مقدمة

تتكون الهوية الوطنية للمرء من المظاهر المتعدّدة للهوية، مثل هويّته الثقافية والعِرقية والدينية والاجتماعية. وكلّما كانت هذه المَظاهر منسجمة ومتكاملة بين الأفراد الذين يمثّلون الدولة، كانت الهوية الوطنية جامِعة وكانت الدولة متماسكةً[1].  في لبنان، كانت مظاهر الهوية المتعدّدة دومًا أقوى من الهوية الجامعة أو الوطنية، وهو ما دفع الباحث عطية إلى السؤال: «هل ثمّة هوية لبنانية مخصوصة أم هويات متناقضة تجعل الحياة المشتركة بين اللبنانيين مستحيلة»[2]؟

إن وَلاء اللبناني لمجموعته (مذهبه، طائفته، حزبه… إلخ) هو ظاهرة غير حديثة، فالتاريخ اللبناني قائم على ثقافة الطوائف، والهويّة اللبنانية ما هي إلاّ نتاج هذه الثقافة[3]. ولقد أدرك اللبناني منذ زمن بعيد أن انتماءه إلى مجموعة معيّنة (حزب أو مذهب أو طائفة) يُغذّي حاجته إلِى التقدير الذّاتي والتقدير الجَماعي.

إن النظام السياسي اللبناني الطائفي لا يوفّر فرصًا متساوية وعادلة بين المواطنين، إذ إن جميع مستويات الوظائف في الدولة محكومة بالكوتا الطائفية والمذهبية، وهو ما يجعل الوصول إلى السلطة والوظائف والموارِد مرهونًا بالانتماء الطائفي أو المذهبي أو الحزبي[4]. وقد مثّل هذا النظام عبر التاريخ دورًا مُهمّا ومباشرًا في نشأة التطرف في نفوس اللبنانييّن، إذ إن التوازن الطائفي غالبًا ما كان – ولا يزال – مُهدَّدًا من هذه الطائفة أو تلك في لبنان، ومعه القلق الدائم من أي تحوّل (اجتماعي أو سياسي) يخدم طائفة أو مذهبًا على حساب الطوائف أو المذاهب الأخرى. هذا وفي بلد كَلبنان أضحى حديث الطائفية خبز الناس اليومي[5].

يُعَدّ موضوع التطرّف من أبرز العناوين البحثية في علم النفس الاجتماعي، وترى نظرية «الهويّة الاجتماعية»[6] أن الذِّهنية المتطرّفة مُوجودة في كل الثقافات من أي مكان وزمان، لأنها ترتكز على المُكوِّنات الأساسية لبِناء صورة الإنسان الذاتية (الهُوية الشخصية) وهُويته الاجتماعية، وعلى حاجاته الطبيعية (كالحاجة إلى الانتماء والحاجة إلى البقاء والحِفاظ على الذات) بِمعزل عن الظروف المُحيطة.

إن الانتماء إلى مجموعة معيّنة يؤدّي تلقائيًا إلى عملية المقارَنة بين مجموعة الانتماء والمجموعات الأخرى ويولّد صورةً لدى المرء عن مجموعة انتمائه على أنها متفوِّقة على المجموعات الأخرى، وهكذا تتبلوَر عبر الزمن عمليّة «قَولَبة» أو تصنيف الذات وقولبة وتصنيف الآخر، أي عمليّة الشرخ بين الـ«نحن» والـ«هم»[7].

أمّا الحاجة الثانية التي يقوم عليها التفكير المتطرّف فهي حاجة الإنسان إلى البقاء والحِفاظ على الذات، وهي غالبًا ما تكون مُرفَقة بالخوف من الفَناء. يقول بيكر[8] إن مِن بين كل الأمور التي تُحرِّك الإنسان، أهمُّها خوفُه من الموت، ولقد ربط الكثير من الباحثين مفهوم بيكر للخوف من الفَناء بمفهوم تقدير الذات، وذلك في إطار نظريّة «إدارة الذعر» (Terror Management Theory) [9] بِحيث إن الخوف من الفَناء (الذي يعمل على مستوى اللاوعي) يحثُّ الإنسان على تطوير وسائلَ دفاعيّة، منها تعزيز التقدير الذاتي، وبِخاصّة عندما يشعر الإنسان بِتهديدٍ لِبقائه، إذ يُساهم في نشأة التطرّف والنِّزاعات بين الأفراد والمجموعات[10].

نُقدِّم في هذه الورقة تحليلًا لظاهرة التطرّف في لبنان على نحو مُجرّد من الاعتبارات والخلفيّات السياسية والعقائدية في البلد، فنستخدم عدسة علم النفس الاجتماعي لتفسير المكوّنات النفس - اجتماعية لصورة اللبناني الذاتية ونظرته إلى الآخر والعمليات النفس - مَعرفية في الذهنية اللبنانية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 534 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 534 آب/أغسطس 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 534 في آب/أغسطس 2023.

ريتا مفرّج مرهج: باحثة في علم النفس الاجتماعي في بيروت.

[1]  أشرف العيسوي، «التطرف وصراع الهوية الدينية في عصر العولمة في منطقة الشرق الأوسط،» تريندز للبحوث والاستشارات، دراسات الإسلام السياسي، 8 آذار/مارس 2020، <https://bit.ly/3r9p6CK>.

[2]   عاطف عطية، «لبنان المجتمع والهوية،» المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 15 (2007)، ص 129.

[3]    المصدر نفسه.

[4]    مايا ياغي، «دراسة في مظاهر التعصّب اللبناني.. تويتر نموذجًا،» 180 بوست، 19 آذار/مارس 2021، <https://180post.com/archives/17620>.

[5]    مأمون طربيه، السلوك الطائفي: الانجذاب والنفور تجاه الآخر (بيروت: دار النهضة، 2014)، ص 31.

[6]   Henri Tajfel, «Social Psychology of Intergroup Relations,» Annual Review of Psychology, vol. 33 (1982), pp. 1-39, <https://doi.org/10.1146/annurev.ps.33.020182.000245>; Henri Tajfel and John C. Turner, «The Social Identity Theory of Intergroup Behaviour,» in: William G. Austin, Stephen Worchel, eds., Psychology of Intergroup Relations, 2nd ed. (Chicago, IL: Nelson-Hall, 1986), pp. 7-24; Henri Tajfel and John C. Turner, «The Social Identity Theory of Intergroup Behavior,» in: John T. Jost and Jim Sidanius, eds., Political Psychology: Key Readings in Social Psychology (New York: Psychology Press, 2004), pp. 367-390, and John C. Turner and Penelope J. Oakes, «The Significance of the Social Identity Concept for Social Psychology with Reference to Individualism, Interactionism and Social Influence,» British Journal of Social Psychology, vol. 25, no. 3 (1986), pp. 237-252, <https://doi.org/10.1111/j.2044-8309.1986.tb00732.x>.

[7]    Karen Trew, «Children and Socio-cultural Divisions in Northern Ireland,» Journal of Social Issues, vol. 60, no. 3 (2004), pp. 507- 522.

[8]            Ernest Becker, The Denial of Death (New York: The Free Press, 1973).

[9]   ترى نظريّة «إدارة الذّعر» (Terror Management Theory) أن الشعور بالانتماء إلى المجموعة يمنحُ المرء مَعنىً لِوُجودِهِ ويزيدُ من تقديره الذاتي، إذ يُخفِض مُسَتوى ذُعرهِ من الزَّوال (الموت الرّمزي).

[10]   A. Rosenblatt [et al.], «Evidence for Terror Management Theory: The Effects of Mortality Salience on Reactions to Those Who Violate or Uphold Cultural Values,» Journal of Personality and Social Psychology, vol. 57, no. 4 (1989), pp. 681-690; Christopher T. Steinman and John A. Updegraff, «Delay and Death-thought Accessibility: A Meta-analysis,» Personality and Social Psychology Bulletin, vol. 41, no. 12 (2015), pp. 1682–1696, <doi.org/10.1177/0146167215607843>, and Kenneth E. Vail [et al.], «A Terror Management Analysis of the Psychological Functions of Religion,» Personality and Social Psychology Review, vol. 14, no. 1 (February 2010), pp. 84-94, <doi: 10.1177/1088868309351165>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز