الناشر: اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، الإسكوا، بيروت

مراجعة: يوسف الصواني

سنة النشر: 2018

عدد الصفحات: 218

 

لم يكن الربيع العربي مجرد احتجاجات أو انتفاضات عكست الظلم والحرمان والاستبعاد والتهميش بقدر ما عبّرت عن فشل الدولة الوطنية العربية عن تحقيق أولى مهماتها المتمثلة ببناء الدولة الحديثة التي تضم الجميع والتي تصوغ هوية وكياناً ينسجمان مع محتواها الاجتماعي والثقافي وينتصران لتاريخها وتحديات مستقبلها. كما كانت تلك الاحتجاجات وما تلاها تعبيراً عن حالة انسداد للمشروع القطري العربي وانعكاساً لحالة الانكشاف المتواصل أمام الخارج، بينما ظلت العلاقة بين المجتمع والدولة مؤطرة بمقتضيات عقد اجتماعي سلطوي عفّـى عليه الزمن ولم تعد تسعفه، حتى في البلدان العربية الغنية، ترتيبات شراء الولاء والرضى وسياسات التمويل والدعم القائمة على اقتصاد الريع، مثلما لم تفلح في استدامته سياسات الليبرالية الجديدة أو المظاهر الديمقراطية والترتيبات الدستورية التي أُجريت، غالباً شكلياً، في عدد من البلدان العربية. لذلك تضافرت عدة عوامل، وكان طبيعياً أن تكون للربيع العربي ارتداداته المعروفة اليوم، التي قادت إلى ما شهده عدد من البلدان العربية من صراع وعنف وحروب أهلية.

وبينما لم تتمكن معظم البلدان العربية من الفكاك تماماً من معضلات آنية تعكس أزمات هيكلية على مستوى الدولة والمؤسسات والمجتمع والاقتصاد، فإن الكيان الوطني والدولة والوحدة الوطنية كانت الأكثر تضرراً كما يبدو من التجربة المأسوية في ليبيا واليمن وسورية، وكانت الأضرار الاقتصادية أكبر مما يمكن تصوره. فوفقاً لتقديرات مسح التطورات الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية 2018 – 2019 الذي أصدرته الإسكوا في أوائل العام الجاري، تواجه البلدان العربية ليس نمواً اقتصادياً جامداً أو بطيئاً جداً فقط، بل إنها تعاني خسائر تقدر بأرقام فلكية. وبحسب المسح فقد خسرت بلدان المنطقة المتأثرة بالنزاع 613.8 مليار دولار كقيمة تراكمية من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2010 و2015، أو ما يعادل 6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي. ونظراً إلى تراجع أسعار النفط والضعف الهيكلي في الاقتصادات العربية، سيكون من الصعب التعويض من هذه الخسائر[1].

في المقابل نجد أن دولاً عربية أخرى أهدرت مبالغ فلكية في الصرف على السلاح والمقتنيات المتعلقة بالحرب على نحو غير مسبوق، وفي سياق لا يمكن فصله عمّا يحدث منذ عام 2011، وبخاصة الحروب الواقعة على ساحات البلدان العربية كسورية وليبيا واليمن، إذ تشير الأرقام الواردة إلى أن دولة عربية (السعودية) هي الثالثة من بين أكبر خمس دول في الإنفاق العسكري في العالم عام 2018 حيث بلغ 67.6 مليار دولار، وقد مثل إنفاقها العسكري نسبة 8.8 بالمئة من ناتجها القومي الإجمالي، وهي أعلى نسبة في العالم على الإطلاق. بينما أنفقت بلدان المغرب العربي نحو 41 مليار دولار أنفقت الجزائر وحدها نحو 10 مليارات منها وأنفق المغرب نحو 4 مليارات، بينما أنفقت تونس ذات القدرات المحدودة نحو مليار من الدولارات على السلاح، وأهدرت ليبيا موارد بيع النفط والغاز منذ عام 2011 بما يتجاوز 400 مليار دولار ذهب قسم هائل منها لشراء السلاح. كما قدّر إنفاق دولة الإمارات على السلاح بنحو 23 مليار دولار خلال عام 2018، وأنفقت مصر ما يقدر بما لا يقل عن 31 مليار دولار، وأبرمت قطر والسعودية والإمارات وعمان والبحرين صفقات بمليارات الدولارات، كما يشير تقرير سيبري الصادر عام 2019، ولا مجال هنا لفك الارتباط بين هذا الإنفاق الهائل على السلاح وما يجري في المنطقة من صراعات كما يؤكد التقرير نفسه[2].

هنا تأتي أهمية الدراسة التي أصدرتها اللجنة الاقتصادية لغربي آسيا، الإسكوا، التي تعرف فنياً باسم تقرير الحوكمة في المنطقة العربية، والتي أصدرت كتاباً في أواخر 2018، ساهم فيه نخبة من الخبراء والأكاديميين العرب ومن ذوي اختصاصات متعددة[3]. حملت الدراسة عن الحوكمة في المنطقة العربية عنواناً دالاً ويعكس مضامين ورسالة على قدر كبير من الأهمية والراهنية. تهتم الدراسة أساساً بسياقات ما بعد الحروب الأهلية والنزاعات، وتنطلق من هدف تقديم رؤى وخارطة طريق يمكن بمساعدتها للبلدان العربية التي تعيش الحروب والنزاعات أن تؤسس لدولة جديدة عقب صمت المدافع والبنادق وتحقيق السلام، وإن كان في مستواه السلبي الذي يعني توقف الحرب وصوغ أسس عقد اجتماعي جديد قائم أساساً على حيوية ومركزية الدولة ومؤسساتها التي تشمل الجميع دون استثناء وتؤسس لدولة حديثة وتنمية مستدامة.

تولي الدراسات التي احتواها التقرير أهمية قصوى لقضايا بناء الدولة والمؤسسات انطلاقاً مما للشرعية من مركزية في تحقيق الاستقرار والسلام المستدام والتنمية أيضاً، إذ لا يتصور وجود بديل من الدول الشرعية القادرة، على أن بناء مؤسسات الدولة أو إعادة بنائها من جديد شرط لا غنى عنه لتحقيق السلام المستدام بعد الحرب الأهلية والنزاعات المسلحة. ذلك يتصل تماماً بالدور الذي تؤديه الاستراتيجيات والسياسات التي يمكن تصميمها لعملية تطوير المؤسسات في استعادة ثقة المواطنين بالدولة من خلال الحرص على إصلاح هيكليات الحوكمة التي تؤثر في حياتهم اليومية وإرساء عقد اجتماعي جديد، وتحقيق المصالحة وإعادة الإدماج والتنمية، التي تساهم في منع نشوب النزاع مجدداً؛ وهو أمر لا يُتصوَّر، وفقاً للتقرير، من دون استعادة الدولة الوطنية ذاتها. هكذا فإن الدولة الوطنية العربية التي كانت هدفاً للاحتجاجات والتدخلات، تصبح اليوم ضرورة لا بد من استعادتها وبنائها حتى يمكن تحقيق السلم والتنمية أيضاً.

يشمل التقرير قسمين، في القسم الأول يتناول الفصل الأول علاقة الترابط بين النزاعات والحوكمة في المنطقة العربية. ويلفت التقرير الانتباه إلى الترابط الوثيق بين الأمرين، مبيناً أنه في حين أن ضعف مؤسسات الدولة غالباً ما يكون محفزاً للغضب والاضطرابات التي تتسبب في نهاية المطاف باندلاع النزاع. فإن النزاع يؤدي بدوره إلى إضعاف المؤسسات بصورة إضافية. وقد بدا ذلك واضحاً تماماً في البلدان العربية التي ابتليت بالصراعات أو العنف عقب احتجاجات الربيع العربي وما رافقها من توترات طائفية أو جهوية أو قبلية وسياسية؛ علاوة على التدخل الأجنبي السافر الذي مارس دوراً بارزاً أيضاً في سطوة الإرهاب وتدفق المقاتلين الأجانب إلى غير ساحة عربية. ويستعرض الفصل الثاني الأبحاث المتوافرة عن تسويات النزاعات المدنية التي تم التوصل إليها بالتفاوض وفي أي ظروف تكون هذه التسويات فعّالة في تحقيق سلام مستدام. أما الفصل الثالث، فينظر في وضع المؤسسات في مرحلة الأزمة وفي المرحلة الانتقالية ويستعرض ما خلصت إليه الدراسات في حقول العلوم السياسية، وبخاصة ما يتعلق بالمؤسسية ودورها في الديمقراطية والفاعلية ومكافحة الفساد وتحقيق السلام والتنمية، وصلة ذلك بالثقافة والاقتصاد ورأس المال الاجتماعي. أما الفصل الرابع فهو بحث في كيفية واشتراطات بناء الشرعية في البلدان الخارجة من النزاعات بما يكفل عبوراً آمناً إلى استقرار تؤمنه شرعية ديمقراطية تشمل الجميع ومن دون إقصاء أو تهميش بينما يتم تجديد العقد الاجتماعي. هنا يتم التركيز بوضوح على فشل الدولة العربية المعاصرة وعلى أهمية تحقيق شرعية جديدة لا يمكن إلا أن تستند إلى قيم الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان؛ بينما لا تغفل أهمية الحفاظ على الهوية والكيان، واستيعاب مقتضيات العولمة من ناحية ومقتضيات العمل والتأثيرات المحددة للسياق العربي. كما يلمح الفصل إلى أهمية العمل على المستوى الاجتماعي بصورة شاملة من دون استثناء بما يضمن توافقاً على كل مكونات الدولة والسلطة.

يتصل النقاش أعلاه بما يتم تناوله في الفصل الخامس، الذي يولي أهمية خاصة للأبعاد الخاصة بقضايا الجنسين في عملية التعافي ما بعد النزاع، بما في ذلك إشراك المرأة والرجل في مسارات السلام والمشاركة السياسية. يركز هذا الفصل على تقييم وضع المراة والشباب والفجوات القائمة في الحالة العربية، ويقدم إضاءات عن أهم الممارسات التي يمكن من طريقها ضمان تمثيل المرأة ووصولها إلى مراكز القيادة على نحو فعّال ومتساوٍ مع الرجل بما يحقق الشمولية والمساواة والتوازن المجتمعي والتنمية المستدامة. ويبدو من المناقشة في هذا الفصل كيف أن مشاركة عادلة للمرأة هي أصعب تحقيقاً في المرحلة الانتقالية الحساسة ما بعد النزاع، وتفرض مزايا وتحديات من نوع خاص. لذلك فإن أي مقاربة أو مقترحات لسياسات إعادة المأسسة والبناء بعد انتهاء الصراع ستعطي أهمية مناسبة لدور المرأة والشباب والمساواة عند إعادة بناء المنظومة من جديد بما يوفر فرصاً مناسبة وآليات فاعلة للتعامل مع انعدام المساواة التي كانت موجودة سابقاً وأولوية هدف تعزيز قدرات المرأة من أجل المساهمة بصورة كاملة في خطط بناء المؤسسات والتنمية ما بعد النزاع.

في القسم الثاني، يعرض الفصل السادس أفضل الممارسات الدولية لبناء المؤسسات في سياق ما بعد النزاعات والحروب الأهلية أو الداخلية، فيناقش ضمن هذا السياق صور تنظيم الدولة المعاصرة والمستويات المختلفة من الإدارة التي تُعنى بمعالجة التمايزات الداخلية أو التنوع على كل المستويات. كما يعرض هذا الفصل ما نجح وما فشل في حالات سابقة من إعادة بناء القطاع الأمني ومسارات الحوار الوطني ومحاربة الفساد. يناقش الفصل كذلك السياقات المؤطرة للأزمة في اليمن وليبيا ويقدم تفسيرات تركن على نحو ظاهر إلى تجربتهما الحديثة في الدولة والحكم وتاريخ التطوير المؤسسي والعلاقات بين الدولة والمجتمع، ويستخلص أن ما تعانيه كل من الدولتين يمكن تفسيره في أهم مستوياته المتعلقة بالصراع بالفشل في إرساء هيكليات حوكمة قوية وشاملة للجميع، وبظهور مؤسسات غير رسمية موازية تقوض التطوير المؤسسي الفعّال والتنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة.

يقدم الفصل السابع «الحوكمة اللامركزية ما بعد النزاع: دراسة حالة العراق» تجربة اللامركزية في العراق والدروس التي يمكن الإفادة منها والحلول التي يمكن اجتراحها في مواجهة التفتيت أو الانقسام وبخاصة في دولة كالعراق التي لم تعانِ الحكم التسلطي فقط، بل وقعت ضحية العدوان والاحتلال الأجنبي الذي جاء بوعود برّاقة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ليقود البلاد إلى الهاوية. هنا أصبح البحث عن ترتيبات إدارية وقانونية مدفوعاً بالرغبة في إعادة استتباب النظام السياسي والشرعية السياسية وبخاصة منذ الاحتلال الأمريكي في عام 2003. ينطلق التقرير من عرض للنقاش الدائر حول جدوى وفاعلية وملاءمة اللامركزية والفدرالية في حل الصراعات أو الحؤول دون حدوثها. وبينما لا ينتصر التقرير لأي من المقاربتين في النظر إلى اللامركزية كعامل إيجابي أو سلبي، يطرح أسئلة مهمة عن الظروف التي يمكن اللامركزية التوفيق بين الاختلافات المجتمعية وحث النخب على تقديم التنازلات، لتؤدي بالتالي إلى حلقة حميدة من السلام والتنمية؟ ويرصد التقرير كيف تعرضت وحدة الكيان العراقي للخطر حيث أدت الفدرالية غير المتماثلة، بسبب عدم التكافؤ بين المركز والفدراليات أو بين المحافظات، إلى وضع تكتسب فيه بعض الكيانات الفدرالية سلطات إدارة ذاتية أكثر من غيرها.

الخلفيات النظرية والمنهجية التي يقدمها الكتاب في القسم الأول، إضافة إلى دروس التجربة العراقية، يتم استخدامها كمحددات ومعايير أو خلفية مفيدة عند تحليل الأوضاع في البلدان العربية التي تعيش النزاع والحرب في ليبيا واليمن، وتشخيص أوضاعها ضمن سياق تقديم مقترحات استراتيجية وما يمكن وصفه بخارطة طريق لتأمين مأسسة وبناء الدولة والسلطة والشرعية بعد تحقق توقف الصراع وانتهاء العنف المسلح والحروب. تركز الاستراتيجيات المقترحة والسياسات الموصى بها للتطبيق في ليبيا واليمن على المرحلة التي تلي مباشرة نهاية القتال أو التسوية السياسية، بحسب كل سياق، مع مراعاة الجانب الطويل الأمد لعملية التنمية المؤسسية.

في الفصل الثامن، «ليبيا ما بعد النزاع: خارطة الطريق للتنمية المؤسسية تحديد المؤسسات الليبية»، يتركز الهدف على محاولة تقديم رؤية وخارطة طريق يمكن ليبيا بواسطتها تحقيق بناء الدولة ومؤسساتها الفاعلة بعد انتهاء الصراع والحرب الأهلية الدائرة منذ إسقاط نظام القذافي عام 2011. ويهتم الفصل بإبراز خصائص أو سمات الواقع القاسي بعد نزاع عام 2011 حيث حلت الحكومات الضعيفة محل الدولة. وفي ظل نظام الحوكمة الهش الذي يعمل بشق النفس في سياق تهيمن عليه الميليشيات والمحسوبيات والقبلية وعملية سياسية إقصائية، انزلقت ليبيا أكثر فأكثر نحو الفشل المؤسسي. يشير السياق الليبي الحالي إلى عدد من العوامل التي تؤكد أنه لا يمكن نجاح أي مقاربة بعينها لمرحلة ما بعد الصراع تركز فقط على أهداف محددة أو ضيقة أو وظيفية، فمثل تلك المقاربة تبقى بلا جدوى ومعرضة للفشل في الإحاطة بالصورة الأشمل. إن التجربة تشير إلى عدد من دوافع عدم الاستقرار المستمر والضعف المؤسسي المتواصل. علاوة على تلك الدوافع أو محركات الصراع، فإن جميع المتخصصين والخبراء تقريباً يتفقون على أن ليبيا اليوم لا تفتقر فقط إلى المؤسسات الأساسية اللازمة لقيام شرعية وسلطة الدولة غير القابلة للمنازعة، بل هي تفتقر أيضاً إلى ما تحتاج إليه من ترتيبات ومؤسسات لإنجاز المهمات الحكومية الأساسية ومواجهة التحديات الحياتية التي تواجه الدولة والناس في سياق ما بعد الصراع. ينطلق النقاش من فرضية هشاشة الدولة الليبية وضعف إرثها المؤسسي إلى تحديد المؤسسات والبنى الأساسية المطلوب إصلاحها أو تطويرها من أجل مواجهة التحديات الفورية ما بعد النزاع مع مراعاة الهدف الطويل الأمد المتمثل ببناء مؤسسات فعّالة خاضعة للمساءلة وقادرة على إدارة عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة. ويعرض الفصل مبادئ بناء الدولة والحوكمة التي يجب أن يتفق عليها كل الشعب الليبي. كما يعرض رؤية سياسية مدعومة برؤية اقتصادية تضع أسس نموذج جديد لإدارة الموارد الطبيعية الليبية وتوزيعها وتطويرها.

الهدف الأساسي لهذا الفصل هو تقديم عناصر ما يمكن وصفه مقترحاً حول رؤية ومبادئ بناء الدولة والحوكمة لتجاوز الأزمة. هذه الرؤية السياسية والمقترحات الهيكلية تتكامل وتتعزز برؤية اقتصادية تضع الأسس لنموذج جديد لإدارة وتوزيع موارد البلد الطبيعية وتطويرها. وبينما تركز خارطة الطريق المقترحة على المهمات المستعجلة أو الطارئة، فإنها تقوم أساساً على تقديم مقترحات وخطط واضحة لاستعادة الدولة وإصلاح مؤسساتها القائمة وبناء مؤسسات جديدة ضمن خارطة شاملة تنطلق من التفاهم على السلام والمصالحة وصولاً إلى صوغ عقد اجتماعي جديد. لذلك ترى الخارطة المقترحة أن تحقيق السلام وبناء الدولة الديمقراطية المدنية في ليبيا لا بد من أن يمهَّد له بخطوات أساسية؛ حيث تحتاج ليبيا إلى إطلاق برنامج سريع للتخلص من الفوضى وانعدام الأمن اللذين يشلّان البلد، والتخفيف من معاناة الناس، وإعادة إرساء الوظائف والشرعية الحكومية. ويكمن النجاح في تطبيق أي برنامج إنقاذ وطني في تحقيق نتائج ملموسة أساسية في توليد الزخم المطلوب لتحقيق تغييرات أعمق. وتقضي المهمة الفورية بالتركيز على الحاجات الإنسانية والأمن وإعادة تفعيل الاقتصاد الكلي واستعادة الخدمات الأساسية. في المقابل، يجب أن تترافق هذه الخطة مع عملية مصالحة وطنية بناء على مؤتمر سلام وطني يضمن التوافق الأوسع والأشمل في شأن كيفية إعادة بناء الدولة وحوكمتها.

خُصص الفصل التاسع لعرض «عناصر الاستراتيجية الانتقالية الخاصة باليمن» حيث يتناول هذا الجزء من التقرير اليمن في الحقبة التي تلي وقف القتال مباشرة، وذلك بهدف وضع خريطة طريق لسياسات إعادة تأهيل مؤسسات الدولة وإصلاحها، وبناء مجتمع ينعم بالسلم الشامل ومؤسسات تخضع للمساءلة. يقدم الفصل لمحة عامة عن السياقات التاريخية والحالية للنزاع في اليمن، وعن بناء الدولة والتحديات ثم ينطلق نحو هدف وضع رؤية أو خارطة طريق لعملية التطوير المؤسسي لبناء الدولة في مرحلة ما بعد الحرب، ويحدد العناصر الأساسية التي تحتاج إلى عناية عاجلة داخل المؤسسات…

أما صلب الدراسة، فهو مخصص للمؤسسات التي تعَدّ ذات أولوية قصوى بعد توقف الاحتراب والصراع، وتشمل المؤسسات المالية والأمنية والإدارية والقضائية والسياسية إضافة إلى القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية. والهدف من ذلك فهم الحاجة الملحة إلى إعادة بناء هذه المؤسسات، وتقديم توصيات حول أهم الخطوات التي يجب اتخاذها في المراحل الأولى من إصلاحها. ويمكن عدّ هذا الجزء من التقرير دليلاً لدعم بناء المؤسسات وضمان تحقيق سلام دائم.

وتخلص خاتمة التقرير إلى أن المؤسسات السياسية والعوامل العسكرية فضلاً عن نمو الدخل على المدى الطويل، لها الأثر الأكبر في تقليل احتمال تجدد الحرب الأهلية، وعلى وجه الخصوص، أن الدول الخارجة من حرب، التي تتمتع بنظم سياسية أكثر تمثيلاً وتنافسية، وبمعدل أكبر من القوات المسلحة نسبة إلى السكان، استطاعت أن تتجنب تجدد الحرب على نحو أفضل. ويعزز هذا نتائج دراسة حديثة أجرتها الإسكوا أكدت أنه لا يوجد دليل على أن الثقافة أو الدين أو الجغرافيا السياسية في الوطن العربي عوامل تعيق الانتعاش بعد الحرب على نحو واضح. وقد شملت النماذج الإحصائية مقاييس تقليدية خاصة بالإسلام والثقافة العربية والموقع الجغرافي، لكن لم يظهر أن لأي من هذه المتغيرات ارتباطات مهمة إحصائياً باحتمال تجدد الحرب منذ عام 1970. ومن المفترض ألا تعيق هذه العوامل ما يتبع الحرب من مراحل استقرار وانتعاش وانتقال في كل من العراق وليبيا وسورية اليمن. وفي كثير من الأحيان، تتعارض هذه النتائج إلى حد كبير مع الأحكام المسبقة والنظريات الاستشراقية والغربية عن «استثناء» العرب أو المسلمين من قاعدة عدم ارتباط الثقافة أو الدين أو الجغرافيا السياسية بالنزاعات.

ما هي العوامل المؤثرة إذاً؟ توصلت الدراسة إلى ثلاث مجموعات أساسية من محركات تجدد الحرب، أولاها تتصل بالمؤسسات السياسية، حيث تبين إحصائياً أن الديمقراطية مهمة ولغيابها تأثيرات سلبية كبيرة في احتمال تجدد النزاع؛ لكن ذلك لا يعني أن إجراء انتخابات في مرحلة ما بعد الحرب مناسب في جميع الظروف، أو أن انتخابات كهذه لن يترتب عليها أي آثار سلبية. فالانتخابات ليست حـلاً سحرياً. فقد أُجريت انتخابات حرة ونزيهة على نحو معقول ما بعد الحرب في كل من لبنان (آب/أغسطس – تشرين الأول/أكتوبر، 1992) والعراق (كانون الثاني/يناير 2005)، وليبيا (تموز/يوليو 2012) وكل تلك العمليات الانتخابية اعتُبرت ناجحة على نحو معقول حينذاك، ومع ذلك فشلت هذه البلدان في تحقيق الاستقرار أو الانتقال إلى الديمقراطية على نحو كامل، وهذا يشير إلى أهمية أن تأتي الانتخابات ضمن إطار إصلاح سياسي أوسع؛ فالانتخابات لا تمنع تجدد النزاع. ويمكن عمليات المصالحة الوطنية والحكم الرشيد وسيادة القانون والحريات السياسية والمدنية وغيرها من الإصلاحات على صعيدَي المؤسسات والحوكمة أن تمثل أفضل استراتيجية لبناء السلام.

كذلك يوجد دور تؤديه اللامركزية، ولكن تأثيرها يختلف مع مرور الوقت. فاللامركزية ترتبط بانخفاض خطر تجدد الحرب خلال السنوات الخمس الأولى تقريباً من حقبة السلام، ولكنها ترتبط بارتفاع الخطر بعد ذلك. تشير النتائج إلى أن اللامركزية قد تكون استراتيجية جيدة لبناء السلام على المدى القصير، ولكنها سيئة على المدى الطويل، بحسب الحالة. أما في ما يتعلق بالنمو الاقتصادي فخلافاً للاعتقاد السائد، تشير الدراسة إلى أن الاستقرار والانتعاش الاقتصاديين ليسا من الاستراتيجيات التي تحقق نتائج سريعة على صعيد منع تجدد الحرب. ففي السنوات الأولى بعد الحرب، يرتبط ارتفاع معدل النمو بارتفاع خطر تجدد الحرب. والحالة الليبية جديرة بالذكر في هذا الصدد، إذ بعد عام 2012، ورغم ارتفاع مداخيل البلاد المالية العائدة من تصدير النفط والغاز، فإن هذا النمو في الدخل لم يتحول إلى عامل تهدئة، بل كانت الموارد نقمة ظاهرة عبرت عن نفسها في تجدد الصراع عبر الدورات المتتالية للحرب الأهلية والتدخل الأجنبي، ناهيك بتصاعد مؤشرات الفساد كما يظهر في العراق أيضاً.

يطرح التقرير أسئلة جوهرية تتعلق بما يمكن أن يحقق الانتقال إلى المأسسة والدولة الفاعلة الشاملة للجميع في البلدان التي تعيش الحروب، بما يضمن السلم الأهلي والتنمية، وكيف يجدر بالبلدان المتأثرة بالنزاعات في المنطقة العربية تصميم استراتيجيات لمرحلة ما بعد الحرب؟ هل يجب أن تشدد على الإصلاحات السياسية؟ أم على إعادة الهيكلة الاقتصادية؟ أم على آليات العدالة ما بعد النزاع؟ أم على حفظ النظام والأمن؟ أم على الإغاثة الإنسانية وتحسين سبل المعيشة؟ لقد تمكن معدّو هذه الدراسات من وضع أيديهم على الكثير من مكامن الخلل وتمكنوا من تشخيص حالة الفشل التي واجهتها الدولة الوطنية العربية المعاصرة ولامسوا جوانب مهمة تضيء على أسباب وجذور هذا الفشل، لكنهم مع ذلك يقررون أنه لا حل من دون استعادة الدولة وبناء ما تهدم من مؤسساتها.

ومع اتفاقنا على أن جوهر هذه العوامل يعود تماماً إلى ضحالة وهشاشة وسلطوية العقد الاجتماعي الحاكم للعلاقة بين الحكام والمحكومين، فإن التقرير، رغم الإشارات المتكررة في أكثر من موضع إلى دور البنى الاقتصادية السائدة في حالة الانسداد والفشل، سواء قبل احتجاجات الربيع العربي أو بعدها، فإن ما يغيب عن التحليل هو دور الخارج في السياقات المتعلقة بالصراع والحروب الأهلية وكيف اشتغلت آليات التطييف واللعب بالهويات والانتماءات لتبرير سيادة رؤى محددة للعرب ودولهم. كما لا يعطي التقرير ما يكفي من الاهتمام للدور الذي مارسه الخارج، ليس فقط لحظة تكون الدولة القطرية أو الوطنية العربية وصلتها بمشروع سايكس – بيكو، بل في صلتها بالعولمة أيضاً والدمج المتواصل سلباً للعرب في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وكيف يقود ذلك باستمرار إلى سيادة أنماط «إنتاجية» ليس على المستوى الاقتصادي فقط، بل على المستوى السياسي والاجتماعي الثقافي أيضاً، وهو ما قد يفسر، جزئياً على الأقل، الفشل النخبوي العربي أيضاً وهرولة نخب عربية للارتهان تماماً لمشروعات جديدة لإعادة رسم المنطقة من جميع الجوانب.

ورغم ما قد يكون لدينا من مآخذ عن الكتاب التقرير والدراسات المهمة التي يتضمنها، فإن ما يقترحه من استراتيجيات وخارطة طريق للعمل فيما بعد انتهاء العنف والصراع والحرب الداخلية (الخارجية) الجارية في غير ساحة عربية، تمثل تفكيراً جديداً يستحق الاهتمام بما يطرحه من بدائل على المستوى العربي. لذلك فإن المقترحات والبدائل التي يقدمها الكتاب، وبخاصة في ما يتعلق بدروس التجربة العراقية أو الحالتين الليبية واليمنية، تفتح آفاقاً للتفكير في العجز الدولتي العربي والعجز الديمقراطي العربي تتجاوز تماماً اطروحات الاستشراق والركون إلى «الاستثناء» العربي والإسلامي كتفسير لما نحن فيه وينبهنا إلى الأهمية القصوى لاعتماد مقاربات جديدة وجادة وأكثر ارتباطاً بالسياقات العربية على كل المستويات، مثلما يعيد التذكير بأن ما يقدم من دعاوى للديمقراطية وحقوق الإنسان، وما يرافقها من سياسات غربية، ليست سوى وصفات هدفها غير ما تعلنه.