مقدمة

يمثّل الأمن البحري بمفهومه الواسع أحد التحديات الرئيسية للقوى الدولية، كونه يرتبط بطيف من القضايا الأمنية والاقتصادية والتجارية. ولعل مسألة التنافس على المضائق والممار المائية أبرزها؛ ذلك بأنها تمثل نقطة تفوق بالنسبة إلى طرف الذي يحكم نفوذه عليها. ويكمن التحدي الأمني في هذه المسألة؛ كون هذه النقاط غالبًا ما تكون في منطقة لها تاريخ من التوتر والصراع، نظرًا إلى ما للمضائق من أهمية جيوستراتيجية للدول المتاخمة لها أو حتى كل المنطقة الموجودة بها هذه المضائق.

وعلى هذا الأساس أكد القانون الدولي ضمان أمن وحماية المضائق والممار المائية. وفي هذا الإطار نصت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 حق المرور العابر وحرية الملاحة للسفن في المضائق، وحدد النظام القانوني للمياه التي تُكوّن مضائق مستخدمة للملاحة الدولية؛ بما يضمن حرية الملاحة والتحليق والمرور العابر للسفن والطائرات عبر هذه المضائق والممار، وفق أحكام تراعي حقوق والتزامات الدول المتشاطئة والدول الأخرى، بما في ذلك حق الدول المتشاطئة في ممارسة سيادتها وولايتها على المضائق ذات الصلة مع مراعاة قواعد القانون الدولي الأخرى[1].

تكتسي المضائق الواقعة في المنطقة العربية أهمية كبيرة في العالم؛ لا لما تمثله من عصب حيوي للاقتصاد والتجارة العالميين فقط، بل لخصوصية المنطقة أيضًا في إطار السياسة الدولية ولطبيعة الصراعات والتوترات التي تجتاحها سواء بين دولها أو حتى داخل الكثير منها. وما يزيدها حدة هو التنافس الدولي بشتى وسائله للسيطرة على هذه المضائق؛ الأمر الذي يجعل من هذه الظاهرة خطرًا على الأمن الإقليمي العربي وحتى الدولي لما لها من أهمية جيوستراتيجية في العالم.

موضوع الدراسة وحدودها: ستعالج هذه الدراسة الأهمية الجيوسياسية للمضائق البحرية في المنطقة العربية ومدى تأثير تعدد استراتيجيات التنافس الدولي للسيطرة على هذه المضائق في الأمن الإقليمي العربي ككل في إطار الرقعة الجغرافية للمنطقة العربية وعلى الأخص المناطق المتشاطئة لهذه المضائق.

سؤال الدراسة: إلى أي مدى يمكن أن يشكل التنافس الدولي على المضائق في المنطقة العربية تهديدًا واختراقًا للأمن الإقليمي العربي؟

ويتفرع هذا السؤال الإشكالي إلى أسئلة فرعية:

– فيمَ تكمن أهمية المضائق البحرية المطلة عليها المنطقة العربية؟

– ما سمات التنافس الدولي على المضائق البحرية في المنطقة العربية؟

– ما الاستراتيجيات المتبعة من طرف الوحدات السياسية المكونة للنظام الإقليمي العربي للحفاظ على سلامة المضائق البحرية العربية؟

منهجية الدراسة وتقنياتها: حتى تكون الدراسة حول موضوع تأثير التنافس الدولي على المضائق البحرية في المنطقة العربية في الأمن الإقليمي العربي معمقة وأكثر دقة، ولاختبار الفرضيات والإجابة عن الإشكالية علميًا، تم الاعتماد على ثلاثة مناهج، تتمثل بمنهج دراسة الحالة، والمنهج الوصفي والمنهج التاريخي.

فرضية الدراسة: كلما كان هناك تصادم في مصالح القوى الإقليمية والدولية المتنافسة في السيطرة على المضائق في المنطقة العربية، كان هناك عدم استقرار ومثل ذلك تهديدًا واختراقًا للأمن الإقليمي في المنطقة. 

الفرضيات الفرعية: الموقع الجغرافي للمضائق البحرية العربية وما تقدمه من تفوق سياسي وعسكري لمن يسيطر عليها أكسبها أهمية جيوسياسية وعرّضها لكثير من التهديدات:

1 – هناك علاقة بين الهدف من السيطرة على المضائق البحرية في المنطقة والشكل الذي يتخذه التنافس الدولي على كل مضيق.

2 – كلما اتخذت هذه الاستراتيجيات سمة التعاون الأمني الإقليمي بين الوحدات المشكلة للنظام الإقليمي العربي «مركبات أمنية»، كانت كفيلة بالحفاظ على سلامة المضائق البحرية العربية وسلامة الدول المتشاطئة لها وبالتالي الحفاظ على الأمن الإقليمي العربي.

الإطار النظري: تعَدّ معطيات الجغرافية السياسية من المقومات التي تصنع خصائص الدولة (أو الإقليم) التي تتأثر بها الوحـدات السياسية، وتتحدد أهميتها سواء بالنسبة إلى كيانها الذاتي من ناحية، أو إلى علاقتها التفاعلية مع الوحدات السياسية الأخرى مـن ناحية أخرى. ويمتد تأثير هذه المعطيات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على وجود وسياسة الوحدة السياسية ومن ثـم تحديد دورها في العلاقات الدولية[2].

كما تعمل الخصائص الجغرافية على توجيه سلوك الفاعلين الدوليين، فالعامل الجغرافي يعدّ مصدرًا محتملًا لنزاع يدخل في إطار فكرة ودور التلاصق الجغرافي كوسيط محتمل لنزاعات بين دولتين لوجود مصادر موضوعية للنزاع بينها. كما أن أهمية بعض المناطق الجغرافية تزيد من احتمالات دخول الدول في نزاعات من أجل السيطرة عليها. هنا يظهر لنا جليًـا أهميـة دراسـة الخصـائص الجغرافية والاستراتيجية للمضائق المطلة عليها المنطقة العربية، لما تمثله من مصدر أساسي لعدم الاستقرار في المنطقة نظرًا إلى ما تعرفه من تنافس دولي عليها؛ الأمر الذي يجعل من فكرة التعاون الأمني السبيل الوحيد لضمان أمن الوحدات المتاخمة لهذه المضائق.

وقد اقترح الواقعيون الجدد، أمثال جاك سنايدر، نوعًا من الاستراتيجيات الأمنية التعاونية، من خلال علاقات دبلوماسية من جانب الدول مع القوى الكبرى لتحقيق أمنها، وهذا ما يحدث فعليًا في إقليم الشرق الأوسط، فكل مجموعة من دول المنطقة لديها علاقات بالقوى. كما يرى الواقعيون الجدد أن السبب الحقيقي لسعي الدول نحو زيادة القوة والقدرات العسكرية يرجع إلى الرغبة في الدفاع عن الذات، وتقليص مخاطر الأمن وليس الحصول على القوة بحد ذاتها، وعليه فإن التعاون لتحقيق أهداف الأمن المشتركة قد يكون الخيار الأفضل لاستبدال فوضوية النظام الدولي البحتة بأخرى ناضجة كما يقول باري بوزان[3].

بالعودة إلى بوزان فهو يُعَدّ أول من طرح مفهوم الأمن الإقليمي للتعبير عن علاقات الاعتماد المتبادل بين عدد من الدول ضمن منطقة جغرافية معينة في شكل فعل ورد فعل، ويعرّفه بوزان أنه: «مجموعة من الدول ترتبط اهتماماتها الأمنية الأساسية بعضها مع بعض بدرجة وثيقة، بحيث إن أوضاعها الأمنية الوطنية لا يمكن النظر إليها واقعيًا بمعزل عن بعضها بعضًا».

يتخذ التعاون الأمني الإقليمي أشكالًا وصورًا متعددة من الترتيبات الأمنية، وبحسب جيفري كيمب هذه الترتيبات هي صيغ مركبة تختلف في أشكالها الأمنية (أمن مشترك، أمن جماعي، أمن تعاوني أو مزيج من هذه الصيغ: «القوى الإقليمية مع بعضها أو قوى إقليمية مع قوى خارجة وأطرها رسمية وغير رسمية تبعًا لتوافق دول الإقليم»[4].

يتمحور التحليل الواقعي حول فكرة المصلحة الوطنية وعدّ الأمن الوطني والإقليمي أولوية من أولويات الدولة، والطابع المميز لعلاقات الدول في تعاملها مع بعضها البعض هو التنافس والصراع. تتوافق الواقعية البنيوية مع الواقعية الكلاسيكية في أطروحة التنافس الدائم بين الدول وقت السلم ووقت الحرب، حيث تربط تحليلها لسلوكيات الدول بفلسفة فوضوية النظام الدولي التي تحتم على الدول لضمان أمنها أن تدخل في تنافس دائم على زيادة قوتها ومكانتها النسبة داخل النظام الدولي[5].

أدبيات الدراسة: لا يمكن دراسة موضوع من دون الاعتماد على أدبيات سابقة تصب في المجال عينه، ولعل أبرز الدراسات التي قامت عليها هذه الدراسة هي الدراسة المعنونة «جيوسياسية المضائق البحرية… وأثرها على الصراع في منطقة المشرق العربي دراسة حالة مستقبل إمدادات الطاقة في مضيقي هرمز وباب المندب 2003 – 2018» للباحث خالد أحمد الأسمر. وفي هذه الدراسة ركز الباحث على الأهمية الجيوسياسية للمضائق البحرية معتمدًا على إطار مفاهيمي ونظري واسع ساعده على تبيان دور المضائق البحرية في تغذية الصراع في منطقة المشرق العربي وعلاقتها الوثيقة بأمن إمدادات الطاقة، من خلال استفاضته في تحليل الوضع بالنسبة إلى مضيقَي هرمز وباب المندب. لكن الباحث ركز في دراسته موضوع المضائق البحرية، على أنها عامل تغذية للصراعات في المشرق العربي. لكن الأمر الذي أغفله الباحث هو أنها هي بحد ذاتها محل تنافس وصراع من طرف القوى الإقليمية والدولية. والدراسة المعنونة «الأمن الإقليمي وصراع النفوذ على الممار: استراتيجيات المواجهة»، للباحث محمد قشقوش، التي تطرقت إلى مهددات المضائق والممار المائية التي تعد أهم قضايا المنطقة في نظره. وقد اشتملت الدراسة على الاستراتيجية العربية لمواجهة تلك التهديدات؛ وخلصت إلى أن قضية المخاطر والتهديدات للمضائق الاستراتيجية البحرية في الوطن العربي، تمثل إحدى أهم قضايا الأمن القومي العربي الشامل في أبعاده الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وخصوصًا في ظل التنافس الإقليمي والدولي عليها. وقد تطرق الباحث إلى استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية الكبرى للسيطرة عليها ولكنه لم يتطرق إلى بعض القوى الفاعلة التي تريد أن تجد لنفسها موطئ قدم في تلك المواقع كروسيا واليابان والصين.

وما أغفله الباحثان تحاول هذه الدراسة الإحاطة به حتى نسهم في التراكم المعرفي.

خطة الدراسة: سوف نعالج هذه الدراسة من خلال ثلاثة محاور: 1 – جيوسياسية المضائق البحرية في المنطقة العربية وأهميتها الاستراتيجية؛ 2 – سمات التنافس الدولي على المضائق البحرية في المنطقة العربية؛ 3 – الاستراتيجيات العربية لمواجهة تهديد التنافس الدولي على المضائق البحرية العربية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 528 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 528 شباط/فبراير 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 528 في شباط/فبراير 2023.

محمد زيتوني: أستاذ محاضر، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد بوضياف «المسيلة» – الجزائر.

عبير بوعكاز: باحثة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية – الجزائر.

[1]  محمد بن صديق، «أمن المضايق والممرات البحرية في الخليج العربي والبحر الأحمر،» شؤون عربية (3 حزيران/يونيو 2021)، <https://cutt.us/8gEZm>. (تاريخ الاطلاع 25 شباط/فبراير 2022).

[2]  حشوف يسين، «منطقة الخليج العربي: المكانة والبعد الجيواستراتيجي دراسة في المؤثرات الاستراتيجية للنظام الإقليمي الخليجي،» دفاتر السياسة والقانون (الجزائر)، العدد 19 (حزيران/يونيو 2018)، ص 345.

[3]  لمياء محمود، «الأمن القومي العربي كجزء من الأمن الإقليمي الشرق أوسطي «الأخطار وأدوار الفاعلين»،» المركز الديمقراطي العربي، 15 كانون الأول/ديسمبر 2017 (تاريخ الاطلاع 28 شباط/فبراير 2022) 28/2/2022)، <https://democraticac.de/?p=51048>

[4]  نوال بومليك وزهرة تيغزة، «الهندسة الإقليمية للأمن: نظرية مركب الأمن الإقليمي كمقاربة تفسيرية،» مجلة الناقد للدراسات السياسية (الجزائر)، السنة 5، العدد 2 (2021)، ص 465 – 466.

[5]  نسيمة طويل، «ظاهرة التنافس الدولي في العلاقات الدولية،» المجلة الجزائرية للأمن والتنمية (الجزائر)، العدد 10 (كانون الثاني/يناير 2017)، ص 31.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز