مقدمة

مثلت عملية طوفان الأقصى عملًا عسكريًا غير مسبوق في تاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، من حيث طبيعة الهجوم وحجم الخسائر التي تعرض لها هذا الكيان الصهيوني في هجوم مباغت بصورة غير مسبوقة بحسب الكثير من الخبراء[1]، ومن حيث نطاق التأثير الدولي وتأثيراته التي ما زالت آخذة في التطور إلى الآن. ويُتوقع أن تكون لهذه العملية نتائج تمتد إلى عدة سنوات وإلى عدة مناطق من العالمين العربي والغربي على السواء، وهي تمثل في منظور تحليل النزاعات الدولية حدثًا خاضعًا لعدة تأويلات؛ فقد سارع الغرب إلى إدانة هذه العملية ووصفها بالعملية الإرهابية وإدانة حماس كمنظمة إرهابية، ودفع هذا الحادث – وما أعقبه من عملية عسكرية نفذتها إسرائيل في غزة – إلى خروج الكثير من التظاهرات في العواصم العربية والعالمية في آسيا وأوروبا وأمريكا تندد بالجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد المدنيين، وذلك رغم إصدار ألمانيا وفرنسا قرارات تجرّم التعاطف مع حماس ومع القضية الفلسطينية وتعدّه جزءًا من معاداة السامية، وهذا لم يمنع من تزايد التظاهرات المؤيدة للقضية الفلسطينية، وتسليط الضوء عليها، وأعاد التفكير في مسار عملية السلام.

تأتي عملية طوفان الأقصى ضمن تجديد المقاومة الفلسطينية واستئنافها، وضمن سياق دولي وإقليمي ومحلي، وضمن المتاح من الوسائل الجديدة للمقاومة. تُطرح هنا عدة أسئلة: ما الذي يمثله حدث طوفان الأقصى بالنسبة إلى تحريك ملف القضية الفلسطينية؟ هل هو خروج من مأزق قائم أم هو مرحلة جديدة من الصراع؟ وما المشكلات الجديدة التي يمكن أن تفتحها عملية طوفان الأقصى على مستقبل إسرائيل كدولة احتلال واستيطان؟ وما مستقبل التفاوض بين الفلسطينيين وإسرائيل بعد هذه العملية؟ تعتمد هذه الدراسة على المنهج التاريخي المقارن وعلى تحليل الأحداث والعمليات التاريخية، وتأثيرها في مسار تسلسل الأحداث وتعاقبها والنتائج.

أولًا: الخلفية التاريخية للقضية الفلسطينية

لقد شاع على نطاق واسع، في كثير من الأدبيات الغربية، وحتى العربية، وصف الموضوع المتعلق بفلسطين وتعامل الاستعمار والاحتلال الإسرائيلي على أنه صراع عربي – إسرائيلي، تحول واقتصر لاحقًا على تسميته الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي[2]، بينما هو في حقيقة الأمر قضية حرب على شعب أعزل من دون دولة، يتعرض للإبادة وكل أساليب التهجير والإخضاع منذ أكثر من مئة سنة، أي منذ احتلال بريطانيا لفلسطين، ومنحها الحركة الصهيونية وعد بلفور سنة 1917، وتسهيلها لهذه الحركة الاستعمارية تأسيس دولة استيطانية سنة 1948، نجم عنها التهجير القسري للفلسطينيين وأسس لحدث النكبة. وأمام معضلة الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني الذي مارس منذ إنشائه للدولة وقبيل ذلك، سياسات استيطان وتهجير (ترانسفير) وإخضاع للفلسطينيين، وفرض الأمر الواقع وتمكن من إدخال القضية الفلسطينية في مسار معقد ومضلل من عملية السلام منذ اتفاقيات كامب دايفيد مع مصر عام 1979 إلى مسار أوسلو 1993، الذي كسب الفلسطينيون فيه اعترافًا إسرائيليًا بمنظمة التحرير الفلسطينية وبسلطة فلسطينية تدير شؤونهم المحلية تمهيدًا للحصول على دولة لم يتم الاعتراف بها بعد من جانب إسرائيل ولا على مستوى الأمم المتحدة، ولم تضمن هذه الاتفاقية إيقاف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية، وذلك منذ الإعلان عن تأسيسها في الجزائر عام 1989، تتويجًا لمسار من النضال المسلح والسياسي الذي خاضته منظمة التحرير الفلسطينية التي جمعت الفصائل المسلحة الفلسطينية تحت قيادتها وخصوصًا حركة فتح.

تتبُّع مراحل الصراع ومساره

مر الصراع العربي – الإسرائيلي بمراحل مختلفة وتطور معه الوعي الفلسطيني واستيعاب صدمة النكبة وإعادة تنظيم صفوف الفلسطينيين والانتقال من الكفاح المسلح من خارج الحدود إلى النضال ضد الاستيطان الإسرائيلي وسياساته من داخل فلسطين التاريخية.

يمكن إرجاع المراحل الأولية للصراع إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مع بروز المسألة اليهودية في دول أوروبا الشرقية وقيام الصهيونية كنزعة قومية تنظر إلى اليهود كقومية تبحث عن وطن وملجأ قومي. وتبلورت التطلعات الصهيونية لوطن قومي لليهود في فلسطين بصفة واضحة بعد إعلان وعد بلفور سنة 1917، وما سبقة وأعقبه من موجات لاحقة من الهجرة اليهودية. شهدت هذه الحقبة توترات واشتباكات بين المستوطنين اليهود والسكان العرب، غذتها التطلعات الوطنية المتنافسة والنزاع على الأراضي، لكن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تنتبه إلى حجم الخطورة التي تواجهها ولم يكن لها تنظيم موحد ومتطور يوازي التنظيم الصهيوني المتطور والجديد الذي كان يسمى اليشوف وكان بمنزلة دولة داخل دولة الانتداب ما بين سنتي 1922 و1948.

اشتد الصراع عقب خطة التقسيم التي وضعتها الأمم المتحدة عام 1947، والتي اقترحت تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية منفصلتين. أدى رفض هذه الخطة من جانب البلدان العربية والإعلان اللاحق عن قيام دولة إسرائيل في عام 1948 إلى الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى. أدت نتائج هذه الحرب، التي غالبًا ما يشار إليها باسم النكبة (التي تعني «الكارثة» باللغة العربية)، إلى نزوح كبير ومعاناة للسكان العرب الفلسطينيين.

شملت المراحل اللاحقة من الصراع أزمة السويس عام 1956، وحرب الأيام الستة في عام 1967، وحرب يوم الغفران عام 1973. أثرت هذه الحروب تأثيرًا عميقًا في الحدود الإقليمية وديناميات القوة والتحالفات الإقليمية، وهو ما زاد من تعقيد الصراع وأسّس للأحداث اللاحقة. مثلت اتفاقات أوسلو في تسعينيات القرن العشرين مرحلة محورية في الصراع، لأنه كان يُنتظر منها أن تكون إطارًا لمفاوضات السلام تنتهي بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل وتضع حدًا للمظالم الفلسطينية، وخصوصًا مسألة القدس وعودة اللاجئين، لكن الأحداث اللاحقة، بما في ذلك اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين والفشل في التوصل إلى اتفاق في شأن الوضع النهائي، أدت إلى خيبة الأمل وتجدد العنف، الذي استعملته إسرائيل للتنصل من كل التعهدات وتستمر في استيطان الضفة الغربية وتقوم بإدارة لعبة صراعية مع الفلسطينيين تهدف إلى تقويض حلم الدولة الفلسطينية وفرض أمر واقع يسهل من احتمالات الترحيل والنكبة المتجددة لهم.

كان تأثير كل مرحلة من مراحل الصراع في الأحداث اللاحقة كبيرًا. على سبيل المثال، كان إنشاء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة خلال حقبة ما بعد عام 1967 مسألة خلافية وعقبة رئيسية أمام مفاوضات السلام. وقد ساهم الفشل في التوصل إلى حل شامل في دورات العنف، كما رأينا في الانتفاضة الثانية في أوائل عام 2000 والصراعات اللاحقة في غزة. علاوة على ذلك، أثرت كل مرحلة في استراتيجيات وروايات وتطلعات الأطراف المعنية. إن صعود الحركات الوطنية الفلسطينية، مثل منظمة التحرير الفلسطينية وحماس، قد نشأ من خلال تجارب الصراع وأحداثه. وبالمثل، تطورت السياسات والتدابير الأمنية الإسرائيلية استجابة للتهديدات والتحديات المتصورة التي تواجهها. يكشف التحليل التاريخي للصراع العربي – الإسرائيلي عن صراع معقّد في إمكانات حله وفي تعدد أطرافه، وتكشف المراحل التي مر بها عن تطور المقاومة الفلسطينية لمواجهة الحروب التي شُنت على الشعب الفلسطيني. وقد مثّل تأثير كل مرحلة في الأحداث اللاحقة ديناميات الأطراف المعنية ورواياتها وتطلعاتها، وهو ما ساهم في التحديات المستمرة في التوصل إلى حل دائم للنزاع. إن فهم هذا المسار التاريخي أمر بالغ الأهمية لفهم التعقيدات والبحث عن سُبل للسلام في المنطقة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 542 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 542 نيسان/أبريل 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 542 في نيسان/أبريل 2024.

عبد القادر عبد العالي: أستاذ التعليم العالي، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الدكتور مولاي الطاهر، سعيدة – الجزائر.

حقوق الصورة لوكالة الصحافة الفرنسية.

[1]   Daniel Byman [et al.], «Hamas’s October 7 Attack: Visualizing the Data,» Center for Strategic and International Studies (CSIS), 19 December 2023, <https://www.csis.org/analysis/hamass-october-7-attack-visualizing-data>.

[2]   يوجد الكثير من الأدبيات الحافلة في هذا المجال، التي انطلقت من هذه المسلّمة، وبَنت عليها سرديات الصراع الذي يفترض أن هناك علاقات ندية ومتساوية بين دولة احتلال ومجتمع فلسطيني محتل، وتكاد تتجاهل مسألة النكبة. انظر على سبيل المثال: Spencer C. Tucker and Priscilla Mary Roberts, eds., The Encyclopedia of the Arab-Israeli Conflict: A Political, Social, and Military History (Santa Barbara, CA: ABC-CLIO, 2008), and Gregory S. Mahler, The Arab-Israeli Conflict An Introduction and Documentary Reader, 3rd ed. (Abingdon, Oxon; New York: Routledge, 2024).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز