح بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لأنه يحقق مرادها عن طريق الجاذبية تفادياً لنتائج غير مرغوب فيها، وهي كثيراً ما تنجم عن الأسلوب الحربي المرتكز أساساً على توظيف عنصرَي القوة والإكراه في تحقيق الأهداف، وما يترتب على ذلك من خسائر فادحة على المستويين العسكري والمادي.

ب ـ التسلل الاستخباري تحت غطاء ثقافي. ويتمثل هذا الأسلوب بالنشاط الذي تمارسه السياسة الأمريكية من خلال إنشاء فروع للمؤسسات الثقافية الأمريكية في البلدان العربية، كإقامة الجامعات والمراكز الثقافية والبحثية وغيرها من المؤسسات وما يرتبط بها من أنشطة هادفة؛ كعقد الندوات، وتنظيم المؤتمرات، وبرامج المنح الدراسية والتدريبية، وتشكيل فرق البحث والدراسات الميدانية الإقليمية وغيرها[55]. فهذه المؤسسات في حقيقة وجودها هي بمثابة لافتات يتم من خلالها ممارسة أنشطة هادفة ومشبوهة ومدعومة من طرف وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)‏[56]. وهي بذلك تؤدي دوراً مهماً ومحورياً في تنفيذ أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، لأنها تسهم في تغذية مؤسسات صنع القرار الأمريكي بمعلومات دقيقة من مصادر موثوق بها، إضافة إلى ما تقوم به من دور في التعرّف إلى اتجاهات قادة الرأي والمسؤولين في البلدان العربية، ومن ثم تهيئة أنجع الوسائل والسبل للاتصال بهم والتأثير فيهم[57]. ومن الأمثلة التي يمكن الاستدلال بها، في هذا الصدد، الدور الذي يقوم به مكتب المعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي في منطقة الخليج العربي، حيث ثبت أنّ له أهدافاً مشبوهة وغير معلنة[58].

هكذا، يمكن القول إنّ هذه المؤسسات تضطلع بدور أساسي ومزدوج، فهي من ناحية تقوم بدور استخباري يتمثل بجمع المعلومات عن المنطقة العربية، ومن ناحية أخرى تعمل على أمركة هذه المنطقة، أي نشر قيم الثقافة الأمريكية في أوساطها على المستويات كافة.

ج ـ أسلوب التشويق والاجتذاب. وهو يعتمد على الأدوات والوسائل الثقافية بأنواعها المختلفة، سواء البطيئة منها (الكتب والفنون والمبادلات) أو السريعة المتمثلة بوسائل التواصل الرقمية، كالإنترنت والقنوات الفضائية والتقارير الإخبارية التي تنتقل سمعياً أو بصرياً بشكل مباشر وواضح ومثير. فهذه الوسائل تعطي مفعولها التأثيري عن طريق الترويض بأساليب سيكولوجية، كالإغراء والإقناع والجذب، ومن ثمّ السيطرة على القلوب والعقول، حيث تكمن الأهداف الحقيقية لحرب الأفكار التي تتأصل، من حيث بواعثها وأسبابها، على أساس تضارب أو تصادم الإرادات.

وقد اعتمدت المقاربة الأمريكية، في هذا الصدد، على التقانة وتكييفها مع معطيات عصر المعلومات المعولمة لتحقيق أهداف السياسة الثقافية الأمريكية. وهذا ما يمكن فهمه من خطاب كارين هيوز (Karen Hughes) في أيلول/سبتمبر 2005 بوصفها وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الدبلوماسية العامة ـ آنذاك ـ حيث أعلنت فيه عن مبادرة التقانة لاستخدام شبكة الإنترنت والمحادثة عبر هذه الشبكة، إلى جانب الرسائل النصّية في عملية توصيل ونشر القيم والمثل الأمريكية في الخارج[59].

والواقع أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ـ كما أسلفت الإشارة ـ قد تبـنّــت هذه المقاربة لتنفيذ سياستها الثقافية في الوطن العربي بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001. ففي شهر كانون الثاني/يناير 2002 صوّت الكونغرس على تخصيص مبلغ 34.6 مليون دولار أمريكي لتأسيس شبكة راديو الشرق الأوسط (Middle East Radio Network (MERN))‏[60]. وقد بدأت هذه الشبكة بالبث باللغة العربية، حيث تم تشغيل إذاعة راديو سوا في شهر آذار/مارس 2002 لتحلّ محلّ إذاعة صوت أمريكا[61]. وهي تبثّ فقرات موسيقية عربية، إلى جانب ما يتضمنه موقعها على الإنترنت من مقالات قصيرة مطبوعة، كما تبثّ برامج سمعية مباشرة. وفي خطوة أخرى في المسار نفسه، انطلقت قناة الحرّة الفضائية في شهر شباط/فبراير 2004، وتم تزويدها في آب/أغسطس 2005 بموقع جديد على الشبكة الإلكترونية‏[62].

وعلى المستوى المالي، يتم تغطية أنشطة هذه الوسائل الإعلامية من طرف المؤسسات الحكومية الأمريكية. على سبيل المثال أطلقت وزارة الخارجية الأمريكية في أواخر عام 2002 «حملة القيم المشتركة بميزانية قدرها 15 مليون دولار أمريكي استهدفت من خلالها قلوب العرب والمسلمين وعقولهم»[63].

إنّ علامة الاستفهام الأساسية التي يمكن إثارتها حول هذه الوسائل الأمريكية تتمثل بالتساؤل عن مدى دقّة وعدالة مضامينها. فهل تحرص هذه الوسائل على الالتزام بالتلقائية والدقّة والموضوعية، أم أنها تعمل على لوي عنق الحقائق لتوظيفها في اتجاه يخدم أهداف السياسة الأمريكية؟

الواقع أنّ هناك العديد من المآخذ على وسائل الإعلام الأمريكية في تناولها للقضايا العربية، إذ يؤخذ عليها أنها «تُحجِــم عن التساؤل بشأن سلوك إسرائيل بوجه عام تجاه الفلسطينيين وعملية السلام العربي ـ الإسرائيلي»[64]، بل إنّ هناك من يشير إلى ظهور دلالة التحيُّز إلى إسرائيل في وسائل الإعلام الأمريكية، من خلال اعتبارها لسلوكيات إسرائيل العدوانية ضد الفلسطينيين جزءاً من الحرب الأمريكية على الإرهاب[65].

هذه المآخذ تدل على أنّ وسائل الإعلام الأمريكية تمارس عملية التأثير والإقناع من خلال تشويه أو إسقاط بعض جوانب الحقيقة لتوظيفها في اتجاه يخدم أهداف السياسة الأمريكية وإسرائيل، وهذا ما يمكن اعتباره «الإقناع الخداعي» وفقاً لتعبير روبرت أ. دال (Robert A. Dahl)‏[66].

إضافة إلى ما سبق، فإنّ قيم الثقافة الأمريكية الغازية للوطن العربي قد أسهمت بدورها في إحداث اختلافات بين اتجاه يرفض الثقافة الوافدة، ويتمسك برصيد الأصالة، واتجاه متأثر بهذه الثقافة، ويسعى إلى تقليدها في مظاهر الحداثة. وقد أدّت هذه الاختلافات إلى حدوث نوع من التصدّع الثقافي في وعاء الهوية العربية الذي يمكن وصف تداعياته المختلفة بأزمة الهوية.

خاتمة

نخلص من المعالجة التحليلية السابقة إلى النتائج التالية:

1 ـ تأثير الكتابات الأمريكية في مسار السياسة الثقافية الأمريكية تجاه المنطقة العربية. فقد تزايد اتساع دائرة الاهتمام الثقافي الأمريكي بهذه المنطقة مع مطلع هذا القرن تحت تأثير سببين رئيسيين: الأول هو صدور كتابات صموئيل هنتنغتون الذي يركز على أهمية العامل الثقافي في الصراعات الدولية، ويتنبّـأ بأسبقية وحتمية الصدام الحضاري بين الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية. ويتمثل الثاني بوقوع أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 وما تلاها من توجيه الاتهام إلى أطراف عربية بشأن التورط فيها.

2 ـ ارتكزت المقاربة الأمريكية في سياستها الثقافية تجاه الوطن العربي على أساس حرب الأفكار، للسيطرة على المدارك العقلية عبر وسائل الإعلام المختلفة، وأيضاً من خلال الضغط على الحكومات العربية لتغيير مناهج التعليم تحت غطاء الإصلاح الثقافي والسياسي.

3 ـ تهدف الولايات الأمريكية في سياستها الثقافية تجاه الوطن العربي إلى تأمين وجودها الثقافي على النحو الذي يضمن ديمومة تأثيرها في اتجاهات الرأي العام العربي، وتطويعها للتكيف مع مصالحها من خلال غرس قيم وأنماط الثقافة الأمريكية في المنطقة، إلى جانب تذويب عنصري الانتماء والولاء في الثقافة العربية، بقصد طمس الهوية العربية، وإحلال هوية شرق أوسطية محلها.

4 ـ تتعدد وتتنوع أساليب إنجاز أهداف السياسة الثقافية الأمريكية في الوطن العربي وفقاً للمعطيات والظروف الإقليمية والدولية السائدة في أي وقت من الأوقات. ومن أبرز هذه الأساليب: أسلوب التسلل الثقافي من خلال النفوذ السياسي، وأسلوب التسلل الاستخباري تحت غطاء ثقافي، وأسلوب التشويق والاجتذاب المبني على الإقناع الخداعي.

5 ـ ملامح التوجه الإمبريالي تتجلى في السياسة الثقافية الأمريكية تجاه الوطن العربي عبر مظاهر عديدة تبرز في وسائلها وأساليبها الثقافية المختلفة؛ كالحرب الفكرية، والإقناع الخداعي، وميول التوسع والهيمنة والتشويه الثقافي. فهذه المظاهر تعكس إلى حدّ بعيد معاني ودلالات الغزو الثقافي.

كتب ذات صلة:

أمريكا الخصم والحكم: دراسة توثيقية في “عملية السلام” ومناورات واشنطن منذ 1967

الهيمنة الأمريكية على الأمم المتحدة ومستقبل الصراع الدولي دراسة في فلسفة السياسة

موقف الولايات المتحدة الأمريكية من الوحدة العربية 2008-1918