مقدمة

تُعدّ منطقة الشرق الأوسط من أكثر الأقاليم الدولية تأثرًا بالتحوُّلات الجيوسياسية والتنافسات الاستراتيجية، نظرًا إلى موقعها الجغرافي الحيوي، واحتضانها أهم مصادر الطاقة العالمية، وتداخل القضايا الأمنية والسياسية والدينية فيها. وخلال العقود الماضية، عرفت المنطقة سلسلة من التحوُّلات البنيوية التي أعادت تشكيل أنماط التوازن الإقليمي، بدءًا من تداعيات نهاية الحرب الباردة، مرورًا بأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، والثورات العربية، وصعود فاعلين غير حكوميين في المنطقة، وصولًا إلى تنامي أدوار القوى الإقليمية المتوسطة وتراجع فاعلية بعض الأطر الأمنية التقليدية. وقد ساهمت هذه التحولات في خلق بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من السيولة الاستراتيجية وعدم اليقين، حيث باتت التحالفات أكثر مرونة وتغيُّرًا، وأصبحت المصالح الأمنية والاقتصادية المحدِّد الرئيس لسلوك الدول أكثر من المعطيات الأيديولوجية التقليدية.

في هذا السياق، مثّلت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران عام 2026 محطة مفصلية في تاريخ النظام الإقليمي للشرق الأوسط، إذ تجاوزت آثارها حدود المواجهة العسكرية المباشرة لتشمل البنية الأوسع للعلاقات الإقليمية وأنماط التفاعل بين القوى الفاعلة؛ فقد كشفت هذه الحرب عن حجم التحوُّلات التي طرأت على موازين القوى، وأعادت طرح تساؤلات جوهرية في شأن مستقبل الأمن الإقليمي، وحدود النفوذ الأمريكي، ودور القوى الإقليمية الصاعدة في إدارة الأزمات وصوغ الترتيبات الأمنية الجديدة. كما دفعت عددًا من الدول إلى مراجعة تصوراتها للتهديدات والمخاطر، وإعادة تقييم تحالفاتها التقليدية، والبحث عن صيغ جديدة للتعاون والتنسيق الاستراتيجي.

من أبرز نتائج هذه المرحلة ظهور اتجاهات جديدة نحو إعادة الاصطفاف الإقليمي، تمثلت بوجود شبكات وتحالفات متعددة المستويات تجمع بين الأبعاد الأمنية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وقد برزت في هذا الإطار محاولات لبناء تكتلات إقليمية جديدة تسعى إلى تعزيز النفوذ، وإدارة التوازنات، وحماية المصالح الاستراتيجية في بيئة إقليمية تتسم بتزايد المنافسة على الممارّ البحرية، ومصادر الطاقة، والتكنولوجيا المتقدمة، ومجالات النفوذ الجيوسياسي. ولا تقتصر أهمية هذه التحولات على إعادة توزيع القوة بين الدول، بل تمتد إلى إعادة تعريف طبيعة النظام الإقليمي نفسه، وما إذا كان يتجه نحو نمط جديد من التعددية القطبية الإقليمية القائمة على شبكات التحالفات المرنة والمتغيرة.

تكتسب دراسة هذه التحولات أهمية خاصة في ضوء التداخل المتزايد بين التفاعلات الإقليمية والدولية، إذ لم تعُد قضايا الأمن في الشرق الأوسط شأنًا محليًّا أو إقليميًّا فحسب، بل أصبحت مرتبطة بصورة وثيقة بمصالح قوى دولية كبرى وبمسارات الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. ومن ثمّ، فإن فهم طبيعة التحالفات الناشئة ودوافعها وأهدافها وحدود فاعليتها يُعَدّ مدخلًا أساسيًّا لاستشراف مستقبل التوازنات الإقليمية وتقدير اتجاهات الاستقرار أو الصراع في المنطقة.

انطلاقًا من ذلك، يسعى هذا البحث إلى تحليل تداعيات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران على إعادة بناء التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، من خلال دراسة التحالفات الناشئة التي برزت في مرحلة ما بعد الحرب، وتحليل أهدافها الاستراتيجية، وتقييم التحديات التي تواجهها، فضلًا عن استشراف انعكاساتها المحتملة على بنية النظام الإقليمي ومستقبل التفاعلات السياسية والأمنية في المنطقة.

أولًا: الإطار النظري: توازن القوى وسيولة التحالفات

تتمثل الوظيفة الأساسية لنظريات العلاقات الدولية بتفسير الظواهر والأحداث الدولية وفهم دينامياتها، فضلًا عن المساهمة في استشراف الاتجاهات المستقبلية للنظام الدولي. وفي هذا السياق، قد يكون الحدث الدولي الواحد قابلًا للتفسير من خلال أكثر من مقاربة نظرية، نظرًا إلى تعدد العوامل والمتغيرات المؤثرة في سلوك الفاعلين الدوليين. انطلاقًا من ذلك، يمكن توظيف نظرية توازن القوى (Balance of Power) لتفسير عملية إعادة الاصطفاف الإقليمي ومحاولات بناء التحالفات الجديدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية عام 2026، مع الاستفادة في الوقت نفسه من مفهوم سيولة التحالفات لفهم الطبيعة المتغيرة لهذه الترتيبات الإقليمية.

تفترض هذه النظرية أن الدول هي الفاعل الرئيس في النظام الدولي، وأن هدفها الأساسي يتمثل بالحفاظ على بقائها وأمنها في بيئة دولية تتسم بالفوضوية، أي في غياب سلطة مركزية عليا قادرة على ضمان أمن الدول أو تنظيم علاقاتها بصورة ملزمة. وفي ظل هذه البيئة، تسعى الدول إلى منع أي طرف من تحقيق تفوق مهيمن قد يهدد أمنها أو استقلالها، وذلك من خلال تطوير قدراتها الذاتية أو بناء تحالفات مع قوى أخرى لتحقيق التوازن في مواجهة مصادر التهديد[1].

وفق هذه النظرية تختلف الدول في قدراتها وإمكانياتها المادية، وتسعى كل منها إلى تعزيز موقعها النسبي داخل النظام الدولي. وينتج من هذا التفاعل المستمر نظام توازن قوى يهدف إلى منع ظهور قوة مهيمنة قادرة على إخضاع الآخرين أو فرض إرادتها عليهم. ولتحقيق هذا الهدف، تلجأ الدول إلى نوعين من الأدوات: الأدوات الداخلية، التي تشمل تنمية القدرات الاقتصادية والعسكرية وتطوير الاستراتيجيات الوطنية؛ والأدوات الخارجية، التي تتمثل بإقامة التحالفات، وتعزيز الشراكات، وإضعاف تحالفات الخصوم أو تفكيكها[2].

عرفت المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة تحوُّلات متسارعة في بنية التحالفات الإقليمية؛ فقبل اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، كانت المنطقة تتسم بوجود اصطفافات واضحة نسبيًّا، تمثلت أساسًا بمحور المقاومة ومحور الاعتدال العربي. إلا أن التحولات السياسية والأمنية التي رافقت الثورات العربية، وسقوط عدد من الأنظمة السياسية، أدت إلى إعادة بناء موازين القوى الإقليمية بصورة متكررة، وهو ما جعل التحالفات أكثر هشاشة وأقل استقرارًا من السابق؛ فمنذ عام 2011، اتسم النظام الإقليمي بدرجة عالية من السيولة وعدم الاستقرار، إذ انتقلت المنطقة بين أنماط مختلفة من الاصطفاف؛ فتارةً ظهرت تحالفات ثنائية القطب، وتارةً أخرى حدثت ترتيبات ثلاثية أو متعددة الأطراف[3]. غير أن التطورات التي أعقبت حرب عام 2026 كشفت عن محدودية التفسير القائم على توازن القوى التقليدي وحده، وأظهرت الحاجة إلى إدماج مفهوم أكثر مرونة يتمثل بـ «سيولة التحالفات» لفهم طبيعة التفاعلات الإقليمية الجديدة.

بذلك، يمكن القول إن النظام الإقليمي في مرحلة ما بعد حرب 2026 يشهد انتقالًا تدريجيًّا من منطق التحالفات الصلبة إلى منطق التحالفات الشبكية المتغيرة. ففي هذا النموذج الجديد، لا تقتصر عملية الموازنة على مواجهة قوة مهيمنة واحدة، بل تشمل إدارة مجموعة متنوعة من التهديدات والمخاطر عبر شبكات تعاون مرنة وقابلة لإعادة التكوُّن. ويمكن وصف هذا النمط بـ«الموازنة المرنة» أو «الموازنة الشبكية»، حيث تسعى الدول إلى تعظيم مكاسبها الاستراتيجية وتقليل المخاطر من خلال تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لتحالف واحد ثابت.

من هذا المنطلق، يمكن تفسير التفاعلات الإقليمية في الشرق الأوسط بعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران بوصفها عملية مستمرة لإعادة بناء موازين القوى الإقليمية. تتجسد هذه العملية في مسارَين متوازيَين: أولهما استمرار منطق توازن القوى التقليدي من خلال بناء التحالفات المضادة ومنع الهيمنة الإقليمية؛ وثانيهما تصاعد منطق السيولة التحالفية الذي يجعل هذه الترتيبات مؤقتة وقابلة للتعديل والتغيير تبعًا لتطور البيئة الاستراتيجية.

بناءً على ما سبق، تعتمد هذه الدراسة إطارًا نظريًّا يجمع بين مقاربة توازن القوى الكلاسيكية ومفهوم سيولة التحالفات بوصفه تطويرًا تفسيريًّا ملائمًا لمرحلة ما بعد حرب 2026. ويتيح هذا الدمج فهمًا أكثر دقة للديناميات الإقليمية الجديدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث لم تعد التحالفات ثابتة أو خطّية، بل أصبحت شبكات متداخلة ومتغيرة باستمرار، تحكمها معطيات براغماتية تتعلق بإدارة المخاطر وتعظيم المكاسب في بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين والتحول المستمر.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 572 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 572 تشرين الأول/أكتوبر 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 572 في تشرين الأول/أكتوبر 2026.

الصورة عن موقع فرانس 24.

علي نجات: طالب دكتوراه في دراسات الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا، جامعة طهران – إيران.

[1] Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics (Reading, MA: Addison-Wesley Publishing Co., 1979), p. 91.

[2] M. S. Emerson, The Balance of Power (Tehran: Strategic Studies Research Center, 2002), p. 125 (in Persian).

[3] علي نجات، الأزمة السورية والفاعلون الإقليميون (طهران: معهد أبرار المعاصر للدراسات والأبحاث، 2017)، ص 34 (بالفارسية).

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز