مقدمة:

ترافق حصول دول العالَم الثالث على الاستقلال مع تحَدٍ كبيرٍ واجه المسَيِّرين الأوائل، ألا وهو مُواءمة البُنَى التقليدية لتلك المجتمعات مع الأشكال الحديثة للدولة الموروثة في عمومها عن الاستعمار. ومع تعمُّق النقاش طُرحت أسئلة كثيرة حول قدرة الدولة الوطنية على الصمود والبقاء وسط محيطٍ من البنى الاجتماعية العتيقة، الموروثة عن مرحلة ما قبل الاستعمار، كما طُرحت أسئلة أخرى حول ما إذا كانت الدولة الوطنية بنموذجها الغربي قادرة على الإجابة عن أسئلة تلك المجتمعات، وتقديم الحلول لمشكلاتها المختلفة، وعن قدرتها كذلك على رفع تحدي التخلف، وما يطرحه من ضرورة إعداد مشاريع ناجحة للتنمية السريعة كانت تلك الدول وما زالت في أشد الحاجة إليها.

تعد إشكالية العلاقة بين الدولة والبنى التقليدية من الإشكاليات القديمة المتجددة التي تطرح بشكل مستمر على مختلف المجتمعات، ولا سيَّما العالمثالثية منها؛ ذلك أن العلاقة بين الدولة كبنيةٍ حديثة من جهة، والقبيلة والعشيرة وغيرها من بنى تقليدية من جهة ثانية، ظلت في أغلب الأحيان علاقة غير واضحة وعصية على الفهم، ما يجعل البحث العلمي مطالباً بالوصول إلى تفسيرات واضحة لها تعين على التنبؤ بمسارات تلك العلاقة ومآلاتها، وضمن هذا المسار يتنزل هذا الجهد المتواضع الذي لا يسعى إلى أكثر من أن يطرح ملاحظاتٍ أولية تستحث البحث وتستثير السؤال عن المحددات الأساسية لتلك العلاقة وتداعياتها على الدولة من جهة وعلى البنى التقليدية من جهة أخرى.

وعلى الرغم من أن إشكالية العلاقة بين البنى التقليدية والدولة طرحت بشكلٍ أو بآخر على مختلف الدول النامية فإنها تُطرح بإلحاحٍ أكبَرَ عندما يتعلق الأمر بموريتانيا، ذلك أن التاريخ يشهد بغيابٍ شِبْهِ تامٍ لأي دولةٍ مركزيَّةٍ في موريتانيا قبل العام 1960، تاريخ استقلال هذه الأخيرة عن المستعمر الفرنسي. وزاد الأمر صعوبةً غياب أي إرث تاريخي للدولة المركزية في موريتانيا، قابله على الجانب الآخر حضورٌ كبيرٌ وبالغ التأثير للبنى التقليدية في تاريخ البلد؛ الأمر الذي حتّم الانتقال بشكل مباشر وسريع بالمجتمع الموريتاني من مجتمع تقليدي تحكمه القبيلة والعشيرة والمشيخة الصوفية وغيرها إلى مجتمع سياسي حديث متمثل بالدولة، وهو ما جعل من الضروري حدوثَ احتكاك بين البنيتين التقليدية والحديثة.

تسعى هذه الدراسةُ إلى تلمس طبيعة العلاقة بين البنى التقليدية كظاهرةٍ تاريخيةٍ واجتماعية لطالما شكلت ناظماً اجتماعياً للمجموعة الموريتانية، وبين الدولة كنظام وبنية سياسية طارئة على هذا المجتمع ومفروضة عليه بشكلٍ فوقيٍّ.

تنبعُ أهمية الدراسة من كونها تحاول تقديم رؤية جديدة للعلاقة بين هذه الثنائية، تأخذ بعين الاعتبار مدى التكامل الحاصل بين العلوم الاجتماعية المختلفة، فتنفتحُ على علوم وتخصصات عديدة، بدءاً بالتاريخ، مروراً بعلم الاجتماع السياسي، والأنثروبولوجيا وانتهاءً بالعلوم السياسية؛ وذلك انطلاقاً من كون الظواهر الاجتماعية هي من التعقيد بمكان بحيث لا يمكن الاعتماد في تحليلها على زاوية واحدة، أو على تخصص واحد مهما كان.

وإذا كان من المفترض، نظرياً على الأقل، أن يختفيَ نفوذ البنى التقليدية نهائياً لتَحُل محله سلطة الدولة، وأن يتحول الفرد الموريتاني من ربقة الولاءات والارتهان القبلي والجهوي والعرقي والشرائحي الضيِّق إلى الشعور، بل والقناعة، بالانتماء إلى كيانٍ سياسي جامع يحقق في كنفه المواطَنة والعيش الكريم، فإن الواقع يشير إلى أنه لا يمكن الجزم بأن ذلك هو الذي حصل‏[1].

فعلى الرغم من مرور ما يربو على نصفِ قرنٍ على استقلال موريتانيا فإن البنى التقليدية ما زالت لم تضع أسلحتها بعد، ولم تُخلِ مكانها للدولة الوطنية؛ وما زالت تنازعها السلطة على أكثر من صعيد، بل وأثبتت تلك البنى أنها قادرة في بعض الأحيان – ليس فقط على المنافسة مع الدولة وإنما – على قهرها والتفوق عليها أيضاً.

من هنا، من المهم التساؤل عن طبيعة العلاقة التي ربطت بين الدولة والبنى التقليدية منذ الاستقلال وحتى اليوم. فأي علاقة جمعت بين الطرفين؟ وهل كانت علاقة صراع أم علاقة تعاون؟ وما هي أهم الأطر التي حكمتها؟ والمراحل التي مرت بها؟ وكيف نشأت العلاقة بين الدولة من جهة وبين تلك البنى من جهة أخرى؟ وكيف تطورت تلك العلاقة؟ وكيف آلت في الوقت الراهن؟…

تبدو الإجابة عن السؤال البحثي السالف الذكر من الأهمية بمكان على اعتبار أنها تحمل في طياتها شقّاً أساسياً من الإجابة عن سؤال التخلف والتنمية الذي يرتبط مصير مختلف دول العالم الثالث – ومن ضمنها موريتانيا – بقدرة تلك الدول على الإجابة عنه، والوصول عبر تلك الإجابة إلى حلٍ جذري لمعضلة التخلف التي لازمت تلك الدول منذ استقلالها وحتى اليوم، والتي لا يعدو تجذُّر البنى التقليدية وهيمنتها على الدولة الوطنية أن يكون أحدَ مظاهرها وتجلياتها.

ستتناول الدراسة الموضوعَ من خلال منهجيةٍ مقارنةٍ، محاولةً التمييز بين ثلاث مراحل أساسية مرت بها علاقة الدولة بالبنى التقليدية في موريتانيا: الأولى، هي مرحلة الحكم المدني (1960 – 1978)، وقد تميّزت في البداية بمحاولة الدولة القضاء على البنى التقليدية لكنها اضطرت إلى مهادنة تلك البنى والاعتماد عليها في الحكم من خلال جعلها أداة مساعدة لخدمة الرؤية السياسية للحزب الواحد آنئذ (حزب الشعب)؛ والثانية، هي مرحلة الحكم العسكري المباشر (1978 – 1991)، وقد اتسمت بتشجيع الدولة للبنى التقليدية وفتح الباب أمامها على مصراعيه من أجل توظيفها في مساعدة العسكر على البقاء في الحكم؛ والثالثة، وهي مرحلة الحكم العسكري غير المباشر أو التحول الديمقراطي (1991 – 2016)، وتختص بكونها شهدت توظيفاً لمختلف البنى التقليدية من أجل التحكم في المسار الديمقراطي وفي نتائجه، باستخدامها كآلية للهيمنة على المجتمع.

إضافةً إلى المنهج المقارن الذي سيمكننا من التعرُّف إلى أوجه التشابه ونقاط الاختلاف بين تلك المراحل الثلاث من العلاقة بين الدولة والبنى التقليدية فإن هذه الدراسة البحثية ستعتمد أيضاً في إجابتها عن السؤال البحثي على المنهج التاريخي التعاقبي؛ من خلال محاولة الإجابة عن الأسئلة الكلاسيكية الثلاث لهذا المنهج وهي: كيف نشأت الظاهرة محل الدراسة؛ وكيف تطورت؛ وكيف آلت، الأمر الذي سيتيح لنا الاستفادة من المزايا الكبيرة التي يتيحها هذا المنهج كطريقة بحث في التعرف إلى أهم ملامح العلاقة بين الدولة والبنى التقليدية في موريتانيا في مختلف الحقب المعاصرة.

وسيتم تناول موضوع الدراسة من خلال خمسة محاورَ: يتناول الأول منها الإطار المفاهيمي للموضوع؛ في حين يخصَّص الثاني لتناول إشكال الهوية الوطنية وعلاقة التآثر بينها وبين الدولة؛ أما المحور الثالث فسيتعرض للعلاقة بين الدولة والبنى التقليدية في مرحلة الحكم المدني؛ ويتناول المحور الرابع العلاقة بين الطرفين في فترة الحكم العسكري، في حين أن المحور الخامس والأخير سيُفرَد للحديث عن العلاقة بين الدولة وتلك البنى في حقبة التحول الديمقراطي.

أولاً: الإطار المفاهيمي للموضوع: محددات أولية

ستحاول هذه الدراسة البحثية أن تعرِّف – بإيجاز – الإطارَ المفاهيميَّ والمحددات الأولية للموضوع، على أن تحاول قدرَ الإمكان تبيئة تلك المفاهيم ووضعها في سياقها المحلي، قصد الإجابة عن مختلف الأسئلة التي يثيرها الموضوع.

ولنبدأ بتناول مفهوم الدولة، إذ يُعرِّفها سعيد الصديقي بأنها: نظام سياسي ابتكرته أوروبا الغربية، ومر بمراحل وتحولات كثيرة قبل أن يفرض نفسه بين القرنين الثالث عشر والتاسع عشر الميلادي على مستوى أوروبا كلها ليمتد لاحقاً إلى الأمريكتين، فالدول الأفريقية والآسيوية التي استنسخت بدورها ذلك النموذج السياسي الغربي للدولة‏[2].

كما يُعرِّفها آخرون بأنها: «الكيان السياسي والإطار التنظيمي الواسع لوحدة المجتمع والناظم لحياته الجماعية وموضع السيادة فيه، بحيث تعلو إرادةُ الدولة شرعاً فوق إرادة الأفراد والجماعات الأخرى في المجتمع وذلك من خلال سلطة إصدار القوانين واحتكار حيازة وسائل الإكراه وحق استخدامها في سبيل تطبيق القوانين بهدف ضبط حركة المجتمع وتأمين السلم والنظام وتحقيق التقدم في الداخل والأمن من العدوان الخارجي»‏[3].

يبدو هذان التعريفان الأكثرَ التصاقاً بموضوع هذه الدراسة والأكثر تعبيراً عن مقاصدها، بيد أنه تجدر الإشارة أيضاً إلى أنه إلى جانب الاستخدام العام لمفهوم الدولة، الذي عادة ما يقصد به الجسم السياسي للمجتمع، هناك مصطلح أكثر تحديداً يقتصر فيه المعنى على مؤسسات الحكم أو السلطة الحاكمة في الدولة‏[4].

ستعتمد هذه الدراسة البحثية مفهوماً نسبياً ومَرِناً لمفهوم الدولة يقوم على المزاوجة قدر الإمكان بين المدلولين السابقين للدولة، بمعنى أن الدولة سترد في بعض مواطن هذه الدراسة البحثية بمعنى الكيان السياسي والإطار التنظيمي الواسع لوحدة المجتمع والناظم لحياته الجماعية وموضع السيادة فيه، كما سترد في مواطنَ أخرى منها بمعنى مؤسسات الحكم أو السلطة الحاكمة في الدولة، ولكن المدلولَ الأخيرَ سيكون الأكثر استعمالاً في ثنايا هذه الدراسة البحثية.

أما البنى التقليدية فيقصدُ بها تلك الأشكال من التنظيم الاجتماعي السابقة في وجودها على الدولة، والبنى التي سنركز عليها في هذه الدراسة هي: القبائل والعشائر؛ الإمارات التقليدية؛ المشيخات الصوفية؛ وأخيراً المجموعات العرقية والشرائحية‏[5].

ثانياً: التآثر بين الهوية الوطنية والدولة في موريتانيا

نقصد باستخدام مصطلح التآثر في هذا المحور أن العلاقة بين الدولة من جهة والهوية الوطنية من جهة أخرى قد أخذت شكل علاقة تأثير وتأثر متبادلة، بحيث إن الدولة قد أسهمت من حيث تدري أو من حيث لاتحتسبُ في صناعة أزمة هويةٍ في موريتانيا، عبر انتهاجها العديد من السياسات الاستعجالية التي ثبت فيما بعدُ أنها عمَّقت أزمة الهوية الوطنية. كما أن الهوية الوطنية بتعقيداتها المختلفة ومكوناتها العديدة قد تسببت في إضعاف الدولة «الفتية» وجعلها كياناً لا يخلو من بعض الهشاشة. فموريتانيا بلدٌ غير مكتمل النمو من مختلف الأوجه، كما أنه يواجَهُ بمشكلة تعددٍ قوميٍ بحيث يضم خمسَ قومياتٍ مختلفةٍ‏[6]، وهو منقسمٌ أُفقيّاً إلى عرقين هما: العرق العربي والعرق الزنجي الأفريقي، ومنقسم عمودياً – بحسب الأدوار والوظائف التاريخية – إلى فئاتٍ ثَلاثٍ‏[7].

إزاءَ وضعيةٍ مثل هذه الوضعية التي تُعرقِل بناءَ مجهودات الأمة، فإن الدولة قد انتهجت مجموعةً من السياسات التي حاولت من خلالها الحسْمَ في إشْكال الهوية، بيدَ أن تلك السياساتِ قد اتسمت بالكثير من الاضطراب تارةً والتناقض تارةً أخرى، كما أنها عرَفت «اعتمادَ الدولة للتوازناتِ والحلول التوفيقية وعدمِ الحسم حتى في الثوابت الكبرى، مما أحدث عيوباً خَلْقيةً لازمت الدولة الوطنية منذُ نشأتها وما زالت تلاحِقُها في طور الكُهولة، منها عدم الحسم في تحديد معالم الكيان الموريتاني، وإبراز هويته الحضارية وانتمائه الحقيقي، وهذا ما جَسَّدَتْهُ الدساتيرُ الأولى التي جاءت متردِّدَةً ومُحتشمةً، أو قُل إنَّها مَرِنَةٌ وغَامِضَةٌ، بشكْلٍ لم يَضْمَنْ للأغلبية سيادَتَها، ولا للأقليَّةِ حُقوقَها»‏[8].

ثالثاً: مرحلة الحكم المدني: الدولة والبنى التقليدية من المواجهة إلى المهادنة

بخلافِ العديدِ مِن البُلدان المجاورة التي استندت الدولة في قيامها فيها إلى ميراث تاريخي من السلطة المركزية فإن الدولة في موريتانيا قد وُلِدت مما يُشبه العدم، وكان لذلك تداعياته على المسيرة اللاحقة للدولة الوطنية ما دامت هذه الأخيرةُ لا تستطيع أبداً أن تهرب من محدداتها التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية‏[9]، وهي المحددات التي كان على مُسيِّري الدولة الوطنية البناء عليها في حقبة مابعد الاستقلال.

ومع الإقرار بوجاهة المُسَوغاتِ التي عادةً ما تُساق للحديث عن نشأة الدولة الموريتانية المعاصرة وعن كونها وُلدت بالكامل من رحم الاستعمار، فإن الباحث يرى أن إرجاعَ نشأة هذه الدولة بالكامل إلى الاستعمار لا يخلو من بعض التبسيط، إذْ لا يمكن إغفال التأثير الهام لمختلفِ التجارِبِ التاريخية التي تعاقبت على موريتانيا واستهدفت بناء شكل من أشكال الدولة في بلورة مشروع الدولة الوليدة‏[10]، وبخاصَّة أن تلك التجاربَ كان من الممكن ربما أن تُفضيَ إلى إنشاء شكل من أشكال الدولة لولا تدخل المستعمر الفرنسي، ذلك التدخل الذي أوقَفَ السَّيرورة الطبيعية للمجتمع وحال دونه ودون تطوير مؤسساته السياسية الخاصة به والنابعة منه.

لا يعني ذلك نوعاً من الإغفال لدور المستعمر في إنشاء الدولة الموريتانية الحديثة فهو دور لا يمكن إنكاره؛ فالمستعمر الفرنسي كان هو من وضع الأسس الأولية للعلاقة بين الدولة والبنى التقليدية، إذ إنه عندما قرر احتلالَ موريتانيا قد طرح سؤالاً مركزيّاً: ما هو الأسلوبُ الأمثل للتعامل مع البنى التقليدية للمجتمع؟ هل هو تحطيمها نهائياً وانتهاج نهج صراعي تجاهها؟ أم تجييرها وتوظيفها لتحقيق مصالحه عبر تحقيق نوع من التعاون معها؟ ولقد انتصرت وجهة النظر الأخيرة فسعى المستعمر إلى كسب ود تلك الزعامات واستقطابها إلى معسكره، في محاولة منه لجعلها أداةً بيده يُهيمِنُ من خلالها على المجتمع.

وسواء أكان كسْبُ ود تلك الزعامات التقليدية الدينية والعسكرية هو المشروع الأول للمستعمر الفرنسي كما يرى سيد إبراهيم ولد محمد أحمد‏[11]، أم كان هو المشروع البديل للمشروع الأول الذي يخفض من شأن الزعامات التقليدية العسكرية والسياسية، والرفع من شأن الزعامات الروحية والدينية وإحلالها محلَّها على ما يرى محمد المختار ولد السعد ومحمد عبد الحي‏[12]، فإن النتيجة واحدة، وهي أن السلطات الاستعمارية قد حافظت على البنى التقليدية للمجتمع وأبقتها على حالها تقريباً، وإن أحلت فيها العديد من التغييرات التي استهدفت بالأساس استبعادَ بعض زعامات تلك البنى ممن يعارضون سياساتها واستبدالهم بآخرين أكثر تعاوناً‏[13].

إضافةً إلى ذلك، لم يألُ المستعمر الفرنسي جُهداً في التفرقة بين مكونات المجتمع الموريتاني ودق إسفين في العلاقة بين أعراقه وإثنياته، ويظهر ذلك من خلال انتهاجه سياسة تقوم على التفرقة بين الموريتانيين العرب وأبناء جلدتهم من الزنوج الأفارقة من حيث نظامَي التجنيد والضرائب؛ ففي مجالِ التجنيدِ كان يتم إخضاع الموريتانيين من الزنوج لنظام من التجنيد يماثل النظام المطبق على السكان المحليين في المستعمرات الفرنسية في غرب أفريقيا، أما الموريتانيون العربُ فلم يكن يكتتب منهم للخدمة العسكرية إلا من اختارها منهم طواعيةً. وفي مجال الضرائب كانت السياسة المنتهجة من قبل المستعمر تقوم على التمييز في نوعية الضرائب المفروضة بين الموريتانيين الزنوج من أصل أفريقي الذين كان يتم فرض ضريبة على كل فرد منهم والموريتانيين من «البيظان» من أصول عربية الذين كانوا يؤدون ضريبة «الزكاة» عن المواشي (العشور)‏[14].

إزاءَ وضعٍ مثل ذلك مليءٍ بالصعوبات والمخاطر التي من بينها أن المستعمِر لم ينشِئْ أي بنية تحتية في البلد أو مرافق عمومية يمكن للسلطة الجديدة الاعتماد عليها في إدارة البلد، وأن موريتانيا كانت في ذلك الوقت محـلاً لمُطالباتٍ إقليميةٍ عديدة فإن النظام المدني الحاكم آنئذ قد سعى إلى خلخلة أسس بنية النظام التقليدي إدراكاً منه لاستحالة التعايش بين تلك البنى التقليدية وبين الدولة بمفهومها الحديث القائم على فكرتَي المواطنة، والمساواة وحكم القانون.

عموماً فإن روادَ دولة ما بعد الاستقلال – وفي مقدمهم الرئيس المختار ولد داداه – قد انطلقوا في محاولتهم لبناء دولة مركزية من تصور أن البنى التقليدية، ولا سيما القبيلة، تشكل خطراً كبيراً على الدولة وأن علاقة تلك الأولى بهذه الأخيرة هي علاقة صراع وأنهما متنافيتان، بحيث إنه على إحداهما أن تخلي مكانها للأخرى، فإما أن تحكم الدولة وتضعف البنى التقليدية أو أن يحدث العكس، فتُهيمن البنى التقليدية والقبلية وتضعف الدولة‏[15].

وقد بنى أولئك المسيرون تصوُّرَهم ذاك انطلاقاً من إدراكهم الدور السلبي للبنى التقليدية القبلية في تاريخ البلد، وأن تلك البنى كانت من بين أكبر المعوقات التي حالت دون قيام أيِّ سُلطةٍ مَركزيَّةٍ قبل الاستقلال، رغم المحاولات الكثيرة لإقامة تلك الدولة المركزية بدءاً بتجربة المرابطين، ومروراً بتجربة ناصر الدين وانتهاءً بالإمارات التي لم تتمكن أي منها من إقامة حكم مركزي شامل بسبب الصراعات داخل كل منها‏[16].

وإذا كان النظام المدني بقيادة الرئيس المختار قد بنى تصوراً واضحاً عن مدى الخطر الذي قد تشكله البنى التقليدية التليدة على تجربة الدولة المركزية التي كانت آنَئِذٍ في طور النشوء فإنه أيضاً لم يحاول القضاء على تلك البنى التقليدية بشكل نهائي وذلك انطلاقاً من إدراكه أن للبنى التقليدية، بما فيها القبيلة أيضاً، أدواراً إيجابيَّةً، خاصةً في ما يتعلق بالتضامن والتكافل الاجتماعي؛ وهو دور قد تشكل من خلاله أداة مساعدة للدولة في بعض المجالات. كما أن الرئيس المختار كان مُدركاً أن أي دولة إسلامية لا يُمكنها أن تسعى إلى القضاء بشكل نهائي على القبيلة لأن هناك العديد من الأحكام الشرعية التي يشترط لتطبيقها استمرار هذه الأخيرة ولا سيَّما في مجالَي قانون الأحوال الشخصية والقانون الجنائي‏[17] .

وقد سعى النظام السياسي القائم آنئذٍ إلى تجسيد تصوره السابق ذاك على أرض الواقع، وذلك باتخاذ جملة من الإجراءات التي استهدفت كلها خفضَ مكانةِ الزعاماتِ والمشايخ التقليديين وإدماجهم ضمن سيرورة الدولة المركزية الناشئة حينذاك، الأمر الذي دفع فيليب مارشزين إلى القول بأنه: على الرغم من أن مَرحلةَ ما قبل الاستقلال في موريتانيا كانت قد أعطت مؤشراتٍ على تجاوز المسلكيات القبلية مع تكون بعض التيارات السياسية التي كانت تستبطن تفكيراً سياسياً وطنياً فإن منطق الدولة لم يأخذ شكله الحقيقي إلا في ظل الحكم المدني‏[18].

ومن بين أهم تلك الإجراءات التي أقرها النظام المدني واستهدفت خلخلةَ البِنياتِ التقليدية والحدَّ من نفوذها بوصفها غير متلائمة مع بنية الدولة الحديثة الإجراء القاضي بإلغاء النظام البرلماني وإحلال نظامٍ رئاسي محله، وهو الإجراء الذي اتخذ في العام 1961، وتَظهرُ أهمية هذا الإجراء من كون النظام البرلماني في موريتانيا قد ظل تحت رحمة الشيوخ والزعماء التقليديين الذين تمَكَّنوا من الهيمنة بشكلٍ شِبهِ كاملٍ على النسخة الأولى من الجمعية الوطنية‏[19]، وقد أرفد هذا القرار بقرارات عديدة مماثلة صبت كلها في نفس الاتجاه، من قبيل إلغاء التعددية السياسية‏[20]، وتوحيد نظام الضرائب ووضعها على الدخل دون تمييز بين المواطنين، وفرض الخدمة العسكرية على جميع المواطنين القادرين دون أي تمييز أيضاً‏[21]، وإلغاء الرئاسة القبلية بوفاة صاحبها مما يعني عملياً قطع التجديد الطبيعي للسلطة التقليدية‏[22]، وإلغاء التعويضات التي كانت تقدم للأمراء والزعامات التقليدية‏[23]، وتسمية الولايات بالأرقام بدلاً من التسميات التقليدية وهو القرار الذي جاء من أجل مكافحة النزعات والتوجهات الجهوية والقبلية والعرقية التي قد تشجع عليها التسميات التقليدية‏[24]، وأخيراً القرار القاضي بالقيام بحملة من أجل مناهضة الشيوخ المزيفين‏[25].

وقد حققت كل تلك الإجراءات قدراً لا بأس به من النجاح، ولا سيما أنها تعززت بصرامة شديدة من قبل النظام الحاكم في معاقبة كل من يثبت تورطه في إثارة نعرات عرقية أو إثنية أو اعتصام ببنىً تقليديةٍ، وهي الصرامة التي ظهرت بجلاءٍ في تعامل السلطة الحاكمة مع أحداث العام 1966 العرقية‏[26]، وقد أدَّى ذلك إلى خَلخلةِ البنى التقليدية، وخاصة في مرحلة لاحقة حينما تعززت تلك الإجراءت ببزوغ مد الحركات اليسارية التي أدّت دوراً مهماً في مناهضة البنى التقليدية وخلخلة أركان النظم التقليدية القبلية والعشائرية‏[27].

وعلى الرغم من كل ذلك الجهد الذي بذله نظام الحكم المدني في خلخلة البنى التقليدية وتقويض أركانها فإنه نظراً إلى أن مؤسسة الدولة كانت طارئة على بقية المؤسسات التقليدية مثل المشيخة، والإمارة، والحوزة الصوفية، فإن الانتماء إليها (أي الدولة) والانصياع لقوانينها كان مرهوناً بمسايرة البُنى العتيدة. حدث هذا في وقت لم تكن فيه الدولة قد ملكت من الوسائل المادية والمعنوية ما يمكِّنها من فرض إرادتها، فجاءت تشريعاتها تصالحية وتوفيقية، فانعكس الأمر سلباً على مسيرتها اللاحقة، وفتح المجال واسعاً لصراع سياسي أصاب بعض الثوابت التي كان من المفترض أن تُحسم دستورياً بشكل ينصف كل الاتجاهات من دون أن يرضيها بالضرورة‏[28].

كما أن دخولَ موريتانيا في حرب الصحراء اضْطَرَّ النظامَ الحاكِمَ إلى مُهادنة البنى التقليدية حفاظاً على أكبر قدر من التضامن بين المواطنين؛ وهو التضامن الذي كشفت حرب الصحراء مدى هشاشته ومدى هشاشة الدولة الوطنية، وبخاصة أن تلك الحرب أثبتت مدى مناعة البنى التقليدية وتجذُّرها حتى في صفوف المؤسسة العسكرية التي يفترض في أعضائها أنهم آخر من يُؤمنُ بتلك الأطر ويتأثر بها‏[29] .

كما أن حزبَ الشعب على الرغم من أهمية الدور الذي اضطلع به في تلك المرحلة بوصفه أداةَ توحيدٍ مهمة في مجتمع منقسم، وآلية للحد من هيمنة البنى التقليدية، فإنه لم يتمكن من أن يتجاوز التضامنات التقليدية بين مناضليه الذين ظلت مرجعياتهم في الأغلب الأعم هي البنى التقليدية ذاتها، التي ظلت هي مرجعية كل ممارسة سياسية، ولا سيّما في المستويات الدنيا من الحزب، وخاصةً في سنواته الأخيرة، وبالتالي أصبح قصارى جهد الحزب هو أن يوظف تلك البنى التقليدية ويستفيدُ منها في تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية‏[30].

رابعاً: مرحلة الحكم العسكري: الدولة وإعادة إحياء البنى التقليدية

بدأت هذه المرحلة باتخاذ الحكام الجدد جملة من القرارات والإجراءات التي صبّت جميعها في خانة التمكين للبنى التقليدية وإعادة إحيائها، ومن بين تلك القرارات قرار قضى بإعادة تسمية الولايات بأسمائها القديمة بدلاً من تسميتها بأرقامٍ مُتسلسلةٍ كما فعل نظام الحكم المدني‏[31]. وقد فتح ذلك القرار البابَ على مصراعيْهِ لإعادة إحياء العصبيات والنعرات وتشجيع النزعات الجهوية، كما أنه لم يكن يخلو من خطورة على اعتبار أنه كان من الممكن آنذاك أن يدفع ببعض تلك البنى التقليدية إلى محاولة السعي إلى استعادة أمجاد الماضي القبلي والأميري وبخاصة أن الدولة المركزية كانت في ذلك الوقت هشّة وفتية. كما استبق ذلك القرار بقرار آخر ألغى من خلاله الحكام العسكريون الحزب الواحد (حزب الشعب الذي كان أداة الحكم في النظام السابق). وقد خدم هذا القرار أيضاً البنى التقليدية، إذ إنه على الرغم من كل ما قد يقال عن هذا الحزب فإنه كان يخفف إلى حد ما من غلواء البنى التقليدية ويشكل آلية توحيد هامة بين أفراد المجتمع، كما أُلغي البرلمان والدستور، وهي الأطر التي كانت تحكم من خلالها الدولة.

دفعت تلك القرارات بالباحثَين محمد المختار ولد السعد ومحمد ولد عبد الحي إلى اعتبار أن فترة الحكم العسكري المباشر قد شهدت: «نصراً مُؤَزَّراً للبنية القبلية وملحقاتها الإثنية والجهوية والمحسوبية على نظام الدولة»‏[32]، مُستدلَّين على ذلك بأن أول حاكمٍ عسكري قد بشّر في أول خطاب ألقاه بعد وصول العسكر إلى الحكم في إثرَ انقلاب 10 تموز/يوليو 1978 بالعودة إلى موروث عهد الإمارات القبلية، وهو ما اعتبر الباحثان أنه تم فيما بعد بطريقةٍ ما‏[33].

ذهب باحثٌ آخر هو فيليب مارشزين أبعد من ذلك حين اعتبر أن انقلابَ 10 تموز/يوليو من عام 1978 كان في جوهره انتقام الزعامات التقليدية من الرئيس المختار ولد داداه الذي كان يقود نظام الحكم المدني، حيث لم ينسَ أولئك الزعماء التقليديون الطريقة التي أقصاهم بها المختار ولد داداه من دواليب الحكم في بدايات الدولة الحديثة وتحديداً في مَطْلع الستينيات، كما أن التوجه الاشتراكيَّ الدِّيمقراطيَّ الذي أخذه النظام المدني كان مُقلِقاً لأولئك الزعماء وكان من بين الدوافع الأساسية التي دفعتهم إلى التحالف مع ضباط من المؤسسة العسكرية من أجل إطاحة نظام الحكم المدني‏[34].

وعلى الرغم من أن كل تلك المعطيات تعزز من صدقية الفرضية القاضية بأن الحكم العسكري قد قام بإحياء البنى التقليدية، ولا سيَّما أن هناك معطيات أخرى تعزز هذا الطرح ومن بينها أن المسألة العرقية قد عادت بقوة في عهد ذلك الحكم قبل أن تنفجر في شكل سلسلة من الانقلابات والتصفيات العرقية التي بلغت أوجها في العام 1989، إلا أن النظام العسكري أيضاً من جهة أخرى قد اتخذ بعض الخطوات التي كانت في حينها لها بعض الإيجابيات في محاربة البنى التقليدية. نذكر من بين تلك الخطوات على وجه الخصوص، قرار الإلغاء النهائي للرق عام 1980، وهو القرار الذي قُوبِلَ بمعارضةٍ شَديدةٍ من قبل الزعامات التقليدية‏[35]، والقرار الآخر القاضي بإلغاء الملكية التقليدية للأراضي وإحلال ملكية الدولة مكانها‏[36]، وكذلك القرار القاضي بتأسيس هَياكلِ تهذيبِ الجَمَاهيرِ، ولا سيَّما أن تلك الهياكل كان من بين الأهداف الأولى التي رسمت لها محاربة القبلية، فمعيار تشكيل الخلية هو القرب الجغرافي بغض النظر عن الانتماء العرقي أو القبلي وهو الهدف الذي حققت الهياكل بعض النجاح فيه‏[37].

خامساً: مرحلة التحول الديمقراطي: الدولة وتوظيف البنى التقليدية في الهيمنة على المجتمع

كان على النظام العسكري الذي أصبح نظاماً شبهَ عسْكريٍّ بعد بداية المسار الديمقراطي في العام 1991، أن يختار بين الاعتماد على المجتمعَين المدني والسياسي (الأحزاب السياسية) اللذين كانا لا يزالان في طور النشأة، وبين الاعتماد على البنى التقليدية العتيدة. وقد اختار النظام الخيار الأخير الذي اعتبره أكثر واقعية، وذلك انطلاقاً من المبدأ القاضي بأن الاعتماد على الموجود أولى من طلب المفقود‏[38].

انطلاقاً من ذلك الخيار، تمت هندسةُ النظام السياسي برمَّته بطريقة تجعل من الزعامات التقليدية وشيوخ القبائل والمشيخات الصوفية أقطاب التجربة الديمقراطية الناشئة آنذاكَ وأصحاب الكلمة العليا في البرلمان وباقي المؤسسات السياسية. وقد تأكد ذلك الخيارُ أكثرَ فأكثر بإنشاء الحِزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي الذي شكلَ ركيزةً لمُمَارَسَةِ العمل السياسي ظاهرها الديمقراطية والحداثة، وباطنها تشجيعُ العِرقية والفِئوية والقَبَليةِ والجِهَويةِ وغيرها من ممارساتٍ تتنافى مع مبادئ وأسس الدولة الحديثة.

لم يقتصر توظيف النظام للبنى التقليدية في الهيمنة على المجتمع خلال هذه المرحلة على ما ذكرنا، وإنما تم استدعاء تلك البنى أيضاً والاستعانة بها في خلق شرعيةٍ لنظام الحكم بدا أنَّها أخذت تتآكلُ داخلياً بسبب بعض السياسات التي استهدَفتْ إقصاءَ أحد مكونات المجتمع الهامة، ألا وهو المكون الزُّنجي، ولا سيَّما قومية البولار التي قمعها النظام بعنفٍ، وخاصةً منذ العام 1987‏[39]. كما أن تلك الشرعية بدأت تتآكل خارجياً بفعل مجموعةٍ من العوامل من ضمنها دعم نظام الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع للعراق ضد الحلفاء في حرب الخليج الثانية، وما جرَّه عليه ذلك من عقوباتٍ تمثلت بمحاولة حصاره والتضييق عليه اقتصادياً من قِبَل دول الخليج عبر إلغاء جميع أشكال المساعداتِ والدعم التي كانت تقدمها لموريتانيا آنذاك، والضغط عليه سياسياً من قِبَلِ الولايات المتحدة وفرنسا عبر حملةٍ إعلاميَّةٍ اتخذت طابَعاً حقوقياً، وتم من خلالها تصويرُ النظام الحاكمِ آنذاك، على أنه نظامٌ عنصريٌّ قام بإبادة آلاف الزنوج وتهجيرهم قسراً‏[40].

إزاء وضع كهذا لم يجد نظام الرئيس معاوية بُدّاً من أن يعمد إلى المزيد من الاحتماء بالبنى التقليدية، فأخذ يبني شرعيةً «جديدة» لحكمه معتبراً نفسَه حاميَ العروبة في البلد ومُخلِّصَ العرب الموريتانيين (البيظان) ومُنقِذَهم من التصفية على يد الزنوج (لكور).

علاوةً على ذلك، أخذ النظام في هذه المرحلة يضفي بشكلٍ واضحٍ على حكمه طابعاً قبلياً، بحيث غدت القبيلة واحدة من الأوراق المهمة التي يعتمد عليها من أجل إطالة مدة بقائه في الحكم لأكبر قدر ممكن من الأعوام، وذلك عبر توظيفها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً في الهيمنة على المجتمع وإضعاف قدرة قواه الحية على المعارضة وإرغامها على الانصياع لإرادة النظام الحاكم‏[41].

في هذا الإطار، لاحظ عبد الودود ولد الشيخ أن الأعوام الأخيرة من عهد الحكم العسكري المباشر قد عرفت ارتفاعاً ملحوظاً في نفوذ الأطُر القبليّة في ما يتعلق بالتجمّع والعمل السياسيَّيْن، كما عرفت تلك الأعوام بحسبه تعاظماً غير مسبوقٍ في الأدوار السياسية والاقتصادية والأمنيّة لقبيلة الرئيس. وتبدو ملاحظة ولد الشيخ هذه واردةً بشكل أكثر وضوحاً عند الحديث عن حقبة التحول الديمقراطي (الحكم شبه العسكري)، حيث إن قبيلة رئيس الدولة في هذه المرحلة غدت كدولة داخل الدولة، وأصبحت بيدها مقاليد الأمور في كل تلك المجالات، كما أصبح شيوخها ووجهاؤها يشكلون ما يمكن اعتباره مجلساً للحل والعقد.

ويشرحُ عبد الودود مظاهر هذا التمكين للقبيلة الذي حصل منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي وتوظيفها في الهيمنة على المجتمع بقوله: ها هي التجمعات القبليّة تُشجَّع بشكل علني وعلى مرأىً ومسمعٍ من الجميع كي يتم تسخيرها وتوظيفها في تبرير القرارات التي يتخذها النظام، «كما سيتم توظيفها أيضاً في حشد الولاء للرئيس، فيما يشبه شكل البيعة السلطانيّة، وذلك أثناء زياراته إلى داخل البلاد؛ وهي زياراتٌ ستتكثّف، في جوٍّ احتفاليّ يكاد يكون ملَكيّاً، مع تعزّز سلطته، وفي مثل هذه المناسبات، فإنّ على المسؤولين السامين في الإدارة (من وزراء، ومديرين،…) العودةَ إلى قبائلهم لكي يُضْفوا الطابعَ الرسميَّ على الخضوع للملك؛ وعليهم أن يكونوا فاعلين فيه بصفةٍ مزدوجةٍ: إداريّةٍ وقبليّةٍ»‏[42].

وإذا كان يمكن القول إن الطابَع العرقي لنظام الحكم الذي ظهر بوضوح في حقبة الرئيس معاوية قد تم التخفيف من وتيرته في المراحل التي أعقبت حكم الرئيس معاوية فإن ذلك لا يعني أن الاعتماد على البنى التقليدية في الهيمنة على المجتمع قد انتهى بنهاية حكمه؛ فالاعتماد على تلك البنى ظل قائماً في الحقبة التي أعقبت حكمه بدءاً بحقبة الرئيس إعلي ولد محمد فال التي عرفت تشجيعَ الحكام العسكريين للبنى التقليدية، وخاصة القبائل والجهات، من خلال إيعاز المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الحاكم لبعض خلصائه من زعماء ووجهاء القبائل بتأسيس ما يعرف بتيار المستقلين، وهو التيار الذي تم توظيفه في تلك الحقبة في منع المعارضة من الوصول إلى الحكم، كما سيتم توظيفه لاحقاً في محاولة تطويع الرئيس المدني المنتخب وجعله يذعن لإرادة قادة المؤسسة العسكرية، ليتم استخدام نفس التيار فيما بعدُ في إطاحة ذلك الرئيس.

خاتمة

رَغمَ أن الدولة الوطنية في موريتانيا كانت منذ نشأتها قد وضعت لها هدفاً أساسيّاً هو تقويض البنى التقليدية أو ترويضها؛ فإن هذه البنى لم تَمُت حتى وإن تم إعلان تشييعها مراراً؛ فهي لا تزال موجودةً وفاعلةً في الحقلين السياسي والاجتماعي الموريتاني على مرأىً ومَسْمعٍ من الدولة التي تراوح في تعاملها مع تلك البنى بين سياستيَ الصراع والتعاون؛ وهو ما يسمح بالقول إن هناك توظيفاً مزدوجاً بين البُنى التقليدية والدولة بحيث إن كـلاً منهما توظف الأخرى وتجيِّرها لمصالحها.

نستنتج مما سبق:

– أن الدولة في موريتانيا لم تكن نابعةً من داخل المجتمع ومنطلقةً من ضروراته الاجتماعية التي أنتجها عبر مساره التاريخي الطويل كما هو الحالُ مع الدولة في السياق الغربي، وإنما كانت آليةً غريبةً عنه وبنيةً مُستورَدَةً من خارجه فرضها عليه الاستعمار، وبالتالي فإنه تم النظر إليها منذ أول يوم لتأسيسها من قبل قطاعاتٍ واسعةٍ من المجتمع على أنها نموذج استعماري مُدانٌ بوضوح.

– أن التاريخ يشهدُ بغياب شبه تام لأي دولة مركزية في موريتانيا قبل العام 1960 تاريخ استقلالها عن المستعمر الفرنسي، وبالتالي فإنه كان على الدولة في موريتانيا أن تثبت أركانها وتنشِئَ هياكلها من العدم وفي غياب أيِّ بيئةٍ حاضِنةٍ، بل كان عليها أن تفعل ذلك في ظل بيئة نابذة، ومحيط اجتماعي يطبعه العداء للدولة التي كانت آنئذ لا تزال مجرد مشروع.

– أن الدولة في موريتانيا كانت أكبرَ من المجتمع، فلم يستطع هذا الأخير أن يستوعبها، مما أنشأ نوعاً من الصراع بين الدولة التي سعت إلى إدماج المجتمع قسراً ضِمنَ مؤسساتها الحديثة من جهة وبين المجتمع التقليدي الذي سعى بشتى الوسائل والطرق إلى التملص من تلك الهيمنة والتخلص من ربقة الدولة والتحرر من قبضتها المهيمنة من جهة أخرى.

– أنه، وتحديداً مُنذ عام 1978 تاريخ انقلاب العسكريين على الحكم المدني بقيادة الرئيس المختار ولد داداه، لم تُظهرْ أيٌ من السلطات العسكرية المتعاقبة على الحكم رغبةً فِعليةً في القضاء على تلك البنى التقليدية بل إنها شجعتها، وسعت إلى توظيفها من أجل تحقيق مكاسِبَ سياسيةٍ وقد انعكس ذلك المعطى بوضوحٍ على تلك البنى إذ إن دورها عرف ازدهاراً كبيراً منذ عام 1978.

– أن البنى التقليدية استطاعت أن تُجددَ نَفسَها باستمرار، وأن تظهر في أشكالٍ مختلفَةٍ، وأن تلبس لكل مرحلة لبوسها؛ وهذا ربما هو أحد الأسباب التي جعلتها تنجح في البقاء – حتى بعد مرور أكثر من سبعة وخمسين عاماً – على حكم الدولة المركزية.

– أن الدولة في موريتانيا لم تستطعْ أن تقومَ بأدوارها المفترضة من تحقيق للأمن والرفاهية، الأمر الذي جعل الأفرادَ يلجؤون إلى الاعتصام ببُناهم التقليدية العتيقة مثل القبيلة والعشيرة والزاوية والمجموعات العرقية والشرائحية لتعويضهم عن الأدوار التي كان يُفترضُ أن تقومَ بها الدولة.

تأسيساً على ما سبق، وانطلاقاً منه، فإن الدولة في موريتانيا تظل مطالبة بإعادة النظر في علاقتها بالبنى التقليدية على نحوٍ يسمح لها باستيعاب هذه البنى وتسخيرها لمشروع الدولة الوطنية، وهو الأمر الذي يمكن أن يتم انطلاقاً من مجموعة من المداخل نجملها في الآتي:

  •  الحد من نفوذ البنى التقليدية في الحياة السياسية، عبر تفعيل القوانين الموجودة حالياً – وتطبيقها – التي تحظر إنشاء الأحزاب والجمعيات على أسسٍ عرقيةٍ أو شرائحيةٍ، وتعزيز الترسانة القانونية للبلد بالمزيد من القوانين التي تمنع أي نوعٍ من الممارسة السياسية على أسسٍ عرقيةٍ أو شرائحيةٍ أو جهويةٍ أو قبليةٍ، وإقرار عقوباتٍ رادعةٍ لكل من يدعو إلى تجمع أو اجتماع سياسي انطلاقاً من واحدٍ من تلك الأسس.
  •  الاعتماد على المجتمعين السياسي والمدني في إقامة التحول الديمقراطي المنشود – بدلاً من البنى التقليدية التي هي بطبعها غير قادرة ولا راغبة في أداء ذلك الدور – وتقويتهما ورفدهما بالوسائل اللازمة التي تمكنهما من القيام بدورهما في تقوية الروح الوطنية، وتنوير المواطنين وتوعيتهم، والتوقف عن سياسة التمييع والإضعاف التي تنهجُها الدولة حالياً تجاه كل من هذين المجتمعيْن، ولا سيما أن التجربة والخبرة التاريخية دلتا على أنهما يمكن أن يشكلا شريكاً مثالياً للدولة في عملية البناء الوطني وفي تحقيق التنمية والديمقراطية، لكن يجب الانتباه إلى ضرورة أن تقوم الدولة بتنقية ذينك المجتمعين من شوائب البنى التقليدية ولا سيَّما أن تلك البنى تمكنت من التغَلغُل داخل كلٍّ من ذينك المجتمعين وتسلط هيمنتها وسلطانها عليهما، وهو الأمر الذي ظل يتم على مرأىً ومسمع من الدولة.
  •  توحيد النظام التعليمي ووضع حدٍ للازدواجية الحالية التي يعرفها هذا النظام، والتي أفسدت التعليم وأحدثت قطيعةً داخلَ النظام التعليمي للبلد، وحولته إلى نظامين منفصلين: أحدهما بالعربية؛ والآخر بالفرنسية؛ وبلورة مشروع تعليميٍ حقيقيٍ يتم فيه توحيد لغة التدريس، مع عدم إهمال تدريس اللغات الوطنية وإيلائها أهمية كبرى داخل المنظومة التعليمية، فمن غير المنطقي أن يستمر النظام التعليمي الحالي الذي ثبت فشلُه للجميع، مع مراعاة أن تواكَب تلك الإصلاحات برؤيةٍ جادةٍ لتوظيف ذلك النظام التعليمي في البناء الوطني وفي التغلب على العراقيل التي تعوق عملية الاندماج الوطني.
  • القضاء على ظاهرة التقرّي الفوضوي ومحاربتها بوصفها أحد تجليات طغيان المزاج القبلي المتحكم في عقول وقلوب الناس، وكونها مظهراً من مظاهر عجز الدولة عن توجيه الإرادة القبلية، وكبحها عن سلوكٍ لا يستجيب لأدنى ضوابطِ العُمران الحديث، ويضاعفُ كلفةَ المشاريع التنموية[43].
  • إعادة النظر في التقسيم الإداري الحالي للدولة الموريتانية، وبناؤه على معاييرَ جديدةٍ تراعي ضروراتِ البناء الوطني ومتطلبات التنمية، بدلاً من التقسيم الإداري الحالي الذي يكرِّس بشكلٍ واضحٍ الجِهويةَ والقبلية والعرقية والشرائحية، ويُضعف كلَّ مجهوداتِ البناء الوطني.