مقدمة:

تحاول هذه الورقة البحثية، ومن زاوية إيبيستيمولوجية، إثارة بعض القضايا المتصلة بالمفهوم التاريخي، وذلك في ارتباط تام بالتطور والتجديد المستمر الذي عرفته صناعة المعرفة التاريخية، وبخاصة في بداية القرن العشرين حينما أصبح التاريخ علمًا اجتماعيًا. واللافت للانتباه هنا هو أن المناظرة حول التاريخ ما زالت مستمرة، والمؤرخ يفتح باب حجرته ليشترك في العراك الصاخب حول معنى التاريخ، كما يحرص أن تكون صناعته علمية المنهج والمنزع، وهو مطالب بأن يقنع المتلقّين بعمله وبصدقية ما يكتب.

أولًا: المفهوم التاريخي: المعنى والدلالة

المفهوم بصفة عامة هو كل تعبير تجريدي ومختصر يشير إلى مجموعة من الحقائق والأفكار المتجاورة من حيث المعنى والدلالة، وهو بالتالي صورة ذهنية ترتسم في ذهن الفرد عن موضوع معين على الرغم من عدم اتصاله مباشرة بالموضوع المدروس. وإذا انتقلنا إلى مجال التاريخ فإننا سنجد بأن المفهوم التاريخي هو الآخر يتسم بقدر كبير من التجريد، غير أن المؤرخ وبواسطته – أي المفهوم – يستطيع أن يستخلص منه عددًا من الخصائص المشتركة للوقائع والأحداث التاريخية المدروسة إذ من صفات المفهوم التاريخي التعميم والرمزية والتطور([1]).

تعَدّ المفاهيم مسألة أساسية في خطاب المؤرخ، حيث تمكنه من تحليل الأحداث التاريخية وتفسيرها والكشف عن الأنساق وأنواع الترابطات والعلاقات التي تربط بين الأحداث والوقائع المدروسة؛ فبدون مفاهيم وأفكار عامة لن يكون باستطاعة المؤرخ فك رموز وألغاز الوثائق، وتناول المعطيات المفردة التي تتركب منها تلك الوثائق.

تأخذ المفهمة (La Conceptualisation) معنى مزدوجًا ما دام المؤرخ يشتغل بالمفاهيم وعليها، كما أن المفهوم هنا هو من إنتاج المؤرخ، بمعنى أن المعرفة التاريخية المؤسسة على مفاهيم ليست انعكاسًا آليًا للواقع المدروس، بل هي واقع تم تمثله من طرف المؤرخ بواسطة مفاهيم منتجة وأدوات منهجية وذهنية عامة. وبحسب عبد الله العروي فإن المؤرخ هو من يخضع لمفهوم التاريخ بكل متعلقاته ويعني بالمفهوم هنا الأسس المعرفية التي تميز الدراسات التاريخية عن دراسات أخرى حول الموضوع نفسه، والمفهوم في نظره هو المنهج الذي يشمل مفردات فكرية مثل القاعدة الاقتصادية، الدولة، المجتمع…([2])، والتي تؤدي في ذهن المؤرخ دور مفهوم الطاقة في ذهن الفيزيائي. ولذلك وجب عليه أن يعرف بالضبط المقولات التي يمكنه استعمالها وفي أي مستوى من التجريد؛ فبدون معرفة السياق العام والظروف العامة لأخبار محتوى الوثيقة يتعذر على المؤرخ كل تمثل وفهم وكل توجه نحو التعميم والتخصيص.

ثانيًا: التاريخ النقدي الحديث: من المفهوم إلى المفهمة التاريخية

يكتسي المفهوم التاريخي أهمية متزايدة في الخطاب التاريخي الجديد([3]) الذي يطلق عليه بول فاين (Paul Veyne) “التاريخ المفهومي” (L’histoire Conceptualisante) وهو تاريخ تبرز جوانبه في مجهود النقد والتفسير والاستنتاج والذي يمثل نمطًا مفهومًيا (Ldéaltype) بحسب عبارة ماكس فيبر (Max Weber)، وبفضله يتم تجاوز الإحساس الغامض. ويبين بول فاين في مقالة تحت هذا العنوان([4])، أنه لا سبيل لدينا أن نتحصل على معرفة مباشرة بالصيرورة التاريخية، إذ المسالك الحديثة لا تقدم إلينا إلا بصفة غامضة ومشتتة. إن عبارات “التاريخ اللاحدثي” و”التاريخ العميق” و”التاريخ المقارن” و”السوسيولوجيا التاريخية” هي كلها صيغ مختلفة لتعيين عمل الصوغ المفهومي لهذا الكل المختلط الغامض الذي يتعامل معه المؤرخ في المنطلق. وهكذا فالمجهود التاريخي يشبه المجهود الفلسفي أكثر من المجهود العلمي([5]).

فالتاريخ وإن ظل لا محال حكاية وسردًا، إلا أن هذا السرد لا يمكن أن يستغني عن أفق صوري يؤسسه ويحدده، وإن كان أفقًا ضمنيًا غير واع بذاته أحيانًا كثيرة. التاريخ هو وصف الفرد من خلال الكليات، وهذه الكليات هي مجموعة من المفاهيم الإجرائية ذات الطابع الإشكالي ذلك: أنها تسمح بفهم الوقائع لأنها ثرية بما تحتويه من معنى يتجاوز كل تحديد ممكن، إلا أنها لنفس السبب تغري دوما بسوء الفهم([6]).

إن الجانب المفهومي من التاريخ هو ما يقربه من العلم، إذ إن المفاهيم هي نواة العلمية في خطاب المؤرخ، ولكن هل يمكن أن يكون التاريخ موضوع علم؟ وهل النماذج النظرية التي يبنيها المؤرخ تستجيب لخصائص القانون العلمي نفسها؟ إن هذا السؤال يطرح بحدة في الحوار الدائر اليوم حول منزلة التاريخ في العلوم الإنسانية. ففي حين يرى رولان بارث  (  Roland Barthes)  أن لا فرق بين سرد المؤرخ لأحداث الماضي والسرد القصصي للرواية أو الملحمة([7]). يرفض كلود ليفي ستراوس (Claude Lévi-Strauss) مفهوم الحقيقة التاريخية اعتبار أن المؤرخ لا يتعامل مع معطى محدد وواضح الخصائص والمميزات: “فالمؤرخ أو صانع المستقبل التاريخي هو الذي يكون هذا المعطى بفعل التجريد، بمعنى أن المؤرخ يمارس التقطيع والتفصيل كي لا يواجه تاريخًا كليًا هو أشبه بالسديم. وتحتوي كل زاوية من زوايا المكان نفرًا من الأفراد يحمل كل منهم السيرورة التاريخية بصفة مغايرة عن الآخرين ولحظة الفرد هذه ذات غنى لا ينضب، فما دام التاريخ الكلي ممتنعا فإن الموضوعية مفقودة، فالتاريخ ليس أبدًا التاريخ لذاته، بل التاريخ بالنسبة لنا… والتاريخ متميز دائمًا وحتى وإن دفع التميز عن نفسه فسيبقى بالتأكيد جزئيًا ولكن الاجتزاء ليس إلا نوعا من الانحياز”([8]).

إلا أن بول فاين يلاحظ بصدق أن ما يميز الكتابة التاريخية عن السرد الخيالي هو كونها تتحرى الحقيقة في عملية السرد، فبمعيار الحقيقة يقترب التاريخ من نمط المعرفة العلمية. إلا أن التاريخ هو معرفة الأحداث أي الوقائع بينما العلم هو معرفة بالقوانين التي تحكم الواقع. فالتميز الصحيح ليس راجعًا إلى الواقع وإنما إلى الاختلاف بين نمطين معرفيين: المعرفة التاريخية هي مجموعة من الوقائع، بينما العلم معرفة بالقوانين([9]).

وهكذا فالتاريخ لا يمكن أن يختزل في أي علم، كما أنه لا يوجد علم للتاريخ يكون مفتاح الصيرورة أو محرك التاريخ، وإنما هناك فقط كما يقول بول فاين متغيرات استراتيجية تختلف باختلاف السياقات. فالتاريخ كما يجرى وكما يكتب، هو من شأن الحزم (Prudence) وليس من شأن العلم (Science) إلا نفي طابع العلمية عن التاريخ، ولا يعني أنه ليس نشاطًا نظريًا يتطلب دقة الصوغ وإحكامًا في المنهج، إذ فهم الوقائع ليس أمرًا عفويًا مباشرًا، فليست المجتمعات شفافة -كما يقول بول فاين-، “إن عصرنا الذي أعاد تأسيس التاريخ “فقد بين أن القطاع البارز من الأحداث تحكمه محددات غير حدثية يحاول التاريخ الجديد في مختلف أشكاله فهمها. إن التأسيس الجديد للتاريخ اليوم لا يكمن في اكتشاف آليات أو محركات تفسر التاريخ، وإنما في تفسير اللاحدثي (Le non événementielle) وصوغه صوريًا ولذا نجد لدى مؤرخ القرن العشرين من الأفكار والمفاهيم أكثر مما نجد لدى صاحب حوليات قديم لا يرى في التاريخ سوى الملوك والمعارك والأوبئة. فالنشاطات العقلية طبيعية كانت أو نظرية، التي تتطلب الصوغ المفهومي لا تنحصر في العلم؛ والتاريخ ليس سوى أحد هذه النشاطات. ويبرز جانبه المفهومي في مجهود النقد والتفسير والاستنتاج الذي يمثل نمطًا مفهوميًا (L’idéal-type) حسب عبارة ماكس فيبر بفضله يتم تجاوز الإحساس الغامض.

إن المفاهيم هي التي تميز التاريخ عن الرواية التاريخية وعن وثائقها الخاصة، فإذا كان الكاتب الروائي ينشئ الواقع أو يعيد بناءه، فإن المؤرخ يعطي مقابله المفهومي ولذا فهو ليس جامع وثائق. إن الأفق التصوري هو ما يفسر إذًا دلالة التاريخ غير الحدثي الذي يعوض اليوم تاريخ المعارك والمعاهدات الذي كان تاريخًا سرديًا يكتب في مستوى المصادر، في مستوى تصور معاصري الحدث لتاريخهم الخاص. ولذلك فإن الصوغ الصوري هو عماد النهج التاريخي الجديد في مقابل النزعة الأدبية أو الطموح العلموي الوضعاني (Positiviste)([10]).

ثالثًا: المفهوم التاريخي في منهجية المؤرخ: تصورات وممارسات

تخترق المفهمة معظم مراحل أو مسار الفكر التاريخي من بدايته إلى نهايته سواء اشتغل المؤرخ بمفاهيم أصيلة من داخل حقل التاريخ أو بمفاهيم مستوردة من حقول معرفية أخرى، وهو مطالب وفي كلتا الحالتين بأن يمنحها بعدها التاريخي أي الانتقال من العمومية إلى التخصيص تفاديًا لما يسمى إسقاطات الحاضر على الماضي، وكذا أي اختراق لخصوصية الواقع التاريخي المدروس. هكذا إذًا، تبقى المفاهيم أدوات ضرورية بالنسبة للعمل التاريخي وذلك لعدة اعتبارات نعرض لها كما يلي:

– تسمح المفهمة للمؤرخ بتوجيه ملاحظاته ومشروع بحثه، كما أنها توجهه نحو تساؤلات تكون بمنزلة وسيلة للفحص، وبواسطتها تتم عملية استبدال منظور معقد بآخر بسيط([11])، حينئذ تصبح كجسر عبور من العام إلى الخاص أو العكس، ومن الإطار النظري إلى العمل التجريبي، كما أنها تمثل أداة للمقارنة سواء من حيث المفاهيم المتكاملة أو المتقابلة([12]).

– تعمل المفاهيم داخل شبكة تسمح لها بتعدد طرائق البحث وزوايا المقاربات، وبقدر ما يمتلك المؤرخ ترسانة مفاهيم حول مادته بقدر ما تزداد تساؤلاته عددًا وتشعبًا. بيد أن تلك المفاهيم ومهما بلغت أهميتها ينبغي إخضاعها للنقد كما أكد ذلك عبد الله العروي في مؤلفه نقد المفاهيم ([13]).

– تتيح المفهمة للمؤرخ إمكان تمييز الوقائع بحسب زمنية الأحداث وانتظامها وتتابعها وتطورها وهو الأمر الذي سيؤدي إلى الكشف عن المعاني المضمرة التي يمكن أن تكون أفقية انطلاقًا من نوعيتها (مقارنة الأحداث بأخرى مشابهة) أو عمودية مستمدة من شروط الإنتاج (موقع حدث معين بالنسبة لأحداث أخرى مختلفة أو متشابهة). وكل من العمليتين تتم في إطار نسق تزامني (Synchronique) أو نسق تعاقبي (Diachronique) وفي مدد تختلف بين القصيرة والمتوسطة أو الطويلة([14]).

– يتيح المفهوم أيضًا للمؤرخ فرصة أو إمكان التخلص من المغالطات والأوهام، ومن اللغة التاريخية الغير الدقيقة وأخيرًا المفهمة تقوم بوظيفة أخرى: تحويل العرض المبهم للمصادر إلى مجموعة منظمة ومحكمة البناء.

رابعًا: أنماط المفاهيم التاريخية: رؤى نظرية

يدل التاريخ المفاهيمي على نمطين من المفاهيم: المفاهيم المستعارة من العلوم الأخرى والمفاهيم التي يقوم المؤرخ ببنائها وإنتاجها([15]) ومهما تعددت المفاهيم الموظفة في المعرفة التاريخية فإنها تبقى أدوات عمل ضرورية بالنسبة للمؤرخ سواء اشتغل هذا الأخير بمفاهيم أصيلة من داخل حقل التاريخ أي من إنتاج المؤرخين، أو بمفاهيم مستوردة من حقول معرفية أخرى مجاورة. وفي ما يلي عرض لأهم الأفكار التي حولنا الاستضاءة بها حول هذا الموضوع:

أ- المفاهيم الخاصة بعصرها (Les Concepts d’époque):

بالنسبة إلى الأحداث والوقائع غير الواردة أو غير المعبر عنها في المصادر فإن المؤرخ ليس له من اختيار سوى اللجوء إلى مفاهيم زمنه والتي شكل بها تساؤلاته. أما بالنسبة إلى الأحداث التي سبق وأن ذكرت فالمؤرخ في هذه الحالة ملزم بالاختيار بين أن يعمل استنادًا إلى مفاهيم الحقبة التاريخية المدروسة أو على مفاهيم خارجة عن تلك الحقبة. كما أنه قد يضطر أحيانًا إلى إزاحة المفاهيم الجديدة لتجنب الاختلاف في التحقيق فيستعمل مفاهيم العصر الذي يدرسه ومسميا الوقائع بمسمياتها.

ب- المعنى العام (Répertoire du sans Commun):

خلافًا للمفاهيم الخاصة بعصرها التي تصف ما هو متفرد من الأحداث، في مجموعة اجتماعية محددة في الزمان والمكان. فالمفاهيم التي يستعيرها المؤرخ من اللغة المتداولة تطبق على أي إنسان في أي عصر أو زمن ما أي أنه يستعمل مادة مفهومية جار بها العمل ولا تتطلب أي مخزون معرفي متميز. مثلًا عند استعمال كلمات: حياة، موت، إنسان، امرأة، مدينة… إلخ. هذه اللغة تساهم في جعل هذه الكتابات التاريخية أكثر انتشاًرا لأنها تكون مقروءة من طرف الجميع، ومنه بالتالي الشهرة الواسعة لمثل هذه الكتابات. إلا أن المؤرخ يستعمل هذه المفاهيم بنوع من الحذر والتخوف لأنها تكون في أغلب الأحيان شمولية، محملة بمعاني غزيرة، مبهمة، متناقضة لأن المؤرخ يستعمل كلمات متعددة المصدر. مثلًا كلمة “السبب” تستعملها العلوم الطبيعية كما تستعملها العلوم الإنسانية استعمالًا مختلفًا بالتأكيد وبحسب السياق الذي جاءت فيه فهي تعني الشرط الضروري أو الكافي أو ظرفية عابرة مسؤولة عن حدث ما.

ج- المفاهيم المستعارة (Les Emprunts aux Disciplines Voisines)

يرى أنطوان بروست (Antoine Prost) في هذا السياق، أن التاريخ لا يفتأ يستعير المفاهيم من العلوم المجاورة له أو القريبة منه، يظل طوال الوقت يحضن بيضا غير بيضه([16]). فمثلا علم التاريخ السياسي يستعمل مفاهيم علم القانون الدستوري. وعلم التاريخ الاقتصادي يغرف مفاهيمه من ترسانة علماء الاقتصاد وعلماء الديمغرافيا. ومفهوم التاريخ الجديد([17]) برز بفضل استعاراته المفاهيمية من علم الإثنولوجيا (L’ethnologie) والذي يبحث في أصول السلالات البشرية. هذا القبض الشامل إن صح التعبير للمفاهيم من العلوم الإنسانية يطرح مشكلًا وهو أن المفاهيم المقتبسة يتم إخضاعها لتحوير مقرر ومؤكد، لتصبح قابلة للاستعمال في علم التاريخ لكي تأخذ للتو معنى مفاهيميًا مختصًا في العلم الجديد. هذه المفاهيم أيضًا تستمد صحتها من قيمة العلوم المستعارة عنها، وهي مدينة كذلك لقدرة العلم المضيف لها على أقلمتها مع الأدوات المنهجية الخاصة به.

علم التاريخ إذًا، وعلى غرار باقي العلوم الأخرى له بعض المفاهيم التي تدل على هويته وتشير لموضوعه. لكن هناك بعض المفاهيم يشترك فيها مع العلوم الإنسانية الأخرى، وبخاصة كل المفاهيم المرتبطة بالزمن أو بعبارة أكثر دقة المفاهيم المرتبطة بالتتالي في الزمن. مثل: التطور والتحول والتغيير والاستمرارية والحقبة والمرحلة والحادثة القطيعة…إلخ. هذه المفاهيم تنتمي في مجموعها لحقل التاريخ.

خامسًا: مفاهيم الماضي ومفاهيم المؤرخ

يتداول المؤرخون عمومًا مجموعة من المفاهيم تحتوي بالضرورة أبعادًا ثلاثة هي الزمان والمكان والمجتمع. وبالوقوف عند البعد الأول يمكن التمييز بين نوعين من المفاهيم: الأول هو عبارة عن مفاهيم سابقة وردت لغويا في ظروف وسياقات تاريخية خاصة. والثاني يتعلق بمفاهيم معاصرة هي نتاج وقائع خبرية في شكل أحداث من طرف المؤرخين. لذلك فإن هذه المفاهيم عادة ما تكون لصيقة بزمن المؤرخ وثقافته([18])، كما أن مستويات التعميم والتشخيص فيها تختلف بالنظر إلى علاقتها مع الفترة الزمنية التي تنتمي إليها أصلًا. وبتعبير آخر، فإن عمل المؤرخ ينطوي على تجاوز زمنه الخاص لولوج زمن الوقائع من خلال الوثائق التاريخية المدروسة. (مثلًا الانطلاق من مفاهيم عامة كالنهضة أو الثورة أو الإصلاح للإحاطة بها وفي سياقها التاريخي الخاص).

ومهما بدت هذه الأحداث المفاهيم بالنسبة إلى المؤرخ متزامنة للوهلة الأولى فإنه سرعان ما ينتقل إلى عملية ربط بعضها بالبعض الآخر وتنظيمها الشيء الذي يدرجها في اتجاه تاريخي معين([19])، فكلما كانت هذه الأحداث بعيدة من زمن المؤرخ إلا واجتهد في تعليلها بينما يكتفي بنقلها أي بتسجيلها ما دام معاصرًا لها الشيء الذي يجعل عمله شبيهًا بعمل الصحافي ومكتفيا بالإجابة عن السؤال ما الخبر؟ بيد أن هناك فوارق تقليدية تظل قائمة بين المهنتين حيث يعقد هنا عبد الله العروي مقارنة بين الصحافي والمؤرخ؛ “فالحدث الذي يصفه الصحافي ويتركه للمؤرخ هو حدث واحد في حين أن المفهوم نفسه يختلف عند هذا وذاك. وعلى خلاف الصحافي الذي ينطلق من الحدث – شأنه في ذلك شأن الإخباري – فإن المؤرخ المحلل لا ينطلق – ولا يمكن أن ينطلق – من الحدث، بل من الأثر المترتب عنه. والحال هنا يستوجب الحديث لا عن عودة الحدث، بل العودة إلى الحدث”([20]).

والجدير بالذكر هنا أن بعض المفاهيم يتطور مدلولها لتعبر عن حدث أو حقبة زمنية بأكملها (مثلا الثورة الفرنسية أو عصر الأنوار أو فترة الخلافة…) دون إغفال لعامل اللغة في ارتباطه بالثقافة حيث يحمل كل مفهوم شحنة دلالية خاصة.

وإذا ما كان حقل التاريخ مفتوحًا لاحتضان مفاهيم كل الحقول المعرفية الأخرى وبخاصة الاجتماعية، فإن الحديث عن المفاهيم التاريخية لا يمكن أن يتم إلا في سياقين: زمني ومنهجي. ومهما تعددت هذه المفاهيم فإنها تعكس مجموعة من الخصائص:

– المفهوم من إنتاج المؤرخ بمعنى أن المعرفة التاريخية المؤسسة على مفاهيم ليست انعكاسًا آليًا للواقع المدروس بل هي واقع تم تمثيله من طرف المؤرخ بواسطة مفاهيم منتجة وأدوات منهجية وذهنية عامة. فالمفهوم الذي يستعمله المؤرخ للحديث عن الماضي يستخدم فيه مفاهيم الحاضر ويدخل الظواهر الحديثة في أطروحاته. ويمكن القول كذلك بأن المفهوم هو أداة لجمع الأحداث والوقائع تحت نعت أو اسم واحد فالمؤرخ يتدرج من الواقعة كشكل ملموس إلى الحدث كتركيب نظري.

– إن المعرفة التاريخية هي مجال لتداول أو توظيف أنواع عدة من المفاهيم منها ما ينتمي إلى الحس المشترك ويمكن أن نضيف مفاهيم الفكر السياسي والفلسفي، وكذا مفهوم العلوم الاستقرائية والعلوم الاجتماعية المعاصرة. أما النموذج المثالي وبخاصة عند ماكس فيبر فهو أداة لقراءة الواقع ويمكن توظيفه في التاريخ إلا أنه يبقى مفهومًا افتراضيًا أكثر منه وصفًا وتقريرًا للواقع. وهنا وجب على المؤرخ أن يتمتع بنوع من الاستقلالية في ما يخص نموذجه أو نماذج الآخرين، وأن يعتبرها مجرد أدوات معرفية لأنه وبوجه عام تبقى هذه الأطروحات بالنسبة إلى المؤرخ بمثابة فرضيات واجتهادات يمكن إقرارها أو نقدها.

– تبقى المفاهيم أدوات ضرورية للعمل التاريخي ولا سيما التاريخ المقارن فلا يمكن مثلًا أن ندرس ظاهرة معينة من الظواهر دون أن نقارنها بأخرى. ولتماسك هذه الخطوة في الدراسة جعل جان كلود باسرون (Jean Claude Passeron)([21]) العلوم التاريخية علومًا تامة بكل معنى الكلمة ليس بشكلها أو منهجها التجريبي ولكن بالمقاربة المنهجية المقارنة والتي من شأنها أن تساعد المؤرخ في الكشف عن العلاقات والترابطات السببية بين الأحداث وعن نظام المعنى المحمول فيها. كما أنها تقدم أدوات مفيدة في الإخراج التركيبي للمعرفة التاريخية التي ينتجها المؤرخ في نهاية عمله.

سادسًا: إشكالية المفهوم والمفهمة في الدراسات التاريخية

رغم الموقف النظري الحذر للمؤرخين وتهربهم من المفهمة، فإن هذه الأخيرة تظل حاضرة على مستوى ممارستهم، ذلك أن المفاهيم تخترق مختلف مراحل مسار الفكر التاريخي. ويفسر نيكول لوتيي (Nicole Lautier) هذا التهرب للمؤرخين من الاهتمام بالمفاهيم في كتابة التاريخ، بتلك التنظيرات الضبابية (fumeuses) المبالغ فيها أحيانَا والتي تبتعد عن المهنية في الكتابة التاريخية المتصفة بالدقة والمعقولية([22]). كما يفسر أيضًا هذا التهرب بوضع المفهوم فكل تفكير في المفاهيم في التاريخ يصطدم بإشكالية وضعه. والمفاهيم لكي تكون قابلة للتحديد، فإنها تستوجب استقرارًا كافيًا للوقائع المدروسة. ويرى نيكول لوتيي أيضًا بأن هذا الحذر في الاهتمام بالمفاهيم من طرف المؤرخين هو أمر غير مبرر وبخاصة في ضوء التطور الحاصل في العلوم المعاصرة والتي أخذت على عاتقها حل مسألة الفردانية من طريق اﻹبستيمولوجيا التي سمحت بتعددية التأويلات. الأمر الذي سهل على المؤرخ محاولاته في وضع المفهوم والتاريخ. لكن لا يجب الخلط بين ما هو إيبيستيمولوجي وتاريخي، ليس لأن المؤرخين ليسوا “بمهووسين بفكرة الحدث المنفرد”، وكونهم يهتمون بما هو عادي ومكرر وماضوي ومتسم بالديمومة، بل بقدر ما هم يستغلون المفاهيم لتعميمها وأيضًا من أجل تخصيصها([23]).

خاتمة

في نهاية تحليل هذه الورقة البحثية نستطيع القول بأن التاريخ قديمًا وحديثًا، كان دائمًا أحد العلوم الذي اعتراه قلقه الغني بالمنهج الذي يتجدد ولا شك مع منعطفات البحث العلمي وأزماته. وإذا كانت المفاهيم أساسية في عملية الكتابة التاريخية فإن عقلانية التحليل التاريخي هي التي من شأنها أن تعطي لتلك المفاهيم بعدها التاريخي أي الانتقال بها من العمومية إلى التخصيص تفاديًا لما يسمى بإسقاطات الحاضر على الماضي واحترامًا لخصوصية الواقع التاريخي المدروس.

 

قد يهمكم أيضاً  الذاكرة والهوية: إضاءة إبستيمولوجية

#مركز_دراسات_الوحة_العربية #التاريخ #علم_التأريخ #التاريخ_المفاهيمي #إبستيمولوجيا #إبستيمولوجية #المؤرخ #العلوم_الإنسانية