مقدمة

أظهر الفعل الاحتجاجي المتنامي في البلدان العربية خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين (2010-2020)، الذي كان آخره حراك الشارع في لبنان والعراق، تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2019، ومن قبلها احتجاجات السودان منذ 19 كانون الأول/ديسمبر 2018، والجزائر عبر حراك 22 شباط/فبراير 2019، مرورًا بالحركة الاحتجاجية في منطقة الريف في المغرب في تشرين الأول/أكتوبر 2016، وكذا في الأردن أواخر شهر أيار/مايو سنة 2018، أننا إزاء ارتدادات أو كما سماه البعض موجة ثانية متوالية في تاريخ الاحتجاج في المنطقة[1]، بعد الموجة الأولى لسنة 2011 التي شهدت حراكًا شعبيًا وثوريًا تحت مسمى الربيع العربي[2].

زخم الفعل الاحتجاجي في البلدان العربية، الذي أزاح حكامًا عن السلطة ودفع آخرين إلى «الإصلاح» من جهة، وأسفر عن توطيد مزيد من السلطويات في الجهة المقابلة، في خضم الصيرورة التاريخية للفعل ودينامية المجتمعات وصراعاتها[3]، ينبغي أن يعيد من جديد جدوى الدراسات المنتمية إلى علم الاجتماع السياسي المستهدفة موضوعات التنمية والطبقات والبنى الاجتماعية والتغيير الاجتماعي، بعد أن هيمنت على أبحاثه منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي موضوعات حقوق الإنسان والعولمة والحركات الإسلامية والمرأة[4].

هذه الدينامية المجتمعية التي عاشتها الشعوب العربية ولا تزال تبعاتها تتفاعل إلى حدود اللحظة، توحي وفق وجهة نظرنا بدلالات عميقة: أولاها، أنها تؤرخ لمرحلة جديدة للعلاقة بين المجتمع والدولة، يعاد الاعتبار فيها لقوى وحركات جديدة، كمتغير مستقل وفاعل وسط المجتمعات، أصبحت تُعَبر عن نفسها عبر الاحتجاج والتظاهر[5]. أما الثانية، فهي تنبهنا إلى أهمية وضع الحراك المجتمعي المنطلق من الساحات والميادين العربية، ضمن سياقات تحولات الشارع كفضاء عمومي في تفاعلاته مع الدولة[6].

ينطلق اهتمام هذه الدراسة بصعود الحركات الاحتجاجية والاجتماعية في المنطقة العربية من عاملين: الأول، هو توجهها للخوض مجددًا في موضوعات السياسة واشتباكها مع مجالات الدولة، وبخاصة بعد أن كان محركها ما قبل حقبة الربيع العربي بالدرجة الأولى مرتبطًا بمطالب ذات صبغة اجتماعية واقتصادية. العامل الثاني مرتبط بتغطيتها وقيامها بأدوار موازية أحيانًا للوظيفة التقليدية التي كانت تقوم بها الأحزاب السياسية في مواجهة صانع القرار السياسي ومحاولات تمدد السلطوية Authoritarianism)،)، وهذا راجع أساسًا إلى مقدار التراجع والضعف الذي أصاب فكرة الحزب السياسي، وابتعاد أغلبية الناس في المنطقة العربية من الانخراط في الأحزاب، وهو ما جعل الأمر أقرب إلى فهم ومقولة عالم الاجتماع البريطاني أنتوني غيدنز الذي يقول «إن سرديات الأفكار السياسية الكبرى تبدو وكأنها فقدت قدرتها على الإلهام، كما فقدت جل الزعامات والنخب السياسية القدرة على القيادة»[7].

تحاول هذه الورقة الإجابة عن إشكالية ذات سؤالين: ما طبيعة العلاقة التي نشأت ونمت بين سلطة الدولة وبنية المجتمعات في المنطقة العربية؟ وكيف أثرت طبيعة هذه العلاقة في تفسير مآلات الحركة الاحتجاجية ونتائجها؟

تفترض الورقة، أن العلاقة انبنت على معادلة قائمة على قهر سلطة الدولة للمجتمع وضرب كل مقومات الاستقلالية، وهو ما جعله مجتمعًا شديد التفكيك والتشظي الجماعي. هذا الأمر انعكس على دينامية الفعل لدى مختلف الحركات الاحتجاجية والاجتماعية ومآلات تحركاتها، فأغلبها لم تستطع أن تنتزع مكاسب أو تراكم إنجازات وإن حصلت فهي تبقى مؤقتة، إضافة إلى ذلك حتى الحالات التي اتخذت فيها هذه الحركات مسارات جذرية وثورية (مصر، سورية، ليبيا واليمن)، فهي نسبيًا تنجح في الهدم والكسر وتخفق في البناء وتشييد البديل.

سنعتمد كمقاربة للبحث في العلاقة بين الدولة واحتجاجات الشارع على المداخل النظرية التفسيرية التي توفرها أدبيات الحركات الاجتماعية، وتطورات حركية الفضاء العام، كمساحة ومجال مفتوح يلتقي فيه أفراد المجتمع لمناقشة مسائل ذات اهتمام مشترك[8] وذلك عبر استعمالهم مجموعة متنوعة من الوسائط التواصلية الحديثة (هواتف، مواقع اجتماعية كالفيسبوك وتويتر…). يكمن سبب مقاربة الموضوع من زاوية سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية وتطور تعبيراتها الجديدة داخل الفضاء العام، في حسبان الفعل الاحتجاجي للمجتمع يتحرك بصورة مستقلة عما هو سياسي أو أيديولوجي، المنتج للتفرقة أو الإقصاء، وبالنظر أيضًا إلى تحول الفضاء العام في ظل نشاط هذه الحركات الاجتماعية الجديدة، لمنصة كسب المشروعية ومنح الثقة لطرفي الصراع أي المجتمع والدولة[9].

سنحاول أن نجيب عن أسئلة الموضوع من خلال أربعة عناصر أو نقاط: الأولى، نستعرض من خلالها المنطلقات المفاهيمية لظاهرة الحركات الاجتماعية وتمفصلاتها إلى جانب مظاهر تشكلها في بيئة المجتمعات المدروسة. الثانية، سنتطرق فيها إلى ما مثلته الحركات الاحتجاجية الاجتماعية من نمط جديد في السلوك الاحتجاجي، مع استحضار لنماذج نظرية تفسيرية مؤطرة. وفي النقطة الثالثة نناقش علاقة الدولة بالمجتمعات العربية وتأرجح طبيعتها بين الضبط والاخضاع. أما النقطة الرابعة والأخيرة، فسنسعى عبرها إلى إبراز نتائج الحركات الاحتجاجية الجديدة ومآلاتها، في ما يخص القدرة على تحقيق أهدافها والدفع باتجاه إنجاز تغيير ديمقراطي.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 536 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

توفيق عبد الصادق: أستاذ باحث، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – السويسي،
جامعة محمد الخامس، الرباط – المغرب.

الصورة من Getty Images.

[1]   مايكل يونغ، «هل نشهد موجة جديدة من ثورات الربيع العربي في العام 2019؟،» مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط، 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، <https://carnegie-mec.org/diwan/80291> (تاريخ آخر اطلاع 3 أيلول/سبتمبر 2022).

[2]   يشار إلى أن أول من استخدم مصطلح الربيع العربي بعد انطلاق شرارته الأولى في تونس هو الباحث الأمريكي مارك لينش (Mark Lynch)، في مقالة له في مجلة فورين بوليسي الأمريكية، يوم 6 كانون الثاني/يناير 2011، وذلك بعد احتجاجات تونس وقبل فرار زين العابدين بن علي يوم 14 كانون الثاني/يناير 2011. انظر: Marc Lynch, Obama’s «Arab Spring»?,» Foreign Policy (6 January 2011), <https://foreignpolicy.com/2011/01/06/obamas-arab-spring> (accessed on 19 September 2022).

[3]   جلبير الأشقر، الشعب يريد بحث جذري في الانتفاضات العربية (بيروت: دار الساقي، 2013).

[4]   جاك قبانجي، «لماذا فاجأتنا انتفاضتا تونس ومصر؟: مقاربة سوسيولوجية،» إضافات، العدد 14 (ربيع 2011).

[5]   Leyla Dakhli, «Une Lecture de la Révolution Tunisienne,» Revue mouvement social, no. 236 (mars 2011).

[6]   Jürgen Habermas, L’espace Public Archéologie de la Publicité dimension constitutive de la société bourgeoise, traduit de l’allemand Marc B. de Launay (Paris: Editions Payot, 1992), pp. 13-14.

[7]   أنتوني غيدنز، الطريق الثالث تجديد الديمقراطية الاجتماعية، ترجمة أحمد زايد ومحمد محيي الدين (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010)، ص 35-36.

[8]         Nilüfer Göle [et al.], Revendiquer l’espace public (Paris: CNRS Editions, 2022).

[9]   تشارلز تايلر، المتخيلات الاجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 103-106.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز