المؤلف: Gérald Bronner et Étienne Géhin

مراجعة: عثمان لكعشمي

الناشر: Presses universitaires de France, Paris

سنة النشر: 2017

عدد الصفحات: 252

 

مقدمة

أمام الانحسار المستمر الذي تشهده السوسيولوجيا في مختلف المجتمعات الأوروبية والآسيوية وغيرها من المجتمعات، وما نجم عن ذلك من تزايد في الأصوات المنادية هنا وهناك بإقصاء السوسيولوجيا أو تهميشها في بعض السياقات، وصولًا إلى الدعوة إلى استئصالها في سياقات أخرى، أصبحت السوسيولوجيا تعيش أيامًا عصيبة، حيث تزايد الشعور بالخطر؛ تزايد الشعور بخطورة هذا الحقل المعرفي على الأنظمة السَّياسيةِ باختلاف طبيعتها، سواء كانت شمولية أو ديمقراطية. كمَا تصعّد هذا الخطاب النزعات المحافظة والأصولية التي زاد انتشارُها في العقود الأخيرة. إضافة إلى أنَّ التَّخويفَ من علم الاجتماع كان دائمًا جزءًا من مقولات النزعات البراغماتية التقنية حيث تشير إلى عدم نفعيته، ومعها نجد نزعات عِلمية وضعانية تقول بلاعِلميته. وفي كُلِّ ذلك يبدو أن علم الاجتماع يدفع ثمن حسِّه النَّقديِّ من ناحيةٍ، وثمنَ الصورة النَّمطيةِ المكرّسة عنه مِن ناحيةٍ ثانيةٍ. هذا ما دأب عليه كتاب الخطر السوسيولوجي(1) موضوع القراءة.

جاء الكتابُ الَّذي بين أيدينا في سياق سجالي حامي الوطيس في فرنسا الألفية الثَّالثة، حول سؤال أنطولوجي بالنسبة إلى السوسيولوجيا: ما الجدوى مِن السوسيولوجيا في ظل الشعور المتزايد بخطورة الحقل السوسيولوجي؟ صحيح أنَّ سؤال الجدوى هذا ليس جديدًا، فطالما لازم السوسيولوجيا التساؤل الدَّائمُ عن مهمتها العلميَّةِ والمجتمعيَّةِ في كُلِّ لحظةٍ تاريخيةٍ. لكن راهنية السؤالَ والحالة هذه تتمثل في سياق: الخطر السوسيولوجي الَّذي يُهدد وجود المعرفة السوسيولوجية في حدّ ذاتها. فأينَ يكمنُ هذا الخطرُ السوسيولوجي؟

أولًا: الخطر المُهدِّد لعلم الاجتماع:
الحتمية الاجتماعية بوصفها خطرًا سوسيولوجيًا

يَرمي عالما الاجتماع[1] في كتابهما المشترك هذا، إلى تحرير السوسيولوجيا مِن خطاب الحتمية الاجتماعيَّةِ الذي سكنها منذُ نشأتِهَا إلى الآنَ، حيثُ جعلَ من السُّوسيولوجيا خِطابًا أيديولوجيًا ونضاليًا أكثرَ منها خطابًا علميًا، انطلاقًا من نقد الأسس الإبستيمولوجية والأيديولوجية لخطاب الحتميَّةِ الاجتماعيَّةِ، من إميل دوركايم إلى بيير بورديو، بُغية خلخلته وتقويضه والكشفَ عن أيديولوجيته العمياء، بل العمل على إيقاظه من سباته الدوغمائي، وصولًا إلى الدِّفاع عن سوسيولوجيا تحليلية بديلة يُراد لها أن تكون أكثر علمية تقوم على أسس إبستيمولوجية مغايرة: سوسيولوجيا فهمية – تفسيرية، الفرادانية المنهجية، العُلوم المعرفية المعاصرة، الكفيل بتحرير السوسيولوجيا من خطاب الحتمية، وإعادة صوغ السوسيولوجيا في ضوء إبستيمولوجيا تحليلية، تأخذ بعين الاعتبار الإرادة الفعلية للفاعل الاجتماعي.

بحسب المؤلفَين، لا يكمن الخطر المهدد لعلم الاجتماع في ما يسمى «مشروع استئصال العلوم الاجتماعية» في حد ذاته، باعتبار أن هذا المشروع ليس ضربًا مِن ضروب الأيديولوجيا الرجعية التي تعتمدها الأنظمة السَّياسيةُ التوتاليتارية فحسب، بل يحضرُ الموقفُ ذاتُه في الأنظمةِ الأكثر ديمقراطيةً، كما هو الحال بالنسبة إلى دولة أوروبية كسويسرا، أو كما هو الأمر في دولة آسيوية كاليابان.

على الرغم من اعتراف عالمَي الاجتماع بمشروع الاستئصال هذا بقولهما: «يمكن تأويل مشروع استئصال العلوم الاجتماعية بوصفه مظهرًا من مظاهر نوع من الأيديولوجيا الرجعية. كما يمكن للمرء أن يبهجه الاعتقاد بأن ذلك المشروع له مغزى، وأنه في مستوى الخطر الذي تمثله تلك التخصصات بالنسبة إلى نظام اجتماعي وثقافي يستحق أن يكون محطّ نقد، بل أن يحارب»[2]. لكنهما سرعان ما يستدركان بالقول: «لكن عالم الاجتماع الذي يلتزم بذلك. لن يخدم علم الاجتماع الذي يتحمل جزءًا من مسؤولية الحذر الذي يثيره، والهجومات التي يتعرض لها لأنه يسيء الدفاع عن نفسه ضدًا على الانحرافات التي يستسلم لها بعض ممثليه»[3].

لهذا فإن الخطر المحدق بعلم الاجتماع ومجالات عديدة من العلوم الاجتماعية، لا يكمن في هذه الإرادات الخارجية لاستئصالها فحسب، بل أيضًا يكمن في المعرفة السوسيولوجية ذاتها. حيثُ يشير المؤلفان إلى وجود عناصرَ تهديد لعلم الاجتماع موجودةً أيضًا في الخطاب المعرفي الذي ينتجه بنفسه. داخلَ أيّ خطاب سوسيولوجيٍّ؟ في صميم خطاب الحتمية الاجتماعية، في صلب السوسيولوجيا الحتميَّةِ، تلك السوسيولوجيا التي تلبس لباسًا نقديًا، تلك السوسيولوجيا التي تعلنها حربًا نقديةً تجاه المنظومة. هنا بالضبط يكمن الخطر السوسيولوجي.

طالما قدمت سوسيولوجيا كهذه نفسها كسوسيولوجيا نقدية، وهو ما جعلها تنحرفُ إلى حدّ ما عن وظيفتها العِلميَّةِ. وهنا يحق لنا أن نتساءلَ مع المؤلفَين: هل نحنُ فعلًا أمامَ سوسيولوجيا نقدية أم أيديولوجيا مقنّعة؟ إنَّنا والحالةُ هذه أمام سوسيولوجيا مقنّعة أو لنقلْ أمام أيديولوجيا تتكلم باسم السوسيولوجيا، والحال أنها بعيدة كل البعد عن النقد الإبستيمولوجي المطلوب، لهذا فإن الأمرَ يتعلق بنقد أيديولوجي أكثر منه نقدًا إبستيمولوجيًا يُسائل هذه النزعة السوسيولوجية النقدية المزعومة.

لم يتوقف الباحثان عند هذا الحد، بل حاولا أن ينبّها أيضًا إلى خطر آخر، ألا وهو الانزلاقات الميتافيزيقية للعديد من السوسيولوجيين المعاصرين، وخصوصًا ما يُعرف بسوسيولوجيِّي ما بعد الحقيقة، وهم اليوم الأبرز على الساحة. يتعلق الأمر هنا بأشهر أسماء علماء الاجتماع في فرنسا وغيرها من البلدان: إدغار موران وميشيل مافيزيولي، على سبيل المثال لا الحصر. فهما بحسبِ المؤلفَين أقرب ما يكونان إلى ميتافيزيقيَّيْن أكثرَ من كونهما سوسيولوجيَّيْن، بما يحمل خطابهما من ترسيخ للحتمية الاجتماعية وعودة دائمة إلى الأب المفقود: إيميل دوركايم.

ثانيًا: في نقد خطاب الحتمية الاجتماعية: دوركايم ضدًا على دوركايم

بما أن الخطر المحدق بالسوسيولوجيا ينبع من بنيتها الإبستيمولوجية الداخلية لا من خارجها، من حتمية الخطاب السوسيولوجي أو بالأحرى من داخل السوسيولوجيا الحتمية بوصفها خطابًا للحتمية الاجتماعية، وبوصفها عائقًا أمام عِلمية السوسيولوجيا وتقدمها المعرفي من جهة، وبوصفها مصدرًا لهذا التهديد الذي يستهدف وجودها من جهة ثانية، فإنه حري بنا والحالة هذه أنْ نُعلنها تمحيصًا وتقويضًا وخلخلة للمقومات والأسس التي يقوم عليها هذا الخطر، أو أي معرفة سوسيولوجية من هذا القبيل. كما هي الحال بالنسبة إلى أسسها الدوركايمية التي تمتد إلى الأب الحديث المزعوم للسوسيولوجيا الحتمية أو الوضعية إميل دوركايم.

طالما تعالقت السوسيولوجيا كعلم بصفة عامة وكعلم اجتماعي بصفة خاصة، في فرنسا وغيرها من المجتمعات الأوروبية، بعد أوغست كونت، بعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، إلى درجة يُوسم فيها بالمؤسس الفعلي والأب الشرعي لهذا العلم، تفكّرًا وممارسة. ويعود ذلك إلى اعتبارات متعددة. يظهر في مقدمتها وأكثرها أهمية: التحديد الدقيق لموضوع السوسيولوجيا ومنهجها، بوضع أسس وقواعد وخطوات منهجية وعلمية مضبوطة. مثّل كتابه المعنون قواعد المنهج السوسيولوجي مسرحًا ميتودولوجيًا له. إنّه بمثابة «دراسات حول نظرية العلم» لماكس فيبر، أو لنقل بمثابة «حرفة السوسيولوجي» لبيير بورديو وجون كلود باسرون وجون كلود شامبوريدون. حيث شغل هذا الكتاب إلى وقت قريب، بل إلى اليوم، حيِّزًا كبيرًا من التفكير والممارسة السوسيولوجيين بل إنه صار طوطمًا لكل مشروع سوسيولوجي. وبخاصة لدى أولئك الذين يستظلون بمظلة الإبدال الحتمي في هذه الحالة. وعلى هذا الأساس، ارتأى الباحثان أنْ يوجها سهام نقدهما الإبستيمولوجي إلى دوركايم، أو بالأحرى إلى الأسس الإبستيمولوجية للممارسة السوسيولوجية الحتمية: دوركايم والدوركايميين.

لم يكن دوركايم بوصفه عالمًا للاجتماع وحدة منطبقة مع ذاتها، وإنّما كان وحدة منفصلة عن ذاتها لا تنطبق بنفس الصورة على كل أعماله. من هذا المنطلق، عمل صاحبا الكتاب على التمييز بين دوركايم الميتودولوجي: صائغ «قواعد المنهج السوسيولوجي»، ودوركايم السوسيولوجي: صاحب دراسات «الانتحار»، «الأشكال الأولية للحياة الدينية»… إلخ. ذلك أن دوركايم لم يكن وفيًا لمنهجه وقواعده الميتودولوجية، ولا سيَّما قاعدته الأساسية: «تفسير الاجتماعي بالاجتماعي؛ تفسير الوقائع الاجتماعية بالوقائع الاجتماعية». في هذا المقام نقرأ لدوركايم في كتابه المنهجي التعريف الآتي: «يجب البحث عن السبب المحدد للوقائع الاجتماعية السابقة، وليس بين حالات الوعي الفردي»[4]. وهو مبدأ كل سوسيولوجيا حتمية. لكن السؤال هو: إلى أي حد التزم دوركايم بهذا المبدأ المنهجي؟

يحق لنا أنْ نتساءل مع الكاتبَين: هل يُمكن لأنصار خطاب الحتمية الاجتماعية أن يدَّعوا عن حق الانتماء إلى سوسيولوجية إيميل دوركايم؟ قد يكون هذا الزعم ممكنًا إذا لم يُحتفظ بكتاب قواعد المنهج السوسيولوجي إلا بالتأكيد على المبدأ الذي بمقتضاه ينبغي تفسير الوقائع الاجتماعية بوقائع اجتماعية أخرى، مع الاحتراس من إقحام خصائص خفية وظنية للطبيعة البشرية[5]. السؤال هنا هو: إذا لم يكن دوركايم نفسه وفيًا لمنهجه، أو بالأحرى لقاعدته الذهبية، كيف يحق لأنصار النظرية الحتمية الادعاء بانتمائهم إليه؟ بعبارة أخرى: إذا كان دوركايم ضد نفسه، فكيف لهم أن يناصروه؟ ويكفي أن نتمعن عن قرب في التحاليل التي ساقها عالمنا في كتابه الشهير المعنون الانتحار على سبيل المثال لا الحصر، لكي نستنتج أنه لا يحق لهم هذا الادعاء. حيث سنتبين أنه كان مضطرًا إلى التخلي سرًا عن موقفه المبدئي السالف الذكر من أجل أن يتمكن من تفسير علاقات السببية التي أبرزها[6]. كيف ذلك؟ على الرغم من تعامله مع الانتحار كواقعة اجتماعية وفسرها على هذا الأساس من خلال معطيات إحصائية ملموسة، فإن حالة «اللامعيارية» جعلته يُقْدم في تحليلاته للواقعة المعنية على عموميات نفسية لكي يفسر تأثيراتها في معدلات وفيات الانتحار[7]. وغيرها من الأمثلة التي ساقها الكتاب التي تؤكد عدم التزام عالمنا بميتودولجيته، وكيف أمكنه التخلي، ولو سرًا ومؤقتًا، عن موقفه المبدئي التفسيري، ولو كان لصالح هذا المبدأ نفسه. وعلى هذا النحو فإنّ دوركايم لم يكن دوركايميًّا، فدوركايم الميتودولوجي شيء ودوركايم السوسيولوجي شيء آخر، لم يكن دوركايميًا حتميًا بقدر الحتمية المزعومة لأنصاره، أصحاب علم الاجتماع الحتمي.

وعلى هذا النحو، فإن كتاب الخطر السوسيولوجي، يُعلنها حربًا سوسيولوجيةً وإبستيمولوجيةً ضد كل خطاب ذي نزعة حتميةٍ اجتماعيةٍ، يرمي إلى أنْ يجعل من السوسيولوجيا خطابًا أيديولوجيًا باسم العلم.

ثالثًا: من أجل علم
اجتماع تحليلي

لا شك في كون السوسيولوجيا تعيش أزمة، شأنها في ذلك شأن مختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية. مرد ذلك على نحو كبير إلى تعميم التيار المُهيمن، تيار الحتمية الاجتماعية، الذي يُعلي من شأن موضوعية الوقائع الاجتماعية على حساب إغفال وتهميش فاعلية الأفراد. يستمد هذا التيار مشروعيته الإبستيمولوجية من البرنامج الموضوعاوي الذي صاغه دوركايم للحقل السوسيولوجي. الأمر الذي ينجم عنه اختزال علم الاجتماع في تيار مهيمن يحظى بشهرة عالية وشعبية كبيرة ليس في الإعلام فحسب بل في السوق المعرفية أيضًا. مع تجاهل واضح لعلم اجتماع آخر ربما لا يقل أهمية عن الأول، علم اجتماع لا يغفل فاعلية الأفراد وما يعتمل في أذهانهم وعقولهم من تمثلات ومعتقدات يساهمون بهذا القدر أو ذاك في توجيه أفعالهم كتصرفات في ضوء أهداف ووسائل محددة، أي كأفعال غائية وقصدية، وليست مجرد سلوكات غريزية أو ميكانيكية أو لنقل مجرد إنتاجات للقيم والمعايير والبنى والأنساق الكلية. يعود هذا التيار العلمي الأخير إلى البرنامج العلمي للمنظور الفيبري للفعل. يتعلق الأمر إذًا بما يُسميه برونير وزميله في كتابنا المعني بالسوسيووجيا التحليلية.

في مقابلِ خطابِ الحتميَّةِ أو بالأحرى السوسيولوجيا الحتمية، يقدم إلينا الباحثان، أو لنقل يقترحان علينا، خطابًا لاحتميًا أو سوسيولوجيا لاحتمية. إننا أمام سوسيولوجيا تحليلية. إنها تحليلية من حيث الأسس والمنطلقات الإبستيمولوجية التي تقوم عليها، موضوعًا ومنهجًا. أيْ بوصفها بديلًا لما ينبغي أنْ تكون عليه السوسيولوجيا: إعادة الاعتبار للفرد بوصفه فاعلًا اجتماعيًا فعليًا، وليس مجردَ دمية في يد المنظومة أو بوصفه مجرد عميل. الأمر الذي يضعها على طرفي نقيض من نظرية الحتمية الاجتماعية.

فعلى خلاف الخطاب الشمولي الذي لا ينظر إلى الفرد إلا بوصفه منتوجًا للمنظومة الاجتماعية أو الوقائع الاجتماعية، أو ظاهرة سيكولوجية على أبعد تقدير، فإن علم الاجتماع التحليلي هذا ينطلق من المبدأ المنهجي القائل: «لا يمكن تفسير واقعة اجتماعية دون فهم للأفعال الفردية التي أنتجتها»[8]. لكن لا ينبغي أنْ يُسقطنا هذا المبدأ في أي فهم مغلوط أو محاكمة سيئة قد يقول بها أنصار الحتمية، كما هي حال الحديث عن نزعة سيكولوجية مزعومة، أو القول بلا علمية النظرية التحليلية لهذا السبب أو ذاك. وإنْ كانت السوسيولوجيا التحليلية تنطلق من الفرد، فإن ذلك لا يعني أنها تتعامل معه كواقعة نفسية، بل النقيض هو الصحيح: «إذا كانت بعض الأفعال الفردية القابلة للفهم تمثل دائمًا أصل الوقائع الاجتماعية…، فإنها لا تكون كذلك إلا بواسطة تجمعها»[9]. على أنْ لا يُقصد بتجمعها تحررها الكامل من وعي الأفراد. لأن الوقائع الاجتماعية في نهاية المطاف هي من إنتاج الأفعال البشرية، التي يكون فيها الفرد الفاعل الأساسي في تكونها وتشكلها. أما المُحاكمة السيئة فهي تتعلق بمسألة القطيعة الإبستيمولوجية مع الحس المشترك أو المعرفة المشتركة، تلك القطيعة العزيزة على أصحاب الحتمية، التي يتحفّظ منها علم الاجتماع التحليلي. فحسب هذا الأخير، لا ينبغي علينا أنْ نُسقط المنهج الوضعي للعلوم الطبيعية على علم الاجتماع، بل إن تبنيه لهذا المنهج أمر مستحيل لكون الفاعلين الاجتماعيين الذين ينتجون الوقائع الاجتماعية التي يدرسها ليسوا أشياء ولا المخلوقات الغريبة عن أفعالها الخاصة، التي يروق لعالم الاجتماع الشمولي ابتكارها، مثلًا من خلال تأكيده أن الأفراد يتصرفون تحت إكراه القيم والمعايير التي تميز السياق الثقافي الذي يتصرفون فيه[10]. لذلك لا توجد بالضرورة قطيعة إبستيمولوجيا بين الأفعال الاجتماعية وتفسيرها السوسيولوجي[11].

إنّها سوسيولوجيا فهمية تفسيرية بالمعنى الفيبري للعبارة، تقوم على المنهج الفهمي التفسيري. ومن هذا المنطلق يُعلنها السوسيولوجيان: سوسيولوجيا لاحتمية: تقومُ على التّقليد الفيبري وما يسمى الفردانية المنهجية من ناحية، وعلى العلوم المعرفية والدماغية من ناحية ثانية. الكفيلة بمجاوزة السوسيولوجيا لذاتها، من خلال مجاوزة - خطاب الحتمية الاجتماعية – الخطر الفعلي المحدق بالسوسيولوجيا. هذه هي السوسيولوجيا التي يدافع عنها الكتاب: من أجل سوسيولوجيا تحليلية.

رابعًا: الخوف من العُلوم المعرفية: هل هو فعلًا خوف مبرر؟

تقوم السوسيولوجيا التحليلية التي يدعونا إليها كتاب الخطر السوسيولوجي، بوصفها بديلًا علميًا عن السوسيولوجيا الحتمية، إضافة إلى مقوماتها السالفة الذكر، على فكرة معاصرة جدًا ألا وهي المقاربة المتعددة التخصصات التي تنبهنا إلى ضرورة التحرر من منطق الفصل الصارم والمتحجر بين التخصصات العلمية والمعرفية الذي يسلكه علم الاجتماع الحتمي. انطلاقًا من منطق عبور التخصصات هذا، يَدعُونا صاحبا المؤلف إلى ضرورة التوظيف السوسيولوجي للعلوم المعرفية والعصبية والدماغية والسيكولوجيا التجريبية وغيرها من العلوم، التي يمكنها أن تضفي طابعًا علميًا أكثر فأكثر على علم الاجتماع، وما من شأنه أنْ يُعزز وضعية الفرد كـ «صاحب رأس ودماغ» في التحليل السوسيولوجي. فضلًا عن اعتماد الباحثين على هذه العُلوم المعرفية… في دحض وتفنيد نظرية الحتمية والبرهنة على تكذيب مزاعمها والكشف عن أيديولوجياها. من هذا المنطلق نتساءل مع الباحثَين: لماذا تَسكن خطاب الحتمية الاجتماعية خشية العُلوم المعرفية؟ هل هي فعلًا خشية مبررة علميًا وإبستيمولوجيًا؟

لقد كابد العديد من أنصار السوسيولوجيا الهوليستية من دوركايم إلى بورديو إلى برنار لايير، ولا سيما الثقافويين المتطرفين منهم كبورديو، الكثير من العناء في سبيل فصل علم الاجتماع عن التفسيرات الطبيعية للوقائع الاجتماعية. فعلى الرغم من دعوة هؤلاء المستمرة والملحة إلى تبني المبادئ والقواعد المنهجية للعلوم الطبيعية والوضعية، فإنهم حرصوا في المقابل على تفادي وتجنب أي توظيف لنتائج تلك العلوم في التفسير السوسيولوجي للظواهر الاجتماعية. هنا بالضبط تكمن مفارقتهم الأساسية: كيف يسعون إلى محاكاة الصرامة المنهجية للعلوم الأخرى، وفي الوقت نفسه يتحفظون على توظيف نتائجها العلمية في التفسير السوسيولوجي؟

هذا عن موقفهم من العلوم الطبيعية بعامة، فما بالنا بموقفهم من العلوم المعرفية والعصبية والدماغية بخاصة. ماذا عن موقفهم من هذه العلوم الأخيرة؟ تلك العلوم التي يمكنها أن تفنِّد بسهولة سعيهم الدائم إلى القطيعة مع المعرفة الفردية باسم الموضوعية العلمية من ناحية، ومن شأنها أن تعزز بقوة مكانة الفرد كفاعل في التحليل السوسيولوجي من ناحية ثانية. لذلك لن تكون الإجابة عن سؤالنا المنطلق والحالة هذه بالأمر العسير. فإذا أعدنا مع الكاتبَين طرح سؤال: لماذا كل هذا الارتياب والتخوف؟ أو في ما إذا كان هذا التخوف مبررًا علميًا، سيكون الجواب كالآتي: يعود هذا التخوف إلى الخشية على استقلالية علم الاجتماع ومن ثم إمكان ابتلاع هذه العلوم لعلم الاجتماع فيصبح بذلك بمنزلة ملحق من ملاحقها، فضلًا عن هدم القاعدة المنهجية الذهبية لأب الحتمية الاجتماعية، يتعلق الأمر بالقاعدة التي تقول بـ«تفسير الاجتماعي بالاجتماعي». هذا ما يدعيه علماء اجتماع الحتمية، لكن المبررات الحقيقية تكمن في كون هذه العُلوم تُهدد الأُسُس الحتمية لهذه النظرية السوسيولوجية، وتؤكد فاعلية السوسيولوجيا التحليلية. وبخاصة عندما يتعلق الأمر بإبراز فاعلية الفرد ككائن عقلي ودماغي يَملك ما يكفي من القدرات الذهنية التي يمكنها أن تسعفه في إمكان الاختيار من عدمه. وبغض النظر عن العلاقة الممكنة والفعلية بين ما هو اجتماعي وما هو دماغي، بين ما هو مجتمعي وما هو طبيعي، بين ما هو فطري وما هو مكتسب. كثيرة هي الدراسات في العلوم العصبية والدماغية التي يمكنها أن تسعفنا في فهم ما يُعتمل داخل الفرد، في دماغه وجهازه العصبي، كمعرفة الكيفية التي يصل بها الاجتماعي إلى الدماغ أو كيف تستقر التجربة في شكل نماذج في عقولنا كأفراد. لكن من دون السقوط في أي نزعة اختزالية قاتلة للاجتماعي في العصبي كما قد يذهب إلى ذلك المذهب الفطري وبعض علماء الأعصاب.

لقد ساهمت العلوم المعرفية من خلال تسليطها الضوء على ثوابت الفكر البشري؛ ذلك أن المعطيات التي قدمتها تلك العلوم مؤخرًا خاصة تلك التي ترتبط بغرس القواعد العقلية مثل التحيزات المعرفية مكنت أكثر فأكثر من تعزيز التفسير الفهمي للظواهر الاجتماعية بوجه خاص وإغناء تحليلات العلوم الاجتماعية بصفة عامة. كما سمحت بتعويض تلك النظرة الضيقة للسوسيولوجيا بوصفها علمًا «يفسر الاجتماعي بالاجتماعي»، بنظرة أخرى تعدّه علمًا يهتم بتهجين الثوابت العقلية، والمتغيرات الاجتماعية[12].

خاتمة

لَيستْ السوسيولوجيا الحتميَّةِ بوصفها خطرًا سوسيولوجيًا، أكثرَ مما يُنعتُ عادةً في التراث السوسيولوجي بـ السوسيولوجيا الهوليستية أو الشمولية، أو في مستوى آخر يصطلح عليها بـ سوسيولوجيا الماكرو، بما فيها البنيويات والوظيفيات بمختلف أشكالها وألوانها. بأيِّ معنى هي سوسيولوجيا حتمية؟ إنَّها حتميةٌ بالمعنى الذي تدعو فيه إلى تعميم مقولة الحتميَّةِ الاجتماعية كخطاب يرادُ له أنْ يكونَ أيديولوجيًا أكثرَ مِنهُ علميًا. إنَّنا أمامَ حتمية مزدوجة، تحملُ أكثرَ من وجهٍ واحدٍ، تحمل على الأقل وجهين أساسيَّين: وجه إبستيمولوجي، وآخر أيديولوجي. أما الوجه الإبستيمولوجي فهو يتمثلُ بالإعلاء من قيمة المجتمع بوصفه منظومة قاهرة، على حساب تهميش الفردِ والفاعلِ الاجتماعي أو بالأحرى تقزيمهما. وأمَّا الوجهُ الأيديولوجي فيتجسدُ في الدَّعوةِ إلى النَّضالِ ضدَّ الهيمنةِ المفترضةِ للسلطةِ السَّياسيةِ والطبقات الاجتماعية المهيمنة. هنا بالضبط تكمن المفارقة: مفارقة خطاب الحتمية الاجتماعية في السوسيولوجيا، الَّذي يريد أنْ يجعل من السوسيولوجيا خطابًا حتميًا، ومناضلًا ضدَّ الحتميَّةِ الاجتماعية في الوقت نفسه.

في ضوء ما يشهده العالم المعاصر من تعقيدات في الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء اتخذت صفة ما بعد - الحداثة أو صيغة ما بعد الحقيقة، بما فيها الحقيقة السوسيولوجية – ما بعد الحقيقة السوسيولوجية – فإن السوسيولوجيا اليومَ أكثرَ من أي وقتٍ مضى توضعُ موضعَ تساؤلٍ مستمرٍ، توضع موضع أزمة، في ما يخص نفعيتها والجدوى من وجودها من جهة، ومدى علمية روحها النقدية من جهةٍ أخرى. وبخاصة أننا نشهد اليوم نماذجَ من السوسيولوجيا تلوح في الأفق: سوسيولوجيا ذات طابع ميتافيزيقي، وسوسيولوجيا ذات طابع حتمي، والأسوأ من هذا ظهور سوسيولوجيا تقنية، بعيدةً كُلَّ البُعدِ من المهمةِ العلميةِ للسوسيولوجيا، المتمثلة بالفهم العلمي للوقائع والأفعال الاجتماعية التي باتت اليوم أكثر تعقيدًا مما مضى، وبالتَّالي أحوج إلى السوسيولوجيا أكثر مما مضى. أحوج إلى أيّة سوسيولوجيا؟ إننا بحاجة إلى سوسيولوجيا تحليلية.