مقدمة
ليست الحرب في النظام الرأسمالي الإمبريالي حادثًا عرضيًا، ولا انحرافًا أخلاقيًا مؤقتًا يمكن تفسيره بسوء القيادة أو بأخطاء السياسة الخارجية، ولا هي نتيجة خلل تقني في إدارة العلاقات الدولية يمكن إصلاحه بمزيد من الدبلوماسية أو بتعديل آليات الحوكمة العالمية. إنها، في العمق، وظيفة بنيوية في عملية إعادة إنتاج الهيمنة العالمية، وشرط من شروط استمرار التراكم الرأسمالي على المستوى الكوني؛ فالإمبريالية لا تقوم على السيطرة العسكرية المباشرة فقط، ولا تُختزَل باحتلال أرضٍ أجنبية، بل تمتد لتشمل منظومة متكاملة من نقل القيمة، والهيمنة المالية، واحتكار السرد الإعلامي، وتسليح القانون، وإعادة تعريف العنف نفسه بحيث يصبح عنفُ المركز «أمنًا» و«دفاعًا عن الديمقراطية» و«حربًا على الإرهاب»، في حين تُجرَّم مقاومة الشعوب بوصفها «إرهابًا» أو «تهديدًا للنظام الدولي» أو «خروجًا عن الشرعية الدولية».
إن أخطر ما في الإمبريالية المعاصرة لا قدرتها على ممارسة العنف فقط، بل قدرتها على إخفاء طبيعتها الحقيقية، وعلى تقديم نفسها بوصفها نظامًا للسلام والاستقرار، في حين هي في الجوهر نظام للحرب الدائمة. إنها نظام يخلق الفوضى التي يدّعي لاحقًا أنه جاء لإنهائها، ويفكك الدول والمجتمعات ثم يقدم نفسه كقوة لإعادة البناء، وينهب الموارد والثروات ويطلق على ذلك «تنمية» و«تحريرًا اقتصاديًا». وإذا كانت الإمبريالية في مرحلتها الكلاسيكية تحتاج إلى «الغطاء الحضاري» وإلى خطاب «عبء الرجل الأبيض» لكي تبرر نهبها واستعمارها، فإنها اليوم، في لحظة أزمتها، لم يعد في إمكانها اللجوء إلى تلك الأغطية، وأصبحت تكشف عن وجهها الحقيقي بوقاحة متزايدة اعتقادًا منها أن إظهار المزيد من القوة والقدرة الهائلة على التدمير سيخيف المقاومين ويدفعهم إلى الخضوع.
من هنا، فإن فهم الحرب المعاصرة، من غزة إلى إيران، ومن فنزويلا إلى العراق وليبيا، ومن كوبا إلى الساحل الأفريقي، لا يمكن أن يتم عبر اللغة الليبرالية السائدة التي تفصل الاقتصاد عن الجغرافيا السياسية، أو تفصل الرأسمالية عن العنف المنظم، أو تعزل «انتهاكات حقوق الإنسان» عن بنية النظام العالمي الذي ينتجها؛ فالحرب ليست خارج الاقتصاد، إنها أحد أوجهه العليا، وليست استثناءً عن القاعدة الرأسمالية، بل هي القاعدة نفسها حين تواجه عقبات في طريق التراكم. وكل محاولة لفهم الصراعات المعاصرة بمعزل عن منطق التراكم الرأسمالي العالمي وعن بنية الهيمنة الإمبريالية، هي محاولة محكوم عليها بالقصور، إن لم تكن متواطئة موضوعيًا مع النظام القائم عبر إخفاء آلياته الحقيقية.
سنحاول في هذه الورقة تتبُّع تجليات هذا المنطق في ستة محاور أساسية: الحرب كآلية تراكم لا كفشل سياسي؛ الانتقال من «النظام القائم على القواعد» إلى الوقاحة العلنية للقوة؛ الصهيونية كوظيفة إمبريالية؛ الإعلام كجبهة حرب؛ الحرب القانونية كوجه جديد من السيطرة؛ وأخيرًا، الإمبراطورية في مرحلة أزمة. هذه المحاور ليست منفصلة، بل هي أوجه مختلفة لعملة واحدة، تتداخل وتتكامل لترسم الصورة الكاملة للإمبريالية في القرن الحادي والعشرين.
أولًا: الحرب كآلية تراكم لا كفشل سياسي
أحد أكبر الأوهام الليبرالية، وأكثرها رسوخًا في الوعي العام وفي الخطاب الأكاديمي السائد، هو حسبان الحرب فشلًا للدبلوماسية أو ابتعادًا مؤقتًا من «الطبيعة السلمية» للرأسمالية. في هذه الرؤية، تُصوَّر الرأسمالية بوصفها نظامًا يميل بطبيعته إلى التبادل السلمي والتجارة الحرة، في حين أن الحرب هي «استثناء» أو «انحراف» تفرضه ظروف طارئة. لكن التاريخ الإمبريالي، في تجلياته المتعدِّدة، يثبت العكس تمامًا: الحرب ليست استثناءً، بل هي أداة منتظمة لإعادة تنظيم شروط التراكم، وإعادة فتح الأسواق بالقوة حين تُغلق، وإجبار المجتمعات على الخضوع لمنطق التبادل غير المتكافئ. الحرب، بهذا المعنى، هي الاستمرارية الأكثر وضوحًا للعنف البنيوي الكامن في العلاقات الاقتصادية «السلمية» نفسها.
لنأخذ مثال الهند البريطانية، الذي يظل واحدًا من أكثر الأمثلة دموية وكشفًا عن طبيعة العلاقة بين الحرب والتراكم في التاريخ الإمبريالي. وكما بيَّنت الباحثة الهندية أوتسا باتنايك في تحليلها الدقيق لمسألة «نزيف الهند»[1]، لم يكن الاستعمار البريطاني مجرد احتلال سياسي وعسكري، بل كان نظامًا منظَّمًا ومُمنهجًا لنقل الفائض الاقتصادي من الهند إلى بريطانيا، عبر آليات متعدِّدة ومتداخلة: التجارة القسرية التي تفرض شروط التبادل لمصلحة المركز، والخدع المالية (مثل خدعة سندات المجلس، كما سنرى أدناه)، والضرائب المجحفة التي كانت تُنتزع من الفلاحين الهنود حتى في سنوات القحط، والأخطر من ذلك كله تصدير الغذاء أثناء المجاعات نفسها. بين عامَي 1880 و1920، وفي ذروة المجاعات التي أودت بحياة الملايين من الهنود، كانت بريطانيا تصدِّر الحبوب من الهند إلى الأسواق العالمية، تاركة السكان ليموتوا جوعًا. لم تكن المجاعة حدثًا طبيعيًا، ولا كانت نتيجة «نقص في الموارد»، بل كانت ضربًا من ضروب الحرب الاقتصادية المستمرة، بحيث يصبح الموت الجماعي مقبولًا ما دام لا يعطل تدفق القيمة نحو المركز. في هذا السياق، يمكن فهم ما كتبه المفكر الهندي ديبيش تشاكرابارتي حين أشار إلى أن الحداثة الأوروبية لم تكن ممكنة لولا العنف الاستعماري الذي وفر لها شروطها المادية[2]. الحداثة والديمقراطية والازدهار في المركز قامت، حرفيًا، على أنقاض المجتمعات المستعمَرة وعلى جثث ضحايا المجاعات والحروب الاستعمارية.
لفهم آليات نظام الاستنزاف الإمبريالي تاريخيًا، يبدو من الضروري شرح هذه الحيل وفضح جشع المهندس الإمبريالي. كان نظام «سندات المجلس» مخططًا شيطانيًا مدروسًا بدقة عالية للتأكد من خدمة مصالح الإمبراطورية البريطانية. بعد منتصف القرن التاسع عشر، قررت بريطانيا جمع عائدات التصدير الهندية من دون إعادتها إلى الهند، وبالتالي الاستحواذ على صادرات الهند ومواردها من دون مقابل – تمامًا كما تفعل الإمبراطورية الأمريكية اليوم مع النفط العراقي والسوري والفنزويلي مثلًا. صُممت الآلية على النحو الآتي: (1) بيع «سندات المجلس» في لندن للتجار بالذهب أو الجنيه الاسترليني، حيث بقيت هذه العملة الصعبة في بنك إنكلترا؛ (2) إرسال السندات إلى الهند لصرفها بالروبية للمصدِّرين من الخزانة الاستعمارية؛ (3) مصدر الروبية كان من الضرائب المحصَّلة من الفلاحين الهنود، لا فائضًا تجاريًا حقيقيًا. النتيجة: كانت بريطانيا «تشتري» الصادرات الهندية بضرائب الهنود أنفسهم، وهو ما تسبب في مجاعات، وحرمان الهند رأس مال التصنيع. وقد قدرت أوتسا باتنايك هذه السرقة بنحو 45 تريليون دولار[3]، إلّا أن هذا المبلغ يبقى زهيدًا مقارنة بتقديرات نييفاس وبيكيتي[4].
يتكرَّر اليوم المنطق نفسه الذي حكم الاستعمار الكلاسيكي، ولكن بأساليب أكثر تطورًا، على الأقل في الظاهر؛ فالعقوبات الاقتصادية، وتجميد الأصول السيادية، والحصار المالي، والاستيلاء على الاحتياطيات الوطنية، والعقوبات الثانوية التي تمنع الدول الأخرى من التعامل مع الدولة المستهدفة، كلها أدوات حرب اقتصادية حديثة لا تقل فتكًا عن الجيوش. إن الاستيلاء على الأصول الإيرانية والفنزويلية والعراقية والأفغانية والروسية، واستخدام نظام التحويلات المالي العالمي (سويفت) كسلاح سياسي، وحرمان بلدان بأكملها من أدوية السرطان أو قطع غيار الطائرات المدنية، كل هذه الأساليب ليست «عقوبات» بالمعنى الإداري المحايد للمصطلح، بل هي جباية إمبريالية معاصرة، وضرب من ضروب الحرب التي تُشن على السكان المدنيين تحت غطاء القانون والشرعية الدولية. وفي هذا السياق، يصبح الموت البطيء بالمرض أو سوء التغذية أو انهيار الخدمات الأساسية هو المعادل المعاصر للمجاعة الاستعمارية. الفارق ليس في الجوهر، بل في الشكل: فبدلًا من مصادرة الحبوب مباشرة، تُصادر الآن قدرة الدولة على استيراد الدواء والغذاء، وتُترك السوق «الحرة» لتوزيع الموت بطريقة تبدو «طبيعية» وغير سياسية.
في هذا السياق يجب فهم أقدم حصار اقتصادي شامل على كوريا الشمالية، وكذلك الحصار على كوبا وإيران.
أمّا الحرب على إيران اليوم فهي ليست من أجل منعها من الحصول على السلاح النووي، بل لأنها تمكَّنت، رغم الحصار المستمر منذ ما يقارب نصف قرن، من تحقيق إنجازات رائعة في مختلف المجالات العلمية، وبالتالي يصبح الهدف هو منعها من تطوير العلم والمعرفة ونشرهما في المجتمع الإيراني وتعميم القدرات الصناعية في كل مفاصل الاقتصاد الإيراني، بما في ذلك القطاع الحربي. أي أنهم، ببساطة، يريدون كبح جماحها وإجبارها على البقاء في حضيرة التخلف والتبعية.
وكما يوضح علي القادري في تحليله الإمبريالية المعاصرة، فإن آليات التراكم لم تعد تقتصر على الاستخراج من خلال الدمج بالاقتصاد العالمي، بل انتقلت أيضًا إلى التراكم عبر التدمير[5]. في الحالة الأولى، تسعى الإمبريالية إلى دمج المناطق والأقاليم في سلاسل القيمة العالمية بطريقة تضمن نقل الفائض من المحيط إلى المركز، عبر آليات مثل الديون السيادية، وبرامج التكيُّف الهيكلي، وتحرير التجارة غير المتكافئ. لكن ماذا يحدث حين لا يمكن دمج منطقة ما بصورة مربحة وآمنة لرأس المال؟ عندما تكون المقاومة قوية جدًا؟ أو عندما تكون المنطقة غير مستقرة سياسيًّا إلى درجة تجعل الاستثمار الطويل الأجل مستحيلًا؟ في هذه الحالات، يتحوَّل التدمير نفسه إلى مجال لإنتاج القيمة. تصبح إعادة الإعمار صناعة مربحة، وتجارة السلاح مزدهرة، وتتحوَّل تدفقات المساعدات الإنسانية إلى أدوات للتحكم السياسي، وتهجير السكان يفتح المجال لإعادة توزيع الموارد والأراضي. العراق، وليبيا، وسورية، واليمن، وغزة، ولبنان؛ كلها أمثلة صارخة على هذا النمط من التراكم عبر التدمير، بحيث أدى تدمير الدولة والمجتمع إلى خلق فرص تراكم جديدة لرأس المال العالمي والمحلي المرتبط به، من شركات الأمن الخاصة إلى مقاولي إعادة الإعمار، ومن تجار السلاح إلى المضاربين على العملات والمواد الغذائية.
إن ما يجمع بين الاستعمار الكلاسيكي والإمبريالية المعاصرة هو وحدة العنف والتراكم؛ فالحرب، سواء كانت مباشرة أو اقتصادية، وسواء كانت تُشن بالطائرات أو بالعقوبات، تظل في الجوهر آلية لإعادة توزيع الموارد والقيمة على المستوى العالمي، وإعادة إنتاج العلاقات الهرمية بين المركز والمحيط. والاعتراف بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو فهم الصراعات المعاصرة، لا بوصفها «أزمات إنسانية» تتطلب تدخلًا خيريًّا، بل بوصفها تجليات ضرورية لنظام عالمي يقوم، ببساطة، على النهب المنظم.
ثانيًا: من خدعة «النظام القائم على القواعد»
إلى الوقاحة العلنية للقوة
خلال العقود الماضية، وبخاصة بعد ما سُمي الحرب الباردة، قدّمت الدول الإمبريالية نفسَها، وفي مقدمها الولايات المتحدة، بوصفها حامية «النظام الدولي القائم على القواعد»، وراعية الديمقراطية وحقوق الإنسان، والمظلة الأخلاقية للعالم الحر. وفي الخطاب السائد في المؤسسات الأكاديمية والإعلامية الغربية، تم تقديم هذا النظام بوصفه بديلًا حضاريًا من «فوضى» العلاقات الدولية السابقة، وعن «همجية» القوة العارية. ولطالما حاول المطبّلون للاستعمار، قديمًا وحديثًا، إقناعنا بأن التقدم والتنمية والازدهار لا يمكن أن يتأتى إلا عبر القيم والأخلاق البرجوازية، وأن الديمقراطية الليبرالية هي الأفق الوحيد الممكن للتاريخ البشري[6]. لكن ما نشهده اليوم، وبخاصة في العقدين الأخيرين، هو انهيار متسارع لهذا الغطاء، وعودة صريحة إلى لغة القوة العارية التي تذكِّرنا بأسوأ حقب الاستعمار الكلاسيكي. وقد يكون هذا المسار هو ما جعل فوكوياما يعدل نظريته و«يؤجل» نهاية التاريخ بعد أن كان قد حكم علينا جميعًا بالذوبان في النيوليبرالية[7].
أصبحت اللغة السياسية والإعلامية في الدول الإمبريالية أكثر صراحة، وأكثر فجاجة، وأقل اهتمامًا حتى بالمظاهر الشكلية للشرعية. لم تعد الإمبريالية تحتاج دائمًا إلى التبرير الأخلاقي القديم، أو أنها أصبحت تنتج تبريرات أخلاقية معكوسة، تقدم فيها التدمير بوصفه دفاعًا عن النفس، والإبادة بوصفها ضرورة أمنية. تصريحات من نوع «سوّوا غزة بالأرض»، أو التصريح الشهير للسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام: «لقد سوّينا برلين وطوكيو، ويمكننا أن نفعل الشيء نفسه هنا»، أو تصريحات مسؤولين إسرائيليين تدعو إلى محو غزة أو تحويلها إلى «جزيرة خراب»، ليست زلات فردية لسيناتور أمريكي أو لرئيس «مخبول»، كما يُوصف أحيانًا، بل هي تعبير صريح واضح تمامًا عن المنطق الحقيقي الكامن خلف النظام. إنها لحظات نادرة يسقط فيها القناع، ويُكشف فيها عن أن «القواعد» لم تكن يومًا سوى أداة لإضفاء الشرعية على الهيمنة، ويمكن التخلي عنها فور أن تصبح عائقًا أمام ممارسة تلك الهيمنة.
وحين يقول وزير الحرب الأمريكي إن وظيفة القوة الأمريكية هي «فرض الردع عبر التدمير الشامل»، فإننا لا نكون أمام انحراف خطابي أو تطرف فردي، بل أمام إزالة كاملة للقناع الذي طالما أخفى حقيقة الإمبريالية. «الردع» في هذه اللغة ليس دفاعًا عن النفس، بل هو قدرة على تدمير الآخرين لضمان خضوعهم. وحين يدافع سياسيون وإعلاميون غربيون عن التجويع الجماعي في اليمن أو غزة، أو يبررون قصف المستشفيات والمدارس والجامعات بوصفه «ضرورة أمنية» أو «حربًا على الإرهاب»، فهم لا يخرجون عن «النظام الليبرالي» وقيمه، بل على العكس، يكشفون جوهره الحقيقي حين يشعرون أن الهيمنة أصبحت مهدَّدة، وحين تصبح تكاليف الحفاظ على المظهر الأخلاقي أعلى من منافعه.
ما يحدث في غزة تحديدًا هو المثال الأكثر بلاغة عن هذا الانكشاف التاريخي. فما يجري هناك ليس مجرد عملية عسكرية، بل هو إبادة جماعية تُبث مباشرة على الهواء، أمام أعين العالم، وبتغطية إعلامية غربية تشارك في التبرير أو على الأقل في التطبيع مع القتل المجاني للأطفال والنساء والمسنين[8]. مجاعة تُستخدم كسلاح معلن، لا عبر منع دخول الغذاء والماء والدواء فقط، بل عبر تدمير البنية الزراعية والمخابز ومصادر المياه. تدمير منهجي للبنية المدنية بأكملها: مدارس، مستشفيات، جامعات، مساجد، كنائس، شبكات كهرباء ومياه، وأرشيف ثقافي وتاريخي. كل هذا يحدث بدعم أمريكي وأوروبي كامل، لا على المستوى العسكري واللوجستي فقط، بل على المستوى السياسي والدبلوماسي والقانوني، حيث يُستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لحماية إسرائيل من أي مساءلة[9]. لم يعد هناك حتى محاولات حقيقية للحفاظ على اتساق أخلاقي شكلي، كما كان يحدث في مراحل سابقة، حين كانت القوى الإمبريالية تحاول على الأقل إدانة بعض «التجاوزات» للحفاظ على مصداقية «القيم» التي تروِّج لها.
هذا التحول من الخطاب المنافق إلى الخطاب الصريح ليس عشوائيًا، بل يعكس تحولات بنيوية في النظام العالمي؛ فالإمبراطورية التي كانت واثقة من هيمنتها ومن عدم وجود بدائل، تستطيع أن تنفق الموارد اللازمة لإنتاج الأغطية الأخلاقية. لكن الإمبراطورية التي تشعر بأن هيمنتها مهددة، سواء بفعل صعود قوى منافسة مثل الصين، أو بفعل حركات المقاومة في الجنوب العالمي، تميل إلى التخلي عن تلك التكاليف واللجوء مباشرة إلى العنف العاري. الهمجية، بهذا المعنى، ليست انحرافًا عن الإمبريالية، بل هي جوهرها الذي كان مخفيًّا، والذي يصبح مرئيًّا عندما تضعف القدرة على إخفائه. وكما قال مارتن لوثر كينغ ذات مرة: «إن أعظم عدو للحقيقة ليس الكذب، بل الأسطورة». عاشت الإمبريالية طويلًا على أسطورة «النظام القائم على القواعد». انهيار هذه الأسطورة هو ما نعيشه اليوم.
ثالثًا: الصهيونية كوظيفة إمبريالية لا كمسألة محلية
لا يمكن فهم الحرب في فلسطين، ولا الصراع العربي – الصهيوني بوجه عام، بوصفه مجرد نزاع قومي أو صراع حدودي بين شعبين على أرض، كما تقدمه الأدبيات الليبرالية السائدة. تتجاهل هذه الرؤية، التي تختزل القضية الفلسطينية في «نزاع معقد» يحتاج إلى «حلول وسطى» وإلى «عملية سلام»، تتجاهل على نحو ممنهج، الطبيعة البنيوية للمشروع الصهيوني وارتباطه العضوي بالمنظومة الإمبريالية العالمية. فالمشروع الصهيوني، منذ نشأته في أواخر القرن التاسع عشر، ارتبط بالبنية الإمبريالية العالمية بوصفه مشروعًا استيطانيًا وظيفيًا، صُمم ليكون قاعدة متقدمة للهيمنة الغربية في قلب المشرق العربي، كما يثبت ذلك المؤرخ الفلسطيني، رشيد الخالدي، بالحجج والدلائل في كتابه حرب المئة عام على فلسطين[10].
لفهم هذه الوظيفة الإمبريالية، من الضروري العودة إلى اللحظة التأسيسية، وتحديدًا إلى وعد بلفور عام 1917، الذي لم يكن منحة مجانية من الإمبراطورية البريطانية لحركة قومية يهودية، بل كان جزءًا من استراتيجية إمبريالية شاملة في الشرق الأوسط. بريطانيا، في ذروة توسعها الإمبريالي، كانت بحاجة إلى «حارس» استعماري موثوق به في فلسطين، يحمي قناة السويس – شريان الإمبراطورية إلى الهند – ويضمن استمرار السيطرة على الطرق البحرية والبرية، ويمنع قيام وحدة عربية قد تهدد المصالح الاستعمارية. في هذا السياق، كان المشروع الصهيوني هو الأداة المثالية: حركة استيطانية من أصل أوروبي، يمكن الاعتماد عليها في مهمة السيطرة على أرض عربية، ويمكن تبرير وجودها بخطاب «الحق التاريخي» و«الوعد الإلهي». في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى كتابات الكثير من المؤرخين اليهود مثل إلان بابي[11] وسياسيين مثل ميكو بيليد[12] وفلاسفة مثل إدغار موران الذين يوضحون ويؤكدون الطبيعة الاستعمارية لهذا الكيان[13].
ميكو بيليد، وهو الذي ولد في عائلة صهيونية وابن أحد الجنرالات المؤسسين للكيان الإسرائيلي الذين شاركوا في حرب 1948، أصبح من أكثر الداعمين للقضية الفلسطينية والمناهضين للصهيونية. أمّا آفي شلايم، المؤرخ اليهودي العربي (هكذا يصف نفسه) فهو يرى أن الاعتداءات الدورية المتكررة – التي يطلق عليها الجنرالات الإسرائيليون ببرودٍ صادم تسمية «جزّ العشب» – ليست سوى نتاجٍ محتومٍ لمنطق الاستعمار الاستيطاني الصهيوني[14]، الذي يقوم في جوهره على إقصاء السكان الأصليين وإزالتهم. إلا أن إسرائيل، في هذه الحرب، لم تكتفِ باغتصاب الأرض أو بممارسة التطهير العرقي، بل تجاوزت ذلك إلى ارتكاب «أمّ الجرائم» وأفظعها جميعًا: جريمة الإبادة الجماعية.
قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 3379 عام 1975، الذي صوتت عليه أغلبية دول العالم، لم يأتِ من فراغ إذًا، ولم يكن مجرد موقف سياسي ظرفي. لقد نص القرار صراحة على أن «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري»، وقد أُقرّ بأغلبية 72 صوتًا مقابل 35، مع امتناع 32 عن التصويت. هذا القرار لم يكن معزولًا، بل جاء تتويجًا لعقود من التحليل والنضال من جانب حركات التحرر الوطني في الجنوب العالمي، التي رأت في المشروع الصهيوني امتدادًا للاستعمار الاستيطاني الذي عانته شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وقد أُلغيَ القرار عام 1991 في سياق إعادة ترتيب النظام العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتحت ضغط أمريكي هائل، وفي إطار التحضير لمؤتمر مدريد الذي كان يهدف إلى إعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية على عملية «السلام» في الشرق الأوسط.
أهمية هذا القرار ليست قانونية فقط، بل هي تحليلية بالدرجة الأولى. فهو يربط، على نحو لا يقبل الالتباس، بين المشروع الصهيوني ومنطق الاستعمار الاستيطاني، لا بوصفه انحرافًا قوميًا خاصًا بالحركة الصهيونية، بل كجزء من بنية عالمية أوسع من السيطرة العرقية والإحلال السكاني. في جنوب أفريقيا، كان نظام الفصل العنصري يقوم على منطق مشابه: مجموعة مستوطنين من أصل أوروبي تسيطر على السكان الأصليين، بدعم من القوى الإمبريالية الكبرى، وتحت غطاء أيديولوجي يجمع بين التفوق العرقي و«التهديد الأمني». وفي فلسطين، يتكرر المنطق نفسه، مع فارق إضافي هو أن إسرائيل ليست مجرد مستعمرة استيطانية، بل هي أيضًا قاعدة عسكرية واستخباراتية وتكنولوجية متقدمة للإمبريالية العالمية.
إسرائيل، بهذا المعنى، تؤدي وظيفة استراتيجية متعددة الأبعاد في خدمة الإمبريالية: منع الوحدة الإقليمية العربية التي قد تهدد المصالح الغربية، تفتيت المجال العربي إلى كيانات ضعيفة ومتنازعة، السيطرة على الموارد الطبيعية والممار المائية الاستراتيجية (من قناة السويس إلى حقول الغاز في شرق المتوسط)، تحويل المنطقة إلى سوق دائمة للسلاح وإلى فضاء دائم للحرب والاستنزاف، وتقديم نموذج للسيطرة الاستعمارية يمكن تصديره وتكييفه في سياقات أخرى، من تقنيات المراقبة إلى أساليب مكافحة «الإرهاب» المدني. لهذا السبب بالذات، تحظى إسرائيل بدعم أمريكي غير مشروط وغير مسبوق في تاريخ العلاقات الدولية، لا على المستوى العسكري والمالي فقط، بل عبر استخدام حق النقض في مجلس الأمن أيضًا لحمايتها من أي مساءلة قانونية دولية. هذا الدعم ليس نتيجة «لوبي» أو ضغط مجموعات مصالح، كما تذهب بعض التفسيرات الاختزالية، بل هو نتيجة لتطابق بنيوي بين وظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط ووظيفة الإمبريالية الأمريكية عالميًا.
في هذا السياق، يمكن فهم الحرب على غزة لا كمجرد «رد عسكري» على عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، بل كجزء من وظيفة تاريخية أعمق: إعادة إنتاج الهيمنة الإقليمية عبر الإبادة والتطهير والترويع الجماعي. الحرب على غزة هي، في أحد وجوهها، محاولة يائسة لإعادة تأكيد قوة الردع الإسرائيلية التي تصدعت، ولإثبات أن أي تحدًّ لنظام الهيمنة سيواجَه بتدمير شامل. لكنها أيضًا، وبصورة أعمق، حرب على فكرة التحرر نفسها، حرب على أي مشروع مقاومة يمكن أن يلهم شعوب المنطقة، وحرب لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وفقًا لمصالح الإمبريالية. إنها، باختصار، ليست استثناءً في تاريخ الإمبريالية، بل واحدة من أكثر تجلياتها وضوحًا.
رابعًا: الإعلام كجبهة حرب: تصنيع القبول الجماهيري
الإمبريالية لا تُدار بالدبابات والطائرات والصواريخ فقط، ولا تُبنى على القوة العسكرية والتكنولوجية وحسب، بل تُدار أيضًا، وعلى نحوٍ لا يقل أهمية، عبر إنتاج القبول الجماهيري والشرعية داخل المركز نفسه؛ المركز الإمبريالي، على عكس ما قد يتصور البعض، ليس كتلة واحدة موحدة يساند أفرادها بالضرورة سياسات حكوماتهم. إنه فضاء منقسم ومعقد، يحتاج إلى إعادة إنتاج مستمرة للطاعة والقبول، عبر ما يمكن تسميته «تصنيع الموافقة»[15]. هنا، تصبح وسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية، والجامعات، ومراكز البحث، جزءًا لا يتجزأ من البنية العسكرية للإمبريالية، بحيث يحق لنا أن نتحدث عن «المجمع الصناعي العسكري الأكاديمي الإعلامي».
اليوم، أصبح واضحًا، على نحو لا يقبل الجدل بعد تغطية الإبادة في غزة، أن الإعلام الأمريكي والأوروبي السائد لم يكن مجرد ناقل محايد للأخبار، ولم يكن يؤدي وظيفة «السلطة الرابعة» التي تراقب الحكومة وتحمي المواطنين. بل كان، في العمق، مؤسسة عضوية في إعادة إنتاج النظام الرأسمالي – الإمبريالي، عبر تطبيع علاقات القوة غير المتكافئة، وتحويل مصالح الشركات الكبرى والمجمع الصناعي العسكري إلى «مصلحة وطنية» عليا، وتقديم الحرب بوصفها دفاعًا عن الحرية والديمقراطية، حتى عندما يتعلق الأمر بقتل 168 فتاة لا تتجاوز أعمارهن 14 سنة، إضافة إلى معلماتهن، في مدرسة الشجرة الطيبة في ميناب. هذه الواقعة تحديدًا، التي لم تحظَ بتغطية تذكر في الإعلام الغربي، تكشف بوضوح كيف تعمل آلة التصنيع الإعلامي: ما لا يتوافق مع «القصة» المطلوبة يتم تجاهله ببساطة، ويُدفن تحت سيل من الأخبار والتقارير التي لا تهدد الإطار السردي السائد.
آليات عمل هذه الآلة الإعلامية متعددة ومتداخلة. أولاها وأهمها هي التحكم في الإطار السردي العام؛ فالإعلام الغربي لا يكذب بالضرورة كذبًا مباشرًا (وإن كان يفعل ذلك في معظم الأحيان، كما كشفت فضيحة أسلحة الدمار الشامل العراقية)، لكنه يمارس نوعًا أخطر من التضليل: تنظيم الإدراك وتأطير الواقع. يتم ذلك عبر اختيار الكلمات والمصطلحات بعناية: «مات» بدلًا من «قُتل»، و«نزاع» بدلًا من «احتلال»، و«عملية عسكرية» بدلًا من «إبادة»، و«أضرار جانبية» بدلًا من «مجازر». في تغطية الإبادة في غزة، على سبيل المثال، كان استخدام صيغة المبني للمجهول منهجيًا: «قُتل فلسطينيون» بدلًا من «قتلت إسرائيل فلسطينيين»، و«سقطت قنبلة على مستشفى» بدلًا من «أسقطت طائرة إسرائيلية قنبلة على مستشفى». هذا الاستخدام اللغوي ليس عشوائيًا، بل هو جزء من استراتيجية تهدف إلى إخفاء الفاعل، وبالتالي إخفاء المسؤولية.
الآلية الثانية هي التدرج في إضفاء الشرعية على ما هو غير مقبول. في البداية، يتم تقديم العمل العسكري بوصفه «دفاعًا عن النفس» و«حقًا مشروعًا». ثم يتم توسيع نطاق «المقبول» تدريجًا: قصف المنازل، ثم المدارس، ثم المستشفيات، ثم قطع الماء والكهرباء، ثم التجويع. كل خطوة جديدة يتم تطبيعها بسرعة، وتصبح هي «الوضع الطبيعي الجديد» الذي يُقاس عليه. وعندما يحتج أحد على هذه الخطوة الجديدة، يتم تذكيره بأنها جاءت «ردًا على» خطوة من الطرف الآخر، في عملية لانهائية من تبادل الاتهامات التي تخفي حقيقة أن هناك طرفًا محتلًا وطرفًا واقعًا تحت الاحتلال.
أما الآلية الثالثة فهي استبعاد الأصوات المعارضة ووصمها. يُتَّهَم المثقفون والأكاديميون والصحافيون الذين يحاولون تقديم سردية مختلفة بـ«معاداة السامية» أو «الانحياز» أو «معاداة الغرب»، وتتعرض مسيرتهم المهنية للخطر. ويُلوَّح للجامعات التي تشهد احتجاجات طلابية مساندة للفلسطينيين بقطع التبرعات، ويتم استدعاء رؤسائها إلى الكونغرس للاستجواب. يضمن هذا المناخ الترهيبي إبقاء الخطاب السائد مسيطرًا، ليس بالضرورة لأنه مقنع، بل لأن الخروج عنه مكلف جدًا. وسبق أن استعملت الإمبريالية الأمريكية هذا الأسلوب في بداية الخمسينيات خلال المرحلة «المكارثية».
لهذا كله، فإننا حين نقول إن أفضل الدكتاتوريات هي تلك التي تجعلك تعتقد أنك تعيش في ديمقراطية، فيجب ألّا يُفهم هذا الكلام بوصفه مجرد حكمة سياسية طريفة أو مفارقة لفظية، بل هو وصف دقيق لآلية إنتاج الشرعية في المركز الإمبريالي. المواطن العادي في المركز لا يشعر بأنه يعيش في دكتاتورية، بل على الضدّ، يشعر أنه حُر، وأنه يختار بين بدائل سياسية متعدِّدة، وأن إعلامه «حر ومستقل». لكن هذه الحرية الظاهرية تخفي حقيقة أن البدائل المتاحة كلها تقع ضمن إطار واحد مقبول، وأن الخروج عن هذا الإطار يعني الخروج من المجال العام المشروع إلى هامش «التطرف». وهكذا، يتم احتواء المعارضة داخل النظام، وتصبح جزءًا من إعادة إنتاجه لا تهديدًا له.
في زمن الحرب بوجه خاص، يصبح الإعلام جبهة قتال حقيقية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية. فالحرب الحديثة لا تُكسب فقط بتدمير قدرات العدو المادية، بل أيضًا بتدمير إرادته المعنوية، وبضمان استمرار الدعم الجماهيري في الداخل. «الروح المعنوية» للجبهة الداخلية هي هدف استراتيجي، والإعلام هو الأداة الأساسية لإدارتها. لهذا، لا يمكن فهم الحرب المعاصرة من دون فهم دور الإعلام كجزء عضوي من آلية الحرب نفسها، لا كمراقب خارجي لها.
خامسًا: الحرب القانونية: عندما
يصبح القانون نفسُه سلاحًا
أحد أهم تطورات الإمبريالية المعاصرة، وأكثرها إثارة للقلق، هو الانتقال التدريجي من الاحتلال المباشر ومن الحرب العسكرية التقليدية إلى ما يمكن تسميته «الحرب القانونية». في هذا الطور الجديد من السيطرة الإمبريالية، لم تعد هناك حاجة دائمة إلى إنزال عسكري أو إلى جيوش غازية، بل يكفي أمر محكمة في نيويورك أو لندن أو لاهاي، أو مجرد قرار إداري من وزارة الخزانة الأمريكية، لكي يتم فصل دولة بأكملها عن النظام المالي العالمي، وبالتالي التسبب في إحداث خلل اقتصادي شديد، أو حتى انهيار شامل للدولة المستهدفة. القانون، الذي يُفترض أن يكون أداة لتحقيق العدالة وحماية الضعفاء، يتحوَّل إلى سلاح في يد القوي لتأديب المتمرّدين وضمان استمرار تدفق القيمة.
الاستيلاء على الأصول السيادية هو المثال الأكثر وضوحًا على هذا التحول. الأصول الفنزويلية المجمَّدة في البنوك الغربية، الذهب الفنزويلي المحتجز في بنك إنكلترا، الاحتياطيات الإيرانية الممنوعة من الوصول إليها، الأرصدة الأفغانية التي تمت مصادرتها بعد انسحاب الولايات المتحدة من كابول، وأخيرًا وليس آخرًا، تجميد الاحتياطيات الروسية بعد حرب أوكرانيا، ومناقشة إمكان مصادرتها بالكامل. تكشف كل هذه الحالات أن «حقوق الملكية»، التي تُقدم في الأدبيات الليبرالية بوصفها حجر الزاوية في النظام القانوني الحديث وأساس الحرية الفردية والتنمية، ليست في الحقيقة مبدأً عالميًا محايدًا يُطبق على الجميع بالتساوي، بل هي امتياز سياسي يُمنح لمن يلتزم بقواعد اللعبة التي يضعها المركز، ويُسحب ممن يقرر الخروج عن تلك القواعد.
هذا ما يكشف عن مأزق نظري وسياسي عميق في قلب الليبرالية الغربية: إذا كانت الملكية الخاصة مقدَّسة ومطلقة كما تقول النظرية، فكيف يمكن مصادرتها بقرار إداري أو سياسي؟ الإجابة هي أن الملكية لم تكن يومًا «حقًا طبيعيًا»، بل كانت دائمًا مؤسسة سياسية واجتماعية تعكس موازين القوى في المجتمع وعلى المستوى العالمي. في الداخل، تحمي الدولة الليبرالية الملكية الخاصة عبر أجهزتها القمعية والقانونية. لكن على المستوى الدولي، حيث لا توجد دولة عالمية موحدة، تصبح حماية الملكية مرهونة بالولاء للإمبراطورية. إذا كنت حليفًا أو تابعًا، فملكيتك «مقدسة» ومحمية. وإذا قررت التمرُّد، فجأة تصبح ملكيتك «أصولًا لنظام فاسد» يمكن مصادرتها.
وما ينطبق على فنزويلا في النفط والذهب، وعلى روسيا في احتياطياتها، ينطبق بصورة أكثر جذرية وإيلامًا على فلسطين. في الحالة الفلسطينية، لا تقتصر «الحرب القانونية» على مصادرة الممتلكات والأراضي (وهذا يحدث بصورة ممنهجة عبر الاستيطان وقرارات المحاكم الإسرائيلية)، بل تمتد لتشمل نزع الشرعية عن الوجود الفلسطيني نفسه. الفلسطينيون لا يفقدون ممتلكاتهم فقط، بل يفقدون، في نظر القانون الدولي كما يُمارَس ويُفسَّر من جانب القوى الكبرى، الحق في مقاومة من يسلبهم ممتلكاتهم وحياتهم. إسرائيل، كقوة احتلال، لديها «حق في الدفاع عن النفس» ضد من تحتلهم. المقاومة الفلسطينية، حتى عندما تستهدف جنود الاحتلال، تُدان بوصفها «إرهابًا». هنا يصل الانقلاب القانوني إلى ذروته: يصبح المحتل ضحية، والضحية جلادًا، والقانون هو الأداة التي تكرس هذا الانقلاب.
تكمن المأساة الحقيقية في أن النظام القانوني الدولي نفسه، بما فيه مؤسسات مثل مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، أصبح جزءًا من هذه الآلية. صحيح أن هناك محاولات لاستخدام هذه المؤسسات لمصلحة قضايا عادلة، كما حدث في رفع دعوى الإبادة الجماعية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، لكن الرد الغربي كان كاشفًا: تهديد المحكمة وقضاتها، واتهامهم بـ«معاداة السامية»، وممارسة أقصى درجات الضغط السياسي. القانون الدولي، في صورته القائمة، ليس ساحة محايدة للصراع بين المتساوين، بل هو ساحة أخرى من ساحات الحرب غير المتكافئة، حيث الأسلحة فيه موزَّعة على نحو غير متساوٍ تمامًا كما هي الحال في ساحة المعركة العسكرية.
هكذا، تكتمل دائرة العنف الإمبريالي المعاصر: من الحرب العسكرية إلى الحرب الاقتصادية، إلى الحرب القانونية، إلى الحرب الإعلامية. وجميع هذه الصنوف من العنف تتداخل وتتكامل لتكوِّن نظامًا واحدًا للسيطرة. القانون، في نهاية المطاف، ليس بديلًا من العنف، بل هو أحد أنواعه، وربما أكثرها فعالية، لأنه يخفي عنف القوة خلف ستار الحياد والإجراءات الشكلية. الإمبريالية المعاصرة لا تستخدم القانون لمعاقبة أعدائها فقط، بل لتقديم تلك العقوبة بوصفها تطبيقًا شرعيًّا لقواعد تنطبق على الجميع. لكن الستار أصبح رقيقًا جدًا.
سادسًا: الإمبراطورية في مرحلة أزمة:
لماذا يصبح العنف أكثر علنية؟
السؤال المركزي الذي يطرح نفسه بعد هذا العرض ليس «لماذا أصبح النظام الإمبريالي أكثر عنفًا؟»، بل «لماذا أصبح أقل قدرة على إخفاء عنفه؟»؛ فالهمجية والعنف ليسا جديدين على الإمبريالية؛ الجديد هو انهيار الأغطية الأيديولوجية والمؤسسية التي كانت تخفي هذا العنف، أو على الأقل تجعله مقبولًا في نظر سكان المركز. بمعنى آخر، نحن لا نشهد زيادة في وحشية الإمبريالية بقدر ما نشهد لحظة انكشاف، حيث أصبحت الآليات الحقيقية للهيمنة مرئية على نحو لم تكن عليه من قبل.
تكمن الإجابة عن سؤال الانكشاف هذا، بوجه أساسي، في أزمة التراكم الرأسمالي على المستوى العالمي. الإمبريالية، كما رأينا، هي نظام لنقل القيمة من المستعمرات والمناطق الخاضعة إلى بلدان المركز، وهذا النقل هو الذي يضمن استمرار مستويات المعيشة العالية والاستقرار الاجتماعي النسبي في الدول الإمبريالية. لكن منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مرورًا بجائحة كورونا، ووصولًا إلى التوترات الجيوسياسية الراهنة، دخلت الرأسمالية العالمية في مرحلة من التباطؤ البنيوي وتراجع معدلات النمو. في هذا السياق، تصبح إدارة الإمبراطورية أكثر تكلفة، وتصبح الحاجة إلى تكثيف عمليات نقل القيمة أكثر إلحاحًا، في حين تتراجع في الوقت نفسه قدرة المركز على تمويل أدوات الهيمنة «الناعمة» مثل المساعدات والقروض والاستثمارات المشروطة.
في الوقت نفسه، يواجه النظام الإمبريالي تحديًا مزدوجًا: صعود بدائل اقتصادية وسياسية، في مقدمها الصين، التي تقدم نموذجًا مختلفًا للتنمية وللعلاقات الدولية، وتمويلها مشروعات البنية التحتية في الجنوب العالمي عبر مبادرة الحزام والطريق، وتوسع مجموعة البريكس، والمحاولات الجادة من جانب دول كبرى مثل روسيا والصين وإيران لإزالة الدولرة وتقليل الاعتماد على النظام المالي الذي يهيمن عليه الغرب. هذا التحدي لا يهدد الهيمنة الاقتصادية للإمبريالية فقط، بل يهدد قدرتها على استخدام أدوات الحرب الاقتصادية والقانونية التي ناقشناها سابقًا. فإذا تمكنت الدول من التجارة بعملاتها الوطنية، ومن إنشاء أنظمة تحويلات مالية بديلة من سويفت، فإن سلاح العقوبات يفقد فعاليته. وإذا وجدت الدول المستهدفة أسواقًا بديلة لصادراتها ومصادر بديلة لوارداتها، فإن الحصار الاقتصادي يصبح أقل إيلامًا.
حين لا تكفي أدوات الهيمنة «الناعمة» – الديون، والعقوبات، وبرامج التكيف الهيكلي، والمؤسسات المالية الدولية – يعود النظام إلى أدواته الأصلية: الحرب المفتوحة، المصادرة المباشرة، والإبادة الجماعية. هذا لا يعني بالضرورة العودة إلى الحروب بين الدول الكبرى (وإن كان خطر ذلك قائمًا)، بل يعني بالأحرى تكثيف الحروب بالوكالة، ودعم الأنظمة العميلة، والتدخلات العسكرية المباشرة في المناطق التي يظهر فيها إمكان للانفلات من الهيمنة. العراق، وسورية، وليبيا، واليمن، والسودان هي مسارح لهذه الحروب التي تدور رحاها على أشلاء الدولة الوطنية، والتي تحوِّل المجتمعات إلى فضاءات للاستنزاف المتبادل.
وهكذا، كلما شعرت الإمبريالية بأن تدفق القيمة مهدَّد، تلجأ إلى العنف المباشر لتأمين الوصول إلى الموارد. وكلما شعرت بأن قدرتها على تأمين هذا التدفق عبر الوسائل «السلمية» تتراجع، زادت وحشية ردِّها. ويسجِّل التاريخ أن للإمبريالية باعًا طويلًا في سرقة موارد الشعوب وقتل كل من يرفض الهيمنة. من سرقة ذهب وفضة سكان أمريكا الأصليين، مرورًا بنهب أفريقيا ومواردها البشرية والمادية، وصولًا إلى تدمير الكثير من الدول في غرب أسيا.
بمعنى آخر، ليست الهمجية التي نشهدها اليوم مرحلة جديدة في تاريخ الإمبريالية، بل هي لحظة انكشاف. الإمبراطورية لا تصبح أكثر وحشية؛ إنها فقط تصبح أكثر وضوحًا، وتُظهِر معدنها الحقيقي وقت الأزمات. وعي هذه الحقيقة هو شرط أساسي لفهم الصراعات المعاصرة، ليس كحوادث عشوائية في تاريخ البشرية، بل كتجلِّيات ضرورية لنظام عالمي وصل إلى مرحلة من التناقضات تجعل عنفه البنيوي مرئيًا على نحو متزايد.
خاتمة: الحرب ليست انحرافًا عن الإمبريالية،
بل لغتها الأصلية
في ضوء ما سبق، يتضح أن الإمبريالية الحديثة لا يمكن فهمها بوصفها نظامًا اقتصاديًا فقط، ولا بوصفها مشروعًا عسكريًا فقط، ولا بوصفها انحرافًا طارئًا عن مسار «طبيعي» للرأسمالية كان يفترض أن يكون سلميًا؛ الإمبريالية هي وحدة عضوية بين التراكم والعنف، بين المال والحرب، بين القانون والقصف، بين الإعلام والإبادة. هذه الوحدة ليست مصادفة، بل هي جوهر النظام: العنف ليس مجرد أداة تستخدمها الإمبريالية عند الضرورة، بل هو شرط وجودها واستمرارها.
من الهند إلى فلسطين، ومن الخدع المالية إلى التجميد العلني للأصول، ومن «الرسالة الحضارية» التي حملها المستعمر الأبيض إلى «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، يبقى المنطق واحدًا لا يتغير في جوهره: نقل القيمة من المستعمرات والدول الخاضعة إلى المراكز الاستعمارية، وضمان استمرار هذا النقل بالقوة عندما تفشل أدوات الشرعية والإقناع. كل ما يتغير هو الأشكال والوسائل، في حين يظل الجوهر على حاله: علاقة هرمية بين مركز مهيمن ومحيط خاضع، يُسمح فيه للمحيط بـ«التطور» فقط ما دام تطوره باقيًا في إطار التبعية.
لهذا فإن مقاومة الحرب لا تبدأ برفض القصف فقط، ولا تقتصر على الشعارات الأخلاقية المنددة بالعنف «من جميع الأطراف»، ولا تكتمل بمجرد المطالبة بـ«وقف إطلاق النار» أو «حل الدولتين». مقاومة الحرب، بمعناها العميق، تبدأ بفهم البنية التي تجعل القصف ضرورة اقتصادية وسياسية للنظام نفسه. إنها تبدأ بالكشف عن العلاقات الخفية بين ما يبدو منفصلًا: بين قرض من صندوق النقد الدولي وقنبلة على مستشفى، بين تجميد احتياطيات دولة وقصف مدرسة، بين «اتفاقية تجارة حرة» ومجاعة. إنها تبدأ، بكلمات أخرى، من الوعي بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في ظل نظام عالمي يقوم على النهب المنظم، وأن إنهاء الحرب يتطلب إنهاء الإمبريالية.
الحرب، إذًا، ليست فشل الإمبراطورية. الحرب هي الإمبراطورية عندما تتكلم بصراحة. وفي وجه هذه الصراحة القاتلة، تظل المقاومة – بكل أشكالها، من الصمود اليومي على الأرض إلى الكفاح المسلح، ومن المقاومة الثقافية إلى بناء البدائل الاقتصادية والسياسية – هي السبيل الوحيد لضمان الكرامة الإنسانية والخلاص من نير الاستعمار والعبودية. وكما أثبت التاريخ مرارًا، وكما تثبت غزة اليوم للعالم، فإن الإمبراطوريات مهما بلغت قوتها، تُهزم في النهاية أمام إرادة الشعوب التي ترفض الخضوع.
النصر للمقاومة.
كتب ذات صلة:
الاستشراق والهيمنة: الخطاب الكولونيالي والسيطرة على الشرق العربي
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 569 في تموز/يوليو 2026.
حسن بوكرين: أستاذ الاقتصاد والمالية، جامعة لورنتيان،
سودبري، أونتاريو – كندا.
[1] Utsa Patnaik, «Revisiting the «Drain», or Transfers from India to Britain in the Context of Global Diffusion of Capitalism,» in: Shubhra Chakrabarti and Utsa Patnaik, eds., Agrarian and Other Histories: Essays for Binay Bhushan Chaudhuri (Chennai, India: Tulika Books, 2017).
[2] Dipesh Chakrabarty, Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000).
[3] Patnaik, Ibid.
[4] Gaston Nievas and Thomas Piketty, «Unequal Exchange and North-South Relations: Evidence from Global Trade Flows and the World Balance of Payments 1800–2025,» World Inequality Lab, Working Paper 23 October 2025.
[5] Ali Kadri, The Accumulation of Waste: A Political Economy of Systemic Destruction, Studies in Political Economy of Global Labor and Work; 3 (Leiden: Brill, 2023).
[6] Francis Fukuyama, The End of History and the Last Man (New York: Free Press, 1992).
[7] Francis Fukuyama: «Socialism Ought to Come Back,» The New Statesman (17 October 2018), and Liberalism and Its Discontents (London: Profile Books Limited, 2022).
[8] Edgar Morin, «Horrors and Errors in the Land of Myths,» El Pais, 20/10/2023, <https://english.elpais.com/international/2023-10-20/horrors-and-errors-in-the-land-of-myths.html>.
[9] Ilan Pappé, Lobbying for Zionism on Both Sides of the Atlantic (London: Oneworld Publications, 2024).
[10] Rashid Khalidi, The Hundred Years’ War on Palestine: A History of Settler Colonialism and Resistance, 1917–2017 (New York: Metropolitan Books, 2020).
[11] Ilan Pappé: Lobbying for Zionism on Both Sides of the Atlantic, and The Ethnic Cleansing of Palestine (London: Oneworld Publications, 2006).
[12] Miko Peled, The General’s Son: Journey of an Israeli in Palestine (New York: Just World Books, 2012).
[13] Morin, «Horrors and Errors in the Land of Myths».
[14] Avi Shlaim, Genocide in Gaza: Israel’s Long War on Palestine (Belfast, Ireland: The Irish Pages Press, 2024).
[15] Edward S. Herman and Noam Chomsky, Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media (New York: Pantheon Books, 1988).
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



