تقديم

حين تتسع جغرافية الثابت في السلوك الاحتجاجي وتتقلص معه مساحة المتحوِّل، نكون أمام تكوّن الظاهرة الاجتماعية. ولفهم أي احتجاج، ومن باب اليقظة المنهجية، من الضروري وضعه في السياقات التي أفرزته؛ حينها يمكن التعاطي معه بوصفه ظاهرة مجتمعية قابلة للدراسة والتحليل واستشراف نهاياتها ومآلها، ومدى إمكان تطوره إلى حركة احتجاجية واجتماعية. فالاستقراء الموضوعي لتاريخ الحركات الاحتجاجية والاجتماعية عبر العالم، يقول إن كل احتجاج اجتماعي هو بمنزلة كائن حي؛ ينمو ويتطور وينضج، فينتقل من الفعل الاجتماعي – إذا لم يتم إجهاضه في المهد وامتصاصه وإفشاله – إلى حراك اجتماعي ثم إلى حركة أو حركات اجتماعية؛ وبنضج هذا الفعل المغذَّى بالحراك المستدام، يُفتح أول أبواب التغيير السياسي لا الاجتماعي فحسب.

وبذلك، تكون مناقشتنا لإشكالية التصنيف الاحتجاجي في المغرب، تهدف إلى إيجاد مقاسات إبستيمولوجية لتوصيف هذه الاحتجاجات بالظاهرة، لأنها في البدء وفي المنتهى تهدف إلى تغيير الوضع القائم. ننطلق في ذلك من سؤالين: أولهما، مرتبط بمدى تطور ظاهرة الاحتجاجات الاجتماعية اليوم في المغرب إلى حركة احتجاجية واجتماعية أم لا؛ وثانيهما، يتحدد بمنطق سوسيولوجي للظاهرة احتجاجية بوصفها حصيلة ونتاجًا خالصًا لظروف موضوعية قائمة وسابقة أفرزتها واكتملت شروط بلورتها وانبنائها في سياق التفاعلات السياسية المحلية والإقليمية والدولية، لكيفية عمل منطق إنتاج الدولة على هندسة الفعل والممارسة الاحتجاجية في المغرب؟

بناءً على هذا التقديم الإشكالي العام، نفترض أن الاحتجاج في المغرب هندسة سياسية للفضاء العام؛ تنطلق مسوغات هذه الفرضية من التقاطعات المنهجية التي تتكثَّف بين الجدل والتفكيك للتاريخ الثقافي والسياسي وتأثيره في الرفض الاجتماعي في البنية الذهنية للمجتمع المغربي؛ وذلك بالنظر إلى توظيفات مركّبة للنظام السياسي للفضاء العام بين الديني والسياسي، وقدرته على جعل هذا الفضاء فضاءً للتحكم والسيطرة على الفعل والممارسة الاحتجاجية.

إضافة إلى خلفية نظرية مزدوجة: سوسيولوجية وسياسية يكون هدفها من هذا الموضوع مزدوجًا أيضًا؛ هدف منهجي يكمن في مناقشة ماهية الاحتجاج المغربي وامتداداته في المجتمع واختراقه لجل مكوناته وتشكيلاته الاجتماعية عموديًا وأفقيًا، وهدف إبستيمي نبتغي من خلاله بيان كيف يرافق تطورًا في الرفض الاجتماعي إلى استقرار في بنية المخزن؛ فالحركة الاحتجاجية كتمثل لبنية من الأفكار، نراهن من خلاله على أن ممارسة الرفض الاجتماعي لا يمكن توصيفه سوسيولوجيًا باحتجاج يقود إلى حركة اجتماعية منظمة أو ثورة للتغيير في المغرب.

أولًا: الظاهرة الاحتجاجية تحت مجهر السوسيولوجيا

في بلد، يصعب تحديد ماهية مجتمعه، يدهشك الكمّ الهائل من الأجوبة المتناقضة[2]، وتبرز هذه الطبيعة التناقضية على عدة مستويات وسياقات وتحضر بأشكال متعددة. فإذا كانت ترتبط عند بول باسكون بالطبيعة المزيجة، فإن نور الدين أفاية يحددها بالفوارق الصارخة للصعيد الاجتماعي[3]. غير أن الخطيبي الذي يركِّب المجتمع المغربي على مقاس النقد المزدوج، ينطلق من مفارقة الحال والمال في العيش المشترك للفرد مع السلطة والواقع. بين تآلفه معها، وصمته أمام أحداث التغيير، وموجة السلم ومحبة المظاهر[4]. وهي أيضًا طبقات محرومة تعيش بالصبر وتأمل دائمًا في تحسن خارق لمصيرها، رغم خيبة الأمل التي تتكرر باستمرار[5]. لذلك، يلجأ نور الدين الزاهي إلى التاريخ لكون كل ما يتشكل عبر التاريخ يتفكك عبر التاريخ. ويمكن اعتبار إحدى علامات بدايات التحول والتفكك ومؤشراتها تلك اللحظة التي يدخل فيها التاريخ بكل ثقله، واستمراريته في توترات ظاهرة وخفية، مع راهن المجتمع، وحاضره وتغيره[6].

إذا كانت حركة التاريخ، تشهد بوجود تراكم الأحداث وتواليها من السكينة إلى الحركة، فذلك لأن المغرب لا يركن إلى الركود والحصر (blocage)[7]، وإنما يعرف كثيرًا من التحولات؛ أي تحول في قواعد اللعب والغايات والوظائف، والبنى التي يعتمد عليها المجتمع[8]. لذلك، ينبغي تمديد التفكير نحو مكوّنين من مكونات السياق الاحتجاجي في المغرب، المكوِّن السياسي والمكوِّن الديني في علاقته بالرفض الاجتماعي[9]؛ وذلك، بهدف إمكان التوصيف السوسيولوجي للفعل في بنية المجتمع المغربي بوصفه احتجاجًا.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 542 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 542 نيسان/أبريل 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 542 في نيسان/أبريل 2024.

[1]خليل بية: باحث في علم الاجتماع، كلية الآداب والعلوم الانسانية، تطوان – المغرب.

[2]   محمد نور الدين أفاية، السلطة والفكر: نحو ثقافة الاعتراف في المغرب، شرافات؛ 3 (الرباط: منشورات الزمن، 2011)، ص 81.

[3]    المصدر نفسه، ص 82.

[4]   عبد الكبير الخطيبي، المغرب العربي وقضايا الحداثة، ترجمة أدونيس ]وآخرون]؛ مراجعة محمد بنيس (الرباط: منشورات عكاظ، 1993)، ص 88.

[5]   عبد الله حمودي، الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، ترجمة عبد المجيد جحفة، المعرفة الاجتماعية )الدار البيضاء: دار توبقال،2000 )، ص 36.

[6]   نور الدين الزاهي، «المغاربة والاحتجاج،» وجهة نظر، العددان 19- 20 (ربيع – صيف 2003)، ص 12.

[7]   عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، ط 2 )الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2009(، ص 423.

[8]   محمد جسوس، طروحات حول المسألة الاجتماعية، كتاب الشهر السادس (الدار البيضاء: الأحداث المغربية، 2003)، ص 74.

[9]   بول باسكون، «طبيعة المجتمع المغربي المزيجة،» نشر النص بمجلة لاماليف )كانون الأول/ديسمبر 1967) وأعاد نشره منتدى ابن تاشفين: «المجال والمجتمع» بول باسكون أو علم الاجتماع القروي (الدار البيضاء: مطبعة دار القرويين، 2014)، ص 54.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز