مقدمة

يعَدُّ توفير المياه العذبة من أهم القضايا المصيرية المطروحة اليوم في الأجندات الدولية والوطنية لما له من انعكاسات مباشرة على استقرار المجتمعات وتحقيق التنمية والأمن الإنساني. وإزاء تزايد الطلب على هذا المورد الطبيعي وندرته مع توالي موجات الجفاف، برزت الحاجة إلى البحث عن حلول مبتكرة كتقنية الاستمطار الاصطناعي[1]، كأحد البدائل لتعزيز الأمن المائي.

يراد بالاستمطار الاصطناعي زيادة كمية الأمطار لأنواع من السحب لاستغلال خصائصها وتحفيز عملية الهطول على مناطق معينة ومحددة مسبقًا وتسريعها[2]. كما تم تعريف الاستمطار أيضًا بكونه عملية إنتاج المطر من خلال التحفيز الاصطناعي للسحب، من طريق حقنها بأكسيد الكربون المجمَّد أو كلوريد الصوديوم أو بواسطة مركب يوديد الفضة أو غيرها من المواد الكيميائية المناسبة، بواسطة مولدات أرضية أو عبر طائرات مخصصة لذلك[3]، بحيث تعمل هذه المواد كبذور تساهم في تحفيز الغيوم واستمطارها لإسقاط محتواها من المياه المتجمدة على مناطق جغرافية محددة[4]. وترجع جذور تجربة الاستمطار الاصطناعي إلى سنة 1947 في أستراليا، عندما قامت منظمة الكومنولث للأبحاث العلمية والصناعية بتنفيذ أول تجربة ناجحة لاستمطار السحب[5]، وتكررت في بعض بلدان العالم كالصين والولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية ودول الخليج وغيرها. توظف تقنية استمطار السحب لا لزيادة المخزون المائي ومواجهة آثار الجفاف فقط بل يمكن استعمالها أيضًا في أغراض معاكسة، مثلًا لمنع سقوط الأمطار الغزيرة فوق بعض المناطق الزراعية لتجنب تلف المحاصيل المزروعة فيها، أو بغرض تشتيت الغيوم أو منع تجمّع الضباب أو البرَد فوق بعض المطارات المزدحمة من أجل تسهيل عملية إقلاع الطائرات وهبوطها[6].

على هذا النحو تكتسي دراسة موضوع الاستمطار السحابي أهمية خاصة في السياق الراهن الذي يشهد تصاعد مظاهر الإجهاد المائي في الكثير من البلدان. وما تثيره هذه التقنية من جدل واسع في النقاش العلمي والسياسي وحتى الفقهي أحيانًا، حول جدواها مقارنة بالبدائل الأخرى. ومن ثم يطرح الموضوع سؤالًا أساسيًّا مفاده: هل يمثل الاستمطار الاصطناعي حلًا تقنيًا فعالًا في تدبير ندرة المياه أم أنه مجرد خيار ظرفي محدود الجدوى لا ينسجم ورهانات الاستدامة؟

تقتضي الإجابة عن هذا التساؤل المحوري استحضار مقاربة تحليلية في المقام الأول، بما تتيحه من تفكيك للأبعاد التقنية والبيئية والمعيارية لتقنية الاستمطار السحابي، ويتم ذلك في إطار مقاربة مقارنة ركزت على التجارب الرائدة في السياقين الدولي والإقليمي. ويجب ألّا ننسى التجربة الوطنية لتسليط الضوء على موقع المغرب في هذا المجال. أما في المقام الثاني، فإن إدماج البعد النقدي يتيح مساءلة جدوى هذه التقنية ومدى انسجامها مع رهانات الاستدامة وتدبير ندرة المياه.

أولًا: الاستمطار الاصطناعي بين
التجارب الدولية والممارسة الوطنية

تتباين تجارب الدول في مجال تخصيب السحب بين دول رائدة استطاعت بلورة برامج مهيكلة باستثمارات ضخمة، ودول أخرى لا تزال في طور التجريب. وفي هذا الإطار، نتناول أبرز النماذج الدولية والإقليمية (الصين والإمارات) إلى جانب التجربة المغربية بما تعكسه من خصوصية وسعي متواصل نحو ترسيخ هذه التقنية في تدبير السياسة المائية الوطنية.

1 – برنامج تعديل الطقس في الصين (CWM)

يعدُّ البرنامج الوطني لتعديل الطقس في الصين من أكبر برامج الاستمطار السحابي في العالم. وقد تطور هذا البرنامج عبر مراحل تاريخية، إذ تم تنفيذ أول عملية استمطار بالطائرات عام 1958، لمواجهة آثار الجفاف في مقاطعة «جلين» (Jilin). وتعزز ذلك بتأسيس المعهد الصيني للأرصاد الجوية سنة 1978، تلا ذلك إصدار أول قانون وطني ينظم عملية تعديل الطقس سنة 2006‏[7].

لم تقف الصين عند هذا الحد، بل سعت إلى توسيع استثماراتها في مجال بذر السحب، وهو ما تجسد في الإعلان عن الخطة الوطنية في مجال تطوير برنامج تعديل الطقس، التي تهدف إلى تغطية مساحة أكبر من 5.5 مليون م² بالاستسقاء الاصطناعي سنة 2025. كما ستشمل تقنيات تعديل الطقس التقدير المسبق للكوارث الطبيعية مثل الجفاف والعواصف البردية، إلى جانب وضع خطط عمل منتظمة للمناطق التي تتطلب حماية بيئية أو استعادة للنظم الإيكولوجية. كما يجب أن تساهم هذه التقنيات في الاستجابات الطارئة الكبرى للتعامل مع الأزمات الناجمة عن حرائق الغابات أو المراعي، وكذلك في مواجهة موجات الحرارة المرتفعة وغيرها[8].

يمثل مشروع «نهر السماء» (Sky River) أحد أبرز تطبيقات تعديل الطقس في الصين، وهو تم إطلاقه منذ سنة 2016 وخصصت له ميزانية قدرت بنحو 19 مليون يوان صيني (ما يعادل 29.7 مليون دولار أمريكي). وتهدف هذه المبادرة الطموحة إلى نقل الغيوم من المناطق الماطرة إلى المناطق الجافة، من خلال توجيه بخار الماء الجوي من حوض نهر اليانغستي إلى حوض النهر الأصفر، وزيادة تكثيف هطول الأمطار على مساحة 1.6 مليون م²، وذلك باعتماد تقنية حرق الوقود في غرف خاصة بنيت على ارتفاعات تزيد على 4000 متر في هضبة «تشينغهاي – التبت»، حيث يطلق الدخان الغني بجسيمات يوديد الفضة عبر مداخن رأسية لتحفيز عملية الهطول[9].

يتضح بذلك أن تجربة الصين في مجال الاستمطار الاصطناعي قد عرفت توسعًا كبيرًا؛ إذ نفذت منذ عام 2014 نحو 27 ألف عملية تلقيح سحابي[10]، مدعومة بميزانية حكومية تجاوزت 168 مليون دولار أمريكي. يعكس هذا التوسع الكمي والمالي بجلاء إصرار الصين على جعل الاستمطار الاصطناعي أداة استراتيجية لمواجهة ندرة المياه والتكيف مع التغيرات المناخية، لكن لا تزال هذه التقنية محط جدل عالمي واسع حول الآثار البيئية والجيوسياسية لمشاريع الاستمطار في الصين.

2 – برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار (UAEREP)

سطرت دولة الإمارات تجربة رائدة عربيًا وإقليميًا في مجال الاستسقاء الاصطناعي، إذ بدأت محاولاتها الأولى مطلع تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تتعزز بإحداث إطار مؤسّسي، يتمثَّل بالمركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل سنة 2007‏[11]، الذي يضم قسمًا خاصًا بالاستمطار، وهو يضطلع بتخطيط عمليات الاستمطار ووضع برنامجها الزمني، بناءً على دراسة الأحوال الجوية والمناخية للمناطق المختلفة في الدولة وفي مختلف الفصول. وكذا الإشراف على الجوانب التنفيذية بما في ذلك تجهيز الطائرات والمواد اللازمة واستصدار التصاريح الرسمية. إضافة إلى إجراء الدراسات العلمية لنتائج العمليات وإعداد التقارير المفصلة في شأنها. كما يتولى مهمة توثيق بيانات الاستمطار (عدد الشعلات، والأماكن، والطيار، والرحلات، وغيرها) وحفظها في قاعدة بيانات[12].

تعتمد الإمارات في عملية تلقيح السحب على أحدث التقنيات المبتكرة مثل: الجسيمات النانوية والشعلات الاسترطابية والمولدات الكهربائية، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال التنبؤ ورصد السحب. وتنفذ هذه العمليات سواء عبر محطات أرضية أو بواسطة الطائرات المخصصة، حيث تمتلك الدولة أسطولًا يضم ست طائرات مهيأة لهذا الغرض.

كميًّا، تخصص الدولة نحو 900 ساعة طيران سنويًّا لتنفيذ عمليات الاستمطار، بتكلفة إجمالية تناهز 26.1 مليون درهم إماراتي (ما يعادل 7.2 مليون دولار أمريكي) في السنة. كما أنه تم خلال عام 2025 وحده إطلاق ما يقارب 185 عملية استمطار[13]. وهو ما يعكس أهمية الاستثمار وحجمه في تقنية الاستمطار كخيار مبتكر لتعزيز القدرة على مواجهة التحديات البيئية وندرة الموارد المائية.

في موازاة هذه الجهود التطبيقية، أطلقت دولة الإمارات سنة 2015 «برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار» (United Arab Emirates Research Program-UAEREP)، تحت إشراف المركز الوطني للأرصاد الجوية. ويعدُّ هذا البرنامج من أبرز المبادرات العلمية على الصعيدين الإقليمي والدولي، إذ يهدف إلى تحفيز البحث العلمي وتطوير تقنيات مبتكرة في مجال تعزيز هطول الأمطار، من خلال تمويل مشاريع بحثية تنافسية تمنح لفرق علمية دولية مختارة[14].

يتميز البرنامج بكونه إطارًا علميًّا واستراتيجيًّا لا يقتصر على دولة الإمارات فحسب، بل يفتح المجال أمام الجامعات ومراكز الأبحاث من مختلف أنحاء العالم، وهو ما جعله منصة رائدة للتعاون الدولي في مجال مواجهة تحديات ندرة المياه. وقد ساهم في إنتاج أبحاث منشورة في مجلات علمية مرموقة وتطوير تطبيقات عملية تسعى إلى تحسين فعالية تقنيات الاستمطار.

3 – برنامج «الغيث» في المغرب

خلافًا للصين والإمارات، لا يزال الاستمطار السحابي في المغرب في مرحلة تجريبية محدودة أكثر من كونه سياسة عمومية مهيكلة، على الرغم من إطلاق برنامج «الغيث» من طرف الملك الراحل الحسن الثاني منذ ثمانينيات القرن العشرين، في سياق مواجهة آثار التغيرات المناخية وتعويض العجز المطري عبر تخصيب السحب اصطناعيًّا. وقد تم إطلاق هذا البرنامج بشراكة مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، حيث أظهرت النتائج التقنية أن العملية قادرة على زيادة فرص هطول الأمطار بنسبة تراوح بين 14 و17 بالمئة.

انطلاقًا من ذلك وتنفيذًا لهذا البرنامج، تم إنشاء ثلاث محطات أرضية لحقن السحب في كل من مدن بني ملال والحاجب وأزيلال، مدعومة بأساطيل جوية مخصصة لهذه العمليات، في أفق توسيع التجربة لتشمل مناطق أخرى[15]. كما واصل المغرب تنفيذ هذه التقنية بوتيرة متزايدة خلال السنوات الأخيرة (21 مرة سنة 2021 و27 مرة سنة 2022 و22 مرة سنة 2023 و70 مرة برسم سنة 2024، حيث تمت 40 مرة منها بالطائرات و30 مرة بواسطة المواد الأرضية)[16].

وتُبرز هذه الأرقام أن المغرب لا يزال في مرحلة تطوير وتوسيع لبرنامجه الوطني في الاستمطار، مع سعيه إلى ترسيخ هذه التقنية كأداة مكملة للسياسات التقليدية في تعبئة الموارد المائية، وبخاصة في ظل التحديات المناخية المتزايدة.

على هذا النحو، أظهر عرض التجارب الدولية في مجال الاستمطار السحابي تنوعًا في المقاربات واختلاف في درجات النجاح والجدوى التقنية. غير أن نجاح أي برنامج للاستمطار لا يقاس بمدى تحقيقه نتائج آنية على مستوى تعزيز الموارد المائية فقط، بل بمدى قدرته على الانسجام مع رهانات الاستدامة وأبعادها البيئية والاقتصادية والاجتماعية أيضًا. من هنا تبرز الحاجة إلى تناول الاستمطار الاصطناعي من زاوية أكثر شمولية، تستحضر أبعاده الاستراتيجية في إطار التنمية المستدامة، وهو ما يمثل موضوع المحور الثاني.

ثانيًا: أبعاد الاستدامة في تقانات الاستمطار الاصطناعي

إذا كانت عملية تلقيح السحب تقنية مستحدثة تساهم في زيادة مخزون المياه وتحسين الإنتاج الزراعي، فهي تبقى عملية مكلفة ماديًّا، كما لها انعكاسات سلبية على المناخ والنظم البيئية، بل يمكن أن تخلف حتى آثار سياسية في بعض الأحيان.

1 – الأبعاد القانونية والجيوسياسية

يطرح الاستمطار الاصطناعي إشكاليات قانونية وجيوسياسية عميقة. فمن الناحية القانونية، يظل الإطار الدولي المنظم لاستخدام تقانات تعديل الطقس محدودًا جدًا، إذ على الرغم من أن اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1977 في شأن حظر الاستخدام العسكري أو العدائي لتقنيات تعديل البيئة‏[17]، قد منعت اللجوء إلى الاستمطار كسلاح في النزاعات، فهي لم تضع قواعد واضحة لتنظيم هذه التقانة في الاستخدامات المدنية، وهو ما يترك فراغًا قانونيًا على المستويَين الدولي والإقليمي.

بالرجوع إلى التجارب المقارنة التي أسلفنا الحديث عنها في المبحث الأول، وإذا استثنينا الصين التي اعتمدت قانونًا وطنيًّا ينظم عمليات تعديل الطقس، يبقى المغرب والإمارات بالرغم من التقدم المحرَز في تطوير برامج الاستمطار (ولا سيَّما من جانب الإمارات)، لا يوجد حتى الآن إطار تشريعي خاص ينظم هذه الممارسة من حيث شروط التنفيذ أو آليات المراقبة أو التقييم، وكذا تحديد المسؤولية في حال وقوع أضرار بيئية أو نزاعات مع بلدان مجاورة. فالتجربة ما تزال مؤطرة بقرارات سياسية وبرامج تقنية أكثر من كونها خاضعة لنصوص قانونية ملزمة.

هذا التفاوت في الإطار القانوني بين التجارب الثلاث يبرز هشاشة الوضع في السياق العربي، ويؤكد في الوقت نفسه أن غياب التشريعات الوطنية لا يقتصر على تحديات تنظيمية داخلية، بل يمتد إلى مخاطر جيوسياسية محتملة؛ فالاستمطار بحكم طبيعته، لا يعترف بالحدود السياسية للدول[18]، إذ يمكن عملية تلقيح السحب في دولة ما أن تؤثر في الهطول في دولة مجاورة[19]. وهو ما قد يفسر كمساس بالسيادة أو تهديد للأمن المائي.

يزداد هذا الفراغ التشريعي الدولي والوطني تعقيدًا في غياب تعريف عالمي موحد لمفهوم الاستمطار السحابي[20]، إذ تختلف التفسيرات بين الدول والمؤسسات العلمية، وهو ما يؤدي إلى تباين في التشريعات الوطنية وصعوبة في وضع معايير موحدة للرقابة والتقييم. كما أن النتائج ذات الطابع العابر للحدود تجعل من غياب التعريف عقبة أمام تحديد المسؤوليات القانونية.

2 – التكلفة الاقتصادية والمخاطر البيئية

يعَدُّ الاستمطار السحابي من التقنيات التي تتطلب استثمارات مالية مرتفعة، سواء على مستوى التجهيزات أو على مستوى المواد أو الخبرة البشرية. يقتضي تنفيذ هذه العمليات توفير بنية تحتية معقدة تشمل طائرات مجهزة خصيصًا لرش المواد الكيميائية، أو محطات أرضية مزودة بصواريخ ومدافع جوية. فضلًا عن شبكة دقيقة للرصد الجوي تتكون من رادارات وأقمار صناعية ومحطات قياس متطورة. وتمثل هذه المتطلبات التقنية عبئًا ماليًا مستمرًا، حيث لا يقتصر الأمر على التكلفة الأولية بل يشمل نفقات الصيانة والتحديث المستمر أيضًا.

تزداد هذه التكلفة مع الحاجة إلى استيراد مواد كيميائية مثل اليوديد الفضي أو كلوريد الكالسيوم، التي لا يقتصر عبئها على ثمن الشراء بل يمتد إلى عمليات التخزين الآمن والنقل والمعالجة في حالة تراكم مخلفاتها. أما من حيث الموارد البشرية، فإن هذه التقنية تتطلب خبراء في الأرصاد الجوية ومهندسين مختصين، وفرق طيران مدربة، وهي موارد في معظمها تكون محدودة في البلدان النامية، وهو ما يفرض اللجوء إلى عقود استشارية وخدمات تقنية خارجية تزيد من حجم الإنفاق.

رغم هذه التكلفة المرتفعة، فإن العائد على الاستثمار يظل غير مضمون، إذ ترتبط النتائج بعوامل مناخية معقدة يصعب التحكم فيها. وتشير بعض الدراسات إلى أن الزيادة المحققة في كمية الهطول لا تتجاوز في أفضل الأحوال 10 إلى 20 بالمئة[21]، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول الجدوى الاقتصادية للاستثمار في هذه التكنولوجيا مقارنة ببدائل أخرى كتحلية مياه البحر أو إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة، أو تحسين كفاءة شبكات الري.

من جانب آخر، لا يقتصر الجدل المرتبط بالاستمطار السحابي على تكلفته الاقتصادية فحسب، بل يمتد إلى انعكاساته البيئية، فعملية بذر السحب تؤدي بالضرورة إلى إحداث تعديلات في حالة أنماط الطقس، بحيث إن تحفيز هطول الأمطار في منطقة معينة قد ينتج منه نقص في الرطوبة بالمناطق الأخرى المجاورة فيتسبب في جفافها. كما قد ينتج من هذه العمليات أحيانًا حدوث ظواهر قصوى كالأعاصير والعواصف والفيضانات.

يضاف إلى ذلك مخاطر بيئية ترتبط بالاستعمال الواسع للمواد الكيميائية المستخدمة. وفي هذا السياق حذَّر مكتب الحكومة الأمريكية للمحاسبة (GAO) في تقريره حول «تكنولوجيا استمطار السحب: تقييم الفعالية والتحديات الأخرى»، من أن الغموض ما يزال يكتنف سلامة استخدام يوديد الفضة، كما أشار إلى أن فعالية هذه التقنية لم تثبت على نحو قاطع نتيجة غياب بيانات موثوق بها حول ظروف التنفيذ المثلى، الأمر الذي يعقِّد مهمة تقييم فعاليتها وجدواها الاستثمارية[22].

خاتمة

ختامًا، يمكن حسبان الاستمطار الاصطناعي حلًّا ظرفيًا لمواجهة آثار التغيرات المناخية وتخفيف العجز المائي. فعلى الرغم من تزايد الاهتمام الدولي والإقليمي بهذه الممارسة فهي تبقى خيارًا صعبًا ومغامرة تقنية محفوفة بعدم اليقين، في غياب ضمانات تثبت فعاليتها البيئية والاقتصادية، في الوقت الذي يكون الاستثمار في بعض التدابير التقليدية كتحسين شبكة الري وعقلنة استغلال الموارد المائية أو اعتماد أنماط زراعية أقل استهلاكًا للماء، وتقوية نظم الرقابة وحماية الموارد المائية، أكثر نجاعة وأقل تكلفة.

وعليه، يُمكن السؤال اليوم: ما موقع الاستمطار الاصطناعي في سلم أولويات السياسات المائية الدولية والوطنية؟ هل ينبغي التعامل معه كأداة ظرفية مساعدة يمكن اللجوء إليها في أوقات الأزمات الحادة؟ أو إدماجه في رؤية استراتيجية شاملة تقوم على مبدأ تنويع المصادر المائية؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل تبقى رهينة مدى قدرة الفاعلين على وضع تقييم علمي صارم، يأخذ في الحسبان المردودية الفعلية والتكاليف المالية والتأثيرات البيئية والجيوسياسية المحتملة إلى جانب البعدين القانوني والمؤسسي.

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 569 في تموز/يوليو 2026.

للحصول على العدد 569 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 569 تموز/يوليو 2026

مليكة إسماعيلي علوي: باحثة في سلك الدكتوراه في جامعة القاضي عياض،
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – مراكش.

[1] يعرف أيضًا بمسميات أخرى متعددة كتلقيح أو حقن أو بذر السحب، أو زراعة الغيوم أو السحوب، أو الاستدرار أو الاستسقاء الاصطناعي وغيرها، وقد تم اكتشاف تقنية الاستمطار الاصطناعي للسحب من قبل عالم الأرصاد الجوية الأمريكي فينسينت جيه شيفر عام 1946.

[2] المركز الوطني للأرصاد الجوية التابع للمملكة السعودية، <https://ncm.gov.sa/Ar/About/initiatives/Pages/rpar.aspx> (تم الاطلاع بتاريخ 21 نيسان/أبريل 2025).

[3]  هناك طريقتان أكثر اعتمادًا في تنفيذ عملية الاستمطار السحابي، وهما الاستمطار الأرضي والاستمطار الجوي اللذان يختلفان في أدوات التنفيذ وظروف التطبيق: الاستمطار الأرضي: يتم من خلال إطلاق مواد الاستمطار من الأرض إلى السحب بواسطة مولدات ثابتة، عبر عملية الاحتراق الأرضي، حيث يتم حرق المواد يتصاعد بخارها إلى الغيوم اعتمادًا على الرياح السائدة التي تنقل الجزيئات نحو السحب المستهدفة. وتعدّ هذه الطريقة أقل تكلفة، حيث تقدر تكلفة كل مولد أرضي بحنو 50,000 دولار أمريكي. انظر: «Cloud Seeding Technology: Assessing Effectiveness and Other Challenges,» Report to Congressional Requesters, United States Government Accountability Office, 19 December 2024, <https://www.gao.gov/products/gao-25-107328>.

الاستمطار الجوي: يتم بواسطة طائرات خاصة تعمل على نثر الغيوم بهدف تحفيز تكاثف قطرات الماء أو تكوين بلورات جليد، وبالتالي زيادة احتمال هطول المطر أو الثلج أو تقليل حجم حبات البرد أو تبديد الضباب. وفي هذا الصدد يمكن التمييز بين البذر «الهيغروسكوبي» (Hygroscopic Seeding) الذي يستعمل غالبًا في السحب الركامية، من أجل تعزيز عملية الاصطدام والتلاحم بين قطرات الماء ويعتمد على إضافة جسيمات ككلوريد الصوديوم أو البوتاسيوم إلى السحب لزيادة عدد وحجم القطرات السائلة. والبذر «التبلوري» (Glaciogenic Seeding)، الذي يستهدف السحب الباردة ويستخدم مواد مثل يوديد الفضة أو الثلج الجاف، ويتم تطبيقه في السحب الجبلية (Orographic Clouds) حيث تكون الدينامية الجوية أكثر تقييدًا. انظر: «WMO Statement on Weather Modification,» World Meteorological Organization, 14 June 2024

[4] كرار محمود شاكر ومحمد فنوخ، «ماذا تعرف عن الاستمطار الاصطناعي؟،» الموقع الرسمي لجامعة كربلاء، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، العراق، بتاريخ 2 أيار/مايو 2025، <https://uokerbala.edu.iq/archives/33461> (تم الاطلاع بتاريخ 21 نيسان/أبريل 2025)، نقلًا عن Abdallah Badran and Helal Al Mansoori, «Cloud Seeding in the UAE,» Research Paper, Spring 2020, <https://www.researchgate.net/publication/343878504_Cloud_Seeding_In_The_UAE_Research_Paper>

[5] علي أحمد مهدي عيسى، «التنظيم القانوني لعقد الاستمطار (دراسة مقارنة)،» (أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، كلية القانون، جامعة كربلاء، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، العراق، 2022)، ص 2 – 3.

[6]  وحيد محمد مفضل، «الاستمطار الصناعي.. آفاق وتحديات،» الجزيرة نت، 23 نيسان/أبريل 2016، <https://tinyurl.com/p2pre29w> (تم الاطلاع بتاريخ 21 نيسان/أبريل 2025).

[7] Marine de Guglielmo Weber and Amrita Jash, «Chinese Cloud Seeding Practices on the Tibetan Plateau towards New Forms of Hydrohegemony and Security Dilemma?,» Research Paper; no. 146 (17 March 2025), p. 6.

[8] «China to Forge Ahead with Weather Modification, State Council of the People’s Republic of China,» 2 December 2020, <https://english.www.gov.cn/policies/latestreleases/202012/02/content_WS5fc76218c6d0f7257694125e.html?utm > (Retrieved 3 August 2025).

[9]         Anson W. Mackay, Airspace in the Anthropocene,» Digital War, vol. 5, no. 1 (2023), p. 40.

[10] Shaoda Wang, «China’s Silver Linings Playbook: Evidence from 27,000 Cloud Seeding Opera­tions (abstract),» Scientific paper presented at a Stanford University seminar on 6 March 2025.

[11] تم إحداث المركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل بموجب مرسوم بقانون اتحادي رقم 6 سنة 2007.

وفي سنة 2005، تم إطلاق الجائزة العالمية للاستمطار (جائزة الإمارات للتميز)، من أجل دعم وتشجيع الابتكار في علوم الاستمطار وتطوير علوم وممارسات تعديل الطقس بالتعاون مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO).

[12] المركز الوطني للأرصاد، قسم عمليات الاستمطار، <https://www.ncm.gov.ae/pages/rain- enhancement-operations-section?lang=ar>. (تم الاطلاع بتاريخ 18 آب/أغسطس 2025).

[13] Nandini Sircar, «Heavy Rains in UAE: 39 cloud-Seeding Missions Conducted in July 2025,» Khaleej Times, 12/8/2025, <https://www.khaleejtimes.com/uae/weather/uae-39-cloud-seeding-missions-july-2025?_refresh=true> (Accessed 19 August 2025).

[14] يخصص البرنامج ميزانية إجمالية قدرها 1.5 مليون دولار أمريكي (نحو 5.5 مليون درهم إماراتي) لتمويل ثلاثة مشاريع فائزة، بحيث يمكن لكل مقترح أن يحصل على دعم مالي تصل قيمته إلى 550 ألف دولار سنويًا ولمدة ثلاث سنوات. انظر: المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، <https://wmo.int/media/magazine-article/decade-revolutionizing-rain-enhancement-science-and-a‑pplications?utm> (تم الاطلاع بتاريخ 19 آب/أغسطس 2025).

[15] L’expansion géographique prévue des opérations d’ensemencement artificiel des nuages devrait se traduire par la mise en place de quatre centres supplémentaires, localisés dans les régions de Tensift, Taza, Souss-Massa-Drâa et Khénifra. Ensemencement artificiel des nuages: 163 opérations effectuées au Maroc depuis 2020 (M. Baraka), 1 novembre 2024, Agence Maghreb Arabe Presse (MAP), Consulté le 19 août 2025, <https://www.mapnews.ma/fr/actualites/politique/ensemencement-artificiel-des-nuages-163-opérations-effectuées-au-maroc-depuis>.

[16] محضر جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين المنعقدة بتاريخ 29 تشرين الأول/أكتوبر 2024، ص 8.

[17] تمت المصادقة على اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو أي استخدام عدائي آخر لتقنيات التغيير في البيئة بموجب القرار الرقم 31/72 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10 تشرين الأول/أكتوبر 1976. ودخلت حيِّز التنفيذ في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1978. وقد وقعت الاتفاقية 48 دولة، منها 16 دولة لم تصادق عليها. ويبلغ عدد الدول الأطراف فيها اليوم 78 دولة. وتضم الاتفاقية 10 مواد وملحق واحد بشأن لجنة الخبراء الاستشارية. انظر: <https://treaties.un.org/doc/Treaties/1978/10/19781005%2000-39%20AM/Ch_XXVI_01p.pdf>

[18] سامي محمد عبد العال، «الاستمطار كأثر لتغير المناخ في ضوء أحكام القانون الدولي العام،» مجلة حقوق دمياط للدراسات القانونية والاقتصادية (كلية الحقوق، جامعة دمياط – مصر)، العدد 8 (تموز/يوليو 2023)، ص 101.

[19] في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى ورود تلميحات إعلامية عقب الفيضانات الكبيرة التي شهدتها دولة الإمارات في نيسان/أبريل 2024، والتي امتدت آثارها إلى أراضي سلطنة عمان، مفادها أن تلك الأحداث قد تكون مرتبطة بعمليات الاستمطار الاصطناعي التي تنفذها الإمارات، غير أن المركز الوطني للأرصاد الجوية في البلد نفى قيامه بأي عملية استمطار قبل العاصفة غير المسبوقة.

[20] Ashleigh Mulder, «Les cadres juridiques de l’ensemencement des nuages: Naviguer dans les réglementations internationales,» Fondation Corax, 15 mai 2023, <https://coraxfoundation.com/​2023/05/15/the-legal-frameworks-for-cloud-seeding-navigating-international-regulations/> (consulté le 20 aout 2025).

[21] León Anisbel, Borrajero Israel and Martínez Daniel, «Study of the Dispersion of AGI Emitted from Ground-based Generators Using the WRF-Chem Model,» Atmósfera, vol. 33. no. 4 (2020), p. 386.

[22] Technologie d’ensemencement des nuages: Évaluation de l’efficacité et autres défis, Govern­ment Accountability Office (GAO), 19 décembre 2024, <https://www.gao.gov/products/gao>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز