في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، أُجريت في الكيان الإسرائيلي انتخابات برلمانية هي الخامسة خلال أربعة أعوام، أسفرت عن فوز ما اصطلح على تسميته في الكيان «معسكر اليمين»، بأغلبية مقاعد الكنيست. لكن اللافت للنظر كان حصول تحالف المتطرفين رئيس حركة العظمة اليهودية إيتمار بن غفير، ورئيس حركة الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش ورئيس حركة «نوعّم» آفي ماعوز على 14 مقعدًا من أصل مقاعد الكنيست الـ 120، كما عرفت الانتخابات ارتفاعًا في معدلات التصويت لمصلحة الأحزاب الدينية بنسبة 45 بالمئة مقارنة بآخر انتخابات، كما حصلت هذه الأحزاب على 30 بالمئة من مجمل الأصوات[1].

يمثل بن غفير، الذي يقطن في مستوطنة كريات أربع، المُقامة على أراضي الخليل، وسموتريتش[2]، الذي قاد حراكًا لمناهضة إخلاء مستوطنات قطاع غزة عام 2005 وضبط لديه 700 ليتر من الوقود كانت قد أعدت لأعمال التخريب، خلاصات التحولات التي تشهدها الصهيونية وإسرائيل خلال العقود الأربعة الأخيرة، والتي أنتجت اضمحلالًا لما كان يسمى «اليسار»، وتراجعًا في حظوة وحضور الجنرالات في السياسة، وحضورًا تراكميًا ومؤثرًا للمستوطنين في قلب المشروع الصيهوني، ونظامه السياسي.

لا يمكن وصف هذه التحولات بأنها مقصورة على السياسة العليا وبنى النظام السياسي المركزية، بل هي تحولات اجتماعية – سياسية – اقتصادية مركبة، تمثلت بديناميات اجتماعية عنيفة، عكست شكل التشكلات في الاقتصاد والسياسة الإسرائيلية الحالية، التي تأثرت بتحولات إسرائيل منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس في عام 1967، وقراءة مستويات السياسة العليات لهذه التحولات، واستجاباتها المختلفة.

لكن التحول الأهم الذي يفرض نفسه اليوم، يتمثل بتكوين ومخرجات المستوطن والمستوطنة. التي بدأت تقدم مستوطنًا مختلفًا ومؤسسة استيطانية أكثر قوة، تأخذ الصهيونية إلى أقصاها، بما عبّر عنه المستوطن والحاخام الصهيوني السابق مائير كاهانا، مؤسسة حركة كاخ الإرهابية، ويعبر عنه بن غفير وسموتريتش، بأن الأرض لا تقبل «الغرباء» وأن أي مكوِّن عربي في فلسطين يمثل خطرًا على الصهيونية.

ترمي هذه الورقة إلى دراسة تحولات المشروع الاستيطاني، مع الإشارة إلى جذور هذه التحولات، وتبحث في طبيعة القواعد الناظمة للسلوك السياسي للمستوطنين، وأدواتهم التنظيمية، وعلاقتهم بالنظام السياسي الإسرائيلي، وموقعهم في مؤسساته، وصولًا إلى فهم انتقال المستوطن من مساحة الخوف إلى مساحة المبادءة والإرهاب المنظم، الذي تمأسس بصورة تصاعدية وتظهر تجلياته مكثفة في شمال الضفة الغربية، تحديدًا في مستوطنات محيط نابلس، وفي قلب القدس، وفي محيط الخليل جنوب الضفة الغربية، وهي ثلاثة مراكز تمثل عصب الديمغرافيا الفلسطينية في الضفة. وبهذا، تدعي هذه الورقة أن «إسرائيل» انتقلت من حالة استخدام الاستيطان بأدوار وظيفية، سياسيًا بصورة أساسية، إلى خدمة الاستيطان بعد تمكن المستوطن الجديد من تكوين نواظمه المؤسساتية الذاتية، وتغلغله في قلب النظام السياسي واستحوذت عليه، وتوظيف «إسرائيل» ومؤسساتها لخدمة «دولة المستوطنين».

أولًا: المشروع الاستيطاني وروافده

بدأ الاستيطان خلال عقديه الأولين بعد عام 1967 عقائديًا، مدفوعًا بالخطاب الديني ومرتكزًا على الصهيونية الدينية، لكن مع تحولات شكل المستوطنة ووظيفتها وموقعها، وتمتعها بموقع جذب اقتصادي لقطاعات وفئات جديدة من المجتمع، تراجع حضور الصهيونية الدينية كمحدد مهيمن وحيد على الفضاء الاستيطاني. وفي عام 1987، ساهم اندلاع انتفاضة الحجارة الفلسطينية في تراجع الانبهار الصهيوني بمعجزة عام 1967، وما أنتج من إيمان مطلق بالخلاص و«تنقية» الأرض من العرب الفلسطينيين. تراجَع موقع الحاخامات الذي كان يتربع على رأس توجيه الاستيطان، وبالتالي تراجعت الأيديولوجيا الدينية كإطار استيطاني لمصلحة الدوافع الاقتصادية الواضحة[3].

لكن هذا التراجع قاد بالتدريج إلى تكون حواضن منفصلة لكل من فئات المستوطنين، المتدينين المتشبثين بالصهيونية الدينية، الذين تركزوا في المستوطنات المنتشرة على التلال ورؤوس الجبال بمحيط ما يعرف بشارع 60 الذي يخترق وسط الضفة الغربية طولًا، ويمتد من منطقة جنين شمالًا وحتى الخليل جنوبًا، والعلمانيين المنتشرين على امتداد مستوطنات الخط الأخضر، والموجودين بكثرة في مستوطنة أرئيل الكبرى شمال الضفة الغربية، في حين يقبع اليهود الأرثوذوكس «الحرديم» في أربع مستوطنات كبرى منتشرة في الضفة الغربية[4].

تكمن قوة المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة في نقطتين مركزيتين: الأولى هي المرجعية القومية الدينية لدى الجيل المؤسس لهذا المشروع، ورعيل المستوطنين الأول، على خلاف المستوطنين الأوائل الذين وصلوا إلى فلسطين مطلع القرن العشرين، والذين تمتعوا بفكر قومي علماني وعدّوا إقامة إسرائيل كوطن قومي لليهود حلًا سياسيًا، لا حلًا دينيًا مسيانيًا «خلاصيًا». والثانية هي الدعمان الرسمي والشعبي الكبيران للاستيطان عقب انتصار «إسرائيل» عام 1967، وهو انتصار جعل التخلي عن فكرة «أرض إسرائيل» خطوة غير مقبولة في الأوساط الدينية والعلمانية على حد سواء[5].

جاء زخم حضور المستوطنين والمستوطنات في محيط الشارع 60 عبر هذا الدعم الرسمي، الذي قدمه الليكود إلى غوش إيمونيم[6]، وتبنّيه خطتها التي طمحت إلى إنشاء مستوطنة في كل مكان فارغ في الضفة الغربية، وانطلقت الخطة عام 1980، وانتهت ببناء 68 مستوطنة تشق وسط الضفة الغربية، وإسكان نحو 58 ألف مستوطن فيها حتى عام 1986، بدعم من وزير الزراعة آنذاك آرئيل شارون، وبتمويل من الوكالة اليهودية[7]. كان شارون قد قدّم قبل ذلك خطته للحكومة، التي قامت على فلسفة «مكافحة الإرهاب من الداخل»، والعمل على إسكان نحو مليون يهودي في المستوطنات حتى عام 2000، ما قاد إلى عمل الحكومة – إلى جانب مشروع غوش إيمونيم – على نشر المستوطنات على طول الخط الأخضر، وبناء أخرى على أحواض المياه وقمم الجبال، وشق نحو 350 كم من الشوارع[8].

مثلت المدارس الدينية في الكيان، مصدر التعبئة المركزي لمستوطنات الصهيونية الدينية، فكان الحاخام أبراهام كوك واحدًا من مؤسسي المدرسة الدينية مركاز هاراف في القدس عام 1924، التي تخرج منها جميع قادة غوش إيمونيم، إلى جانب عدد واسع من السياسيين ورجال الدين ومنهم الحاخام حاييم دروكمان أبرز المرجعيات الدينية للمستوطنين في الضفة، والحاخام موشيه ليفنغر أحد مؤسسي المستوطنات جنوب الضفة، وزبولون هامر رئيس حزب المفدال الديني ووزير التعليم والثقافة الأسبق، والحاخام يتسحاق ليفي وزير التعليم والأديان، والحاخام بني إيالون رئيس حزب الاتحاد الوطني، والجنرال إيفي أيتام قائد سلاح المشاة في الجيش ووزير الإسكان في حكومة شارون، كما درس عدد من السياسيين تعاليم كوك ومدرسته الدينية، أهمهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو[9].

ومع التمايز بين أنماط المستوطنين الثلاثة، بدأ تيار الصهيونية الدينية، المتأطر بفكر المدارس الدينية، يحوِّل مستوطناته إلى حواضن فكرية «نقية» أيديولوجيًا، فيشترط على كل مستوطن جديد في مستوطنات التيار، أن يكون متوائمًا مع محدداتها الأيديولوجية والعملية، فرفضت سابقًا استيعاب مستوطنين من يهود الفلاشا أو أولئك القادمين من جمهوريات الاتحاد السوفياتي، كما ينتمي أبناء هذه المستوطنات، حزبيًا، بالمجمل إلى اليمين الصهيوني المتطرف[10].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 536 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023

ورقة ذات صلة:

الاستعمار الاستيطاني وولادة السجناء الجدد: الهجرة في قطاع غزة، 2007 – 2022

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

إبراهيم سميح ربايعة: أكاديمي وباحث في السياسة والاقتصاد السياسي- فلسطين.

الصورة من Getty Images.

[1]   برهوم جرايسي، «الأحزاب الدينية حازت على 30 بالمئة من أصوات الإسرائيليين وزادت أصواتها بـ 45 بالمئة خلال عامين،» المشهد الإسرائيلي، 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2022، <https://bit.ly/3ub0A2F> (شوهد بتاريخ 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2022).

[2]   للمزيد حول سموتريتش، انظر موسوعة المصطلحات- مدار، <https://bit.ly/3ETO4ut>.

[3]    مهند مصطفى، المستوطنون من الهامش إلى المركز (رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 2013)، ص 10-12.

[4]   المصدر نفسه، ص 13.

[5]   المصدر نفسه، ص 14-15.

[6]   «غوش ايمونيم،» موسوعة المصطلحات، <https://bit.ly/3noPSVL>.

[7]   عليان الهندي، «مشاريع الاستيطان وتأثيرها في تشكيل مستقبل الضفة الغربية،» شؤون فلسطينية، العددان 249-250 (خريف 2012).

[8]   المصدر نفسه.

[9]   عدنان أبو عامر، «طلاب المدارس الدينية وتغلغلهم في الجيش الصهيوني،» موقع الدكتور عدنان أبو عامر، 20 كانون الثاني/يناير 2018، <https://bit.ly/3hDz2j6>  (شوهد بتاريخ 19 تشرين الأول/أكتوبر 2022).

[10]   المصدر نفسه.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز