مقدمة

نظمت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن قمة من أجل الديمقراطية في كانون الأول / ديسمبر 2021، جمع خلالها عبر الفيديو، ممثلين عن أكثر من مئة دولة ومنظمة غير حكومية وشركات ومنظمات خيرية. وأوضحت وزارة الخارجية الأمريكية أن تنشيط الديمقراطية والدفاع عنها في الداخل والخارج لا ينفصل عن تعزيز مصلحة الولايات المتحدة. لهذا جمعت أول قمة عالمية من أجل الديمقراطية قادة الحكومات حول العالم والمجتمع المدني والقطاع الخاص لوضع أجندة عمل لتنشيط الديمقراطية والتصدي للتهديدات والتحديات الخطيرة التي تواجهها اليوم، من خلال العمل الجماعي لإثبات أن الديمقراطية لا تزال تعمل ويمكنها تحسين حياة الناس بطرائق ملموسة[1]. وقد علقت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الأمن والديمقراطية وحقوق الإنسان أوزرا زيا (Ozra Zia)، على هذا الحدث، فقالت: «نحن في لحظة الحقيقة من أجل الديمقراطية، بدون شك، إذ إن الديمقراطيات في العالم تواجه تحديات متزايدة مصدرها التهديدات الجديدة.. في جميع أنحاء العالم تقريبًا، شهدت هذه الدول درجات متفاوتة من التراجع الديمقراطي»[2].

وقد أثارت لائحة المدعوّين بعض الجدل والتوتر، إذ نددت كل من الصين وروسيا اللتين يعدّهما بايدن من أبرز «الدول السلطوية»، باستبعادهما، كما أغضبت دعوة تايوان بكين التي تعدّها مقاطعة صينية، حتى لو لم تكن تسيطر عليها. وقد رفضت الصين وروسيا فكرة وجود نموذج واحد للديمقراطية، كما كتب سفيرا روسيا أناتولي أنطونوف، والصين تشين غانغ، في مقالة مشتركة لهما في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي 2021، «أن تسمح الولايات المتحدة لنفسها بتحديد أي دولة تعد ديمقراطية وأي دولة ليست مؤهلة لهذا الوضع يكشف عن عقلية الحرب الباردة»[3].

عادةً ما يذهب من يوجهون السياسة الخارجية في ميدان العلاقات الدولية إلى عدم الاهتمام أو صرف النظر عن أطروحات الأوساط النظرية، غير أن هناك علاقة لا يمكن تجاهلها بين العالم النظري المجرد والعالم الواقعي، حيث تمارس السياسة، فتبرز الحاجة إلى النظريات حتى نضفي معنى على الكمّ الهائل من المعلومات التي تغمرنا يوميًا. حتى إن صانعي السياسة الذين يتعالون على النظريات، يعتمدون في واقع الأمر على أفكار خاصة بهم حول الكيفية التي تسيّر بها الشؤون الدولية – وفي العادة، لا يتم التصريح بها – إذا أرادوا اتخاذ قرار إزاء وضع معين، فالكل إذن يستعمل نظريات، بإدراك أو من دونه، حيث إن التباين في وجهات النظر تجاه السياسة المتبعة يعود إلى الاختلافات الجوهرية حول القوى الأساسية التي تسهم في صوغ حاصلات التفاعل الدولي. لذا، ستحاول الدراسة مقاربة خطوة الإدارة الأمريكية (عقد قمة من أجل الديمقراطية) استنادًا إلى افتراضات نظريتين من نظريات دراسة العلاقات الدولية، من أجل توسيع مجال قراءة الموقف وتعميق فهمه.

أولًا: نظريات العلاقات الدولية

تسعى دراسة العلاقات الدولية بوجه عام للتوصل إلى تحليل دقيق قدر الإمكان لحقائق الوضع الدولي، وذلك من خلال التعرف إلى طبيعة القوى التي تتحكم في تكوين الاتجاهات السياسية للدول بعضها إزاء بعض، وتحديد الكيفية التي تتفاعل بها القوى، والإلمام بمختلف التأثيرات وردود الأفعال التي تتركها في أوضاع المجتمع الدولي. وتُعد النظرية في مجال البحث والدراسة في حقل العلاقات الدولية المرشد العام والسند الذي تبنى عليها الدراسات في مجال العلاقات الدولية، من خلال توفير النموذج التحليلي والمعرفة الواسعة للظاهرة محل الدراسة، أو كما حددها جيمس دورتي (James Doherty) وروبرت بالتسغراف (Robert Pfaltzgraff) بأن الوظيفة الرئيسية لنظرية العلاقات الدولية «هي في تمكيننا من تحسين معرفتنا بالواقع الدولي سواء لفهمه فقط أو لتغييره»[4].

منذ ظهور العلاقات الدولية كحقل مستقل عن علم السياسة، ظهر الكثير من المحاولات التنظيرية على مستواه، تجلت من خلال نظريات ومدراس واتجاهات مختلفة، حاولت فهم وتفسير الواقع الدولي، وإعطاء صور واضحة عما يحدث داخله من تفاعلات وتأثيرات، كل منها بحسب تصورها الخاص. ومن أبرز تلك الاتجاهات أو النظريات ما يطلق عليه في كثير من الدراسات «الاتجاه الليبرالي للتنظير في العلاقات الدولية»، الذي حمل طابع النظريات التي تسعى إلى تغيير الوضع الدولي القائم من حالة «الحروب والصراعات»، إلى حالة الأمن الجماعي والسلم الدولي[5].

على الرغم من أن الاتجاه أو النظرية الواقعية تعَدّ النظرية السائدة في مجال دراسة العلاقات الدولية وتفسيرها، فإن لليبرالية ادعاءً قويًا بأنها البديل التاريخي منها، وكما هي الحال في الأحزاب السياسية، فإذا مثلت الواقعية خلال مراحل طويلة الحزب الطبيعي للحكومة، فإن الليبرالية كانت بمنزلة زعيمة المعارضة. كما كانت الليبرالية تجد نفسها من حين إلى آخر في موقف متفوق، حين كانت أفكارها وقيمها تحدد جدول أعمال العلاقات الدولية في أوقات تراجع الاتجاه الواقعي، وبخاصة في سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وما بعد الحرب الباردة، إذ شهدت انبعاث الليبرالية، حيث أعلن زعماء الدول الغربية عن ولادة نظام دولي جديد، وقدم المفكرون الليبراليون تبريرات نظرية لما تتمتع به الليبرالية من تفوق متأصل على الأيديولوجيات المنافسة[6].

يرى الليبراليون أن علاقات الدولة – المجتمع لها تأثيرات أساسية في سلوك الدولة في السياسات العالمية، أي أن الأفكار الاجتماعية والمصالح والمؤسسات تؤثر في السلوك من خلال تشكيل أفضليات الدولة، وهذه تعدّ غاية مهمة في ظل الحسابات الاستراتيجية للحكومات. وهذه العلاقات بين الدولة والمجتمع تتكون بواسطة المؤسسات الداخلية أو بواسطة الاعتماد الاقتصادي المتبادل أو من خلال الأفكار المتعلقة بتوفير الحاجات العامة القومية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويرى الليبراليون أيضًا أن السلام والرفاه والعدالة والتعاون تدار بواسطة مجموعة من القوى المعتمدة بعضها على بعض، التي تمثل أوجهًا لعمليات التحديث[7].

تلك معتقدات أساسية لليبراليين، لكن الليبراليين أنفسهم كثيرًا ما يختلفون حول استصواب مسألة اللجوء إلى إجراءات معينة من عدمه. وفي هذا السياق، من المفيد التمييز بين الليبراليين الذين يؤمنون بالتدخل والذين لا يؤمنون به، فالذين لا يؤمنون بالتدخل يعتقدون بأن النظام العالمي الليبرالي موجود ضمنيًا في التاريخ، وأن مزايا الليبرالية نفسها من شانها أن تنتشر من دون الحاجة إلى الحثّ من جانب أنصارها. أما الذين يؤمنون بالتدخل، ومن أبرزهم وودرو ويلسون، فهم يرون أنه رغم حتمية التقدم تاريخيًا، فمن الضروري أحيانًا مساعدته على ذلك. فقد تدعو الحاجة من حين إلى آخر إلى «الحرب» باسم المثل الأعلى الليبرالي من أجل تخليص العالم من الخصوم غير الليبراليين، فالحرب العادلة سياسة جائزة كليًا إذا كان الهدف هو تعزيز قضية الليبرالية الديمقراطية[8].

وتفيد الأدبيات المتخصصة في مجال التنظير للعلاقات الدولية أنه لا توجد ليبرالية واحدة، بل ليبراليات متعددة، تبعًا للظروف الدولية التي جاءت في سياقها، فتحدي تحقيق السلم والقضاء على النزاعات والحروب كان باستمرار غاية الليبراليين الأولى، لكن تعدد فرضياتهم ووسائلهم في الوصول إلى هذا الهدف هو ما جعلهم منقسمين إلى تيارات نظرية، يحاول كل منها أن يترجم بعض المبادئ والافتراضات الليبرالية العامة إلى حلول فكرية ونظرية، قابلة للتطبيق على أرض الواقع لما سمي «معضلة الأمن» في العلاقات الدولية. لكن لا يوجد إجماع بين المنظّرين حول عدد التيارات النظرية الليبرالية في العلاقات الدولية، حيث قسمها بعضهم إلى: الليبرالية التجارية التي تربط بين التجارة الحرة والسلم، والليبرالية الاجتماعية التي تربط بين الفعاليات العابرة للقوميات والتكامل الدولي، والليبرالية الجمهورية التي تربط بين الديمقراطية والسلم[9].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 535 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 535 أيلول/سبتمبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 535 في أيلول/سبتمبر 2023.

هاني رمضان العبد طالب: باحث دكتوراه في العلاقات الدولية، جامعة الجزائر3.

[1]  طارق الشامي، «هل ستكون قمة بايدن الديمقراطية… ديمقراطية؟،» إندبندنت عربية، 14/11/2021، <https://bit.ly/3lG1z70> (آخر زيارة بتاريخ 7 كانون الأول/ديسمبر 2021).

[2]   «بايدن يجمع حوالى مئة دولة في «قمة من أجل الديمقراطية» أثارت استياء الصين وروسيا،» فرانس 24، 9 كانون الأول/ديسمبر 2021، <https://bit.ly/3oWXcX8> (آخر زيارة بتاريخ 15 كانون الأول/ديسمبر 2021).

[3]   «الصين وروسيا أبرز المستبعدين.. بايدن يجمع قادة الديمقراطيات في قمة افتراضية،» الحرة، 9 كانون الأول/ديسمبر 2021، <https://arbne.ws/3p4s3Bn> (آخر زيارة بتاريخ 15 كانون الأول/ديسمبر 2021).

[4]   جيمس دورتي وروبرت بالتسغراف، النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية، ترجمة وليد عبد الحي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع- مجد، 1985)، ص 39.

[5]    محمد الطاهر عديلة، «تطور الحقل النظري للعلاقات الدولية،» (أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية الحقوق والعلوم السياسية قسم العلوم السياسية، جامعة الحاج لخضر- باتنة. الجزائر، 2015)، ص 147.

[6]   هاني طالب، مفهوم الحكومة العالمية في النظرية الليبرالية للعلاقات الدولية (برلين: المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، 2020)، ص 59.

[7]   أنور محمد فرج، نظرية الواقعية في العلاقات الدولية (السليمانية: مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، 2007)، ص 270.

[8]   غراهام إيفانز وجيفري نوينهام، قاموس بنغوين للعلاقات الدولية، ترجمة مركز الخليج للأبحاث (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2004)، ص 415.

[9]   عديلة، «تطور الحقل النظري للعلاقات الدولية،» ص 156.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز